كتبه: آلان جاي ليفينوفيتز | ترجمة: آية علي
ما تحتاج معرفته
الطقوس ليست مجرد تقاليد جامدة وعتيقة
عندما قرأت كونفوشيوس لأول مرة، شعرت بخيبة أمل. بدا لي كشخص محافظ ومتعنّت، ومهووس بفرض الوضع الراهن. من ذلك مثلا أنه تذمّر لتلاميذه قائلا: «أما بالنسبة للموسيقى، فاستمعوا لشاو وو فقط، وامتنعوا عن ألحان شينغ.»
أهذا هو الحكيم العظيم من الصين القديمة، الذي جاب البلاد مُحاضِرًا التلاميذ والحُكّام حول الآليّة المُثلى للعيش؟ ربما كان نهجه فعالا منذ 2500 عام، لكن بالنسبة إليّ، في القرن الحادي والعشرين؟ لقد فضّلتُ العيش بحرية على غرار الحكماء الطاويين المتمردين على الرموز الذين سخروا من كونفوشيوس.
تمحورت تعاليم كونفوشيوس حول الخضوع للـ «لي» (禮)، والذي يترجم في العادة إلى «طقوس Ritual»، وقد تجاهلتها باعتبارها تمسكًا متعنتًا بتقاليد قديمة. لكن في وقت لاحق، وفي أثناء إعدادي لدورة حول الفكر الصيني الكلاسيكي، أعدّتُ قراءة المجموعة الأساسية لتعاليم كونفوشيوس المعروفة باسم «تعاليم كونفوشيوس أو المختارات The Analects».
كان الأمر مُلهِمًا؛ إذ كانت الاقتباسات المتداولة منها، كتلك المتعلقة بالموسيقى، تضليلية للغاية. لم يكن الـ «لي» مجرد امتثال صارم لقواعد متوارثة غير محببة.
كلا، بل كان نوعا مختلفا من الطقوس. كان فهمي المباشر والافتراضي للكلمة مُضلّلا لي . ما علّمه كونفوشيوس كان «الحياة باعتبارها تقليدا»، أي تحويل الأفعال اليومية إلى نشاطٍ مُقدّس. ويتساءل ببلاغة: «عندما نقول “الطقوس، الطقوس”، هل نتحدث عن أحجار اليشم وعن الحرير؟» والجواب هو لا. تتجاوز الطقوس الكونفوشية الأنشطة المنظمة التي تتطلب الاستخدام الملائم لأحجار اليشم والحرير، فالطقس هو – أو يمكن أن يكون- جزء من كل نشاط إنساني. إنه يحكم التحايا والمحادثات. إنها الطريقة التي تنسجم بها حياتك مع إيقاعات العالم. وفي حال أخذت الطقوس على محمل الجد، وخضعت لها ومارستها، فستصبح مهمة تغيير حياتك للأفضل مُهمّة يسيرة.
محور الطقوس: الإجلال
أحد أول الأمور التي غيرتها باستخدام الطقوس الكونفوشيوسية كانت علاقتي بهاتفي. كنت، وعلى غرار الكثير من الناس، ميالا إلى التحقق من هاتفي باستمرار. كنت أفعل ذلك خلال القيادة عندما أشعر بالملل مثلا في أثناء الاستماع إلى قصة ترويها ابنتي ذات التسع سنوات، أو خلال التنزّه، أو في أي مكان. كنت أعلم أنه لا يجدر بي فعل ذلك، ولكنني فعلته على أية حال، وكانت النتائج فظيعة: اصطدام وشيك بأحد المارة، وابنة شعرت بعدم اهتمامي بها، ونزهة سيئة.
رغم ذلك، وفي سياقات معينة، كان عدم التحقق من هاتفي أمرا سهلا، إذ لم أخرجه مطلقا في أثناء تدريسي للصف للتحقق من تويتر مثلا، لماذا؟ لأن القيام بذلك لا يتلائم والطقوس، وقد أخذت ذلك على محمل الجد.
إن اعتناق الطقوس الكونفوشيوسية يعني التعامل مع جميع السياقات بالطريقة التي أتعاملُ بها مع فصلي الدراسي؛ كمساحات مقدسة لها إيقاعاتها وأنماطها الخاصة. وقيادة السيارة ليست بالوقت الملائم للتحقق من هاتفي. ينطبق الأمر ذاته على التحدث مع ابنتي أو خلال رحلات التنزّه الطويلة. وبمجرد أن بدأت في التعامل مع تلك السياقات بما تستحقه من احترام وإجلال – بمجرد أن خضعت للطقوس- بات من السهل عليّ مقاومة جاذبية التحقق من هاتفي.
لقد اهتم كونفوشيوس اهتمامًا عميقًا بالتطبيق العملي لتعاليمه. «أن تتعلم ثم تُتاح لك الفرصة لتطبيق ما تعلّمته – أليس هذا مُرضيًا؟» يتساءل كونفوشيوس في السطر الأول من «المُختارات». يكمن الاختبار الحقيقي للـ «لي» في معرفة ما إذا كان فعّالا في حياتك. بالنسبة لي، فقد اجتاز اختباري، وأعتقد أن ذلك يرجع إلى أن كونفوشيوس، ومنذ أكثر من ألفي عام، قد اكتشف مبادئ عالمية ما زالت -وعلى العكس من ذوقه في الموسيقى- سارية حتى اليوم.
هل الخضوع للطقوس سيكون فعالا بالنسبة إليك؟ الطريقة الكونفوشية لاكتشاف ذلك هي من خلال التعلم ثم إيجاد فرصة للممارسة والتطبيق.
أمعن التفكير
كل شيء بمثابة طقس
تصف المختارات العديد من الممارسات التي تتماشى مع المفهوم العام للطقوس، مثل الحداد اللائق وكيفية احترام الضيوف. غالبًا ما كانت التوجيهات محددة: «عند حضوره احتفالات الشرب في القرى، لم يكن (كونفوشيوس) يغادر إلا بعد مغادرة الشيوخ».
لكن هناك مقتطفات أخرى تصف نسخة أشمل من الطقوس، مثل: «لا تنظر إلا إذا كانت نظرتك تتماشى مع الطقس، ولا تستمع إلا إذا كان استماعك يتماشى مع الطقس، ولا تتحرك إلا إذا كانت حركتك تتماشى مع الطقس».
إنّ ما قد يبدو وكأنه وصفة للعصابية إنما هو في الواقع بيان ثوري حول النطاق الشامل للطقوس. فكّر في التوقيت الملائم، والذي يعد عنصرًا أساسيًا في الطقوس والشعائر المعروفة: أنت لا تغني في الكنيسة إلا في الوقت المحدد والمناسب. بالنسبة لكونفوشيوس، فالتوقيت عنصر رئيس في جميع الأنشطة. «أن تتحدث عندما لا يكون وقت الحديث قد حان بعد، يسمى تسرّعا، وألا تتحدث عندما يحين وقت الحديث، يسمى تحفّظا». قد تتسرع أحيانا في قول شيء ما بدلا من أن تنتظر انتهاء صديقك من الحديث. لم تتعامل مع إيقاع المحادثة باعتباره مقدسا. لقد انتهكت الطقس الكونفوشيوسي، وماذا يحدث؟ يثور صديقك لأنك قاطعته.
الإيقاعات والأنماط موجودة في كل مكان، وكذلك إمكانية التناغم معها. في مقتطف لافت للنظر، يتسبب كونفوشيوس وتلامذته في إفزاع أحد طيور الدرّاج، فيطير ثم يحط على شجرة، ليصدح كونفوشيوس بقوله: «يا لتوقيته المناسب! يا لتوقيته المناسب!»
وهذه استجابة مُحيّرة. كيف لطائر أن يتمتع بتوقيت مناسب؟ ولماذا تختتم هذه الحكاية فصلًا مُخصّصًا للطقوس العامة، مثل استقبال الضيوف؟
يتفكك اللغز من خلال إدراك أن كل الأشياء مليئة بالإيقاعات؟
«ما الذي قد تقوله السماء؟» يتأمّل كونفوشيوس. «لكن الفصول الأربعة تتعاقب، وهناك، تجد زخمها». بحسب الإصحاح الثالث من سفر الجامعة، فهناك وقت لكل شيء: وقت للصمت، ووقت للحديث، وفصل لكل نشاط في هذا العالم.
وعلى نحو ما يرتجل الموسيقيون المهرة في تناغم تام مع بعضهم بعضًا، بوسعنا نحن كذلك العزف بتناغم مع العالم. هناك مساحة للحرية في هذه المعزوفة. وهناك طرائق لا تعد ولا تحصى لإجراء محادثة جيدة، ومزايا لا حصر لها للطبيعة يمكن التركيز عليها في أثناء التنزه. لكن، وكما سيخبرك أي موسيقي، فإنتاج موسيقى مذهلة يتطلب كذلك الخضوع للقيود. التناغم عملية تعاونية، والتعاون يعني احترام شركائك، ونمط رغباتهم، وإسهاماتهم.
إن اتباع الطقس الكونفوشي يعني التشارك مع العالم في نشاط «العيش» المُقدّس، وهذا يعني أخذ القيود على محمل الجد عوضًا عن الامتعاض منها أو تجاهلها. والقيام بهذا أمر ممتع، لا مرهق، تمامًا كما أن العزف في تناغم مع زملائك الموسيقيين أفضل من محاولة التفوق عليهم خلال العزف. تأتي الطقوس الملائمة تلقائيا بالممارسة الكافية، ويصبح التناغم أمرًا سهلًا، فـ «عندما يتعلق الأمر بممارسة الطقوس، فإن اليُسر المتسم بالتناغم [he ( 和)] هو ما ينبغي علينا تقديره».
الطقوس أفضل حتى من العادات الجيّدة
القول بأن الطقوس عمل يخلو من المجهود -المصطلح الصيني هو وو وي (無為) (أي: فعل عدم اتخاذ أي إجراء)- قد يجعله يبدو أشبه بالعادة. العادات الجيدة (والسيئة) هي أفعال انعكاسية سهلة تُنمى من خلال التكرار. لكن هناك مشكلة خطيرة بخصوص هذا التشبيه، وهو أن العادات صعبة التغيير. إنها غير مرنة. إذا كنت مُعتادًا على تحيّة الناس من خلال مصافحتهم مثلًا، فإنّ عدم مصافحة الناس في أثناء جائحة كوفيد-19 كان عملًا يتطلب جهدًا كبيرًا في البداية. كانت تلك عادة لا بد من تغييرها.
من هذا المنطلق، فإن الطقوس أشبه بالموسيقى المرتجلة أو الأداء الرياضي. لا يعزف عازفو الجاز المنفردون وفقًا للعادات الصارمة. إنهم يتكيفون مع مزاج زملائهم في الفرقة ومع المزاج العام للأمسية. ينطبق الأمر ذاته على الرياضيين المهرة، والذين يتكيفون مع منافسين مختلفين في ظروف مُتغيّرة. إن اللعب بالطريقة ذاتها المبنية على العادة سيكون بمثابة إلقاء التحية على كل شخص تقابله، من الغرباء حتى زوجتك، الطريقة نفسها تمامًا.
والطقوس الكونفوشيوسية مرنة كذلك، فهي تعتمد على الوعي بالعوامل ذات الصلة في أي سياق معيّن. من يخضع للطقوس لا يصافح من باب العادة، إنه يصافح لأن المصافحة في هذا السياق هي ما ينبغي فعله، لكن عندما تضرب العالم جائحة، قد لا تعود مصافحة الأيدي الطريقة الملائمة لإلقاء التحية. إذا كانت أفعالك تحدُث من باب العادة، فسيتطلب تغييرها جهدًا كبيرًا. لكن إذا كانت تحدث انطلاقًا من الطقوس، فستتخلى عن المصافحة وتعدّل أسلوبك في إلقاء التحية ليُلائم العوامل ذات الصلة بالسياق الجديد. وإذا كنتَ متمرسًا في الطقوس، فستتمكن من تحقيق هذه التعديلات دون بذل مجهود يذكر، كالرياضي أو الموسيقي الماهر والمتقن لعمله.
والحقيقة أننا نقوم بهذه التغييرات بالفعل، ودون بذل مجهود، في سياقات الطقوس التقليدية. فإذا كان من عادتك مثلًا ارتداء الأحذية في مكان العبادة الخاص بك، فإن خلعها أثناء زيارتك لمعبد بوذي لن يتطلب منك أي جهد. إنها عملية سهلة، ليس لأنك ألغيت الجزء المسؤول عن هذه العادة، بل لأنك تفهم الأهمية الطقوسية لخلع الحذاء في هذا السياق بالرغم من كونك معتادًا على ارتدائه. كل ما في الأمر أن الطقس الكونفوشيوسي يجعل من العالم نفسه معبدًا لك.
بل لقد ساعدني اعتناق الطقوس الكونفوشيوسية على التخلص من مختلف أنواع العادات السيئة، مثل نتف لحيتي بعصبية أو رمي الملابس على السرير بدلًا من تعليقها. كيف؟ من خلال اعترافي بأنماط العالم ومعاملتها بكل قدسية. اللحية ليست للنتف، والسرير ليس لتخزين الملابس، وانتهاك هذه الأنماط يشبه دخولي للمعبد مرتديا حذائي.
لكن كل هذا الحديث عن الأنماط يثير تساؤلًا مهمًا. أحيانا ما يكون النمط جليا في بعض الحالات، كما في إلقاء الملابس على السرير أو إرسال الرسائل النصية في أثناء القيادة. لكن ماذا لو كان النمط غير واضح؟ ماذا لو وجدت نفسك متخبطًا، والموسيقيون من حولك يعزفون لحنًا لم تسمعه من قبل؟
لحسن الحظ، كونفوشيوس لديه الحل: الدراسة!
إياك والتوقف عن الدراسة
يؤكد كونفوشيوس في جميع أنحاء كتابه، المختارات، على أهمية الدراسة. ونظرا لاقتباسه المتكرر من الكلاسيكيات مثل «كتاب الأغاني» الصيني، أو Book of Odes، فقد اعتقدت سابقًا أن الطقوس الكونفوشية لا تعدو كونها طاعة عمياء لما جاء بتلك الكتب المقدسة.
لكن هذا ليس ما يعلمنا إياه كونفوشيوس؛ فهو يقول إن هناك قلة نادرة من الناس الذين يستطيعون التوصل بمفردهم، ودون استعانة بالكلاسيكيات على الإطلاق، إلى فهم جوهر الحياة المثلى: «أولئك الذين ولدوا وبداخلهم فهم [لهذا الجوهر] هم الأفضل، أما أولئك الذين يبلغون فهمهم له عن طريق التعلم والتحصيل فيأتون في المرتبة الثانية». الذين ولدوا وبداخلهم فهم له؛ سبق والتقينا جميعا بشخص من هذا النوع؛ ذلك الموهوب الذي يستشعر الديناميكيات المعقدة لمناسبة اجتماعية ما دون معرفة شيء عن الحاضرين. بالعودة للتشبيه الخاص بالموسيقى، فهذا هو العبقري الذي بوسعه العزف بأي أسلوب، ودون تكلّف. لكن حتى لو لم تكن ذلك الموهوب، فبوسعك تثقيف نفسك ببعض المعلومات عن المناسبة والحضور حتى لا ترتكب حماقات من قبيل فرض نفسك على محادثة خاصة أو فتح مواضيع محظورة.
وبما أن الطقوس تحكم كل السلوكات في جميع السياقات، فإن دراسة الكلاسيكيات تكون مفيدة بشكل استثنائي من ناحيتين رئيستين: أولًا، تضم الكلاسيكيات حكما حياتية قديمة ومجربة عبر الزمن، والتي قد لا يصل إليها الأشخاص غير الموهوبين مثلي إلا من خلال التجارب المؤلمة وارتكاب الأخطاء. إن القواعد العامة والمشتركة التي تظهر عند دراسة الكلاسيكيات -يدعو كونفوشيوس، وعلى غرار المسيح، لنسخة من القاعدة الذهبية- تشير إلى أنماط أساسية معينة في الواقع يُفترض بها أن تكون متناغمة مع هذه القواعد العامة.
ثانيًا، إذا لم تسبق لك دراسة الكلاسيكيات، فستواجه صعوبة أكبر في فهم الديناميكيات التي تحكم كل شيء، بدءًا من اللغة وحتى أبسط التفاعلات الاجتماعية، فالنصوص المقدسة، والحكايات الشعبية والقصص الخيالية وتهويدات الأطفال والأمثال؛ جميعها متغلغلة بعمق في نسيج حياتنا وفي منظومتنا الاجتماعية. كيف يمكن لشخص أن يتوقع العيش في تناغم وسلام دون أن يفهم الأسباب المحركة لتصرفاته وتصرفات من حوله، ووراء تنظيم المؤسسات على هذا النحو؟
الجدير بالذكر أن كونفوشيوس لا يُلزم الامتثال الصارم للقواعد المذكورة في الكلاسيكيات: «إذا امتثلت بصرامة للطقوس في جميع الأمور، كبيرها وصغيرها، فسيبقى ما لا يمكنك تحقيقه”. إن الالتزام الصارم بطقوس محددة ليس طقسًا على الإطلاق؛ بل عادة.
وهذا يعني اتساقه مع موافقة كونفوشيوس على مرونتنا في دراسة الكلاسيكيات المرتبطة بثقافتنا (فبدلا من موسيقى شاو، أُفضّل أغنية “I Walk the Line” لجوني كاش). ولا أعني بذلك ثقافتنا الشخصية وحسب، ففي عالم معولم، غالبا ما تكون «ثقافتنا» مزيجا من ثقافات متعددة، لكل منها إيقاعاتها وأنماطها الخاصة. تساعدنا الدراسة المتوسّعة والشاملة على الانسجام مع أي نمط نصادفه من الموسيقى. إذا كنت تعلم أن الإيماءات وهزات الرأس في الهند تعني شيئًا مختلفًا عما هو متعارف عليه في معظم البلدان الأخرى، فلن تشعر بإهانة غير ضرورية في المرة الأولى التي تتفاجأ فيها بهزة رأس قوية.
ومع أن دراسة الكلاسيكيات أمر في غاية النفع والأهمية، إلا أن هذه الكلاسيكيات ليست الموضوع الوحيد للدراسة. لقد كان كونفوشيوس دائم البحث عن معلومات حول السياقات الجديدة. من ذلك مثلًا أنه في أثناء زيارته لأحد المعابد، «طرح الأسئلة حول كل ما يحدث»، وعندما رأى أحدهم ذلك، قال ساخرًا: «من قال إن ابن رجل من زو مُلمّ بالطقوس؟ لقد اضطر إلى طرح أسئلة عن كل شيء عندما ذهب إلى معبد الأجداد العظيم».
لكن كونفوشيوس كانت لديه إجابة تركت بصمتها في التاريخ: «الحقيقة أن هذا السؤال جزء من الطقوس». لا يعكس رده هذا النطاق الشامل للطقوس الكونفوشوسية وحسب، بل يظهر النحو الذي يختلف به الطقس عن العادة، فالعادات لا تترك مجالا لطرح الأسئلة. وعلى النقيض من ذلك، لا تتخذ تصرفات كونفوشيوس مطلقًا شكل ردود الفعل. فعندما يفتقر للمعرفة ذات الصلة، يكون الطقس الصحيح هنا هو التعلم من خلال طرح الأسئلة. وحينها فقط يكون بوسعه الشروع في التصرف وفقا للطقوس. الجميل في الأمور أنّ مجرد طرحه للأسئلة يعني أنه قد شرع في ذلك بالفعل.
لا يمكنك التظاهر بإجادة الأمر بهدف تحقيقه
على الرغم من أهمية الدراسة بالنسبة إلى كونفوشيوس، إلا أنها ثانوية بالمقارنة مع تنمية الفضيلة. الشخص الفاضل الذي ليس لديه معرفة مستمدة من الكتب لا يزال يمتلك «الصفات التي تجعله يستحق أن يسمى ‘مُتعلمًا’». والأهم من ذلك أن الفضائل مثل الصدق واللطف ضرورية للطقوس. يتساءل كونفوشيوس: «الإنسان غير الصالح، ما علاقته بالطقوس؟»
يتعارض هذا مع القول الشائع: «تظاهر بالأمر حتى تنجح في تحقيقه Fake it until you make it»، والذي يشير إلى أن أداء الفعل الصائب سيقود في النهاية إلى التمتع بالعقلية أو النوايا الصائبة، وهو يحمل الافتراض الضمني بأن بوسعنا فصل صوابية الفعل عن شخصية الشخص الذي يقوم به.
يختلف كونفوشيوس مع هذا الرأي، «إذا لم أكن حاضرًا تمامًا في التضحية، فكأنني لم أقدم أي تضحية على الإطلاق». والطقس ليس طقسًا إذا لم يؤدَّ بشكل صادق. التظاهر بحب الإنسان لآخر لن ينجح، لأن «المحبة» تستلزم فعل ذلك بجدية. ليس هناك ما يسمى بـ «فعل المحبة» بمعزل عن الصدق والإخلاص. والأمر ذاته ينطبق على العيش وفقا للطقوس الكونفوشيوسية. يجب أن تؤمن بصدق أن العالم مكان مقدس، ويجب أن تكون صادقًا في رغبتك في التناغم معه.
ومثالي المفضل على ذلك في كتاب المختارات هو رجل يُدعى غونغمينغ جيا، والذي خصه كونفوشيوس بالثناء الحماسي. لماذا؟ ليس هناك ما يميزه حقًا، إنما «كان يضحك فقط عندما يكون ممتلئًا فعلًا بالبهجة، ولذلك لم يملّ الناس أبدًا من سماع ضحكته».
يسلط هذا المثال الذي يبدو عاديًا الضوء على العلاقة الضرورية في الطقوس بين الشخصية والفعل. ربما تعرف متى يكون الضحك مناسبًا، ولكن إذا زيّفته، فسيفشل الطقس. نحن معتادون على الضحك بشكل غير صادق، لكي نتأقلم أو نظهر مدى استرخائنا. وكسر هذه العادة، ومقاومة الإغراء، يصبح سهلًا عندما تدرك أن الضحك الزائف بمثابة انتهاك أمر مقدس كالضحك في أثناء جنازة. كيف تعرف إذن الوقت المناسب للضحك؟ عندما يستدعي الأمر،هذا صحيح، ولكن أيضًا عندما تشعر وحسب بالرغبة في الضحك. اتبع هذا الطقس، ولن يمل الناس من ضحكتك، تمامًا مثلما لم يملّوا قط من ضحك غونغمينغ جيا.
النقاط الرئيسة – كيف تحرر نفسك باستخدام الطقوس
- الطقوس ليست مجرد تقاليد جامدة وعتيقة
تدور تعاليم مختارات كونفوشيوس حول الخضوع للحياة بوصفها طقسًا، وليس حول فرض الوضع الراهن أو الامتثال لقوانين متوارثة غير محببة. - محور الطقوس: الإجلال
عامِل العالم من حولك بجدية، واحترِم إيقاعاتهِ وأنماطه.
- كل شيء بمثابة طقس
لا ينبغي لنا أن نحصر نطاق الطقوس في أنشطة مثل حفلات الزفاف والجنائز. إن العالم مكان مقدس، وله أنماطه الخاصة، وبوسعنا التناغم معه -طقوسيًا، في جميع الأوقات.
- الطقوس أفضل حتى من العادات الجيّدة
العادات غير مرنة، وهذا عيبها. تتسم الطقوس الكونفوشيوسية بالمرونة، وأدائها بشكل صحيح يستلزم الاستعداد لتكييف النفس مع سياقات مختلفة.
- إياك والتوقف عن الدراسة
باستثناء مجموعة قليلة من العباقرة، فرؤية أنماط العالم قد تكون مهمة شاقة. إن القراءة المكثفة والشاملة، وطرح الأسئلة عندما تكون الأمور مبهمة، لفي حد ذاته جزء من الطقوس.
- لا يمكنك التظاهر بإجادة الأمر بهدف تحقيقه
بدون تنمية الصدق واللطف، ستكون طقوسك جوفاء. الطقس الزائف ليس طقسًا على الإطلاق، حتى وإن بدا أنه طقس.
سبب أهميّته
ما ينبغي لنا أخذه أو تركه
على الرغم من إشادة كونفوشيوس بالمرونة، إلا أنه يظل تقليديًا إلى حد ما. أراد زيغونغ، أحد تلامذته، إنهاء طقس التضحية بالحَمَل الذي يميّز بداية كل شهر، فرد عليه كونفوشيوس قائلاً: «زيغونغ! أنت تأسفُ على خسارة الحَمَل، في حين أءسفُ أنا على خسارة الطقس».
هذه الرغبة في الحفاظ على طقس يبدو مسرفًا وقاسيًا تتماشى مع رغبة كونفوشيوس في «النقل عوضًا عن الابتكار». إنه يثق في الطرائق القديمة ويفضّلها. ولا يقتصر هذا على الطقوس العامة وحسب. لقد قال مثلا النساء والخدم بأنّ «إدارتهم والتحكم فيهم مهمة صعبة على نحو خاص». فهل التمييز الجنسي من الطرائق القديمة التي ينبغي علينا أن نُحبّها ونثق بها؟
ترتبط الشكوك الحديثة في الطقوس بمخاوف أوسع حول الحرية ومقاومة التغيير. قد يبدو الخضوع للطقوس بمثابة التخلي عن إمكانية تغيير الطقوس السيئة.
ولكن هذا ليس ما أراده كونفوشيوس؛ فكتاب المختارات مليء بالأمثلة التي تظهر خروجه عن التقاليد، حيث يؤكد مثلا أنه «ليس هناك اختلافات من حيث النوع في التعليم»، وهذا خروج صارخ عن معايير التعليم الطبقية السائدة.
يمكننا التعلم من كونفوشيوس، لكن يمكننا أيضًا رفض ما أخطأ فيه. وقيامنا بذلك، مثل طرح الأسئلة، لهو في حد ذاته جزء من الطقوس. وكما يقول بنفسه: «عندما يتعلق الأمر بأن تكون شخصًا جيدًا فلا تُذعن لأحد، وإن كان أستاذَك». وفي نهاية المطاف، فالطقوس الكونفوشيوسية ليست مجموعة من الممارسات، بل هي دعوة لأن تكون تصرفاتك متناغمة مع أنماط العالم. يظل الهدف الأسمى ثابتًا، حتى وإن اضطررنا لتغيير الأفعال ذاتها بحسب السياق.
روابط وكتب مفيدة
- يعد حديث TEDx بعنوان «لماذا من الأفضل لك التوقف عن البحث عن ذاتك الحقيقية» (2017)، لعالم الصينيّات مايكل بويت من جامعة هارفارد، مقدمة رائعة حول النحو الذي يمكن من خلاله للطقوس تغيير منظورنا في الحياة.
- يقوم المدخل الخاص بطقوس وسيكولوجية الكونفوشيوسية في موسوعة ستانفورد للفلسفة على الإنترنت بعمل مذهل في استكشاف عدد رائع من الارتباطات الأخرى.
- يصف الكتاب الكلاسيكي القصير «كونفوشيوس: العلماني باعتباره مُقدّسًا Confucius: The Secular as Sacred» (1972 م) للفيلسوف التحليلي هربرت فينغاريت الـ «لي» بأنه سحري.
- «مشروع النص الصيني The Chinese Text Project»: مكتبة إلكترونية مفتوحة تحتوي على ترجمات موازية باللغة الإنجليزية/الصينية للكلاسيكيات الصينية، بما في ذلك المختارات.
- للحصول على ترجمة متاحة عبر الإنترنت للمختارات، يمكنك زيارة النسخة الخاصة بعام 2015م من ترجمة روبرت إينو، العالم في دراسات اللغة والأدب الصيني في جامعة إنديانا، والذي يقدم فيها أيضًا تعليقات وتحليلات.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سايكي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




