مقالات

عن أبناء اللغة غير الشرعيين أو في الحديث عن الخيانة اللغوية

محمد صلاح بوشتلة

لتحميل المقالة : عن أبناء اللغة غير الشرعيين

تقديم

في إجادة تامة كان يَكتُب؛ الشّذرة عنده كانت نُدْبَة غائرة يتركها على وجه فيلسوف أو ضربة سوط ينهال بها على ظهر مرحلة تاريخية بأكملها، والفقرة كانت عنده جُرعة تكفي قارئًا خبيرًا عن قراءة كتاب في مذهب فلسفي ما، والسّطر كان ومضة تُضيء ما بين فيلسوف وآخر، وكل ذلك عبر شذرات، طَلب ج. دولوز من قُرّائه ألا يحملوها محمل الجدّ، غير أنه كان يفتح من خلالها ثغورًا، كي يغامر في المجهول؛ كما نبهت إلى ذلك حنّا أرندت. وضمن كل هذا أعاد للغة الألمانية شيئًا من هيبتها بين اللّغات الأوربية، خاصة ونصيحة نيتشه للألمان والأوروبيّ عصره كانت أن يكتبوا بأسلوب جيّد، أي أن تكون هناك قابلية لما يُكتب في لغة المؤلف حتى يُترجم إلى لُغات الدّول المجاورة، وهذا ما لم يجده في الألمان الذين كانوا يكتبون بألمانية ركيكة، إلى درجة اتهامهم بأنهم «لا يعرفون تكوين جملة واحدة»،[1] في مقابل ما يكتب هو، بشكل جعله يتمنى لو أنه يقرأ كل ما كتبه الألمان بالفرنسية، بل أنهم كتبوا ما كتبوا بالفرنسية.

 

1 ـ بين نيتشه ودريدا والخطيبي

هل كان نيتشه يُريد أن يتخلص من لغته الأصل كما تخلى ذات لحظة عن جنسيته البروسية من أجل العمل بالجامعة السّويسرية؟ وهل كان سيحمل للغته بعض الشّوق وهو في حضن لُغة أخرى؟ وهل كان سيشعر بنوع من الذّنب تجاه جريرة تخليه عن لغته الأصل حتى لو أتقن الفرنسية وأتقن الكتابة بها بشكلٍ لم يعد ممكنا معها مجاراة ومراوغاته كما حالة دريدا مثلًا؟ دريدا الفرنسي الذي ليس فرنسيًا خالصًا، والذي خصّصَ لأسلوب نيتشه المراوغ كتابًا كاملًا بالفرنسية، دريدا الجزائري اليهودي الذي لم يسعَ نحو الفرنسية، وإنما حُكم عليه بها، والذي كان يؤكد أنه لا يملكها، لكنه وجدها تحت تصرّفه[2]، ولهذا فهو لا يملك غيرها، ومع ذلك فهي لم تكن لغته، ليعترف أن اللّغة التي يتقنها ويحّبها هي لُغة الآخر، لكن أي آخر هذا الذي يقصده؟ هل هم الذين يشكّلون أصلًا له: اليهود العرب الجزائريين؛ إذ هو ينتمي لما عُرف بالأقدام السّوداء؟ أم هم الفرنسيون والفرنسية التي انتمى إليها لاحقًا؟ إنه لا يشبه نيتشه فقط، وإنما يتجاوزه، فهو تخلى عن لغة الأصل التي هي لغة يهود الجزائر، تنصّل منها وانسلخ عنها، ولاذ بحمى الفرنسية، ربما لأنه رآها أكثر ربحًا وأكثر رواجًا، فكتب بها ونافح عنها، بشكلٍ لا يثير الذّعر وإنما يثير حفيظة سَلفه لربما.

لكن دريدا عكس نيتشه «فقيه اللّغة» الذي تشبّع بالألمانية ونكث بها، فدريدا قد وجد نفسه في سنٍّ مبكرة ضمن مدرسة فرنسية، وكطفل لم يحس بأنه يتعرض لعملية اجتثاث لغوي سيشعر معها بألم مقيت، بشكلٍ يشبه عملية ختان تمت في سن صغيرة، لا تترك معها ذكريات تُذكر، غير أنها عملية ختان طالت لسانه، وبنوع من القهر الذي لا نشعر به صار خريجًا للمدرسة الفرنسية، ليتعرض إلى عملية إعادة إنتاج مبكرة، أمدّته بفكرة عِصمة الفرنسية، وتولت المدرسة تقديم عُروضٍ لغوية أخرى له، عن طريق التّلقين، سرعان ما سيتنازل فيها دريدا لأساتذته عن أصله لصالح اللّا أصل، ولأنه لا اكتساب للغة دون اكتساب آخر للـ«ـعلاقة مع اللّغة» كما ينبه بورديو، فعوض قراءة التوراة والنصوص الممجدة لـ «يهوه» في البيع اليهودية، أخذ يُرتل أناشيد وأشعار ملارمي وبودلير، لهذا سيطيب له أن يعترف «أنا أحادي اللّغة، وأحاديتي اللّغوية هذه كانت وستبقى بيتي، هكذا أحسها، وهكذا أسكنها وتسكنني، وهكذا ستبقى، إن الأحادية التي أتنفّسها هنا هي بمثابة العنصر الحاسم في حياتي»[3].

إنّ التحاق دريدا بالصّفوف الأولى للفرنسية، يمكن عَدّه على أنه لا أصل لديه كي يخسره أصلًا، وكي يخلّف عنده مقاومة، لهذا لم يكن بمقدوره أن يُسمي الفرنسية بكونها: لغته الأم، والتي كان يجد صعوبة كبيرة في نطق كلماتها، في الوقت الذي يعتقد فيه البعض بأنها لغته الأم[4]، أما بخصوص نيتشه فقد وُلد من أبوين ألمانيين وفور قطع الحبل السّري مع أمه وجد لغته الأم تنتظره لتعلمه أسرار حروفها.

القراءة أو الكتابة بلغة غريبة؛ تزيد من درجة الغربة، وتزيد من اضطرابات الكاتب العصابية، يقول دريدا: «إن تعلّقي بالفرنسية يأخذ أشكالًا أقدّر في بعض الأحيان أنا ذاتي بأنها أشكال “عصابية”. فأنا أشعر بالضّياع خارج اللّغة الفرنسية»[5]، فبنوع من الخوف والذّعر من باقي اللّغات يقف دريدا عاجزًا عن مجاوزة الفرنسية إلى سواها، حتى مع تلك التي يستطيع قراءتها وفكّ رموزها وحتى تكلمها، فإنها لغات لا يستطيع أن يسكنها أبدًا، بل ويشعر أنه تائه تمامًا، خائر القوى ومذموم خارجها، وعميل لجهات أجنبية وهي اللّغات الأخرى، يقوم بخدمتها على حساب لسانه هو، لذا يشحذ هِمّة المقاومة لصالح فرنسيته المزعومة، بأن يكتب ويتكلم بالفرنسية، وهو ما لم يعبّر عنه نيتشه، كما لم يجازف بأن يكتب بغير الألمانية، ليبقى كلامه عن الألمانية والفرنسية في حدود المناوشات والاستفزاز لعالَمه الألماني، أو ليبقى الأمر أبعد من ذلك فلكل لُغة دور لا يمكن أن تبُزّه إياها الأخرى، لتبقى نفس الكاتب مُعلقة تشرئب إلى إشباع حاجة ما. التّركية أليف شافاك مثلًا تكتب، بحسب قولها، بقلبها عندما تكتب بالتّركية، وبعقلها عندما تكتب بالإنجليزية.

صديق دريدا، وشبيهه في حالة «الفرانكو ـ مغاربي franco – Maghrébin» عبد الكبير الخطيبي الذي استوطن هو الآخر لغة لم تكن لغته، وإنما لُغة سيده الكولينيالي، لغة وإن اعتبر نفسه فيها ابنًا غير شرعي، بعد أن ضَيّع لُغة أمه ووالده وسلالته أجمعين، بحسب قوله، غير أنه توغل فيها كثيرًا؛ وتوغلت فيه أكثر ولو بخطوات محتشمة[6]. كتب وأبدع بها، وبزّ فيها أبناء الفرنسية من الفرنسيين، وبقي يمارس استغواءهم نحو أصوله بلغته الفرنسية/ الأجنبية[7]، رغم أنه في سؤال داخل الفصل عن المهنة التي ودّ مزاولتها حين يكبر، أجاب أنه يودّ أن يصير سائق حافلة، عكس زميله الذي كان يودّ أن يصير فرنسيًا! كجواب عن نفس السّؤال، لكن سعي هذين المغاربيين اللّذَيْن تبنّتهما الفرنسية: الخطيبي ودريدا للحديث والكتابة بالفرنسية، أيعني ذلك عجزًا في اللّغة الأصل، كما هي حالة نيتشه، واعترافًا ضمنيًا بتفوق لغة على لغة؟ سنُجيب عن هذا السّؤال من خلال شهادة طرف ثالث صاحب دم فرنسي خالص هو رولان بارت الذي مات والده دفاعًا عن فرنسا في الحرب العالمية الأولى قبل مولده بأشهر[8]، شهادة بارت على الفرنسية بالعجز، بل يعبّر صراحة أنه خَبر نواقصها الفادحة؛ ويُعبر عن هذا بمشاعر تشبه مشاعر نيتشه تجاه لغته، من أنه لا يشعر بالأمان داخلها، الشّيء الذي نمّى داخله ميلًا إلى اللّغات الأعجمية، من مثل اليابانية التي تُمّثل بنيتها له، صورةً وتلقينًا، نظام ذات مُغايرة[9]، إلى درجة عبّر عن رغبته في أن يؤلف كتابًا بعنوان: «هل أنا سعيد؟ حزين لكوني فرنسيًا»[10]، لكن خطأ سائق حافلة لم يترك له فرصة ليؤلف هذا الكتاب. كما لم يترك له فرصة لأخذ وجبة الغداء مع فرنسوا ميتران يوم حادث السّير، ميتران الذي سيصير رئيسًا للجمهورية بعد سنة من وفاة بارت صديق عبد الكبير الخطيبي العزيز، هذا الأخير الذي رغب ذات يوم في أن يصير سائق حافلة.

لجوء دريدا والخطيبي للفرنسية يبقى، مَهما كانت الذّرائع، نأْيًا عن لغة محتقرة وغير محترمة، أو لا تخدم مصالحهما بشكلٍ جيّد، ولربما برغبةِ ما في إهمالها، بسبب موضة ما أو حتى طموح شخصي، إلاّ أنه قد يكون الانزلاق أو التّسلل إلى لغة أخرى مجالًا أكثر خصوبة وإبداعًا وتحرُّرًا، ما دامت الفرنسية، عند فرنسي ليس فرنسيًا كاملًا هو ليفيناس، لغة ذات قدرة هائلة على استضافة كل المعاني المسافرة من أكثر من مكان، بما في ذلك النّبوءات التوراتية، لجذورها التي تعود إلى اليونانية، في الوقت الذي تبقى فيه الألمانية التي تعود بجذورها إلى اليونانية عند شعوب قريبة من الألمان لُغة غير محتملة في حالة استضافة هذه الشّعوب لكلماتها، وفي حالة استضافة الألمان لها، فالألماني تعني «الأخرس» لدى السُّلاف، أجداد نيتشه، كما ادّعى ذات مرّة نكاية بأصوله الألمانية، وكلمة «Tudj» التي هي نفسها لفظة «teutsh» تدل على الغريب، إنهم: نيتشه والألمان؛ سُلالة غير نقية كما هي لغتهم أصلًا.

2 ـ عن الوطنية اللغوية

رغم أن الفرد يقارب الحياة داخل مجتمعه أو جماعته الأولى معينةً باعتبارها ليست فسادًا لبشريته، وإنما هي أداء لوظيفة طبيعية، وأنّ المجتمعات التي نجد أنفسنا ضمنها، إنما تأتي إلى الوعي الذّاتي قبل الأفراد، وبالتالي فالشعور بالانتماء إلى المجموعة وما ينتج عنه من مشاعر عن فخر العشيرة، والاعتزاز بالانتساب للطائفة هو أول شعور يعرف من خلاله

الفرد كيف يمّيز نفسه عن رجال باقي المجموعات الأخرى، وأن يتصوّر أصالته الخاصة به؛ إلا أن نيتشه ظلّ في كثير من شذراته يطرح السؤال نفسه، وإن بطرقٍ ماكرة:كيف أصير فرنسيًا؟ كيف أمسَخُ ألمانيتي؟ كيف أهرب من انتمائي؟

لقد كان نيتشه ينظر إلى الفرنسية بأنها بلد استضافة؛ يكون فيه لاجئًا مكتمل الحقوق، هاربًا من ظلم حاق به وبفكره، نموذجه في ذلك مصير شُوبنهَاور وفكره في فرنسا العقل، فرنسا التّشاؤم حيث «أصبح شُوبنهَاور اليوم في بيته وموطنه، الأمر الذي لم يتحقق له أبدًا في ألمانيا»[11]، ما دام أن الألمان يفتقرون إلى الأصابع الدقيقة لملامستهما. خاصّة وشُوبنهَاور أصبح في الوقت المناسب منيعًا ومحترسًا من ضيق الأفق القومي، خاصّة مع الأسفار المتعددة التي ضمِنتها له رفقة صديق والدته غوته، ورفقة والده الذي ضمنت له شخصيته الحُرّة والفخورة أن يبقى مستقلًّا عن شخصية الأم إذ «وهبته أول شيء يحتاجه الفيلسوف: رجولة صارمة وصلبة»[12] بعيدًا عن شخصية الأم، وعن اللّغة الأم التي نتعلّمها، كما يقول دانتي، على صدور أمهاتنا، اللّغة الأم التي كانت تكتب بها والدته روايتها التي لم تعجب شُوبنهَاور على الإطلاق، ليشعر شُوبنهَاور بالراحة في إنجلترا، وفرنسا وإيطاليا، الشّيء الذي دفع به إلى أن يعتبر أنه ليس شرفًا أن يكون مولودًا بين الألمان بالذّات[13].

على الرّغم من أنه كتب نُصوصًا بلغة ألمانية جيّدة، وبالرّغم من أنه جعلها من خلال نصوصه المقدّمة لقرّائه، لُغة تسير على قدمين، متمالكة لروحها ومتماسكة القد والقوام، وقادرة على النهوض والتّحدث برأسٍ مرفوع وبعينين براقتين، فأن ترزق لُغة بكاتبٍ جيد كنيتشه؛ هو دليل على معافاة الجسد اللّغوي وصحته وعودة الرّوح فيه، حيث قدّم نيتشه باسمها نصوصّا تجذب قرّاءً جُددًا، لقد وُهِبَت الألمانية: اللّغة والبلد، عنفوانًا آخر، غير أن التّهم الثّقيلة التي يوجّهها إليها تبقى شرسة، شريرة وعدوانية، باعتباره لها لغة مقزّزة لشعب مقزّز هو الآخر؛ بربري وخشن ومحروم من أيّ معنى، تُهم لا يمكن حملها حتى على النيران الصديقة، بشكل لا يمكن أن نحسب معه نيتشه على الفلاسفة ما قبل أفلاطون حيث كان «الفيلسوف يحمي وطنه ويدافع عنه قبل كل شيء»، كما يقول هو، بل يمكن عدُّه على نوعية أخرى من فلاسفة آخرين بدأوا في التناسل منذ أفلاطون ممن أصبحوا يعيشون في المنفى، وفي الوقت نفسه يتآمرون على وطنهم[14]. يتشابه نيتشه في هذا مع شُوبنهَاور الذي كان يتضايق غير ما مرّة من وطنه، معتبرًا مقابل ذلك فرنسا وإيطاليا وإنجلترا أوطانا أخرى له، متأثرًا في ذلك، بطلب مستعجل من صديق والدته غوته بالتغاضي عن الآداب الوطنية وقيام الأدب العالمي، بالإضافة إلى ضرورة «كونية في الفهم وفي القبول الإثباتي، والاستعداد لتقبّل كل وافد»[15] لكن هذه الوطنية الباهتة سرعان ما ستُعبّر عن نفسها في الأوقات التي تُستفز فيها وطنية شُوبنهَاور ويُنتقص منها، سواءً تجاه البلد أو تجاه اللغة.

شُوبنهَاور في هذا الصدد سيتورط، ذات مرّة، في نقاش في مقهى مع أشخاص من دول أخرى، وهم يلمزون بلده، فيستشيظ غضبًا ويرد عليهم بالقول: «في اعتقادي أن الأمة الألمانية، وإن كانت من أغبى أمم التّاريخ، غير أنها تمتاز في أنها وصلت إلى درجة من التّحضر استغنت فيها تمامًا عن الدّين»، ويهجم عليه جلساء المقهى ويطرحونه أرضًا، ثم يقوم، وينفض الغبار عنه، دون أن يأبه بهم وبسقطته. لكن ربما لا يكون حب اللّغة الأم غالبًا يتضمن حبًّا مساويًا لحب الوطن[16]، وقد لا يتلخص كل الحب في الوطن فقط، ما دام أن الفرنسي مثلًا هو فرنسي بالصّدفة بحسب مونتيسكيو[17]، وشوبنهاور ونيتشه هما ألمانيان هنا بالصّدفة أيضًا، وليس بالضّرورة، فالمواطنة هي مجرد لحظة عرضية لا بحسب قول دريدا فقط، وإنما بشهادة واضحة من نيتشه فاختيار البلد يشبه اختيار الدّيانة واللّغة، فالبريطاني لم يختر أن يكون بريطانيًا ولم يختر أن يكون مسيحيًا، «بل إنه وجد المسيحية والجنسية البريطانية قائمتين فقبل بهما دون سبب محدد […] ثم إنه ربما يكون قد أفلح فيما بعد، وهو ثابت في مسيحيته وبريطانيته، في إيجاد بعض الحجج التي تؤيد تعوّده ذاك»[18]، ونيتشه الذي عاش في أكثر من بلد كان يجد متعة في الإنصات للهجات الطّليان ولهجات الفرنسيين من أهل المدن وأهل القرى، ولهجات حتى المحسوبين على الألمانية من نمساويين وسويسريين وكان يجد في مخارج حروفهم متعة تفوق الإنصات للمحسوبين على العمق الألماني.

هذا الإيمان بالوطنية المتعددة لدى شُوبنهَاور هو ما لم يستطع أن يؤمن به فيلسوف مخترق بالنّعرة الوطنية، وبالتّعصب لكل ما هو جرماني، ومتهم بجنحة الولاء للنّازية هو هايدغر الذي جعل للألمانية بنتًا شرعية للعائلة اللغوية اليونانية، ونتاجًا لأمشاجها، والألمان ليسوا مجرّد أنصار للإغريق في الزمن الحاضر، بل إنهم أفقهم التاريخي كذلك، ليقف بالنّسبة له كل من بارمنيدس، وهراقليطس، وآناكارسيس في موقف وخطّ واحد مع نيتشه، وهولدرلين، وشيلنغ، وهوفمان في مواجهة الساسانيين أعداء أثينا، والذين نسي هايدغر أن شيئًا ما جعل نيتشه يستلف منهم اسم نبيه زرادشت، وذلك في حِلف لمواجهة بقية الشّعوب غير المتحضرة، لهذا لن يقدر إلا الألمان والألمانية، بحسب هايدغر، على الكشف عن العمق الذي كان للغة اليونانية، والذي نفث في الإبداع الفلسفي الإغريقي.

الرّهاب والخوف الهايدغري مما هو غير ألماني ظلّ دومًا يؤرقه، ليظلّ هو في المقابل يَحاذِر ويُحذِّر منه، يقول: «إن شعبنا الموجود في الوسط، يخضع لأعنف ضغط ممارس عليه من طرف الكمّاشة. فهذا الشّعب المتوفر على أكبر عدد من الجيران، هو أيضًا الأكثر عُرضَة للخطر […]، وإذا ما نحن أردنا ألا يندثر القرار العظيم المتعلق بأروبا، فإنه يتعين بالضّبط، أن يتحقق هذا القرار بانتشار قوى روحية جديدة، مندفعة إلى الأمام ومنبثقة من هذا المركز»[19]، قوى ترفض التّنازل عنه، بل تتقدم به إلى أقصى الحدود، بعيدًا عن المركز، في نعرة وطنية واضحة، تنتصر لما هو جرماني أصيل، وفي ربط ثَمِل بين ما هو لغوي وما هو عرقي، إذ «هناك هجوم للإنسان على الوجود عن طريق اللغة»، هجوم يكاد يكون حربًا على راعي وحارس الوجود: اللغة، وحربًا من أجلها، لذا فالألمان وحدهم بحسب هايدغر، وعلى شرط أن يكتشفوا ويحافظوا على الجرمانية، من ينبثق منهم الوعي الحاسم بالنّسبة للتاريخ الكوني[20].

هذا الحفاظ على الألمانية، في حرب الوجود أو العدم، هو ما جعل هايدغر يكتب بطريقة لم تكن لتعجب سَلفيه نيتشه ولا شُوبنهَاور، لكثرة التفافاتها وغموضها، طريقة كتابة لا تقبل التّرجمة مثلها في ذلك مثل السّلالة التي ينحدر منها، والتي يمّثلها هيغل وكانط، والتي تفرض عليك ليّ لسانك بالألمانية وليّ عنقك نحوها لتتعرّف على مضمون النّص، مثل هايدغر في هذا مثل أدورنو الذي كان، يُقدّر ألمانيته ويقف عندها باحترام، وإجلال تام، لكن دون أن ينهاه ذلك على أن يُوجه لها بعض اللّوم، بشكل لخّصه جاك دريدا، حينما اعتبر أن أدورنو بقي على حبِّ لغته الأصل، غير أنه حبٌّ أبقاه بعيدًا عن أيّ نزعة وطنية، وعن أيّ اعتداد بلغة الجماعة وانتصار لميتافيزيقاها.

وفي السياق ذاته نجد تلميذة هايدغر المحبّبة والمحظية حنّا آرندت تؤكد بألاّ شيء يمكنه تعويض اللغة الألمانية بالنسبة لها، هذه الإجابة / الشهادة كانت بُعيد معاناة مريرة من النّازية المتعصبة للألمانية، فاللغة الألمانية ليست هي من جُنّت، وإنما بعض الألمان (النّازيون) هم من جُنّوا؛ إذ هنا يُتهم الألمان وتُتهم ألمانيا الرّقعة الجغرافية، لكن لا يمكن اتهام الألمانية[21]، فاللغة عمومًا ليست إنتاج حزب بعينه أو إنتاج أكاديميين باعوا ضمائرهم لنظام قهري؛ وإنما هي، كما يذهب إلى ذلك بورخيس، نَتاج زمن طويل من كدح الفلاّحين، والصّيادين، والفرسان، والمياومين، والناس العاديين، فاللغة لم تنبثق من المكتبات، وإنما من الحقول، من البحار، من الأنهار، والمعامل ومن الليل، من الفجر، والموقف منها موقف من كلّ هؤلاء الذين تشكّل البراءة صفتهم الأولى والأخيرة التي لا يمكن لأحد أن ينازعهم إيّاها ولو بشيء من التّفاوت.

3 ـ عن الخيانات اللغوية

رغم كون الألمانية لغة غير محترمة عند نيتشه، ومحرومة من أيّ معنى وأيّ أسلوب، بشكل جعل نيتشه، مُحرجًا منها بسبب سِندِبَاديته التي تجعله يُلوِّح لأكثر من لغة، ويتلصّص النّظر بعين الشّوق، ويمدّ بكفّ الضّيافة الفرحة لكذا ثقافة، فإنه سعى إلى أن يُنطقها رغم أنفها، في نصوص تعتبر من عيون الأدب الألماني، ومن منابع الفلسفة الألمانية على حدٍّ سواء، فيرفع عنها بالتّالي شيئًا من الحرج، غير أنه سرعان ما سيأتي بعده سارتر من الجانب الفرنسي متأسفًا عن عدم مقدرته التّعبير بطلاقة عن أفكاره بالفرنسية ناظرًا بطرفٍ خفيّ وشبق إلى الإنجليزية. لكن ألا يتدخل في انبهارنا بنصوص نيتشه الآن أنها كتبت بالألمانية قبل أن تُترجم إلينا؟ فمسألة الانبهار بالكتب كما ينتبه إلى ذلك بشيء من الطّرافة والعمق مارسيل بروست إنما سببها أنها تبدو لنا كما لو أنها كُتبت بلغة أجنبية. أو كما نبّه إلى ذلك دريدا على أنها كُتبت بلغة أخرى لا بلغتنا، ولا بلغة أجنبية، حيث يقف المترجم في الوسط، حيث لا يتخلى عن غرابة النّص ويدّعي أنه لا يخونها.

ليس نيتشه، وليس سارتر، وليس شوبنهاور وحدهم، وإنما كل من في قلبه لغة يعرفها جيّدًا، تشغل باله، أو في خياله تشغل ذهنه، يودّ أن يخون معها لغته الأصل يومًا، فكلنا ننسى جمال نسائنا، في لحظةٍ تستبد بنا فيها النّزوة، وننسى نقاط قوتهن، وطول عشرتهن، وصبرهن على أخطائنا الإملائية في حقهن، ونبحث بصلافة وبشاعة عن نقطة افتتان واحدة في الأخريات ليفيض كأس خيانتنا، ويفتضح أمرنا، ونصير حديث أَلَسْن من هبّ ودبّ ممن يعرفون الكلام وممن لا يعرفون. إننا كائنات تعرف كيف تخون، وتودّ دومًا أن تهب نفسها حق الخيانة الدّائم سواءً كنّا بصدد النّساء أو بصدد اللّغة، أو بصدد الأمور العادية جدًّا في الحياة. كل واحد منا هو يهوذا الخائن، وكل لغة يسوع الطّيب والصّابر، كلنا كائنات خوّانة تستلذ التّآمر، وتستعذب الخيانة وتقتات عليهما، وحتى إن حافظنا على عذريتنا، ووفائنا لنسائنا في الدنيا، فالأمر إنما يكون بغرض خيانتهن مع نساء هن الأجمل وجهًا، والأنتق أرحامًا، والأعذب أفواهًا هن حوريات الآخرة.

ومع خيانة النساء في الآخرة دومًا، هناك رغبة لخيانة اللّغة كذلك في عوالم البرزخ، ولنتذكّر هنا بورخيس شبيه نيتشه في ضعف البصر، وإن بفارقٍ ليس بالكبير (واحد لا يرى بالمرّة، والآخر يرى لكن لثلاث خطوات أمامه فقط) بورخيس الذي وإن كان يخون لغته الأصل مع ثلاث لغات أخَر، غير أنه ظلّ طالبًا المزيد بتسجيله ندمه وتحسره على عدم تعلّمه العربية التي حاول تعلّمها مع معلّم مصري، وقيل إنه فشل، أو لربما تعلّمها بنجاح غير أنه كان يتستّر على ذلك، ففعل الخيانة وإن مع اللغة، يظلّ فعلًا محرّمًا، وغير محترم، إذْ ليست هناك خيانة مرفوعة الرّأس. بورخيس الذي جعلته تنقلاته الطويلة بين كذا بلد يتساءل في أي مدينة سيقضي نحبه؟ هو بورخيس الذي كان يعيش بأربع لغات، والذي ظل شاكّا في أيّ حضن من تلك الأربع سيموت وسيقضي نحبه؟ أم تراه كان يأمل في حضنٍ (لغة) أخرى؟ طارحًا السّؤال «على أيّ لُغة سأموت؟» في قصيدته المعنونة بـ: «ما الذي سيقع للمسافر المتعب؟». ليجيب عن سؤال لا نطرحه عادة: «على أيّ لُغة سأموت؟»، بأنه، وكيف ما كان الحال، لا يودّ بتاتًا، أن يموت في لغة لا يفهمها. ليكون آخر كتاب قُرئ عليه من طرف ممرضة بالمستشفى هو كتاب نوڤاليس Heinrich von Ofterdingen، الذي قرأه لأول مرّة إبان سنوات المراهقة في جنيف التي قرأ فيها هاينه، وبودلير المحببَين عند نيتشه.

بورخيس، على الأقل، ليس كنيتشه، فقد أعطى افتراضين للإجابة عن سؤاله السّابق، هما لغتاه الأصل، أي لغة والده وبلده الإسبانية، ولغة أمه الإنجليزية، فالقريب من الدّم ومن البلد قريب من القلب، كنوع من البر من بورخيس، وكنوع من احترام ذكرى هؤلاء الذين برّوا بنا ذات طفولة، وإن أظهر نزوعه وحبّه نحو نصٍّ ما أو كتابٍ ما، فالأمر لا يعدو أن يكون شبيهًا بالحُبّ الذي نُكنّه لأبناء العشيقة؛ ليس حُبًّا كاملًا وخالصًا، وإنما حُبٌّ مرهون بأملِ إشباع نزوةٍ ما، قد تكون عابرة. فهذه العشيقة مهما كانت، فإنها لن تصل إلى مرتبة ومنزلة الأم التي قد تكون فقدت كثيرًا من جمالها، وفقدت كثيرًا من أسنانها، وكثيرًا من إثارتها. غير أن كل هذا لا ينفي أنه بسبب خيانة أو مجرد نسيان نعمة قد نضطر لنسيان لغتنا الأم بأكملها فجدنا الكبير آدم عليه السّلام، حسبما يقول المعري، كان في الفردوس الأعلى يتكلم عربية فصيحة، غير أنه نَسي، على ما يظهر، عربيته، وصار سرياني اللّسان[22] إلى أن مات[23] «، «وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا»[24] غير أن أبانا آدم، كما يروي لنا أبو العلاء، تداركته رحمة ربه واسترد عربيته حين عاد إلى الجنة، فلكل موقع لغته التي تليق به، لكن السؤال الذي يَطرح نفسه كيف يمكن للغة العربي البدوي الذي يعيش في صحراء جدباء أن يحوز على معجم يسَع كل نعيم الجنة من أشجار وثمار وأنهار وبقاع؟

نعود ونقول إنه في لحظات كثيرة لا يعطي نيتشه للغة عمومًا ما تستحقه، فبالنسبة إليه اللغة لا تقدر أن تبرز مثلًا، بشكل واضح، منشأ الموسيقى الأصلي والعميق، ولا تستطيع أن تُساير الفيلسوف في نقل أفكاره عن العالم والأشياء، الفيلسوف السّاعي لأن يتردد فيه صدى انسجام العالم كله وإخراج هذا الانسجام على شكل مفاهيم؛ إذ إن اللغة تتدخل لتُعسّر مهمته في نحت هذه المفاهيم التي تبقى المهمة الأصعب، والأشد وطأة عليه والأكثر خطورة، فما يعتلج من أفكار وحُدوس داخلية، يشبه لحدٍّ كبير تمتمةً بلغة أجنبية يعبّر بها الكاتب عمّا عاشه، رغبة من الفيلسوف في تقاسم ما رآه مع الآخرين.

وهذا التقاسم إنما يتم عن طريق اللغة، التي تبقى من وجهة نظر نيتشه وسيلة فقيرة جدًّا، بحيث حينما نعوّل عليها لتوصيل فكرة تقوم هي بفقرها وقلّة حيلتها بمسخها، وهو الشّيء الذي قاد طاليس حينما رأى وحدة الوجود، ورغب في التّعبير عنها أن يتحدّث عن الماء[25]. وكأنه صوفي في حالة جدب أو سُكر أعجزته العبارة فتَاهَ عن المضمون، وكأن اللغة عاجزة عن الإحاطة ببانورامية التّجربة الدّاخلية التي نبنيها في عالم الأفكار.

إننا نخفق دومًا في توصيل الفكرة ومعها توضيح الرّؤية التي انعكست في دواخلنا، إذْ «حتى أفكارنا الخاصّة لا نستطيع أن نترجمها إلى كلمات»[26]، لنضطرّ إلى الاستغناء عن الكثير من تجاربنا وملاحظاتنا لعدم حصول شرط القدرة على الإفصاح عنها، للعوز الذي يعتري معاجمنا، والارتباك الذي يُحدثه هذا الفقر داخل اللّسان، فحينما نُعوّل عليها لتتكلم وتسهب في الشهادة على ما شاهدناه، تقابلنا بالخيانة، وحيثما اتسعت رؤانا ضاقت بنا كلماتنا ونأت بنا بعيدًا جُملنا، لذا فـغالبًا ما تُشكّل اللّغة ومعها الأحكام المسبقة[27] التي تقوم عليها، لتكون اللّغة نفسها «عائقٍا أمام التّعمق في الظّواهر الدّاخلية وفي الغرائز: وذلك لأنه لا توجد كلمات إلاّ لوصف الدّرجات العُليا من هذه الظّواهر والغرائز. والحال أننا قد اعتدنا ألاّ نقوم بالملاحظة إذا أعوزتنا الكلمات؛ إذْ يُصبح من الصّعب حينها التّفكير بدقة؛ بل ذهب النّاس فيما مضى إلى حدِّ القول عن غير قصد بأنه حيثما ينتهي سُلطان الكلمات؛ ينتهي كذلك سُلطان الوجود».[28] تطور الوعي عند الكائن بالعالم وبنفسه، إنما يتحدّد بتطور اللّغة، فالوعي واللّغة «يسيران يدًا بيد. لنضِف إلى ذلك أن اللّغة ليست وحدها هي التي تمدّ جسرًا بين إنسانٍ وآخر، بل كذلك النّظرة وضغط [اليد] والإشارة، أما الشّعور بانطباعاتنا المحسوسة، أو القدرة على إثباتها وموضعتها خارجنا تقريبًا، فقد تزايدت تناسبيًا مع الحاجة المتنامية لتبليغها للغير عبر إشارات. إنّ الإنسان المخترع للإشارات هو في ذات الوقت الإنسان الذي يعي ذاته بشكلٍ حادّ أكثر فأكثر».[29] ومع كل الانتقادات التي يصوّبها نيتشه إلى رأس اللغة، فإن أهميتها عنده تكمن، بالنسبة إلى تطوّر الحضارة، في أن الإنسان أودَع فيها، إلى جانب العالم الآخر، عالما خاصًا به، وهو موقف أعتبره من المتانة بما يكفي، ليستند عليه كي يَغيظ العالم ويسيطر عليه، «لقد خصّ نفسه فعلًا بهذا الكبرياء الذي به كان يسمو فوق الحيوان: كان يتخيل أنه باللّغة يمتلك معرفة العالم بالفعل» [30].

وأمام كل النّقص والفاقة البلاغية التي أصابت الألمانية، يحاول نيتشه، في لحظةٍ من لحظات تطورّه الفكري الأول، أن يقدّم حلوله للارتقاء بالألمانية، مثاله في ذلك تجربته هو معها في تعلُّمها وتَعليمها، فحينما يريد نيتشه أن ينتقد بطريقته الصّارمة طرق تلقين اللّغة للطالب الألماني، لا يجد غير تجربته الشّخصية في المدارس والثّانويات الألمانية المزيفة التي تُزيف كل شيء حتى علاقة الألماني بكلماته التي تصدر من فمه، وهي الحالة التي لا ينكر أنه عانى منها هو نفسه، والتي أوصلت الأمر إلى ما أوصلته من أساليب غبية وغير مجدية في التّعبير تخترق قلم الكائن الأشقر، حتى إن كل واحد من الألمان صار يتكلم لغته الألمانية الخاصة به، أي إن اللّغة التي تريد أن تجمع البشر على لسان واحد، أو على الأقل تُلملم شَمل شعب بعينه، صارت بِتدخلِ المؤسسات التّعلِيمية في تلغيم اللغة ليصير الشّعب الألماني أكثر بلبلة وتشرذمًا، في الوقت الذي كان يمكن أن يشكل وحدة منسجمة.

تصير اللغة التي كان يجب أن تكون الخيط النّاظم للثقافة الألمانية سببًا في تفسّخ الشّعب وتشعُّب ثقافته، وعلة تخبّطهما، إذ إن كل واحد من الألمان صار يكتبها بأسوأ الطُّرق وأكثرها رداءة وابتذالًا، كلٌّ على حسب غبائه وسوء تكوينه، بشكلٍ أدخل الألمان إلى ما يسميه نيتشه بعصر ألمانيةِ الصّحافة، كنوع من الضّرب والهمز في الأساليب المقيتة المتداولة التي تم تلقينها في المؤسسة التّعلِيمية التي تخلت عن دورها التّربوي في تكوين علماء البلاغة والكتابة إلى دور آخر هو تكوين جماعة من الصّحافيين الذين تتدخل في تحديد هويتهم الصّحفية طريقة تعليم اللّغة الألمانية لهم، هذه الأخيرة التي تصير مع حضور وسم الصّحافة جزءًا من تركيبة ما يسميها نيتشه بعهارة الرّوح حيث تمتزج الحظوة بالمال لينضاف إليها شراء الآراء والذّمم ليُواكبهم التّعبير الوقح عنها. ليدعو نيتشه الألمان إلى جدوى استعادة النّموذج الإغريقي والرّوماني في تعاملهم مع اللّغة وفي حبّهم لها، وتنبيههم إلى مدى الجدية التي كان ينظر بها هؤلاء القُدامى المحترمين جدًّا إلى لغتهم، ومدى تقديرهم المحترم جدًّا لها منذ نعومة أظافرهم.

أمام الإسفاف المقيت الذي أصاب الألمانية من جهة الألمان، والذي يُخجل أي ألماني في قلبه شيء من الحُبّ للغته، يقترح نيتشه أن يُفرض على المراهقين الموهوبين شيء من الذّوق السّليم، وإخضاعهم لترويض لساني صارم: وإذا تعذّر ذلك فإن نيتشه يهدد بالعودة إلى التّحدث باللاتينية، ولو لوحده، لأنه يخجل من لغة تمّ تشويهها وتدنيسها بهذا الشّكل، ومن هنا لربما رغبته في قراءة شُوبنهَاور في ترجماته الفرنسية، ومعها رؤية كتبه منقولة إلى لغاتٍ أخرى وأن تكون بين أيدي شعوب غير الشّعب الألماني، وكأنه يأخذ بمقترحٍ آخر له في سياق سلسلة تهديده، لذا يضع أمام المؤسسات التّعلِيمية مهمة صعبة، غير أنها حضارية جدًّا، هي العودة بالشّباب الذين أصبحت لغتهم همجية جدًّا إلى الطّريق القويم بالقوة عبر الحزم المناسب بـ«ـمخاطبتهم كما يلي بصوتٍ عالٍ: “خذوا لغتكم بجد! فالذي لا يشعر بذلك كما يشعر بواجب مقدس فهو لا يمتلك النّواة المناسبة لثقافة راقية. ومن خلال استعمالكم للغتكم الأم يمكننا أن نرى القيمة التي تعطونها للفن أو الازدراء الذي به تنظرون إليه، وكذا مدى صلتكم بالفن. إذا لم تشعروا باشمئزازٍ بدني من بعض الكلمات والعبارات التي عوّدنا عليها الصّحفيون فعليكم بالتّخلي عن الطّموح إلى الثّقافة: ذلك أنه هنا بالقرب منكم، في كل لحظة تتكلمون فيها أو تكتبون، تجدون المحكّ الذي يمكنكم من إدراك الصّعوبة، وجسامة الإنسان المثقف وكون حصول الكثيرين منكم على ثقافة نزيهة أمرًا مستبعدًا».[31]

في ذات الصّدد، حيث الحزم والحسم والجدية مع الطّالب، على أستاذ اللّغة الألمانية في المدرسة الثّانوية، من جانبه، أن يتدخل في اختيار ما يجب استعماله وما يتوجّب الامتناع عنه من الكلمات المنفّرة وأن يقوم بتحليل أعمال تلاميذه الأدبية القديمة سَطرًا سَطرًا، بالعناية والدّقة المفعمتين بمحبة الفن تجاه أي كلمة في جملة، وجملة في سطر، ليضع تلاميذه أمام إحساس بالرّعب والمهابة من اللغة، ويحسّ بالرّهبة المرجوة أمامها، فيصير لِذي الموهبة منهم تحمُّسٌ نبيل نحو اللغة، لذا «يجب أن نعرف عن تجربة مدى صعوبة اللّغة، يجب أن نصل، بعد أبحاث طويلة وصراعات مريرة، إلى تلك السُّبل التي مشى فيها شعراؤنا الكِبار حتى نشعر بأي خفة وبأي جمالٍ مشوا فيها، وبأي قلة مهارة وبأي كلام طنان تبعهم الآخرون».[32]

يكتب نيتشه في مستقبل مؤسساتنا التّعلِيمية، بحنق وبغيرةٍ جرمانيتين، على لغته الأم، معيبًا على المدارس التّعلِيمية النّظر إليها «من زاوية المعرفة التّاريخية: أي أن يتمّ التّعامل معها؛ كما لو كانت لغة ميتة وليس هناك أي واجب نحو حاضرها ومستقبلها»[33]، غير أن والدة نيتشه هي نفسها كانت تحذوها رغبة جامحة في أن يتعلّم ولدها اللّغات الميتة، ويتقنها أكثر حتى من اللغة الألمانية التي صيّرتها برغبتها تلك أقل قيمة من اللّغات الميتة، فتكتب في مذكراتها متحدثَة عن ولَدَيْها: «يجب على الصّبيَة المساكين تعلّم الكثير من العبرية واليونانية واللاتينية واللّغات الميتة».[34]

ومن جانبه هو فقد كان مُضطرًا لأن يخصص لهذه اللّغات الميتة أو الكلاسيكية أكثر من نصف المدة الدّراسية في مدرسته المكونة من اثنين وثلاثين ساعة في الأسبوع[35]، بشكلٍ تغلّبت فيه تلك الحصص على تدريس اللغة الألمانية التي لم تعجبه طريقة تعلُّمه لها، بشكلٍ يمكننا معه أن نتساءل هل موقع تلك اللّغات الميتة منه أمات في قلبه حُبّ لغته الأم؟ خاصّة ونيتشه يعرف هذا جيّدًا حينما يكتب: «تعلّم عدة لغات؛ يشحن الذّاكرة بالكلمات عوض الوقائع والأفكار، والحالة أن الذّاكرة وعاء لا يمكنه أن يتلقى، بالنّسبة لفردٍ معين سوى كمية محدودة من المواد. هناك في هذا التّعلّم جانب مُضر يحمل المرء على الاعتقاد بأنه ذو مهارات كذلك، وبشكلٍ غير مباشر،  يتعارض مع اكتساب معارف متينة ومع التّصميم الرّاسخ على نيل احترام النّاس بنزاهة، وأخيرًا، إنه يقطع جذر ذلك الإحساس اللغوي الرّقيق الذي نحسّ به تجاه لغتنا الأم: إنه يُصاب من ذلك بضررٍ ودمار لا علاج لهما» [36].

الكتابة الجيّدة هي أيضًا لا تحتاج بحسب نيتشه لتعلّم لغات أكثر، ما دام أن الشّعبين اللّذَيْن «أنجبا أكبر الكُتّاب أنيقيّ الأسلوب، أيّ الإغريق والفرنسيون؛ لم يكونا يتعلّمان اللّغات الأجنبية»[37]، رغم أن نيتشه هو نفسه كان مُتباهيًا بإتقانه اللاتينية واليونانية القديمة كأي فيلولوجي مبرَز وعميق، ولو أنه كان يغار على الألمانية إلى درجة مطالبته أن تُعامل لغته الأم كأيّ تعامل نعامل به أي كائن حيّ، لكنه ظلت تنطلي عليه هو الآخر، تربية المدرسة وتأملات وأحكام الأم (franziska oehler) عن اللّغات القديمة، فالجدية التي عوملت بها اللّغتان اللّاتينية والإغريقية داخل المؤسسات التي درَس بها، وعند أساتذته نمّت في دواخله احترام اللّغات القديمة كلغاتٍ تحكمها قواعد ثابتة ونحو ومعجم خاصين، ويقف أمامها نيتشه وأي طالب آخر بخشية وخشوع عارفًا ما معنى ارتكابه الخطأ الإملائي فيها، وما مدى الإحراج الذي يعتريه عندما يبرر المتحذلق بالألمانية الهفوات النّحوية والإملائية التي يسقط فيها، ما دام الأمر يتعلق بلغته الأم فقط.

لكن يمكنه أن يعامل لغته كميدان يصلح أن يستريح فيه من التّرويض الصّارم للغتين الإغريقية واللاتينية، ميدان يسمح فيه مرّة أخرى – بحسب نيتشه – بذلك الإهمال المريح الذي اعتادت اللّغة الألمانية أن تقابل به كل ما يمت إليها بصلة. فحضور زمرة من اللّغات بالقرب من الألمانية إلى درجة التّنافس غير الشّريف، لصالح ما هو غير ألماني، من داخل لسان الألماني وداخل مكتوباته، ربما يكون هذا السّبب في محاولة تقليد جانب النّبلاء الألمان والنّمساويين، الذين لم يستطيعوا قطعًا الاكتفاء باللّغة الأم لوحدها كما يقول نيتشه، وبفعل رؤيتهم حتى من النّاس العاديين أنفسهم مرغمين على محاكاة عدد كبير من الرّنات: الفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، ليوافق هذا ويسايره ميل شعبٍ بأكمله إلى التّنميق والتّكلف كقاعدة للغة مشتركة، بعيدًا عن اللغة الألمانية الأولى التي كانت لها لهجة مُزارعية وعامية تذكر في جانبها العنيف بالإنسان البدائي؛ بالغرف الممتلئة بالدخان وبالبلاد ذات التّقاليد الفظّة والوحشية.

عدم إيلاء نصائح نيتشه الأهمية لأجل تجويد تعليم الألمانية، ومعه عدم إعادة ربط الألمان بلغتهم الأم، وعدم التّعامل معها باحترام أو على الأقل التعامل معها باعتبارها كائنًا حيّا يستحق العناية والتّعهد، ويستحق الانتباه إلى شروط وجوده الحيّ والنّشط؛ سيجعل نيتشه في أعماله ما بعد محاضراته حول مستقبل المؤسسات التّعلِيمية، يهوي بالنّقد وتستهويه روح التّجريح في لغته الأم والتّهجم عبر حملات صليبية مقدسة على النّاطقين بها، لتنضاف انتقاداته إلى الحالة المرضية التي عاشتها الألمانية وإلى الوهن الذي استشعره في اللغة وأصحابها فيما بعد، فالألماني لم يجد في تدريس اللغة الألمانية أي شيء يُذكِّره بعظمة التّعلِيم اللّساني عند القدماء وبعظمة وتقدير اللغة لديهم، لتنحو علاقتهم باللغة نحو الهمجية، وبالتالي تفويت فرصة الاستعمال السّليم لها.

على الرّغم من أن فقه اللغة (الفيلولوجيا) يُعنى بدراسة النّصوص القديمة من حيث اللغة ومعاني المفردات وما يتصل بذلك من شروح، ونقد، وأصول ونُسخ؛ فإن موقفه حول اللغة يمكن النّظر له من زاوية موقف نيتشه من علم فقه اللغة، والذي لم تكن علاقته به محببة جدًّا، وعلى ما يرام دومًا، ففي 1867 يكتب لأحد أصدقائه رسالة يهجو فيها فقه اللغة، بشكلٍ واضح وسافر، مع إبداء نوع من السّخرية تجاه مجاله المهني الذي اختاره، وهو فقه اللغة، وعلى الرّغم من أنه التَزم بفقه اللغة على الأقل لثلاث مرّات: مرّة في شولبفورت، ومرّة في بون بعد رفضه علم اللّاهوت، ومرة في نامبورغ، وكل مرّة يجدد العهد مع نفسه، أي كأنه يتراجع عنه في كل مرّة، وكأن التزامه وإيمانه بهذا التّخصص كان مشكوكًا فيه دومًا، وضعيفًا، بقدرٍ لا يوصف. رغم أنه تصوّر نفسه، ذات مرّة، في السّاحات الأمامية لفقه اللغة، يقول: «إن الشّعور القوي والمميز بمهمة الحياة يظهر سريعًا بما فيه الكفاية لعالم اللغة الحقيقي» [38]، غير أن اختياره لفقه اللغة كان مجرد تدبير مرحلي فقط.

خاتمة

رغم قسوة نيتشه على الألمان والألمانية، ورغم أنه أعلن الولاء لفرنسا، وجاهر بمناصرة الفرنسية، مصرّحًا في غير ما موقع أنه تلميذ الإغريق والفرنسيين وحدهم؛ إلا أن نيتشه ظلّ علامةً فارقة عند الألمان وبين من كتبوا بالألمانية، إذ لولا غوته، لكان نيتشه جاحظَ الألمانية، دون منازع؛ في بلاغته وقوة استطراداته، فكتبه لم تُعلّم الألمان الألمانية فقط، بل علَّمتهم طريقة دفع الأفكار إلى حدودها القصية المحفوفة بالمخاطر، مُطوّعًا حدود اللغة للتعبير الأجود عن تجارب نيتشه الوجودية التي كانت تتمّ على مستوى قمم الجبال لا بين الوهاد والحفر، واهبًا اللغة الألمانية ذَخيرة فلسفية وأدبية تبقى من عيون ما كُتب بها.[39]

[divider style=”solid” top=”20″ bottom=”20″]

[1]– ف. نيتشه (1900)، هَذا الإنسَان، ص 71.

[2]– ديريدا، جاك (1930-2004)، آخر حوار مع دريدا: إنني في حرب على نفسي، ضمن حوارات ونصوص، فوكو، دريدا، بلانشو؛ ترجمة: محمد ميلاد، الطبعة: 2، دمشق : دار الحوار، 2011، ص 127.

[3]– جاك دريدا، أحادية الآخر اللّغوية أو في التّرميم الأصلي، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، الجزائر: منشورات الاختلاف؛ بيروت: الدّار العربية للعلوم ناشرون، 2008، ص 23.

[4]– المصدر نفسه، ص 68. 69.

[5]– المصدر نفسه، ص 107.

[6]– يقول ع. الخطيبي: «ذات يوم، أخذت اللّغة الفرنسية تتكلم فيّ. باحتشام وحياء وخجل. تعلمت كتابة اللّغة الفرنسية قبل أن أتعلم التّحدث بها […] كانت بالنّسبة إليّ، وأنا طفل، لُغة صامتة منحصرة في القراءة وأداء بعض الفروض المدرسية. أقول لُغة صامتة لا ميتة كما هو حال اللّغتين اللاتينية والإغريقية بالنّسبة إلى عدد كبير من فرنسيي جيلي، كانت واجبًا ومادة تعليمية وزاهدًا يحاصرنا داخل دير للخشوع والشّك والتّيه. لم نكن نتحدث بها إلى أيّ أحد. هذا اللاأحد كان يرتدي قناعًا، وكنت أجاوره هناك في المدرسة وفي الشّارع. الفرنسية كلام صمت فرض علينا. وكان عليّ أن أتأقلم معه» (صحيفة الاتحاد الاشتراكي، ع. 20/3/2009 م، ص 10).

[7]– يقول رولان بارت الذي كانت أول أعماله الأكاديمية مثل نيتشه عن «التّراجيديا الإغريقية»: «إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور والأدلة والآثار، وبالحروف والعلامات. وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديدًا، يخلخل معرفتي، لأنه يغيّر هذه الأشكال، كما أراه يأخذني بعيدًا عن ذاتي، إلى أرضه هو، في حين أحسّ كأني في الطّرف الأقصى من نفسي» (نقلًا عن «الاسم العربي الجريح»، ترجمة: محمّد بنيس، 2009، دار الجمل، ص 15.).

[8]– الألمان لم يقتلوا فقط والد بارت بل قتلوا أيضًا أحد أعز أصدقائه وهو جان فيال، الذي كان صديقًا مقربًا من بارت، وأنتجا معًا العديد من الأعمال المسرحية، وقد اغتالته الشّرطة السّرية الألمانية (Geheime Staatspolizei) في مارسيليا.

[9]– رولان بارت، رولان بارت بقلم رولات بارت، ترجمة: ناجي العونلي، بيروت: منشورات الجمل، 2018، الشّذرة: 138، اللّغة الأم، ص 145.

[10]– المصدر نفسه، الشّذرة: مشاريع كتب، ص ص 188. 189.

[11]– ف. نيتشه (1900)، نيتشه ضد فاغنر؛ وثائق خبير نفساني، ص 114.

[12]– ف. نيتشه (1900)، شُوبنهَاور مُربّيًا، ص 104.

[13]– المصدر نفسه، ص 104.

[14]– ف. نيتشه (1900)، الفلسفة في العصر التّراجيدي عند الإغريق، ص 18.

[15]– نيتشه، فريدريك (1844-1900)، غسق الأوثان، الشّذرة: 50، “تسكعات رجل غير موافق للعصر؛ غوته”، ص 166.

[16]– رولان بارت، رولان بارت بقلم رولات بارت، الشّذرة: 138، “اللّغة الأم”، ص 145.

[17]– لهذا كان يتساءل مونتيسكيو: «كيف يمكن للآخرين أن يكونوا فارسيين» (فيريه ميشال، الماركسيون والدّين، ترجمة: خضر خضر، بيروت، دار الطّليعة، 1978، ص 4.)، الفارسيين البعيدين كل البُعد عن أوربا، وأعداء أثينا والأثينيين أسلاف الأوربيين.

[18]– ف. نيتشه (1900)، إنسان مفرط في إنسانيته، ترجمة: علي مصباح، الشّذرة: 226، “أصل الإيمان”، ج. 1، ص ص 202. 203.

[19]– نقلًا عن يورغن هابرماس، «هايدغر والنّازية: التّأويل الفلسفي والالتزام السّياسي»، ترجمة: عز الدّين الخطابي وعبد الكريم غريب، منشورات عالم التّربية، ط. 1، 2005، ص 2.

[20]– المرجع نفسه، ص 2.

[21]– لنتذكر هنا حالة فرناندو بيسوا حيث قدّم وطنيته في شكلها اللغوي دون الجغرافي والسياسي، فيقول: «لا أملك أي نوع من المشاعر السياسية أو الاجتماعية إلاّ أنني أملك، بمعنى من المعاني، شعورًا وطنيًّا عاليًا جدًّا، أما وطني فهو اللغة البرتغاليّة، ولن يحزنني أن تُجتاح البرتغال أو تُحتلّ، طالما لم يصبني الأذى شخصيًّا، لكنّني أشعر بكراهيّة حقيقيّة، هي الكراهية الوحيدة التي أستشعرها إزاء، لا من يكتب البرتغالية سيئًا، ولا من يجهل النّحو، ولا من يكتب وفق قواعد إملائية مبسطة، وإنما نحو الصفحة المكتوبة بشكل سيّء، كما لو كان شعورًا بالكراهية نحو شخص بعينه. أكره النّحو المستعمل مغلوطًا كراهيّتي لأشخاص يتوجّب صفعهم، أكره الاستعمال اللّا مضبوط لقواعد الإملاء، كما لو أنّ الأمر يتعلق ببصقة مباشرة. أجل؛ ذلك أن قواعد الإملاء هي كائنات بشرية بدورها. الكلمة كائنات كاملة، مرئيةً ومسموعة» (فرناندو بيسوا، «كتاب اللّاطمأنينة» (مقاطع)، ترجمة: المهدي أخريف، ضمن مجلة الكرمل، ع. 66، 2000، ص ص 207. 208.)

[22]– أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، تحقيق: عائشة عبد الرّحمن، دار المعارف، مصر، ط. 9، 1977، ص 360.

[23]– المصدر نفسه، ص 361.

[24]– سورة الفرقان، الآية: 41.

[25]– ف. نيتشه (1900)، الفلسفة في العصر التّراجيدي عند الإغريق، ص 26.

[26]– ف. نيتشه (1900)، العِلْمُ المَرِح، الشّذرة: 244، أفكار وكلمات، ص 158.

[27]– رغم أن نيتشه لا يميز بين اللغة والأحكام المسبقة أصلًا، فهما وجهان لفكرة واحدة، وهذا ما يختزله في شذرة ربما هي الأصغر في «إنسان مُفرطٌ في إنسانيته» المعنونة بـ خطر اللّغة على حرية الفكر حيث يؤكد على أن كل كلمة هي حكم مسبق. (ف. نيتشه (1900)، المُسافِر وظلُّه، ضمن إنسان مُفرطٌ في إنسانيته، ج. 2، ص 138.).

[28]– ف. نيتشه (1900)، الفجر، الشّذرة: 115، “ما نسميه الـ «أنا»”، ص 89.

[29]– ف. نيتشه (1900)، العِلْمُ المَرِح، الشّذرة: 354، “عن «عبقرية النّوع»”، ص ص 216. 217.

[30]– ف. نيتشه (1900)، إنسان مُفرطٌ في إنسانيته، الشّذرة:11، اللّغة، علم مزعوم، ج. 1، ص 22.

[31]– ف. نيتشه (1900)، مستقبل مؤسساتنا التّعلِيمية، ص ص 124. 125.

[32]– المصدر نفسه، ص 103.

[33]– المصدر نفسه، ص 126.

[34]– دانيال بلو، تشكل فريدريك نيتشه، ص 61.

[35]– دانيال بلو، تشكل فريدريك نيتشه، ص 134.

[36]– ف. نيتشه (1900)، إنسان مُفرطٌ في إنسانيته، الشّذرة: 267، “تعلم عدة لغات”، ج. 1، ص 150.

[37]– المصدر نفسه، ج 1، الشّذرة: 267، “تعلم عدة لغات”، ص 150.

[38]– دانيال بلو، تشكّل نيتشه، ص 310.

[39]– يبقى نيتشه أنموذجًا للألمانيّ الضّليع بالألمانية والفاتِن بها حين يكتب بها، بل يَصير معيارًا للحكم على بقية الألمان في علاقتهم بلغتهم، هنا يستحضر غدامير نيتشه في حديثه عن ماكس شيلر في كتابه «التلمذة الفلسفية» عند رغبته توصيف قدرات شيلر الأسلوبية: «كُنت بالغ التأثر بتنوع هذا الإنسان الخصب وبألمعيته، وهو الذي لم يتضلّع بالألمانية تضلّع نيتشه، ولكنه عرف كيف يتكلّم بفتنة ليست أقلّ من فتنة نيتشه» (غادامير، هانس غيورغ (1900-2002)، التلمذة الفلسفية: سيرة ذاتية؛ ترجمة: علي حاكم صالح، حسن ناظم، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2013، ص 73.).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى