حين تواجه الشركات الحاجة إلى اكتساب المعرفة بسرعة عن سوق أجنبية، فإنها تلجأ إلى طرائق متنوعة للتعلم، وقد أظهرت أبحاث حديثة رؤًى نافعة في اختيار المنهج الأمثل بحسب الظروف.
كريستوفر بينغهام وجيسون ديفيس
إن التعلم قد يكون التحدي الأعظم عند دخول الأسواق الخارجية. فقلّة من الموظفين، إن وجد، من يمتلك معرفة معمقة بأسواق غير التي يقطنها. وإزاء ضرورة التعلم السريع عن سوق أجنبية، يعتمد كثير من الشركات طرائق متعددة، وبترتيبات متباينة.
فكيف يؤثر ترتيب تطبيق طرائق التعلم في أداء الشركة؟ للإجابة عن هذا السؤال، راقبنا تسع شركات في صناعة التقنية العالية، ولتفادي الانحياز الجغرافي والثقافي، اخترنا شركات ذات مقارّ رئيسةٍ في ثلاث أسواق متباينة ثقافيًّا: فنلندا، والولايات المتحدة، وسنغافورة.
وقد أظهرت دراساتنا أن معظم التعلم التنظيمي ينشأ عن أربع طرائق مباشرة واثنتين غير مباشرتين:
الطرائق المباشرة في التعلم
المحاولة والخطأ: في هذا المنهج، تقوم الشركات بأفعال معينة، ثم تقيّم النتائج لتتحقق هل أفضت تلك الأفعال إلى النتيجة المنشودة.
التجريب: يحدث التعلم التجريبي عبر اختبارات مقصودة صغيرة النطاق في بيئات مضبوطة، ليكتسب المديرون فهمًا أعمق، ويتخذ القائمون على الإدارة إجراءات محددة مع التحكم في المتغيرات، لمعرفة أثر كلٍّ منها في النتيجة.
الارتجال: كثير من الشركات تتعلم في أثناء العمل عبر الارتجال، فتبتكر الحلول عند ظهور المشكلات، وتعيد النظر في منتجاتها ومفاهيمها وقناعاتها، لاقتناص الفرص غير المتوقعة.
خطأ الانحراف: بخلاف المحاولة والخطأ، يبدأ نهج خطأ الانحراف بفعل أو منتج ناجح، ثم تقوم الشركة بتغييره، فيتبين للقادة أن الأداء قد تراجع، فيعودون إلى الحال الأولى، ويساعدهم هذا المسار على إدراك سبب تفوّق الفعل أو المنتج الأصلي.
الطرائق غير المباشرة في التعلم
التعلم بالنيابة: كثيرًا ما يلجأ القادة إلى التعلم بالنيابة إذا افتقروا إلى الخبرة اللازمة واضطروا إلى التحرك بسرعة، فيدرسون ما فعلته شركات أخرى لدخول السوق الخارجية، ثم يطبقون ذلك التعلم، فإن بدا دخول الشركة الأخرى ناجحًا، حاولوا تقليد نموذجها، وإن واجهت صعوبات، عدّلوا نموذجهم لتجنُّبها.
الاستشارة: في أحوال كثيرة، تتعلم الشركات من مستشارين منخفضي التكلفة أو بلا مقابل، مثل المستثمرين والشركاء التجاريين والجمعيات التجارية والهيئات الحكومية المعنية بالتجارة الخارجية، كما أن الاستعانة بمستشارين دوليين تُعد من أسرع السبل لاكتساب المعرفة بالأسواق الأجنبية.
التعلم الذاتي مقابل التعلم التأسيسي
التعلم الذاتي: إذا ابتدأت الشركة التعلم عن سوق أجنبية بمنهج مباشر، كالتجريب، ثم واصلت اعتماد الطرائق المباشرة، كالمحاولة والخطأ، فمع مرور الوقت، سُمّي ذلك التعلمَ الذاتيَّ. ومثال ذلك مورد برمجيات أمريكي ناشئ في وادي السيليكون، بلغت عائداته السنوية ثمانية ملايين دولار، دخل السوق الأسترالية بالتجريب.
وفي سياق التجربة، منح القادة التنفيذيون قدرًا كبيرًا من الاستقلالية لمدير مخضرم له خبرة في أستراليا، غير أن المشروع الأسترالي أصبح منفصلًا أكثر مما ينبغي عن سياسات الشركة الأم، وقد جعلت هذه النتيجة القادة يدركون ضرورة مزيد من الإشراف على المشروعات الأجنبية، فانتقلوا بعد ذلك إلى منهج المحاولة والخطأ.
التعلم التأسيسي: بدلًا من البدء بالتعلم المباشر، يبدأ كثير من القادة تعلُّمهم عن دخول السوق الأجنبية بملاحظة ما فعله غيرهم، أو طلب المشورة من أهل الخبرة لتجاوُز نقص معرفتهم، وتُسمى هذه الطرائق بالتعلم التأسيسي؛ إذ تبدأ العملية بإدخال معرفة غير مباشرة أساسية تبني عليها الشركة لاحقًا عبر التعلم المباشر.
وفي هلسنكي بفنلندا، أسَّس ثلاثة رواد أعمال شباب، تخرجوا حديثًا من جامعة هلسنكي للتقنية، شركةً تهدف إلى تطوير برمجيات تُسرّع اكتشاف الأدوية في صناعة الصيدلة، وطور المؤسسون تقنية تتيح للمرضى والباحثين ومديري البيانات جمع البيانات السريرية والإبلاغ عنها بسرعة، عبر الأجهزة المحمولة والهواتف والحواسيب، أثناء المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وقد لاحظ المؤسسون من منافسيهم الفنلنديين أن اكتساب خبرة في التجارب السريرية هو مفتاح الوصول إلى العملاء العالميين، كما أن كثيرًا من المنافسين اكتسبوا تلك الخبرة في السويد المجاورة. وبالنظر إلى افتقارهم للخبرة الدولية، رأى المؤسسون أن من الحكمة تقليد الممارسة الناجحة على ما يبدو، فدخلوا السويد أيضًا بُغية اكتساب خبرة في التجارب السريرية.
وبعد هذا الفعل الأولي من التعلم بالنيابة، بدأ التعلم عبر المحاولة والخطأ، وأثناء تنفيذ المشروع مع شركة سويدية، أبدى قادة الشركة السويدية امتعاضهم من ضعف التواصل لدى رواد الأعمال، وقد أوضح أحد المؤسسين قائلًا: “لقد شعر عميلنا بالإحباط لأننا لم نكن نشارك المعلومات يوميًّا”، وقد أفضت تغييرات بسيطة لتحسين التواصل إلى تحقيق الشركة مبيعات بلغت 150 ألف دولار في عامها الأول في السويد.
بدأت شركة ناشئة أمريكية، كان هدفها توزيع أشباه الموصلات للأجهزة اللاسلكية على مستوى العالم، باتباع منهجية الاستشارة، ومع إيرادات تقل عن مئة ألف دولار، استعانت الشركة بمستشار لمعاونتها في دخول السوق الصينية، والتي كانت أول سوق دولية لها. ومن خلال المستشار، علم التنفيذيون بضرورة العمل مع عدة موزعين، نظرًا لاتساع السوق الصينية وتنوعها. وامتثالًا للنصيحة، نمت مبيعات الشركة في الصين من عشرة آلاف دولار إلى أكثر من مئتين وخمسة وعشرين ألف دولار في عام واحد.
نحن نفرق بين منهجَي “الاعتماد على الذات” و”الاستفادة من الآخرين”؛ لأن بحثنا أظهر أن تسلسُل طرق التعلم في الشركة يؤثر في أدائها اللاحق. وقد وجدنا أن الشركات التي تتعلم بالاعتماد على الذات تحقِّق أداءً أفضل في المدى القصير مقارنةً بمن تتبَّع منهج الاستفادة من الآخرين، لكن الشركات التي تتعلم بالاستفادة من الآخرين تحقق أداءً أفضل في المدى البعيد.
أما الشركات التي اعتمدت على الذات، فقد استطاعت في أول دولتين جديدتين تدخُلهما أن تحقق أول صفقة لها في وقت أقل، وأن تبلُغ نقطة التعادل المالي في وقت أقصر، كما سجلت تقييمًا أعلى لمجمل النجاح مقارنة بالشركات التي بدأت بطرقِ تعلُّم غير مباشرة.
ويبدو أن تفوق الشركات المعتمدة على الذات يرجع إلى خبرة فِرَقها التنفيذية السابقة في الأسواق الدولية؛ إذ إن هذه الخبرة تقلل الزمن اللازم لاكتشاف الفرص واغتنامها.
أما الشركات التي اتبعت تسلسلًا قائمًا على الاستفادة من الآخرين، فقد كان قادتُها قليلي الخبرة الدولية؛ فكان فهمُهم أقل لكيفية تنسيق الأنشطة الداخلية مثل المبيعات وتكييف المنتجات؛ ولهذا لجؤوا أولًا إلى التعلم غير المباشر، إذ بحثوا عن إشارات من الشركات الأخرى حول كيفية تنفيذ أنشطة الدخول. وعلى الرغم من أن هذا التعلمَ غيرَ المباشر فعالٌ، فإن بياناتنا تشير إلى أنه قد يكون أقل نفعًا للأداء المبكر؛ إذ غالبًا ما يؤدي إلى معرفة سطحية وغير استراتيجية.
ورغم أن الشركات التي سلكت مسار الاستفادة من الآخرين لم تحقق أداءً حسنًا في البداية، فإنها تفوقت في المدى البعيد، حين دخلت أسواقها الدولية الثالثة والرابعة، أما الشركات التي اختارت الاعتماد على الذات، فقد استخدمت عددًا أقل من طرق التعلم إجمالًا؛ ربما بسبب الثقة الزائدة بنجاحاتها الأولى ورغبتها في الإسراع، وهذه الثقة والرغبة قلَّلَتا من تأمل العلاقة السببية بين الأفعال والنتائج.
أما بالنسبة للإدارة، فإن مغزى هذا الاكتشاف أن قرار الاعتماد على الذات أو الاستفادة من الآخرين ينبغي أن يُبنى على مدى أهمية النتائج القصيرة أو الطويلة الأمد في ظل ظروف الشركة عند اتخاذ القرار. فالشركة التي لدى إدارتها العليا خبرة في دخول أسواق أجنبية بنجاح قد تميل إلى الاعتماد على الذات، اعتقادًا بأن ما نجح في سوق سينجح في أخرى، أما إذا كانت خبرة الإدارة سلبية، فقد يُفضَّل تسلسُل الاستفادة من الآخرين، وقد كشف بحثنا أن المنظمات تميل إلى أنماط مفضلة في تسلسل التعلم، غير أن الخطر في تطبيق هذه الأنماط عند دخول الأسواق الدولية يكمن في التباينات الشديدة بين الأسواق، وهي تباينات غالبًا لا تُكتشف حتى من قِبل القادة ذوي الخبرة الكبيرة.
ويمكن للمديرين معالجة هذه النزعات المقلقة بطريقتين: أولًا، أن يحرصوا على أن تكون خبرة فريقهم الإداري الدوليّة واسعة ومتنوعة قدر الإمكان، فإذا كان التنفيذيون قد نجحوا في سوق أو سوقين فقط، أو في منطقة جغرافية معينة، فقد يغريهم الاعتقاد بأن الخبرة قابلة للنقل إلى أسواق أخرى، لكن هذا الرأي يغفُل عن اختلافات لا حصر لها بين الأسواق، سواء أكانت اقتصادية أو ثقافية أو تنظيمية أو تعليمية أو بيئية. ويعد استقطاب أصحاب الخبرات الدولية المتنوعة أمرًا بالغ الأهمية، ولا سيما في المنظمات الصغيرة التي عدد كبار موظفيها قليل.
ثانيًا، يمكن للمديرين زيادة الاعتماد على التعلم غير المباشر؛ إذ تميل الشركات بطبيعتها إلى الاعتماد على مواردها الداخلية قدر الإمكان؛ سواء لتقليل التكاليف، أو لإخفاء نواياها عن المنافسين، أو لإثبات قدرتها على الإنجاز الذاتي، ولكن كما أشرنا، فإن التوسع الدولي محفوف بالمخاطر. ومن خلال التعلم غير المباشر وطلب المشورة من مصادر خارجية، تستطيع الشركات الاستفادة من خبرات دولية أوسع وأعمق، وبصورة أشمل، فإن ا
لمغزى للمديرين هو ضرورة الاعتماد على مزيج ثري من طرق التعلم المباشرة وغير المباشرة، لا على نهج واحد فقط؛ إذ يعين ذلك على تقاطع البيانات والوصول إلى فهم أوسع وأدق للمعلومات.
هل يمكن للشركات أن تحسن فرص نجاحها عند التوسع في الخارج؟ تشير أبحاثنا إلى أن ذلك ممكن، والأهم أن تحقيق ذلك لا يتطلب تغييرات تنظيمية كبيرة أو استثمارات ضخمة، بل يتطلب وعيًا بالطرق الأساسية التي تتعلم بها المنظمات، واستعدادًا لتطبيق تلك الطرق بالتسلسل الأنسب للأهداف القصيرة والطويلة الأمد. كما يمكن للقادة تعزيز فرص النجاح باستقطاب ذوي الخبرات الدولية المتنوعة وزيادة الاعتماد على التعلم غير المباشر.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




