حوار مع الروائية الأرجنتينية سيلفيا أرازي عن روايتها انفصال
مظاهر اللطف المتبادل في الرواية كانت تُخفي أحد أكثر أشكال انطفاء الحب إيلامًا: البرودة.
في الروايات التي تتناول ثيمة الانفصال، سواء كان طلاقًا أو انفصالًا عاطفيًا، ربما يكون أغلبها من كتابة روائيات، ولعلّ ذلك لأن موضوع الانفصال يمسّ المرأة ويلامسها أكثر من الرجل؛ لذلك تبرع الساردة في تناول هذه الثيمة. وحتى في الروايات التي يكتبها روائي عن الانفصال، نجد الحكاية تُروى على لسان امرأة، أو يتبنّى الروائي رؤية المرأة في معالجة تلك الحالة. ومن أبرز الروايات التي تناولت هذه الثيمة رواية «انفصال»، ولهذا نحاور في منصة معنى الروائيةَ الأرجنتينية سيلفيا أرازي عن هذه الرواية تحديدًا، حيث تقدّم رؤيتها عن ملابسات كتابتها بأسلوب سردي رهيف، رغم أنّ موضوعها شائك ومعقّد عاطفيًا.
1-في روايتك الانفصال، تظهر القطيعة بقدر كبير من الرقة… أقرب إلى انفصالٍ هادئ. لذلك لا نرى لوسيا تمرّ بأعراض الانسحاب العاطفي القاسية التي عادةً ما تُرافق الفقد. هل ترين أن هذا النوع من الانفصال منحها شعورًا بالاعتيادية بسبب لطفه ورقّته، أم أنه يعود إلى طبيعة الشخصيّتين؟
-أعتقد أنّ نهاية الحب بين بطلي الرواية كانت قد بدأت منذ وقت طويل. تلك العلاقة كانت تعاني من تآكلٍ بطيء وصامت عبر سنوات. لذلك لم يكن ذلك الانفصال حدثًا مفاجئًا أو صادمًا في حياة كليهما، وإن كان مؤلمًا. أو هكذا على الأقل تخبرنا لوسيا، الصوت الذي يروي هذه الحكاية.
2-عند تأمّل أسباب الانفصال بين لوسيا وبيدرو، لا يجد القارئ سوى جملة واحدة: «كنا نتشاجر دائماً». ومع ذلك، تُظهر المشاهد التي تجمعهما بعد الانفصال علاقة تتّسم بنوع من الأُلفة وتواصل شديد اللطف. لذا أسألك: هل رقّق الانفصال هذه العلاقة؟
-ذلك الأسلوب “المهذّب” ليس إلا واجهة تخفي بها لوسيا جرحها. أتحدّث عن لوسيا لأن الرواية تُسرد بضمير المتكلّم ومن وجهة نظرها وحدها. أما داخل بيدرو فلا نعرفه؛ سيظلُّ لغزًا أمام القارئ. ومع ذلك، ومن وجهة نظري، فإن تلك المظاهر من اللطف المتبادل تُخفي أحد أكثر أشكال انطفاء الحب إيلامًا: البرودة.
3- بعد الانفصال، تخوض لوسيا علاقات عابرة. ومع ذلك لا تحاول التعمّق فيها، باستثناء ما حدث مع فيليكس. يبدو أن العابر هو ما يناسبها أكثر. فهل هذا نتيجة البقايا العاطفية من علاقتها مع بيدرو، أم لأنها لم تعد تؤمن بالحبّ الدائم؟
–بعد علاقة طويلة نسبيًا، أعتقد أنّ فكرة “الحب الرومانسي” تتغيّر. لوسيا تعرف أنه حين يسقط حجاب الافتتان والوهم تصبح العلاقات معقّدة، وغالبًا صعبة. لم تعد تتوقع الكثير، على الأقل خلال العام الذي تجري فيه أحداث هذه الرواية. أظن أنها لم تكن مستعدة بعد للوقوع في الحب مرة أخرى. أمّا بعد ذلك… فمن يدري؟ حتى أنا، ككاتبة، لا أستطيع أن أعرف ما الذي سيحدث في حياة تلك المرأة.
4- في السرد، يظهر موضوع الانفصال بصورة شبه هامشية؛ فملاحظات البطلة تتركز أكثر على ذكرياتها، وعلى صورة الأب والأخت وشخصيات أخرى، وكذلك على هواجسها وعلاقاتها العابرة. لماذا برأيك كان الحيّز السردي المخصّص للانفصال محدودًا إلى هذا الحد؟
في حالة لوسيا، وهي امرأة في منتصف العمر قضت عدة سنوات في علاقة، يشكّل الانفصال لحظة انكسار وتأمل. إنه لقاء مع نقاط قوتها وضعفها، ودعوة لإعادة النظر في ماضيها وقصتها العائلية.
5- على مستوى التقنية السردية، ترتكز الرواية على فصول قصيرة جدًا، أقرب إلى ومضات تُضيء استحضارات البطلة. ما الذي دفعكِ إلى اختيار هذا الأسلوب في كتابة الانفصال؟
-نعرف منذ اللحظة الأولى أنّ زوجين ينفصلان. لا يوجد في هذا الكتاب سرّ ينبغي كشفه ولا شيء مخفيّ بانتظار أن يُكتشَف. ما كان يهمّني روايته هو تلك الومضات، والانفعالات، والكشفات الصغيرة التي تتوالى بعد انفصال زوجين. ذلك الذهاب والإياب في داخل امرأة تراقب نفسها كما يراقب المرء غريبًا. يعجبني أن أفكر في أن القارئ يستطيع أن يبدأ قراءة الكتاب من أي نقطة في القصة، وأن يكون كلّ فصل قادرًا على أن يعمل كحكاية أو قصة مستقلة، يجمع بينها جميعًا خيطٌ موضوعي واحد يعبرها.
6- عند النظر إلى الشخصيات النسائية في الرواية، نلاحظ أن معظمهنّ يعشن تجربة انفصال أو مررن بها في وقت ما. ما دلالة هذا التكرار؟ وما المعنى الكامن وراء حضور هذه التجربة بهذه الكثافة في الرواية؟
-في الأرجنتين، وبالأخص في بوينس آيرس، المدينة التي أعيش فيها—وهي مدينة كبيرة وكوزموبوليتية—تبلغ نسبة الأزواج الذين ينفصلون مستوى مثيرًا للقلق. حالات الانفصال تزداد عامًا بعد عام، وتستمر العلاقات لمدد أقصر فأقصر. وعلى الرغم من التواصل الظاهري الذي تُنتجه وسائل التواصل الاجتماعي، فإن المدن الكبرى تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى خليةٍ من الوحدات المتجاورة.
7- «نحن النساء نتشابه كثيرًا في نقطةٍ ما». عبارات حميمية كهذه في السرد، هل تعتقدين أنها تخلق قربًا خاصًا بين شخصية لوسيا والقارئات؟ هل وجدن في انفصالها نموذجًا إيجابيًا، أم رأين أنها تصرّفت بسلبية تجاه ضجرها من الزواج؟ وفي المقابل تظهر عبارة أخرى: «تُحزنني لقاءات النساء؛ تزعجني تلك الأحاديث التافهة التي تنتهي دائمًا بالكلام عن الرجال». كيف تتخيّلين تلقّي القارئة لهذه الجملة من لوسيا؟
-عندما أكتب لا أبحث عن التواطؤ ولا عن التعاطف. أحاول أن أقدّم بصراحة ما تفكّر فيه الساردة، التي بالطبع لستُ أنا. لها شخصيتها الخاصة، وأحاول أن أعكسها دون تدخّل. صحيح أن هذه الرواية وجدت صدى لدى العديد من النساء، لكن كما أشعر برابطة أخوّة تجاههن، أعترف أيضًا أنني، مثل لوسيا، أشعر بالملل الشديد من بعض الأحاديث بين الصديقات، خصوصًا تلك التي تتمحور حول الرجال.
8-في الانفصال، تنعكس نظرة المرأة وعلاقتها بالرجل ضمن إطار طبيعي، ولذلك يغيب تمامًا ذلك النَّفَس النسوي الحادّ. كيف تنظرين إلى الخطاب النسوي وحضوره في السرد النسائي عمومًا، وفي أعمالك على وجه الخصوص؟
منذ كنتُ صغيرة شعرتُ بأن النساء يستحقن أن يحصلن على الحقوق نفسها التي يحصل عليها الرجال. وما زلت أؤمن بذلك، وأعرف أن الطريق لا يزال طويلًا أمامنا. لكنني أعتقد أيضًا أن الاختلاف بين الرجل والمرأة أمر جميل ومقدّس، وأن محاولة محو هذه الفروق خسارة لكليهما. النسوية المتطرفة تجاوزت الحدود؛ صار فيها اليوم شيء من المسرحة والافتعال.
9- هناك تعبير تقول فيه لوسيا عن أمّها: «الغريب أنه حين أتحدث عنها أسمّيها باسمها، باولا. أحيانًا أقول “أمي” أو ببساطة “هي”، لكني لا أقول أبدًا “ماما”». هذه النظرة القاسية، إلى جانب اتهامها بأنّ الأم هي المسؤولة عمّا آل إليه والدها، تدفعني إلى السؤال: لماذا كثيرًا ما تظهر صورة الأم بسلبية في روايات عديدة كتبتها نساء؟ ولماذا تحديدًا تظهر الأم بهذه الدلالة في الانفصال؟
-ذلك الشخصية مستوحاة من والدةِ أحد معارفي في مطلع شبابي. حين حدّثني عن قصته العائلية قبل سنوات طويلة، ظلّ شيء من حكايته منقوشًا في ذاكرتي. وبعد وقت طويل، عندما شرعتُ في كتابة هذه الرواية، تذكّرت تلك المرأة الجميلة والقاسية، واتّخذتُ منها أساسًا لابتكار شخصية «بولا»، التي ليست أكثر من شخصية متخيّلة. أمّا أمي فكانت محبّة وعذبة، ولحسن الحظ لم تشبه أبدًا أمَّ لوسيا.
10- كيف ترين حضور الشخصية العربية في الرواية، كما يظهر في شخصية الأب —الذي حين يغضب يشتم بالعربية— وأيضًا في شخصية العمّة لطيفة، مع تعليقاتها المقتضبة عن تاريخ العائلة وأنواع الطعام؟ مع ذلك يظل هذا الحضور مقتصرًا على التلميح إلى الجذور العربية لوالد لوسيا ثم يختفي لاحقًا من السرد. كيف تفسّرين هذا الخيار السردي؟
-الأب ذو أصول سورية، نعم، لكنه مُندمج تمامًا في الأرجنتين؛ لقد أصبح أرجنتينيًا آخر. أمّا العمّة لطيفة، فهي ما يُسمّى «شخصية لونية» —إحدى الشخصيات الثانوية غير المحورية التي تضيف لمسة من اللون والظرف في حكاية يغلب عليها طابعٌ أكثر قتامة.
11- يظهر الرجال في الرواية، بشكل عام، بوصفهم شخصيات لطيفة؛ حتى الأب يُستعاد بصورة إيجابية، والأمر ذاته ينطبق على دودي، وفيليكس، وكذلك صاحب المكتبة. هل هناك سبب وراء هذا الطيف من اللطف الذي يغلّف الشخصيات الذكورية في العمل؟
-لم أنتبه إلى ذلك من قبل. على أي حال، أنا لا أحكم على شخصياتي. جميعهم يمتلكون جانبًا من النور وآخر من الظلال، وأحاول ألّا أنحاز إلى أحد. ومع ذلك يهمّني ما تشير إليه. لا أرغب في أن أكون من تلك «الكاتبات النسويات» اللواتي تظهر كل بطلات كتبهنّ بطلاتٍ بطوليات، فيما يُصوَّر الرجال على أنهم قُساة ومحتقرون.
12- أنتِ فنانة تكتبين وتغنّين وتمثلين، إضافةً إلى كتابة الشعر وقصص الأطفال. كيف تتداخل هذه الخليط الإبداعي في كتابتكِ السردية؟ وأيّ من هذه الوجوه ترين أنه يمثّل هويتكِ الإبداعية بأكثر شكل أصيل؟
–هي مجرد أشكال مختلفة من التعبير، وأشعر أنني مُتَمَثَّلة فيها كلّها. أحيانًا ما أرغب في قوله يحتاج أن يتخذ شكل رواية، أو قصيدة، أو أغنية. وفي كل الأحوال، هي دائمًا محاولات للتواصل مع الآخر. فالفن، مثل الحب، لا يُصنَع إلا بين اثنين.
13- بما أن لوسيا امرأة في الأربعين من عمرها، هل لعبت ما يُسمّى بـ«أزمة منتصف العمر» دورًا في هذا الانفصال؟
-لا أظن ذلك. فهذه الأزمة قد تأتي في سنّ الأربعين، أو الخمسين، أو الستين… أو قد لا تأتي أبدًا. الأمر يعتمد على الكيفية التي تقف بها في الحياة.
14- إلى أيّ حدّ تعرفين الأدب العربي عمومًا، والأدب السعودي خصوصًا؟ هل قرأتِ روايات عربية؟
-يؤسفني أنني لم أقرأ الأدب العربي، باستثناء بعض الشعراء الذين لامسوني بعمق. في بلدي توجد أعمال قليلة مترجمة من العربية، لكن إذا أوصيتَني ببعض العناوين التي تُرجمت إلى الإسبانية فسأبحث عنها. تبدو لي اللغة العربية جميلة للغاية وموسيقية جدًا.
———–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر الضيف فقط.




