لطالما اتبعت الشركات نهجًا معيبًا في إدارة المخاطر، لكن هناك بديلًا أفضل متاح بسهولة.
آدم بوريسون وجريجوري هام
من المعروف أنه خلال العقد الماضي، وخاصة في السنوات القليلة الأخيرة، انهارت عدد من أكثر الشركات احترامًا في العالم. وقد أرجع المحللون أسباب هذه الانهيارات إلى عوامل معروفة بالقدر نفسه، وهي «المشتبه بهم المعتادون»، مثل نماذج الأعمال غير القابلة للاستمرار، والجشع، والإدارة غير الكفؤة (والمبالغ في رواتبها)، والبيئة التنظيمية المتساهلة. ونادرًا ما يُذكر سبب أساسي آخر يبدو أنه يميز بشكل واضح بين الشركات التي انهارت وتلك التي لم تنهَر: وهو مدى شمول وعمق نهج هذه الشركات في إدارة المخاطر. كيفية إدارة المخاطر (بعد فشل إدارة المخاطر) قد يبدو أن إدارة المخاطر يمكن أن تكون سببًا رئيسيًّا (وإن لم يكن وحيدًا) أمرًا غير بديهي. فعلى سبيل المثال، كانت شركة أمريكان إنترناشيونال جروب (AIG) المتعثرة رائدة في إدارة المخاطر واحتفظت حتى بشركة تابعة لإدارة المخاطر. وقد تفاخر رئيسها التنفيذي السابق موريس آر. “هانك” غرينبرغ بأن لدى AIG “أفضل أقسام إدارة مخاطر في هذه الصناعة اللعينة”. وادعت شركة بير ستيرنز أن لديها “أفضل العمليات في فئتها لتحليل وإدارة… المخاطر”؛ بل حتى صحيفة نيويورك تايمز أشادت بسمعة الشركة “المصقولة بعناية في إدارة المخاطر السليمة”. وروجت فاني ماي، الجمعية الوطنية الفيدرالية للرهن العقاري، لـ”ثقافتها الائتمانية الممتازة وقدراتها في إدارة المخاطر”، وافتخرت شركة ليهمان براذرز بما سماه قادتها “ثقافة إدارة المخاطر على كل مستوى من مستويات الشركة”.
ومع ذلك، في هذه الشركات وغيرها من الشركات ذات “الثقافات” المماثلة، يبدو أن إدارة المخاطر أدت أداءً سيئًا للغاية. كيف يمكن أن يكون ذلك؟ نحن نرى أن الجواب يكمن في مفاهيم وممارسات إدارة المخاطر التقليدية، التي تميل إلى البحث عن المخاطر في الأماكن الخاطئة. أي أن الفشل لم ينجم فقط عن مجرد التظاهر بإدارة المخاطر أو تطبيقها بشكل سيئ، كما اقترح البعض. بل إن الانهيار كان نتيجة لتحمل مخاطر كبيرة للغاية تحت مظلة شعور زائف بالأمان من خلال نهج في إدارة المخاطر كان في الحقيقة معيبًا. وكلما كان الاعتماد على إدارة المخاطر التقليدية أكثر شمولًا، ازدادت المخاطر التي تم تحملها دون علم، وارتفعت فرص الكارثة المؤسسية.
تقترح هذه المقالة كيف يمكن معالجة أوجه القصور الرئيسية في إدارة المخاطر التقليدية من خلال تبني بديل أكثر تطورًا، وهو النهج البايزي.
ليس بالتاريخ وحده
لقد تطورت على مر السنين رؤيتان أساسيتان مختلفتان حول كيفية تقييم المخاطر؛ الرؤية الأولى، وتسمى الرؤية الموضوعية أو التكرارية: ترى أن المخاطر خاصية موضوعية للعالم المادي، وأن لكل نوع ومستوى من المخاطر هناك احتمال حقيقي، تمامًا كما أن هناك رقمًا ذريًّا حقيقيًّا للأكسجين. ويتم الحصول على هذه الاحتمالات من بيانات تاريخية متكررة، مع بعض الأمثلة الكلاسيكية (غالبًا لأغراض تعليمية) مثل رمي العملة، ورمي النرد، وأنماط الطقس. وبناءً على مثل هذه البيانات، قد يقول التكراري إن احتمال أن تظهر وجه العملة عند رمي عملة تبدو عادية، بعد توثيق نتائج عدد كبير من الرميات، هو 0.5؛ أو أن احتمال أن تصل درجة الحرارة إلى 95 درجة في 4 يوليو 2011م في نيويورك، بناءً على السجل المناخي الواسع، هو 0.3.
أما الرؤية الثانية فتسمى الرؤية الذاتية أو البايزية (نسبة إلى القس توماس بايز، عالم الرياضيات الإنجليزي الذي قدم إسهامات كبيرة في هذا النهج في القرن الثامن عشر). ويرى البايزيون أن المخاطر هي جزئيًّا حكم يصدره المراقب، أو خاصية لعملية الملاحظة، وليست فقط وظيفة للعالم المادي. أي أن البيانات التاريخية المتكررة تُستكمل أساسًا بمعلومات أخرى.
وعلى الرغم من أن الحالات الكلاسيكية مثل رمي العملة تظهر غالبًا في السياق التكراري، إلا أنه يمكن استخدامها أيضًا لمقارنة الرؤيتين التكرارية والبايزية. على سبيل المثال، افترض أن ساحرة أخرجت عملة تبدو عادية من جيبها، وسمحت لك برميها عشر مرات، وظهرت وجه العملة في خمس من تلك المرات، ثم تقترح عليك رهانًا بناءً على رمي العملة مرة أخرى وظهور الوجه. ما هو الاحتمال الذي تعطيه لهذا الحدث؟ التكراري يعتمد على البيانات “التاريخية” لهذه العملة (وكذلك أي عملة عادية أخرى) ويعطي احتمالًا قدره 0.5. أما البايزي فيأخذ في الاعتبار البيانات، وكذلك حكمه على ذكاء الساحرة وموثوقيتها وحالتها المالية. وقد يعطي احتمالًا يختلف كثيرًا عن 0.5 وربما يصل إلى 1.0. وقد يعطي مراقب آخر احتمالًا مختلفًا تمامًا، بناءً على أحكام أخرى.
ويمكن تقديم حجة مماثلة فيما يتعلق بأنماط الطقس، حتى عندما تتوفر بيانات تاريخية متكررة كثيرة. فعلى سبيل المثال، بينما قد يشير السجل المناخي لعقود عديدة إلى التكراري أن احتمال أن تصل درجة الحرارة إلى 95 درجة في مدينة نيويورك في 4 يوليو 2011م هو 0.3، فإن البايزي الذي يأخذ في الاعتبار تحليل الاحتباس الحراري قد يعطي احتمالًا أكبر من 0.3. في كلتا الحالتين، السجل التاريخي للعالم المادي هو نفسه، لكن الاحتمالات المختلفة تعكس أحكامًا متباينة حول حاضر ذلك العالم ومستقبله.
على الرغم من أن النظرة البايزية مقبولة جيدًا في بعض الأوساط، إلا أنها لم تتغلغل في عالم إدارة المخاطر. فقد تبنّت إدارة المخاطر التقليدية بدلًا من ذلك النظرة التكرارية، رغم ما فيها من ثلاث نواقص جوهرية وكبيرة؛ أولًا، تعتمد اعتمادًا مفرطًا على البيانات التاريخية وتؤدي أداءً ضعيفًا عند معالجة القضايا التي تفتقر إلى بيانات تاريخية أو تكون البيانات فيها مضللة. ثانيًا، لا تفسح النظرة التكرارية مجالًا يُذكر ولا دورًا رسميًّا صارمًا للحكم المبني على الخبرة والمعرفة. وثالثًا، تُنتج شعورًا زائفًا بالأمان، بل أحيانًا شعورًا بالرضا لأنها تشجع العاملين على الاعتقاد بأن أفعالهم تعكس حقيقة علمية. إن كثيرًا من أهم قرارات الشركات وأكثرها مخاطرة والتي غالبًا لا تندرج ضمن النموذج التكراري الضيق تُتخذ دون الاستفادة من المنهج البايزي الأكثر تطورًا وشمولًا.
ربع استثنائي
تُعد قيمة المخاطرة (VaR)، والتي يمكن القول إنها جوهر إدارة المخاطر التقليدية، مثالًا جيدًا على محدودية النظرة التكرارية، وخصوصًا اعتمادها المفرط على البيانات التاريخية. إن الفكرة الأساسية وراء قيمة المخاطرة هي حساب الخسارة المحتملة خلال فترة زمنية محددة وغالبًا ما تكون يومًا واحدًا. وبذلك يمكن وضع ضوابط للحد من هذه الخسارة إلى مستوى مرغوب فيه. على سبيل المثال، إذا حددت الشركة خسارة يومية قدرها 15 مليون دولار كحد أقصى يجب تحمله، وكان الربع الرابع على وشك البدء، فما احتمال تجاوز هذه الخسارة خلال تلك الفترة؟
وباستخدام بيانات من نحو 200 تجربة يومية خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2008م، يُمثل التكراري نطاق العوائد اليومية كتوزيع طبيعي بمتوسط قدره مليون دولار وانحراف معياري (أو تقلب) مقداره 5 ملايين دولار. استنادًا إلى ذلك، فإن احتمال خسارة يومية تزيد عن 15 مليون دولار ضئيل للغاية، وأقل بكثير من 0.1%. وهو حدث نادر الحدوث، أقل من مرة واحدة في الألف. أما احتمال خسارة يومية تزيد عن 25 مليون دولار فهو ضئيل للغاية.
أما المنهج البايزي، فعلى العكس من ذلك، ينظر إلى العائد اليومي، شأنه شأن جميع المخاطر، باعتباره مسألة حكم يُستند فيه إلى البيانات التاريخية المتكررة دون أن يُقتصر عليها. ويُقر البايزي صراحة بأن البيانات التي أظهرت تقلبًا قدره 5 ملايين دولار خلال ثلاثة أرباع (أو أكثر) لا تعني بالضرورة أن المستقبل سيكرر الماضي على وجه اليقين. فقد يكون هناك تأثير غير عادي لنهاية العام أو قوى اجتماعية واقتصادية أخرى (أكبر بكثير) تؤثر في الأمر.
ورغم أن البيانات التاريخية المتكررة التي تدعم هذه الظواهر الأوسع قد تكون قليلة أو معدومة، إلا أن البايزي يستطيع أن يكمم حكمه. فعلى سبيل المثال، قد يرى المحلل ظاهرتين متنافستين: تدهور أوضاع السوق قد يؤدي إلى زيادة التقلب في الربع الرابع، وربما مضاعفته، في حين أن السياسات التنظيمية الجديدة قد تؤدي إلى تقليل التقلب. ولنقل إن البايزي يُخصص احتمالًا نسبته 30% لبقاء التقلب دون تغيير خلال الربع الرابع، و30% لاحتمال أن يتضاعف إلى 10 ملايين دولار، و40% لاحتمال أن ينخفض إلى النصف ليصبح 2.5 مليون دولار.
وكما هو متوقع، فإن الجمع بين هذه المعلومات الذاتية وبيانات التكرار بطريقة سلسة يؤدي إلى توزيع موسع أكثر من ذلك المستند إلى البيانات وحدها. ومن هذا التوزيع، يحدد البايزي أن احتمال خسارة يومية تزيد عن 15 مليون دولار يقارب 2.0% أي أكثر من عشرين ضعف احتمال المنهج التكراري وأن احتمال خسارة يومية تزيد عن 25 مليون دولار صغير لكنه غير معدوم. (وقد طُرحت فكرة المنهج البايزي لقيمة المخاطرة لأول مرة عام 1997م وتبعتها دراسات في عامي 2000م و2004م، لكنها لم تلقَ رواجًا يُذكر حتى الآن. ويُعد كتاب المحلل المالي ريكاردو ريبيوناتـو “محنة العرّافين: لماذا نحتاج لإدارة المخاطر المالية بشكل مختلف” الصادر عام 2007م من الكتب القليلة في إدارة المخاطر التي توصي بإعطاء أهمية أكبر للمنهج البايزي.)
ومن الجدير بالذكر أن زيادة احتمال الخسارة وفق المنهج البايزي ليست لأن البايزي يظن أن الأمور ستزداد سوءًا، بل لأن هذا المنهج يُعبّر رسميًّا وبشكل دقيق عن إدراكنا المحدود للعالم والدور المهم لكنه غير حصري الذي تلعبه بيانات التكرار في هذا العالم. إن النظرة البايزية تفسح المجال للحكم، وتكمم هذا الحكم لتدمجه مع البيانات على قدم المساواة، وتعترف بعدم اليقين الذي لا مفر منه.
إن الخسائر اليومية الفعلية للربع الرابع من عام 2008م، مع حدود الخسارة بنسبة 99.9% لكل من المنهجين، ستكون خمسة عشر مليون دولار للمنهج التكراري وسبعة وعشرين مليون دولار للمنهج البايزي. إذا كان هذا الحد دقيقًا، فيجب أن تكون هناك فرصة واحدة من بين ألف لتجاوزه في أي يوم من الأيام. ومع وجود حوالي خمسين “محاولة” في الربع الرابع، نتوقع ألا يتم تجاوز هذا الحد خلال تلك الفترة إطلاقًا. ولكن، كما نعلم الآن، كان الربع الرابع من عام 2008م فترة مضطربة جدًّا. فقد نمت الخسائر بشكل كبير وكانت أكثر اتساقًا مع الرؤية البايزية منها مع الرؤية التكرارية. تم تجاوز الحد التكراري خمس عشرة مرة، بينما حتى الحد البايزي الأكبر تم تجاوزه ست مرات. وبالطبع، تم تطوير هذا المثال لإيضاح أن الرؤية البايزية أكثر شمولية وواقعية. ولكن، وعلى الرغم من البناء الاصطناعي، نعتقد أن الاستنتاج الأوسع يبقى صحيحًا. إن إدارة المخاطر المبنية على واقع الحكم المدعوم بالبيانات المتاحة أفضل من إدارة المخاطر المبنية على وهم الحقيقة.
أنماط هطول الأمطار المتغيرة؟
يوفر الطقس مثالًا آخر لمقارنة المنهجين التكراري والبايزي في تقييم المخاطر، ولتسليط الضوء على تكامل البيانات والحكم في المنهج البايزي؛ لنفترض وجود شركة يعتمد نجاحها، وربما حتى وجودها، على هطول الأمطار. قد تكون هذه الشركة موردًا لمياه الشرب، أو مرفقًا للطاقة يعتمد على الطاقة الكهرومائية، أو عملية زراعية، أو مؤسسة مالية لديها استثمارات تعتمد على هطول الأمطار. لنفترض أن ألف مليمتر هو مستوى حرج من هطول الأمطار لهذه الشركة؛ أي أنها تحتاج إلى سنة يبلغ فيها الهطول ألف مليمتر على فترات منتظمة، ويفضل أن يكون ذلك كل خمس إلى عشر سنوات على الأقل. كيف يمكننا تقييم خطر عدم تلقي هذا المستوى من الهطول في المستقبل؟
يركز المنهج التكراري بالكامل على البيانات، ويطبق عادةً تراكيب إحصائية مقبولة جيدًا. في هذا المثال، يمكن مطابقة نمط هطول الأمطار بتوزيع طبيعي بمتوسط 880 مليمتر وانحراف معياري قدره 166 مليمتر. ووفقًا لهذا التوزيع، فإن احتمال هطول أكثر من ألف مليمتر في أي سنة هو حوالي 23%. واحتمال عدم الحصول على هطول ألف مليمتر لمدة خمس سنوات هو (1.0 – 0.23)^5 أو حوالي 27%؛ ولمدة عشر سنوات، حوالي 7%؛ ولثلاثين سنة بين 1976م و2005م، أقل من 0.04%، أو واحدة من بين 2500. وبناءً على هذا التقييم التكراري للمخاطر، يمكن القول إن خطر هطول الأمطار منخفض جدًّا.
أما المنهج البايزي فيجمع كعادته بين البيانات المتاحة والأحكام المتعلقة بالقضايا الأوسع نطاقًا. في هذا المثال، القضية الأوسع الأكثر أهمية هي التأثير المحتمل لتغير المناخ على هطول الأمطار وهو موضوع محل جدل ونقاش كبيرين، وقد يبدأ البايزي بتقييم رسمي لحكم الخبراء بشأن هذا التأثير.
وبما يعكس قدرًا كبيرًا من عدم اليقين، يقدر خبيرنا أن تأثير المناخ على هطول الأمطار يتراوح بين انخفاض قدره 200 مليمتر سنويًّا وزيادة قدرها 100 مليمتر سنويًّا. وبدمج هذا التقييم الخبروي مع البيانات التاريخية، نحصل على توزيع لهطول الأمطار السنوي أوسع وأقل من التوزيع التاريخي وحده. وتحديدًا، يصبح المتوسط 830 مليمتر والانحراف المعياري 200 مليمتر. في ظل هذه الظروف، ينخفض احتمال هطول أكثر من ألف مليمتر في أي سنة إلى حوالي 16%، ما يعني أن احتمالات عدم الحصول على سنة هطول ألف مليمتر خلال أي فترة زمنية معينة تختلف كثيرًا عن الحالة التكرارية: حوالي 42% لخمس سنوات، و17% لعشر سنوات، و0.5% لكل الثلاثين سنة بين 1976م و2005م. إن خطر هطول الأمطار الأخير الذي أشار إليه المنهج البايزي منخفض، لكنه ليس منخفضًا كرقم واحد من 2500 المعتمد فقط على البيانات التاريخية. في الواقع، هذا الاحتمال يزيد بأكثر من عشرة أضعاف.
وكما اتضح، كانت معدلات هطول الأمطار السنوية الفعلية خلال الفترة من 1976م إلى 2005م أقل بكثير من معدلات المئة سنة السابقة. فلم تكن هناك سنة واحدة بهطول يزيد عن ألف مليمتر خلال تلك الثلاثين سنة. وبلا شك، تم اختيار هذا المثال، كما المثال الأول، لإيضاح وجهة النظر. وليس من المستغرب أن يبدو التقييم البايزي أكثر شمولية وواقعية. ومع ذلك، نعتقد، كما من قبل، أن الاستنتاج الأوسع يبقى صحيحًا. إن تقييم المخاطر من خلال الدمج الرسمي بين البيانات والحكم يؤدي إلى نتائج أكثر فائدة.
التعلم، ثم التكيف، باستمرار
هناك قيد آخر لإدارة المخاطر التقليدية أي المنهج التكراري لا يتعلق كثيرًا بكيفية تعريف المخاطر أو قياسها، بل بكيفية الوقاية منها أو التخفيف من حدتها. ولأن تقييم المخاطر يتم فقط من خلال السجل التاريخي، وهذا السجل يتغير تدريجيًّا وبشكل دقيق، فإن النشاط الإداري في السياق التقليدي يكون ثابتًا إلى حد كبير أو جامدًا. فهو يتكيف ببطء شديد وبشكل طفيف، إن حدث ذلك أصلًا. ويتم جمع بيانات التكرار التاريخية لإثبات “الحقائق”. ومع وجود الحقائق، يتم وضع قواعد واسعة النطاق وتطبيق ضوابط. وتبقى هذه الضوابط في الأساس دون تغيير حتى حدوث فشل خطير أو كارثة، وعندها يكون الوقت قد فات. وهذه عملية جامدة، ولا يوجد فيها نظام طبيعي لرصد مجموعة واسعة من الأحداث المحتملة ذات الصلة، أو تطوير رؤى من تلك الأحداث، أو التكيف استجابة لها.
على النقيض من ذلك، يؤدي المنظور البايزي بشكل طبيعي إلى تعديلات في نشاط إدارة المخاطر ذاته. إذ إن تقييم المخاطر البايزي يجمع بين البيانات والأحكام، ومنطقه الأساسي يوفر وسيلة مدمجة وصارمة لتحديث التقييمات مع وصول بيانات جديدة أو ظهور أحكام جديدة. وبالقدر نفسه من الأهمية، فإنه يوفر وسيلة طبيعية لتعديل نشاط إدارة المخاطر استجابة لهذا التعلم.
تُعد أسعار السلع الأساسية، مثل تلك المتعلقة بالنفط، مثالًا جيدًا على التباين بين هذين المنظورين فيما يتعلق بجزء الإدارة الفعلية لإدارة المخاطر. كان النمط متقلبًا، لا سيما في السنوات الأخيرة. لنفترض وجود شركة مهتمة بتقليل تعرضها لهذا التقلب. النهج التكراري المعتاد هو جمع أكبر قدر ممكن من بيانات أسعار النفط ومعايرة نموذج لسلوك الأسعار. يمكن أن يكون النموذج بسيطًا، مثل الحركة البراونية الكلاسيكية، أو متقدمًا، مثل عملية أورنشتاين-أولنبيك العائدة إلى المتوسط. وبناءً على النموذج المختار، تقدر الشركة تقلبات وتعرضات المستقبل، ثم تنفذ استراتيجية التحوط المناسبة.
أما النهج البايزي فيستخدم ليس فقط البيانات التاريخية لأسعار النفط، بل يستوعب أيضًا الأحكام المتعلقة بالعوامل الأساسية التي تقودها. وعلى وجه الخصوص، قد يعتقد البايزي أن الأسعار تتأثر على المدى الطويل بمحركين هيكليين رئيسيين؛ الظروف الاقتصادية العالمية، وسياسات المناخ. ومع اكتساب المعلومات حول هذه المحركات، ستتغير الأحكام المتعلقة بمخاطر أسعار النفط، مما يؤدي تلقائيًّا إلى تعديل استراتيجية التحوط. تبدأ الشركة باستراتيجية تحوط لعام 2010م بناءً على البيانات التاريخية وأحكامها بشأن الوضع المستقبلي. ثم يتم الكشف عن بعض الأحكام المستقبلية، وهي الظروف الاقتصادية لعام 2010م، وسياسات المناخ وسعر النفط. وتستخدم معلومات عام 2010م هذه لتحديث الأحكام بشأن عام 2011م حول الظروف الاقتصادية وسياسات المناخ وسعر النفط. ثم تعدل الشركة استراتيجية التحوط لعام 2011م بناءً على الوضع المكشوف لعام 2010م والحكم المحدث لعام 2011م. وسيتم لاحقًا الكشف عن الوضع الفعلي لعام 2011م أيضًا، ويمكن تعديل استراتيجية التحوط لعام 2012م بالمثل استجابة لذلك. وتستمر عملية التحديث والتعديل حتى عام 2013م وما بعده.
ومرة أخرى، يتبين أن النهجين التكراري والبايزي مختلفان اختلافًا جوهريًّا. فالنهج التكراري يعتمد على قدر كبير من البيانات التاريخية. ولا يتكيف إلا ببطء مع الظروف المتغيرة، ويجب فرض هذه التعديلات، مهما كانت، على عملية إدارة المخاطر. أما النهج البايزي فيلتقط كلًّا من البيانات والأحكام. ويتكيف بسرعة مع الظروف المتغيرة، وكذلك مع تطور الأحكام. وهو بطبيعته ديناميكي، فالتعلم والتعديل داخليان وتلقائيان.
أفسحوا المجال للبايزيين
إن الرأي التكراري القائل بأن القرارات يجب أن تستند فقط إلى الحقائق المستمدة من البيانات التاريخية المتكررة وليس إلى البيانات المكملة بالأحكام المستمدة من الخبرة والمعرفة يمكن ربطه بأخطاء الشركات الفاشلة وانهيارها اللاحق.
لماذا هذا التمييز بين الحقيقة وحدها وبين الحقيقة مضافًا إليها الحكم مهم جدًّا؟ أولًا، لأن منظور الحقيقة وحدها لا يوفر إرشادًا فعالًا في القضايا، وغالبًا ما تكون الأكثر تأثيرًا، حيث لا توجد بيانات تكرارية أو تكاد تكون معدومة. إنها حالة كلاسيكية لفقدان المفاتيح حيث الظلام، لكن البحث عنها تحت مصباح الشارع لأن الضوء هناك أفضل بكثير. ثانيًا، لأن الثقة غير المحدودة في البيانات التاريخية حتى وإن كانت كثيرة تؤدي إلى الإفراط في الثقة والمخاطرة الزائدة. وأخيرًا، لأن نظامًا يستند فقط إلى الحقيقة التاريخية لا بد أن يتخبط من أزمة إلى أخرى.
إن المنظور البايزي يوفر نتائج أكثر دقة وقوة. فهو يدرك أن المخاطر مسألة بيانات وحكم معًا، ويستخدم هذا المزيج بطريقة صارمة لتحديد المخاطر وتقييمها وإدارتها. وعندما توجد بيانات كثيرة وذات صلة، تلعب هذه المعلومات دورًا مهيمنًا، مع أن دمج الحكم يوفر تحسينًا كبيرًا على النهج التقليدي. وعندما تكون البيانات ذات الصلة قليلة أو معدومة، يلعب الحكم دورًا مهيمنًا، مما يوفر قيمة في ظل ظروف تتجاوز نطاق النهج التقليدي.
ومع النهج البايزي، يمكن قياس المخاطر كميًّا، بغض النظر عن كمية وجودة البيانات. وبدلًا من التركيز بالكامل على العالَم المشاهَد، يعكس تقييم المخاطر البايزي أيضًا اتساق وموثوقية ودقة المراقب. إن إدراك الدور المهم، وأحيانًا المحوري، للحكم يمكن أن يؤدي إلى سلوك أكثر عقلانية وواقعية إلى حد كبير لأننا ندرك أن الحكم ليس كاملًا ويمكن تحسينه مع اكتساب مزيد من الخبرة.
ولا شك أن الحصول على الاحتمالات من الأحكام الذاتية بدلًا من بيانات التكرار يتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر. فالتحيزات المعرفية (غير المقصودة) والدافعية (المقصودة) الكامنة وراء الحكم الاحتمالي معروفة جيدًا. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما يبدي الأفراد ثقة مفرطة في تقييماتهم الاحتمالية، أي أن التوزيعات تكون ضيقة جدًّا. وهناك أيضًا تحيزات موثقة جيدًا تتعلق بإعطاء وزن مفرط للمعلومات المتاحة بسهولة وسهلة التذكر. ولحسن الحظ، يمكن للتقنيات الراسخة والناشئة لترميز الاحتمالات، مثل تلك القائمة على مقابلات الخبراء و”أسواق التوقع”، أن تقلل من هذه التحيزات.
إن قصور النظرة التكرارية من ضيق التفكير، وعدم الاستعداد لقبول إمكانية الخطأ، وعدم القدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة قد لعب دورًا بارزًا في الانهيارات المالية الأخيرة. فقد واصلت شركات مثل “سيتي غروب” و”ميريل لينش” زيادة تعرضها للرهن العقاري عالي المخاطر حتى مع تراكم الأدلة على تدهور سوق الإسكان: “في السنوات الأولى من ازدهار سوق الإسكان، كانت معدلات التخلف عن السداد لجميع القروض العقارية منخفضة بشكل غير معتاد. وقد دفع ذلك المصرفيين والأهم من ذلك، وكالات التصنيف الائتماني إلى بناء افتراضات غير واقعية حول معدلات التخلف المستقبلية في نماذج التقييم الخاصة بهم.” وفي هذه الشركات، تم تجاهل إشارات التحذير المبكرة ولم يتم تعديل معدلات التخلف غير الواقعية حتى أصبح الأوان قد فات.
ومع النظرة البايزية، قد لا تكون مثل هذه المشكلات قد أُزيلت بالكامل، لكنها كان من الممكن أن تُقلَّص بشكل كبير من خلال تقييم أكثر شمولية وواقعية للمخاطر وإدارة أكثر ديناميكية وتكيفًا لها. ويتم اتخاذ العديد من التدابير للتعافي من الانهيارات وبناء نظام أكثر صلابة يمنع الأزمات المستقبلية ويجب أن يكون التحول من إدارة المخاطر التقليدية إلى إدارة المخاطر البايزية جزءًا من هذا الجهد.
المراجع:
1. A. Gomstyn, “Former AIG CEO Greenberg Defends Reputation,” March 16, 2009, http://blogs.abcnews.com; “Bear Stearns Names Michael Alix Chief Risk Officer and Robert Neff Deputy Chief Risk Officer,” Business Wire, February 3, 2006; L. Thomas Jr. “Bear Stearns Chief Weathers the Storm,” New York Times, June 29, 2007; Federal National Mortgage Association, “Fannie Mae’s Marzol to Lead Company’s Strategy and Competitive Analysis Group,” press release, August 26, 2004; and Lehman Brothers, “Annual Report,” 2.
2. G.A. Holton, “Subjective Value at Risk,” Financial Engineering News 1 (August 1997): 1, 8-9, 11; K. Dowd, “Estimating Value at Risk: A Subjective Approach,” Journal of Risk Finance 1, no. 4 (2000): 43-46; and T.K. Siu, H. Tong and H. Yang, “On Bayesian Value at Risk: From Linear to Nonlinear Portfolios,” Asia-Pacific Financial Markets 11, no. 2 (2004): 161-184.
3. R. Rebonato, “Plight of the Fortune Tellers: Why We Need to Manage Risk Differently” (Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 2007).
4. A. Tversky and D. Kahneman, “Judgment Under Uncertainty: Heuristics and Biases,” Science 185, no. 4157 (September 27, 1974): 1124-1131.
5. See, for example, C.S. Spetzler and C.-A.S. Stael Von Holstein, “Probability Encoding in Decision Analysis,” Management Science 22, no. 3 (November 1975): 340-358.
6. See, for example, J. Wolfers and E. Zitzewitz, “Prediction Markets,” Journal of Economic Perspectives 18, no. 2 (spring 2004): 107-126.
7. S. Tully, “Wall Street’s Money Machine Breaks Down,” Fortune, Nov. 26, 2007, 64.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




