ورد في النص البوذي المكتوب في القرن الأول الميلادي «ميلاندا بانها» أنَّ الملك الهندي اليوناني مينادر الأول قد التقى بحكيم بوذي، وسأله عن اسمه؛ فأجاب الراهب أنَّ اسمه ناغاسينا، ولكنه سرعان ما أردف قائلًا: إنَّ هذه «مجرد تسمية مريحة للاستعمال؛ فهو مجرد اسم لهذه الناغاسينا؛ إذْ لا ذات هنا ليُبحَث عنها».
احتار مينادر، لكنَّ هذا في الواقع تعليمًا بوذيًا جوهريًا، وهي عقيدة «أناتا»، وتعني: نفي الذات، ومفادها أنَّ الذوات -في أفضل حالاتها- ليست إلا مجرد تقليد؛ فنحن ندعو بعضنا بعضًا بالأسماء التي سُمينا بها أو اخترناها، لكنَّ هذه الأسماء لا تشير إلى أي شيء جوهري.
ويذكر ناغاسينا مثال عربة الخيل التي ركبها مينادر للقاء. تستطيع بالتأكيد أن تشير إلى عربة الخيل، وأن تسميها، وتركبها؛ لكن إذا فككت كل جزءٍ منها؛ فلن يبقى شيء، فلا «جوهر» ولا أساس لعربة الخيل. وينطبق الأمر نفسه –في رأيه- على الذوات.
وقد بزغ التشكك في وجود الذوات في الفلسفة الغربية بدايةً من ديفيد هيوم الذي زعم أنه كلما حوّل تركيزه إلى أفكاره قال: «لا يمكنني أن أقبض على ذاتي في أي وقت دون إدراك، ولا يمكنني أن ألاحظ أي شيء سوى هذا الإدراك». ليس ثمة ذات، بل مجرد أفكار.
هناك طريقتان للتفكير حول مزاعم عدم وجود ذات:
الأول: أن نرى هذه المزاعم على أنها شكل من أشكال الاختزالية، فالذوات موجودة، ولكنها موجودة كما نقول «سرب الطيور» موجود، أو إن «فريق كرة القدم» موجود؛ حيث يمكنك أن تسرد كل طير أو لاعب منفردًا -بدل الإشارة إلى الكل- دون أن تفقد أي شيء ما عدا الاستعمال المريح.
الثاني: الإقصائية، وهو زعم أشد؛ فإذا كان الاختزاليون يرون أنَّ الذوات ضربٌ من القصة الخيالية المفيدة، فإنّ الإقصائيين يرون الذات وهمًا، وخدعة أوهمتنا بها التجربة أو اللغة.
قد يكون هذا التمييز تمييزًا دون فرق؛ ففي نهاية المطاف -في نظر بوذي مثل ناغاسينا على أقل تقدير- المغزى هو ألا تتعلق بالذات أبدًا.




