بقلم: كارين براون
حدث مقتل باتي في ظهر يوم ثلاثاء من شهر يونيو. كان الجوّ ملبدًا بالغيوم وباردًا، وكنت ستحتاج إلى ارتداء سترة لو كنتَ تعمل في الفناء. كان ذلك في عام 1966م، في بلدة صغيرة في مقاطعة ويندهام بولاية كونيتيكت. ويمكن رؤية نباتات الصقلاب والعث، وحقول الذرة وزهور دوار الشمس ونباتات الجزو البرّيّ. كانت هناك غابات خلف منزلها الجديد، وخليج وحيوانات صغيرة تأتي منه لتعدو عبر حقول البرسيم. طيور سمنة الغياض، والرياح تحرك الأشجار. في ذلك الصيف شكل النمل خطًا طويلًا وضيّقًا من زاوية المنضدة، نزولًا إلى الخزانات السفلية حتى الأرضية.
استيقظت باتي ذلك الصباح بسبب احتياجات أسرتها -زوج ذاهب إلى العمل، وطفلة صغيرة دُرِّبت مؤخرًا على استخدام الحمام. شغّلت الراديو بهدوء في المطبخ على محطة WPOP Top 40. ويمكن شم رائحة البرتقال في المكان. وقفت عند الحوض ونظرت من النافذة إلى الفناء الخلفي. ربما كانت تتخيل اليوم الذي ستلعب فيه ابنتها هناك، وكيف ستناديها لتناول العشاء من خلال النافذة. كانت رائحة العشب الصيفيّ تتسرّب عبر النافذة فوق الحوض، لتخفف من عناء غسل الأطباق.
وكان زوجها دائمًا يتناول الخبز المحمص مع القهوة في غرفة المعيشة، ويقرأ الجريدة. لقد جاء في وقت متأخر الليلة الماضية، ولم يرَ ابنته أو زوجته قبل أن يخلدا للنوم. كان يعمل محاسبًا في شركة تصنيع تبعد مسافة نصف ساعة بالسيارة، وغالبًا ما كان يبقى خارج المنزل لوقت متأخر. لا يسعنا إلا أن نخمن ما قيل بينهما في هذه اللحظات الأخيرة. هل كان يعتذر لزوجته ويطمئنها؟ هل شكر زوجته عندما سلّمته طبق الخبز المحمص؟ هل ذكّرته بأن هناك أمورًا يجب القيام بها؟ فالمنزل الذي بناه لهم لم يكتمل، إذ كان هناك سطح في الخلف بدون سياج (درابزين) أو سلالم، وكانت خزائن المطبخ ناقصة. هل تحدّثت عن ذلك؟ أم أنه لم يكن هناك بينهما في ذلك الصباح سوى السخط والصمت؟
غادر في الساعة 8:15، الوقت نفسه الذي يغادر فيه في كل صباح، بحقيبة وقميص رسميّ مكويّ في الصباح ذاته وربطة عنق. أخذ ابنته بين ذراعيه وقال وداعًا. قد تشعر أيّ زوجة أخرى بالبهجة عندما تشاهد هذا المنظر المفعم بالحب مع قليل من الغيرة بسبب استبعادها. وإذا كانت منزعجة وغاضبة منه لربما شعرت بالندم. ولو كانت صامتة، لربما توقعت أن يؤدّي ذلك إلى شيء أكثر، بالطريقة التي نلاحظ بها الغياب ونعلق عليه: ألم يكن هناك كرسي في تلك الزاوية؟ لكن باتي لم تكن مثل الزوجات الأخريات. نزل من الممشى الأمامي، وركب سيارة بويك (Buick) وانطلق بها على الطريق الريفيّ الهادئ، وكانت باتي تستمع إلى صوت السيارة عبر نافذة المطبخ الجميلة، وتشعر بالارتياح.
وبعد ذلك كانت أم زوجها تنزل على الدرج، وهي تصدر أصواتًا مزعجة بقدمها الثقيلة. عاشت دوريس في الطابق العلوي، في شقّة بناها لها ابنها. كانت تعمل مربية أطفال لدى عائلة في البلدة المجاورة، لكن استُغني عن خدماتها مؤخرًا، ولم تجد وظيفة أخرى.
وغالبًا ما كانت دوريس تقف على العتبة السفلية للدرج كما لو أن هناك حاجزًا غير مرئيّ يحول بينها وبين بقية المنزل. وتشم باتي نفحة من رائحتها الغريبة، الخزامى وكرات النفتالين.
قالت دوريس: “كان بالخارج مع تلك المرأة في الليلة الماضية”.
بدا صوتها، الذي عادة ما يكون حازمًا، كأنه صوت طفل. الوظيفة التي فقدتها، والصوت الغريب، عندما تفقد أم زوجها صوابها، غالبًا ما كانت تتصرّف بهذه الطريقة، وكان ملاذ باتي الوحيد هو تجنبها. قالت لي: “دعه يتصرف مع والدته”. وعندما تتجاهلها باتي كانت دوريس تعود إلى الطابق العلوي. كان لديها مطبخها الصغير وغرفة جلوس وغرفة نوم. وكان لديها طعام، وكتب، وخيوط، وصنارة كروشيه؛ كل ما تحتاجه في شقتها.
غالبًا ما تعتمد الحياة مع طفل صغير على الروتين. حذّرتها والدة باتي بأنها بحاجة إلى الإلزام بنظام معين. أصبحت الأمور صعبة بعد ولادة الطفلة، فقد تركت باتي زوجها وأخذت الرضيعة إلى منزل والديها. يرى الناس أن باتي نحيفة جدًّا وليست بتلك الجاذبية؛ لكنني لا أتفق معهم. كان شعرها الداكن ناعمًا وجميلًا، ترتدي نظارة أنيقة ذات إطار أزرق فاتح بتصميم عين القطة. في ذلك الوقت كان ينبغي أن تكون المرأة أكثر نعومة؛ فقد كانت النعومة مرتبطة بالودّ. أعتقد أن الناس في البقالة المحلية حكموا عليها بسبب سلوكها بعد ولادة الطفلة، فقد أصبحت جافّة وغير جذابة في أعينهم؛ لأنها لم تكن تعرف كيف تكون سعيدة، وكيف تخلق جو أسرة سليمًا.
كانت ترتدي قميصًا محبوكًا في ذلك اليوم، وكانت هناك بقعة دم على أرضية المطبخ، حيث كان جسدها ملقى لمدّة وجيزة.
في الصباح كانت باتي تتصل بي كثيرًا لترتيب موعد للعب. كنت أعيش في الجانب الآخر من الشارع، كان منزلنا يبعد بما يكفي عن الطريق الريفي؛ وهو ما أتاح لنا خصوصيتنا. في بعض الأحيان كانت ابنتها الصغيرة، ديبي، تأتي إلى منزلي، لكن في ذلك اليوم، أرسلتُ هنري إلى منزلها. كان هنري أكبر من ديبي بسنتين، لكنه كان لا يزال في مرحلة ما قبل المدرسة، وكانا يتوافقان معًا جيدًا في أثناء اللعب. كان موعد اللعب يستمرّ دائمًا حتى الساعة 11:45، عندها تعيد باتي هنري إلى المنزل، وتعدّ الغداء لابنتها وتطعمها، وتضعها في سريرها لتأخذ قيلولتها.
يساعد وقت قيلولة الطفل في تحسين النظام اليوميّ، فيمكنك قضاء ساعة كاملة أو أكثر بمفردك في منتصف فترة الظهر دون الشعور بالذنب، ويمكن طيّ الغسيل وترتيبها، وغسل الأطباق. وكنت أرسل هنري إلى غرفته لقضاء وقت هادئ، حتى عندما بلغ عمره 5 سنوات تقريبًا، ولم يعد يقيل. ولم يكن يُسمح له بمغادرة غرفته إلا بعد انتهاء فترة الهدوء، وهي قاعدة كان يلتزم بها دائمًا. أعترفُ أنني في بعض الأحيان كنت أتسلل من المنزل، وأتمشّى في الغابة لمدّة قصيرة. كنت في حاجة إلى تلك النزهات من أجل المحافظة على سلامة ذهني. كنت حاملًا في الشهر الخامس، ولم أكن مستعدة بعد لاستقبال طفل آخر في المنزل. شعرت وكأنني أشبه برواد الفضاء الذين ظهروا على شاشة التلفاز وهم مقيدون في مقاعدهم المرتفعة، في انتظار العدّ التنازليّ.
ولم تفوت باتي برامجها التلفزيونية النهارية أبدًا “ابحث عن الغد” (Search for Tomorrow)، “النور الهادي” (Guiding Light)، “بينما يتحوّل العالم” (As the World Turns). كانت الطفلة تنام ويمكنها المشاهدة في أثناء الكيّ، ويُعتقد من تناثر الدم أن باتي كانت تكوي قمصان زوجها عندما تعرضت للهجوم.
وأخبرني هنري في ذلك اليوم أنه بينما كان هو وديبي يلعبان، عادت دوريس إلى الطابق السفليّ. ثم جلست بصمت على كرسي في الزاوية، وعرضت أن تعدّ الغداء لباتي وديبي.
قالت: “دعيني أقم بذلك”. لقد تخيلت صوتها الغريب والعالي. “يمكنني أن أعدّ لك سلطة التونة”.
قالت باتي إن ديبي لا تحب التونة. وقالت: “عودي إلى الطابق العلوي فحسب”!
وأخبرني هنري أن دوريس لم تغادر، وأنها بقيت جالسةً في الزاوية تراقبهم. في الساعة 11:45 رأيته يعبر الفناء الأمامي لمنزلهم من خلال نافذتنا وخرجت لإحضاره لتناول الغداء. كثيرًا ما حاولت أن أتخيل المشهد في منزل باتي، ما حدث بعد ذلك مع دوريس. أخبرتني باتي أن المرأة أخافتها، وأن شيئًا ما لم يكن على ما يرام.
في العام السابق لمجيء دوريس للعيش معهم كانت تتصرف بغرابة، تقول أشياء لا معنى لها، وتتجوّل بعيدًا عن المنزل، وتهدد بإيذاء نفسها، وأدخلت إلى مستشفى الطب النفسيّ التابع للدولة.
قلت لباتي محاوِلة طمأنتها: “لقد خرجت من المستشفى. لن يخرجها الأطباء إلا إذا كانت في حال أفضل”
زمّت باتي شفتيها معًا، وعصرت يديها.
قالت: “إنكِ لا تفهمين. لا أحد يستمع لي”.
لكن أنا ودوريس تحدثنا بضع مرات في الحديقة، وبدت راجحة العقل ولطيفة؛ شخص يمكنك أن تسأله أسئلة مثل: “كيف يمكن إزالة بقعة الخردل”، أو “متى نبحث عن فطر الغوشنة في غاباتنا”. وخبزت لنا فطيرة التوت الأزرق في ذلك الصيف. أخبرتُ باتي أنها كانت تبالغ في ردة فعلها، وأن المرأة أرادت ببساطة قضاء بعض الوقت مع حفيدتها.
قالت دوريس في كثير من الأحيان: “دعيني آخذها معي للعب، فقط لمدّة قصيرة”.
وفي بعض الأحيان كانت باتي تستسلم، ولكن ربما اعتقدت في ذلك اليوم أن فترة ما بعد الظهر خاصتها سوف تُفسَد، وعندما تذمّرت ابنتها وطلبت الذهاب إلى جدتها رفضت باتي ذلك.
ربما قالت وهي تأخذ الفتاة بين ذراعيها: “لن تَقِيل إذا ذهبت معك”.
في تلك اللحظة، ربما نظرت دوريس إلى باتي بإحدى نظراتها الغريبة. وصفت لي باتي ذلك ذات مرة بأنها نظرة فارغة، كما لو أن المرأة التي كانت هناك قد ذهبت، ودخل شخص آخر إلى جسدها. ذكّرها ذلك برؤوس الحيوانات المثبتة على أحد جدران غرفة معيشة صديق قديم لها.
قالت: “ينظرون إليك وهم ميّتون. لكنهم يبدون كما لو كانوا يعرفون أنهم ميتون”.
في أسفل الدرج لربما قد توقفت دوريس مؤقتًا.
“أرجوكِ”! كانت ترتدي تنورة وبلوزة؛ والبلوزة مطوية، وحزام من القماش مربوط حول خصرها السميك. صُفِّف شعرها على شكل تجعيدات رمادية ضيقة. كانت باتي تتجاهلها، عارفة من تعبيرها أنها قد استسلمت حقًّا.
لربما قد قالت دوريس: “ليس خطئي أنه خائن”، و”لست أنا من جعله هكذا”.
كانت أشعة الشمس خفيفة، والنوافذ مفتوحة تدخل عبرها رائحة الخشب المقطوع من السطح غير المكتمل، إضافة إلى رشّ النشا. وتستطيع سماع أصوات الشخصيات التلفزيونية التي تعقدت حياتها بسبب العلاقات والاختفاء والأشرار ذوي الدوافع الخفية، والتي نادرًا ما تضمنت غسل أطباق، أو كيّ ملابس، أو تمهيد الأطفال ليقيلوا. وهناك الطفلة التي أصبحت أكثر عنادًا، والتي حذّر الدكتور سبوك من أن الأطفال في عمرها قد يتخلون قريباً عن قيلولة ما بعد الظهر الطويلة تمامًا. تشبثت باتي بساعات الهدوء هذه، ورفضت السماح لأيّ شيء بإزعاجها؛ حتى ابنتها، التي ربما كانت تناديها من سريرها في غرفة النوم في الطابق العلوي بينما كانت هي في الصالة، ربما كان صوتها الصغير هو آخر ما سمعته باتي في أثناء الكيّ.
وصف لي زوجي مشهد القتل. التزمت الشرطة الصمت في أثناء بحثها عن المشتبه به، ولم يتسرّب سوى القليل من التفاصيل؛ شوكة وسلك كهربائي، – من قبل الصحيفة المحلية.
وصل زوج باتي إلى المنزل بعد العمل، وهو يوم قضاه كما كان يقضي معظم أيامه؛ تناولُ الغداء مع زملائه في العمل من عربة طعام تتوقف في رصيف التحميل كلّ يوم، ومغادرة المكتب في الساعة الخامسة. ولأنه كان خارج المنزل في وقت متأخر الليلة السابقة فقد وصل في الساعة 5:30. لاحظ أن ثمة أشياء مختلفة؛ فقد كان الباب الأمامي مفتوحًا، وهو الذي أبقته باتي مغلقًا دائمًا. كانت ابنته عادةً ما تجلس عند النافذة الكبيرة الأمامية في انتظار وصوله؛ ربما قد تجلسها باتي هناك للترحيب به وتذكيره بمسؤوليته كأبٍ. إلا أنه لم يكن هناك أحد عند النافذة في ذلك اليوم.
لم تصدق باتي أن زوجها كان يواعد امرأة أخرى. قالت إن الأمر كان مجرد سوء فهم من والدته، وقد روت دوريس لها قصة لقائها بالفتاة ذات مرة.
قالت دوريس: “إنها أجمل منك. أحببتها أكثر”!
فوجئتُ بأن دوريس تفوهت بمثل هذا الكلام. لكنني لم أستطع أن أخبر باتي أن المرأة كانت مجنونة؛ إذ لطالما أخبرتُها أنها ليست كذلك، فسألتُ بدلًا من ذلك عن مدى انسجامهما كزوجين.
قالت باتي: “لقد تركني وشأني لحسن الحظّ”.
بعد ولادة الطفلة بفترة بسيطة، حدث خلاف واعتدى عليها بالضرب. أخذت باتي الرضيعة وذهبت إلى منزل والديها، وأرادت الطلاق لكنه رفض. وكان شرط عودتها أن يتركها وشأنها وألّا يقترب منها.
قالت باتي: “يعتقد أنني سأغير رأيي، لكنني لن أفعل”.
ربما كنت سأقدم لها النصيحة، وأقترح عليها أن ترى الأمور من وجهة نظر زوجها، ولكن عندما حاولت أن أتخيل زوجي يتجاهل رغباتي، ويعتدي عليّ بالضرب، لم أستطع، وأعجبت بطريقة إصرارها.
سألتها: “لكن ألا تحبّينه”؟
حدقت في وجهي، واعتقدت أنني أستطيع أن أفهم ما كانت تقصده بشأن نظرة دوريس؛ رأيت ذلك يحدث لباتي في تلك اللحظة. كان الأمر كما لو أنّ شخصًا آخرَ قد دخل في عينيها ونظر إليّ. قالت بغضب: “حبّ”؟! وفجأة عرفت لماذا لم يحبها الناس.
اكتُشِف وجود تلك المرأة الأخرى في أثناء المحاكمة. بحلول ذلك الوقت كان زوج باتي قد تزوجها وانتقلا إلى ولاية أخرى. عندما سُئل عنها في المحكمة كان يجيب بصوت خافت. ويشير النص مرارًا إلى إصرار القاضي على أن يتحدث بصوت أعلى. وربما شعر بالذعر عندما طُلب منه أن يسرد تفاصيل العلاقة طويلة الأمد، بعد اكتشاف جثة زوجته في ذلك اليوم. لا يعود كثير من الناس من العمل ليروا مثل هذا المشهد؛ بركًا من الدماء على أرضية المطبخ، وآثارًا ملطخة بها تؤدي إلى خارج الأبواب الزجاجية وعبر السطح الجديد، وجسد باتي بالأسفل، وسلكًا كهربائيًّا ملفوفًا حول رقبتها.
ركض على الفور إلى منزلنا؛ المنزل الوحيد الذي يقع على بعد ميلين من منزلهم. كنت أقدّم آنيةً الطعام للعشاء عندما وصل إلى الباب، ومن شدة الذعر لم يكن كلامه مفهومًا. قال إنه لا يعرف أين ديبي. ترك زوجي الطاولة ورافقه إلى منزله، وركضا إلى الفناء الخلفي معتقدين أن ابنته الصغيرة قد اختفت في الغابة. لطالما انتابنا جميعًا هذا الخوف؛ أن يختفي أطفالنا في الغابة. عندما كنت طفلة، كنا نخيف بعضنا بعضًا بقصص المسنّ رجل الجلد (Old Leatherman). أخبرتني جدتي أن لديه كهفًا في غابتنا، وهو واحد من الكهوف العديدة الموجودة في جميع أنحاء الولاية، حيث كان يقضي الليل في التجول بين البلدات. قالت: “يمكنكِ ضبط الساعة مع موعد قدومه”. كان متسوّلًا يتحدّث الفرنسية المشوّهة، صنع بدلة جلدية لنفسه يرتديها طوال العام، وقبعة جلدية أيضًا. عندما كانت طفلة عثرت هي وأصدقاؤها على كهفه بجوار جدول جارٍ، واكتشفوا مخزونه من الجوز والتوت المجفّف والأدوات التي لا بدّ أنه استخدمها لإشعال النار والحفر. كنّا خائفين من الرجل، ولكننا بحثنا عن كهفه على أي حال؛ أمضينا أيامًا طويلةً في الغابة نبحث عن الجدول الجاري. كان المسن رجل الجلد قد مات منذ زمن طويل.
عثر زوجي على جثة باتي على الأرض أسفل السطح في الفناء الخلفي. لاحقًا، أخبرني أن ردّة فعله الأولى كانت تغطيتها، كما لو أن الموت الوحشي شبيه العري؛ شيء مخزٍ. دخل إلى الداخل وطلب بطانية، كان زوج باتي في المطبخ يصب الويسكي. كان يتنقّل بين كلّ تلك الدماء بزجاجته. قال: “هل ترغب بشرب شيء؟ أنا بحاجة إلى مشروب”!
وافق زوجي على ذلك وهو منذهل.
سأل: “أين الطفلة”؟
ذهب زوج باتي إلى أسفل الدرج ونادى على والدته.
كنت أزرع النباتات الحولية في ساحتي الأمامية في ظهر ذلك اليوم، وبعد ذلك كان بإمكاني رؤية منزل باتي مباشرة من خلال نافذتي الأمامية، ولم أرّ شيئًا. لا توجد علامة على اقتحام قسري. كانت بلدة صغيرة، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من السيارات التي تسير في الطريق. لم تُرَ سوى سيارة واحدة فقط في المنطقة المجاورة؛ سيارة فورد سوداء يقودها مراهق، وهو صديق للعائلة. وقال الشاهد إن السيارة كانت متوقفة أمام منزل باتي. لم يكن من الممكن أن يبقى هناك لمدّةٍ طويلةٍ؛ كنت سأراه، إذ إنني أمر بنافذتنا طوال اليوم. عندما خرجت من الطابق السفلي ومعي الغسيل رأيت منزل باتي، فقد كنت أنظف سجادة غرفة المعيشة بالمكنسة الكهربائية، وأمسح الغبار عن الطاولات. حتى عند طاولة مطبخي أستطيع أن أرى من نافذتي الأمامية. لم أرَ السيارة السوداء، لذلك اعترضت على قول أيّ شخص أنها كانت هناك. أخبرت زوجي أن المرأة التي تدّعي أنها رأت ذلك كانت في حالة من الارتباك، فقد ظنت أنها كانت في شارع Vesper Lane، وليس شارع Schoolhouse Road.
ولكن لاحقًا اعترفت أن تركيزي على منزل باتي قد زاد بعد وفاتها فقط. كنت مشغولة في ذلك اليوم؛ ربما لم ألقِ ولا نظرة واحدة على منزل باتي. ولم يكن من عادتي أن أتخيّل ما كانت تفعله. لقد افترضت أنها فعلت ما نفعله جميعًا في ذلك الوقت: تقطيع الخضار لتناول العشاء، وتنظيف الأحواض والمغاسل، وغسل الملابس وطيّها. قتلها في أثناء الكيّ لم يكن مفاجأة. فإذا كان القاتل قد تسلّل إلى منزلي فما الذي كنت سأقوم به في هذه الأثناء؟
لو كان المسن رجل الجلد لا يزال موجودًا لكان من المحتمل أن يكون مشتبهًا به، لكن الصحف اختارت المراهق الذي يقود سيارة والده السوداء. وزعم المدعي العام أن خيالاته الشيطانية، التي كبتتها تربيته الدينية المتشددة، دفعته إلى دخول منزل أصدقائه وارتكاب جريمة قتل. ذهب هذا الصبي إلى المحاكمة، ولم يتمكن حتى من سرد الأحداث التي وقعت بعد ظهر ذلك اليوم، وقال إنه ربما توقف هناك ليأخذ الطبق الزجاجي الذي أعارته والدته لباتي. ربما كان الباب مفتوحًا ودخل. ربما كانت الطفلة تبكي، وكان هناك دماء على أرضية المطبخ. ربما اتبع الأثر المؤدي إلى السطح، ونظر من فوق الحافة ليلقي نظرة على الجثة، ثم هرب، ومحا الرعب كلّ ما رآه؛ وهي آلية دفاع، كما ادعى محاميه.
لا يستطيع زوجي أن ينسى ذلك أبدًا. كان يدعو في الليل أن تتلاشى صورة جثة باتي على العشب، لكن حتى الآن، بعد مرور سنوات، لم يحدث ذلك. أصبح شرب الكحوليات إحدى عاداته، كما لو أن الشرب في ذلك المساء مع زوج باتي على المنحدر الأمامي قد أدى إلى ظهور نسخة بديلة من زوجي، الذي كان نادرًا ما يشرب الكحوليات قبل ذلك. وعندما يشرب فغالبًا ما يعود بذاكرته إلى ذلك المساء؛ كيف أتت دوريس إلى قرب أعلى الدرج وهي تحمل ديبي بين ذراعيها، ونادتهما: “هل ماتت”؟
استُجوِبت دوريس. جاءت إجاباتها بالصوت الطفوليّ العالي الذي تبنته مؤخرًا. قالت إنها لم تسمع أي شيء غير عادي. كانت الطفلة تبكي في سريرها فطلعت بها إلى الطابق العلوي. لم تكن تعرف أين كانت باتي، وسمعت صوتًا عاليًا وقويًا، ورأت سيارة غريبة في الممر، وأحضرت ديبي معها للعب في الطابق العلوي. صدر قرار بإعادتها إلى مستشفى الأمراض العقلية الحكوميّ للتقييم. في وقت لاحق قيل إنها كانت ضعيفة البنية لدرجة أنها لن تتمكن من ارتكاب هذه الجريمة، وأنها لم يكن لديها أي دافع لإيذاء باتي. وبعد ذلك أصيبت بالسرطان وتوفيت في المستشفى، وانتهت فرص استجوابها والحصول منها على إجابات.
أراد أهل البلدة القبض على المشتبه به حتى يستطيعوا العودة إلى ترك أبوابهم مفتوحة، والتنزه في الغابة مرة أخرى بسلام. كانت ليلةٍمن ليالي الصيف الضاجّة بأصوات الجنادب وصراصير الليل، ليلةً استيقظوا فيها مذعورين. كان زوج باتي ودوريس يسكنون في البلدة منذ مدّة طويلة. شهد أصحاب عمل دوريس السابقون على اجتهادها ورعايتها في أسرهم، كما لو أنهم نسوا أن دخولها المستشفى كان سببًا في فصلها من العمل. قالوا إنها كانت جوهرة، وأن الأطفال أحبوها كثيرًا. وعندما ثبت أن المراهق المتهم بارتكاب الجريمة كان في مكان آخر وقت مقتل باتي نال البراءة. لقد غادر البلدة بمجرّد أن تمكن من ذلك، وما زال كُثْر يعتقدون أن هذا كان دليلًا على ارتكابه الجريمة، وحمدوا الله على مغادرته.
إن فكرة وجود قاتل يعيش بيننا هي تقريبًا مثل سعيي الطفولي وراء المسن رجل الجلد. لماذا نستمر في الإيمان بالأشياء التي تخيفنا؟ منذ عصر ذلك اليوم صرنا أنا وزوجي أحيانًا ندخل في لعبة تخمين. فقد كان الأمر يبدأ عندما يشرع في الشرب، ويروي قصة العثور على باتي. لكلٍّ منّا نظرياته، فقد افترضت أن زوج باتي، الذي كان يائسًا من أن يكون مع المرأة التي أحبها، استأجر شخصًا ليدخل من خلال أبواب السطح، إذ وجدوا سلمًا مسندًا حيثما كان من المفترض أن تكون آثار خطوات الأرجل.
قال زوجي: “لماذا لم يطلقها فحسب”؟ فرددت: “كانت هناك وصمة العار بالطبع، ولكن ما البديل”؟
قلت له: “لقد كان عنيدًا جدًا، لدرجة أنه لم يسمح لها بذلك. كان صاحب كبرياء”.
قال زوجي وعيناه تدمعان: “الحقد أرض خصبة للغضب”.
وهذا ما يقودنا إلى دوريس. أقول: “لقد أرادت فقط قضاء بعض الوقت مع الطفلة. لم تشعر بأنها تتعرض لظلم شديد، شعرت بأنها مهمَلة فحسب”.
زوجي يحب أن يتهم دوريس، فلم يُرَ أحد يدخل أو يخرج من المنزل. وكانت دوريس تعيش داخله.
قال وهو يصب الشراب في كأسه الفارغ: “إن المجانين غالبًا ما يتمتعون بقوة خارقة”.
إنه فصل الصيف، ونحن في الخارج نجلس على سطح منزلنا. وكان أطفالنا نائمين، إذ أصبحوا في سن المدرسة الآن، ويمكن إدارتهم. اليراعات تتمايل وتهبط، متعبةً في مساحة الفناء الخلفي، وتظهر أحيانًا قريبةً بما يكفي لتفزعني. أحذر زوجي من السماح بدخول إحداها إلى المنزل، فقد كانت جدتي تقول إن وجود يراعة في المنزل يعني أن شخصًا ما سيموت.
قلت: “كلانا يعرف دوريس. لقد أكلنا الفطيرة التي تصنعها، وأخذنا شتلات من حديقتها”.
قال زوجي: “لقد طُعِنت باتي بشوكة”.
كان المصباح الكهربائيّ يجذب الخنافس التي أخذت تصطدم بباب النافذة مرارًا. أرجعت كرسيّي للخلف وأطفأت الضوء، وبدَوْنا غرباء.
قلت: “السلك الكهربائيّ. كان لا بد من اقتلاعه”.
قال زوجي: “شاهدت تلك المرأة وهي تقتلع الصخور من تربة حديقتها الأمامية بيديها المجرّدتين. ليس من المعقول أن تواجه صعوبة في اقتلاع سلك حمّاصة الخبز”.
قلت: “لقد كانت تعرف مكان حفظ السكاكين. لماذا لم تستخدم إحداها”؟
يعتقد زوجي أن ذلك كان عملًا عفويًا، وليس شيئًا مخططًا له. ربما كانت أدوات المطبخ موجودة على الطاولة في رفٍ جانب الحوض من أجل التجفيف.
يسعى جاهدًا لتثبيت التهمة على دوريس، بافتراض أن مرضها العقليّ جعلها عنيفة. دوريس بتنورتها ذات الحزام وشعرها المجعد ويديها الناعمتين اللتين تقومان بحياكة البطانيات.
قلت: “لنفترض أن باتي كان لديها عشيق”.
كنت ألتزم الصمت كلّ هذه السنوات. كنت أسمع صوت شد الكرسي بينما يميل زوجي إلى الخلف.
قال، وكانت نبرة صوته تلمح بانزعاج: “لم يكن هذا الصبي بالقرب من المنزل. لقد أثبتوا ذلك”.
قلت: “ليس هو، بل رجل آخر. كان يأتي في أثناء وقت قيلولة الطفلة، ويتسلق سلم باتي المسند إلى السطح، ويصل إلى الباب”.
قال زوجي: “أي رجل؟ هذا مستبعد”!
“كان لزوجها عشيقة، لمَ قد لا يكون لباتي عشيق؟ لماذا يصعب تصديق ذلك”؟!
“لماذا لم يلاحظ أحد وجود سيارة”؟
“ربما أنه قد ركن سيارته على طريق الولاية وجاء عبر طريق الغابة”.
ولكن بعد مدّة عادت دوريس إلى المنزل وتركت وظيفتها. أصبحت الأمور معقدة. ظهر العشيق، وكانت تريد منه أن يرحل.
سمعت تغيّر تنفس زوجي، كصوت حيوان محاصر يلهث. أتخيل موقف لمعان العيون ورؤوس الحيوانات وعلمها بذلك الذي تحدثت عنه باتي.
قال وهو ينحني إلى الأمام على كرسيّه مستعدًا للمساومة: “حسنًا. لنقل إن هذا صحيح، وإنه طائش. فيتجادلان، ويشق طريقه بالقوة، ويحدث عراك جسديّ”.
أصبح استياؤه واضحًا. صبّ الشراب على كأسه مرة أخرى، وتحرك الثلج فيه.
أتذكر ذلك المساء، عندما كنت أقف على العشب وأسمع صوت الثلج الموجود في كؤوسهم، بينما كنا ننتظر وصول الشرطة. غُطِّي جسد باتي بغطاء من الصوف المنقوش في النهاية، وكانت عيناها مفتوحتين تحته. أحسستُ برعشة من الجنين، ووضعت يدي على بطني لتهدئته. لقد تغير زوجي، أصبح وجهه شاحبًا وانهدّ كاهله ولم يعد يتمتع بالشخصية الرياضية الشابة التي رأيتها في الأسابيع القليلة الماضية، وهو يمشي عبر الغابة، ويتسلق السلم. اتصلت بوالدتي لأخذ هنري، فلم أكن أريده أن يشهد ما حدث بعد ذلك: وجود الشرطة داخل منزلنا وخارجه، وأباريق القهوة، والأسئلة، والسرد الدقيق ليومي.
توجهنا الليلة إلى السرير، وأنا أستطيع أن أرى خلف النافذة الكبيرة أضواء القسم الجديد، فقد هُدِمَ منزل باتي قبل بضع سنوات، واشترى أحد المطورين الأرض والغابات، وهي الآن سلسلة من المنازل الحديثة، جميعها من الزجاج والحجر والأسقف الرافدة الناتئة (الكابولية). كما بنيت منازل في الغابة، حيث يقع كهف المسن رجل الجلد، وحوِّلت الحقول إلى مروج أنيقة.
ركبتي تؤلمني، راحة يدي ترتعش.
أسمعه يتعثر في غرفة النوم ويضرب ساقه. أسمع أنينه الناعم وهو يستقر على السرير، دائمًا ما يكون طائشًا. وهو ما يزال في حداد على باتي. ويبقى الماضي بلا قاع، بحيرة مظلمة نشرب منها. خدعته ليتخيل نفسه القاتل لأضايقه فحسب. كلّ هذه السنوات وهو يلقي باللوم على دوريس؛ قد يكون كلامه صحيحًا جزئيًا فقط، فمقتل باتي كان يبدو بالفعل كجريمة ارتكبتها امرأة: الشوكة، والسلك، وسلك مكواة، وليس سلك حمّاصة. وشوكة الطاولة أولًا. كانت هذه أدوات نستخدمها يوميًّا. منشفة أطباق، قفاز فرن، مريلة، دليل الهاتف، علب الملح والفلفل، منفضة السجائر، شوكة لحم؛ كلّ هذه أدوات نستخدمها حسب الحاجة، إذ إن الحاجة هي التي تجعلنا نستخدمها.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة ذا أتلانتيك).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




