بقلم بول-لوب Paul-Loup فايل-ديبوك Weil-Dubuc
ترجمة: نورة الجلعود
مراجعة: محمد بن علي الزهراني
يُعد وصول المريض إلى المعلومات في الوقت الحالي مبدأً أساسيًّا في أخلاقيات الرعاية الصحية، ومع ذلك، يُظهر هذا المقال أن ممارسة حق معرفة التشخيص المُبكر لأعراض الأمراض، قد يكون ضد حرية المريض.[1]
{يعبر الكثيرون بوضوح عن رغبتهم في المعرفة، لكن ارتجافًا طفيفًا في ملامحهم أو ارتباكًا خفيًّا في أصواتهم قد يخونهم ويكشف عن قلقهم، وهنا، ينبغي للطبيب أن “يُلطّف” الحقيقة بحذر، ذلك أن العلاقة الغامضة بين الحالة الجسدية والنفسية تجعل من الصعب التأكد أن معرفة الحقيقة لن تؤدي إلى شعور بالإحباط، أو الخوف، أو الذعر، ما قد يدفع المريض أحيانًا إلى الانتحار أو تعطيل شفائه، في الواقع، لا يطلب معظم المرضى من أطبائهم سوى كلمات لطيفة وعادية تُنطق بنبرة تكاد تكون عابرة مثل: “الأمر ليس خطيرًا” أو “ليس ثمة ما يدعو إلى القلق”، فهذه عبارات كافية تمامًا لإشباع فضولهم البسيط[2]{.
كان هذا ما كتبه الدكتور لويس بورت، رئيس المجلس الوطني لنقابة الأطباء Conseil National de l’Ordre des Médecins، عام 1954م بشأن المريض، الذي وصفه في مكان آخر بأنه «لعبة عمياء تقريبًا، وشديدة المعاناة، وسلبية بطبيعتها، ولا تمتلك سوى معرفة موضوعية غير كاملة عن نفسها»[3]، باختصار، يبدو أن المعرفة الطبية بمنزلة جرعة ثمينة ونادرة، ولكن أيضًا خطِرة حين تقع بين أيدي غير المختصين الذين أُعدت من أجلهم.
بزوغ حق المعرفة
إذا بدت لنا كلمات لويس بورت اليوم كأنها بقايا خطاب أبوي قديم، فذلك لأن وصول المريض إلى المعلومات بات مبدأً أساسيًّا في أخلاقيات الرعاية الصحية لثلاثة أسباب رئيسية، متشابكة فيما بينها:
يتعلّق السبب الأول بتحول المعرفة الطبية، إذ لم تعد تقتصر المعرفة الطبية المعاصرة على دراسة أعراض الأمراض فحسب، بل وسّعت نطاقها ليشمل العوامل المتعددة المسببة للأمراض، سواء كانت هذه العوامل وراثية أم بيئية، وتزداد قيمة هذه المعرفة لأنها تتيح لمن يمتلكها التنبؤ بالمرض قبل ظهور أعراضه بوقت طويل، ما يمنح المريض إمكانية الاطمئنان بشأن حالته، أو اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، وإعادة ترتيب حياته بطريقة تتناسب مع الأخطار الواضحة في حالة وجودها.
بينما يرتبط السبب الثاني -الذي يجعل خطاب لويس بورت المنضوي على التطور الاجتماعي يبدو قديمًا- ارتباطًا وثيقًا بالسبب الأول، أي بالتحول المعرفي، ويتمثل السبب الثاني في ظهور ما يُسمى بـ”المريض-الحارس[4] patient–sentinelle”، وفق تعبير عالم الأنثروبولوجيا جان-بيير دوزون Jean-Pierre Dozon، إذ أصبح لدى كل شخص القدرة على الحصول بنفسه على المعرفة الدقيقة والشخصية لحالته من خلال الإنترنت، إذ يستطيع الشخص حتى قبل تشخيص مرضه، أن يستشرف المشكلات الصحية المحتملة التي قد يواجهها.
أخيرًا، يتماشى تحوّل المعرفة الطبية، وتقدم التقنية الحديثة وتسخيرها من المرضى لمعرفة المزيد عن حالاتهم الصحية، مع تطور “سبب ثالث” قانوني وأخلاقي معروف، يتمثل في حركة حقوق المرضى -التي يعد القانون الفرنسي لعام 2002م الخاص بحقوق المرضى مثالًا بارزًا عليها- بوصفها ضمانة أساسية لتحقيق استقلاليته، في هذا السياق، يُكتسب حق المريض عبر جعله مطلعًا على تشخيص حالته، وعارفًا بالاحتمالات المتعلقة بحياته، وكذلك بتبعات العلاجات المقترحة له.
بهذه الطريقة، ترسخت في مجال الصحة فكرة تتجاوز هذا المجال بكثير، وهي فكرة “الحق في المعرفة” والتي ترتبط بفكرة أخرى “الشفافية”، تستند الدعوة إلى “الحق في المعرفة” أو “الشفافية” على مبدأ يكاد يكون من الصعب الطعن فيه بذاته، وهو ضرورة إتاحة المعلومات لجميع المواطنين في مجالات الحياة كافة، كي يكونوا قادرين على اتخاذ قرارات بشأن مصيرهم، سواء بوصفهم أفرادًا، أو بوصفهم أعضاء في المجتمع السياسي، من ثم، يُعبّر هذا الدفاع المتمثّل في المطالبة بـ”الحق في المعرفة” عن خطاب إيجابي، وخطاب تحرري كما يبدو.
إشكالية تقديس المعرفة
هل ينبغي إضفاء الطابع المقدس على الاستناد المنهجي إلى الحق في المعرفة، بحجة أن الوصول إلى المعرفة يجعلنا أكثر حرية؟ إننا ندافع عن فكرة -وربما عكسها- في أن تتحول بعض حالات المطالبة وممارسة حق المعرفة إلى تهديد للحرية، هذا هو الإشكال الذي تطرحه اليوم إمكانية شراء اختبارات جينية تكشف عن جينات تُظهر قابلية التعرّض إلى الزهايمر، وهو أيضًا الإشكال الذي قد تطرحه، في المستقبل، إمكانية تحديد الاحتمالية الكبيرة للتعرض إلى مرض الزهايمر في مراحل مبكرة قبل ظهور الأعراض، أو حتى التوصل إلى “تشخيص مبكر لما قبل أعراض المرض”، في حالة الزهايمر، الذي نضرب به مثالنا هنا، فإن تلاقي مجموعة البيانات (الجينية، والإشعاعية، والبيولوجية) قد يجعل من الممكن إجراء مثل هذه الاختبارات من دون أن يعني ذلك ضرورة حتمية للتعرض إلى الزهايمر، سنُسمّي هنا مصطلح “اختبار ما قبل الأعراض” بوصفه تعريفًا للقابلية الوراثية للتعرض لمرض الزهايمر.
إن السبب وراء مفارقة هذا التحول في الحق في المعرفة مقابل الحرية بسيط، إذ قد ينشأ السعي وراء المعرفة من تقديسها المسبق، ومن الميل إلى إضفاء طابع تنبؤي على المعرفة المطلوبة من دون التحقق من أسسها، لقد أبرز كانط ضعف هذا القبول السلبي وغير المدروس للمعرفة، إذ قال: “تجرأ على استخدام عقلك الخاص! هذا هو شعار عصر التنوير”،[5] يجب على كل فرد أن يُسلط نوره الخاص على المعرفة، أي أن ينقدها، و”النقد” هنا لا يعني بالضرورة معارضة المعرفة، أو التشكيك في صحتها، لا بل التساؤل: إلى أي مدى نحن قادرون على فهم ما ندّعي معرفته؟ وما الحدود التي يجب وضعها لقدرتنا على المعرفة؟ وفقًا لكانط، إذا لم نطور علاقة نقدية مع المعرفة، فإننا نظل، بسبب “الكسل” و”الجبن” كما يسميهما كانط، خاضعين لوصاية المعرفة، بل وحتى عرضة لخداعها، إذ نُطيع على نحو أعمى توجيهات “الطبيب الذي يقرر بدلًا منا نظامنا الغذائي”.[6]
لهذا يمكن وضع -جنبًا إلى جنب- كل من الأبوية الطبية للدكتور لويس بورت Louis Portes، والسعي اللامتناهي من المريض-الحارس، للحصول على معرفة عن أخطار مرضه، وفي الحالتين، تُمنح المعرفة الطبية قيمة سلطوية لا يمكن التشكيك فيها مسبقًا، إذ تؤكّد مساهمة الأبوية الطبية في الاعتراف بحق الأفراد العاديين في المعرفة، وذلك عبر التقدم المتمثل في تقاسم المعرفة، وتوسيع دائرة من يعرفون أو من يمكن لهم أن يعرفوا، لكن هذا التقاسم للمعرفة لا يعني دائمًا نزع قداستها، في الواقع، ليس ثمة سبب يدعو للظن بأن مجرد دخول الأفراد العاديين إلى مجال المعرفة المقدسة سيؤدي إلى تحويلها على نحو سحري إلى معرفة عادية أو خالية من التقديس.
إن منح الفرد الحق في المعرفة من دون تزويده -في الوقت نفسه- بالأدوات اللازمة للتحقق من هذه المعرفة أو على الأقل وضعها في سياقها النسبي، يعني على نحو ما سلب حريته عبر إبقائه في وهم الوصول إلى حقيقة مقدسة، لنعد الآن إلى اختبارات ما قبل الأعراض، إذ من الأهمية البالغة أن نحافظ على علاقة نقدية مع المعرفة التي تقدمها لنا.
مزالق معرفة الأعراض المبكرة
يكشف هذا العمل النقدي عن أربعة مزالق يحملها هذا النوع من المعرفة التنبؤية:
- أولًا، لا تلقى معرفة التشخيص الموافقة التامة دائمًا، إن من الوهم تصويرها على أنها نتيجة إرادة فردية حرة تمامًا اختارت أن تعرف أو لا تعرف، ثم قررت في النهاية أن تعرف، ومن عجيب المفارقات، يخفي ضمان حق المعرفة إلزامًا ضمنيًّا بالمعرفة، في الواقع، لكي يرغب الفرد في المعرفة أو في عدمها، ينبغي أن يكون لديه علم مسبق بوجود شيء يستحق المعرفة، أي يجب أن يعرف أنه لا يعرف، ومع ذلك، فإن هذا الوعي بـ”المعرفة بوجود شيء يستحق المعرفة”، والذي من دون الرغبة في المعرفة أو حتى الوصول إلى هذه المعلومات التنبؤية، لا يمكن له أن يظهر، أو أن يكون موضوعًا بنفسه بلا موافقة.
وعليه، ينبغي التمييز بين ثلاث مراحل في هذا السياق لمعرفة المرض:
- المرحلة الأولى: حين يكون الشخص جاهلًا تمامًا بوجود أي شيء يستحق المعرفة، أي أنه غير مدرك لأي خطر أو معلومة طبية قد تخصه.
- المرحلة الثانية: حين يعلم الشخص بوجود شيء يستحق المعرفة، لكنه لا يعرف ما هو هذا الشيء تحديدًا.
- المرحلة الثالثة: حين يقرر الشخص قبول معرفة ما إذا كان يحمل جينات تنطوي على خطر.
إذا كنتُ في المرحلة الأولى، بحيث أجهل تمامًا أنني معرض إلى خطر الإصابة بمرض الزهايمر، وأجهل حتى إمكانية إجراء اختبارات ما قبل الأعراض، فلا يوجد أي سبب يدفعني إلى الرغبة في المعرفة، وفي هذه الحالة، حين أُخبَر بأن لدي «الحق في أن أعرف أو لا أعرف ما إذا كنت معرضًا إلى خطر الإصابة بمرض الزهايمر»، فإن ذلك يعني فعلًا نقل معرفة لي من دون استئذاني، فهذا التصريح يزرع في ذهني فكرتين مُقلقتين؛ الأولى هي أن ثمة احتمالًا، وربما احتمالًا أعلى من المتوسط، بأنني أحمل جينات ذات أخطار، والثانية، التي لا تقل إزعاجًا، هي أنني أمتلك الوسائل لمعرفة ما إذا كنت أحمل تلك الجينات الخطرة أم لا، وهاتان الفكرتان غُرستا في ذهني من دون استشارتي بشأنهما.
إن في هذه المرحلة الأولى من الجهل التام، يكون من غير المناسب الحديث عن الحق في المعرفة؛ لأن الحديث عن الحق في القيام بشيء (أ) يستوجب بالمثل وجود حق في عدم القيام به (أ)، لكن هذا مستحيل هنا؛ فلا يمكنني رفض معرفة شيء لا أدرك حتى وجود إمكانية معرفته.
تشكل عدم القدرة على رفض هذه المعرفة السابقة لاختبارات ما قبل الأعراض مشكلة كبيرة، إذن، فلنفترض أن أختي اكتشفت أنها تحمل جينات تعرضها إلى خطر الإصابة بمرض الزهايمر، وقررت أن تخبرني بأن ثمة احتمالًا كبيرًا بأن يكون الأمر نفسه ينطبق عليّ، بأي حق يمكنها أن تخرجني من حالة جهلي، ومن ثم تنهي حالتي من الطمأنينة؟ هنا نرى كيف أن المدافع عن «الحق في المعرفة» يتبنى، على نحو متناقض، سلوكًا أبويًّا، فهو يقرر بدلًا مني أنني سأرغب في الحصول على خيار المعرفة أو عدمها بشأن المخاطر التي تواجهني، إنه يقرر أن عليه “تحمِيلي المسؤولية”، وهو مصطلح يستخدم بكثرة في التقارير العامة، ومعنى “تحمِيل المسؤولية” هنا هو جعل الشخص مسؤولًا عن اختيار لم يختره بحرية، كما لو أن غياب هذا الخيار يجعله غير “مسؤول” فعلًا.
وتمامًا، تفترض فكرة “تحمِيل المسؤولية” تصورًا “إيجابيًّا” للحرية على حساب تصورها “السلبي”، وفقًا للتمييز الذي قدمه إيزايا برلين Isaiah Berlin، فهي تهدف، إلى “جعل الشخص حرًّا”، حتى بالقوة، إذ إن احترام الحرية السلبية يستبعد أي تدخل خارجي، سواء كان ذلك التدخل بهدف توفير المعرفة أو منع الشخص من الوصول إلى معرفة يرغب فيها، من المثير للاهتمام أن “الحق في المعرفة”، الذي غالبًا ما يُقدَّم على أنه تعبير عن أخلاقيات “ليبرالية”، يقترب من مفهوم الحرية الإيجابية، التي رآها إيزايا برلين محض وهم للحرية يُروّج له تحت اسم الليبرالية السياسية.
قد تكون هذه القرارات مقبولة ومقدّرة فعلًا من الشخص الذي يُراد “تحمِيله المسؤولية”، كما يصحّ أن الوصول إلى المعرفة يعد قضية من قضايا العدالة الاجتماعية، إذ إن الأفراد ليسوا متساوين في رغبتهم أو قدرتهم على المعرفة، لا سيّما في ظل تنوّع خلفياتهم الاجتماعية، وأخيرًا، فإن من المحتمل أن يكون من العبث الدعوة إلى مقاومة هذا السعي نحو “الشفافية”، نظرًا إلى تزايد إمكانات المعرفة بشأن ما يمكن معرفته في كل من المجالين العام والخاص، مع ذلك، يجب الاعتراف بأن الشخص الذي قمنا بـ”تحمِيله المسؤولية” لم يختر الدخول في معضلة “المعرفة أو عدم المعرفة” بنفسه.
إن الفخ الأول الذي تنصبه اختبارات ما قبل التشخيص هو أن قبولها لا يكون بناءً على موافقة حرة تمامًا، فهي تفترض وجود تدخلات وضغوط خارجية بدافع رغبة المعرفة، وتهدف إلى إثارة رغبة في المعرفة داخل الفرد نفسه، من يقف خلف هذا الإلزام بالمعرفة؟ ربما تكون الضغوط الأسرية، وربما مستقبلًا، شركات التأمين والبنوك، وبلا شك، الأبحاث الطبية التي -على الرغم من ذلك- يمكن تسويغ متطلباتها على نحو كامل.
إن الحق في المعرفة لا يصبح منطقيًّا إلا في المرحلة الثانية، حين يدرك الشخص أنه قد يكون معرضًا إلى خطر الإصابة بالمرض، وأن بإمكانه التحقق من ذلك عبر اختبارات طبية، حينها يصبح بمقدوره -ولحسن الحظ- رفض معرفة الحقيقة، إذا كان خيار طرح السؤال “هل أريد أن أعرف أم لا؟” قد فُرض عليه، فإن الشخص يمتلك على الأقل حرية اتخاذ القرار بشأن الإجابة، ولكن، هل من الواقعي أن نظن أن الأشخاص الذين يعلمون أنهم معرضون إلى الإصابة بالمرض سيرغبون في البقاء في حالة من الجهل؟ إلى أي مدى يمكنهم تحمل حالة عدم اليقين والخوف الدائم من فقدان قدراتهم الإدراكية تدريجيًّا؟ إضافةً إلى ذلك، ثمة مسألة أخرى؛ إلى أي حد يمكنهم تحمل الشعور بالذنب لكونهم معرضين إلى خطر إنجاب أطفال قد يحملون الجينات نفسها؟ أو الشعور بالذنب الناتج عن اختيارهم البقاء في حالة جهل، وهو ما قد يعتبره أقاربهم موقفًا غير مخلص أو غير مسؤول؟
2) هذه المعرفة ذات طبيعة “أدائية”، فهي لا تكتفي بإخباري بما أنا عليه، بل تملي عليّ أيضًا كيف يجب أن أتصرف، إنها تحدد لي ليس فقط هوية، بل أيضًا مسارًا يجب أن أسلكه، في الواقع، يبدو الأمر كما لو أن احتمال إصابتي بالمرض، وقت أن يصبح معروفًا ومُبرَزًا من خلال الاختبارات الطبية، يجب أن يتفوق على الاحتمالات الأخرى جميعها في حياتي، وكأنني، وقت صدور حكم الاختبار، يجب أن أتصور هويتي ووجودي من خلال هذه العدسة الضيقة، تصبح هذه الدعوة إلى تغيير حياتي وعالمي أكثر إلحاحًا في حالة الأمراض العصبية التنكسية، التي لا تؤثر فقط على نحو جذري على وجود الإنسان، بل أيضًا على هويته، إذ يُطلب من الشخص مواجهة تحول جذري في ذاته.
3) الحد الثالث لهذه المعرفة التنبؤية: بدلًا من أن تقدم يقينًا، فإنها تخلق حالة من عدم اليقين، وهذا هو التناقض الأساسي لما يُعرف بـ”الطب التنبؤي”، في الغالبية العظمى من الحالات، باستثناء الحالات النادرة للأمراض الجينية أو الوراثية، إذ يكون انتقال المرض شبه مؤكد، فإن الطب التنبؤي لا يقدم معلومات مؤكدة ردًّا على أسئلة يطرحها الفرد، بل على العكس تمامًا، يقدم الطب التنبؤي معلومات غير مؤكدة ردًّا على أسئلة لم يطرحها الشخص أصلًا.
من جهة، يقدم الطب التنبؤي معلومات غير مؤكدة، وهذا أمر واضح، ففي حالة مرض الزهايمر، قد لا أصاب بالمرض إطلاقًا، على الرغم من أنني أُخبرتُ بوجود استعداد وراثي له، وعلى العكس، قد أصيب بالمرض من دون أن تكون ثمة أي عوامل خطر محددة مسبقًا، إذن، هذه معرفة لا تخبرني بواقع موجود وحاضر في جسدي، كما هو الحال مع الفيروسات أو الأورام، بل تخبرني بواقع محتمل فقط، إنها معرفة تحمل معها مساحة من عدم اليقين وعددًا كبيرًا من الأسئلة التي لا يستطيع الشخص الإجابة عنها، مثل: هل سأصاب بالمرض؟ متى سأصاب بالمرض؟ هل سيكون ثمة علاج متوفر؟ كيف ستظهر الأعراض الأولى للمرض؟
هذا تناقض لافت أشار إليه عالم الاجتماع أولريش بيك Ulrich Beck في دراسته عن المخاطر: في زمن تدعي فيه التكنولوجيا، وخاصة التكنولوجيا الحيوية، قدرتها على التنبؤ بالمستقبل والقضاء على الحوادث والصدف، نجد أن عدم اليقين بات أقوى من أي وقت مضى، إن التكنولوجيا الحيوية تثير عددًا لا يحصى من الاحتمالات.
هذه المعرفة غير المؤكدة تشكّل -فضلًا عن ذلك- إجابة على أسئلة لم يطرحها الشخص، وقد يُقال إنها أسئلة لا تخصه أصلًا، السبب في ذلك هو أن نتائج اختبار التنبؤ ليست معرفة مستمدة من تجربة معيشة، بل هي معرفة عقلية بحتة، الشخص لا يستطيع أن يشعر بها أو يجربها في جسده، وليس لديه وصول مميز إليها، في الواقع، يمكن للأطباء وأفراد أسرته أن يمتلكوا القدر نفسه من المعرفة بها، حتى لو اختلفت تصوراتهم عنها.
بعبارة أخرى، هذه المعرفة لا تكتفي بتوليد عدم اليقين، بل تتسلل إلينا من دون أن نكون قد طلبناها، وكأن عدم اليقين يحل محل الجهل.
4) الفخ الأخير للتشخيص المبكر: أن الفكرة تبدو لنا غير محدودة، على الأقل على المدى القريب والمتوسط، إذ ترتبط هذه الفكرة، المتمثلة في أن المعرفة لا حدود لها، على نحو أساسي بموضوعها الجينوم الذي يشبه بئرًا بلا نهاية، يمكن دائمًا المضي قدمًا في البحث، خاصة في مجال علم الوراثة، لتحسين فهمنا لاحتمالات ظهور مرض الزهايمر.
ترتبط هذه الرؤية للمعرفة، على الرغم من لا نهائيتها، أيضًا بموضوع هذه المعرفة، وهو الإنسان نفسه، الذي تصطدم رغبته اللامحدودة في المعرفة بعوائق مثل محدودية العلم ذاته، القادر فقط على إنتاج حقائق مؤقتة، وتداخل مصالح أخرى، لا سيما ذات الطابع المالي، في النهاية، نحن غير قادرين حقًّا على تقييم ما إذا كان حقنا في المعرفة يُحترم أم لا، هذه هي الإشكالية الأساسية لمفهوم الشفافية، فالشفافية لا يمكن التحقق منها بأكملها، والشك دائمًا محتمل، من ثم، فإن الحق في المعرفة لا يمكن تحقيقه على نحو كامل، وحتى أكثر تدابير الشفافية تطورًا وضرورةً لن تتمكن أبدًا من القضاء على الشكوك والمخاوف.
السلطة المضادة والمعرفة المضادة
هذه هي الحدود الأساسية للتشخيص المبكر: معرفة لا يُتحصّل عليها بموافقة حرة تمامًا، ومعرفة ذات تأثير أدائي، ومعرفة تخلق حالة من عدم اليقين، وأخيرًا معرفة لا نهائية بطبيعتها، في هذا السياق، يُظهر الحق في المعرفة رغبة في المعرفة أكثر مما يعبر عن اختيار حر، ومن خلال هذه الرغبة، تنعكس القوى النفسية والاجتماعية التي أوجدتها، ما يجعل الحق في المعرفة أقل ارتباطًا بالحرية وأكثر ارتباطًا بالتأثيرات الخارجية.
كيف يمكننا مواجهة هذه المعرفة الجديدة؟ هل ينبغي أن نغلق أعيننا ونحاول العودة إلى عصر الجهل عبر حظر الوصول إليها؟ هذا أمر مستحيل، فضلًا عن أنه يعني التخلي عن السعي لتطوير العلاجات، في وقت يُمزق فيه الستار الذي كان يغطي ميولنا الوراثية على نحو لا رجعة فيه[7]، فإن الحل الوحيد المتاح لنا لمواجهة هذا الإلزام بالمعرفة، الذي قد يكون مستعبدًا في نواحٍ عديدة، يكمن في ممارسة نقدية قادرة على كشف قيود هذه المعرفة، هذا العمل النقدي يجب أن ينجزه كل من مرسلي المعرفة ومتلقيها على حد سواء، وحده هذا التمرين النقدي يمكن أن يكون شرطًا للحفاظ على الحرية، التي لا تُفهم هنا فقط على أنها التمتع بحق المعرفة، بل أيضًا حق في نقد المعرفة، وهو مكمل ضروري للأول.
إن من المهم نشر ثقافة نقدية في المجتمع يمكنها أن تكون بمثابة سلطة مضادة ومعرفة مضادة في مواجهة هذا النوع من المعرفة التنبؤية، يجب أن تسمح السلطة المضادة الديمقراطية، على مستوى سياسي بحت، بجعل دوافع الجهات الفاعلة التي تقف وراء هذه الدعوة إلى المعرفة واضحة وصريحة، بحيث لا يُنظر إلى هذه المعرفة على أنها محض تعبير حر عن رغبة الأفراد في المعرفة، مع ذلك، لا ينبغي بالضرورة أن تكون هذه الدوافع محل إدانة عامة في الحالات جميعها، مثلًا، السعي العلمي لتطوير علاجات جديدة، خاصة لمرض الزهايمر، ليس هدفًا غير مشروع، بل إن فكرة الواجب المدني في المساهمة في البحث العلمي لصالح الأجيال الحالية والمستقبلية فكرة يمكن الدفاع عنها تمامًا، في المقابل، قد تكون هذه الدعوة إلى المعرفة تعبيرًا عن مصالح تجارية تسهم في تكريس التمييز الاجتماعي، مثل تلك الخاصة بصناعة الأدوية وقطاعات التأمين والبنوك.
ينبغي أن تعمل المعرفة المضادة على إزالة الغموض عن المعرفة التنبؤية، بحيث لا تُقدَّم على أنها إجابة يقينية على سؤال أزلي، بل بوصفها إجابة غير مؤكدة على سؤال ابتكر وأثير بفعل إرادة مؤقتة للمعرفة ومبنية ثقافيًّا، يقع هذا الواجب التربوي على عاتق كل من السلطات السياسية والطبية على حد سواء.
[1] يشكر المؤلف جوناثان راسين Jonathan Racine، الذي ساعدته ملاحظاته الدقيقة في توضيح بعض الجوانب من هذا النص
[2] لويس بورتLouis Portes، في البحث عن أخلاقيات طبية، باريس، ماسون، بوف، 1954م.
[3] المصدر نفسه، ص. 159.
[4] جان-بيير دوزون Jean-Pierre Dozon,، “أربعة نماذج للوقاية” ضمن كتاب جان-بيير دوزون وديدييه فاسين (تحرير)، نقد الصحة العامة: مقاربة أنثروبولوجية، باريس، بالاند، 2001م، ص. 127.
[5] إيمانويل كانطEmmanuel Kant، “إجابة على السؤال: ما هو التنوير؟”، ترجمة جان-فرانسواJ.-F بوارير Poirier وفرانسوا بروست F. Proust,، باريس، غارنييه فلاماريونGarnier Flammarion، 1991م، ص. 43.
[6] المصدر نفسه، ص. 44.
[7] بيير روزانفالون Pierre Rosanvallon، السؤال الاجتماعي الجديد: إعادة التفكير في دولة الرفاه، باريس، سوي، 1995م، ص. 155
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




