مراجعات

Phantom Thread: الكائن الموهوب وجناية النجاح – طامي السميري

ثمة أفلام تقدم أزمةَ الإنسان عندما يصبح مأسورًا لفكرةٍ واحدة في الحياة، ومنها فيلم المخرج “بول توماس أندرسون” Phantom Thread الذي يقدم حكايةً معقدة لإنسان موهوب في مجال عمله بوصفه مصممَ أزياءٍ نسائية، ويمتد هذا التعقيد إلى أطياف متعددة سواءً مع موهبته أو مع النساء أو حتى مع الحياة بشكل عام.

قدَّم الممثل “دانيال دي لويس” شخصيةَ “ورينولدز وودكوك” الخياط الموهوب الذي استطاع أن يديرَ أمر موهبته باقتدارٍ؛ فأصبح مطلبَ النساء في تصميم فساتينهن، حتى إن إحداهن كانت ترغب أن تُوضع في قبرها عندما تموت مرتديةً فستانًا من تصميم وودكوك. استطاع هذا الموهوب أيضًا أن يوظّف تفاصيل حياته كلها لهذا الفن الذي صنع له اسمًا مخمليًّا في المجتمع، واكتفى بهذا المجد، حتى عندما سألته ”ألما”:  لماذا لم تتزوج؟  أجاب بقناعة راسخة في داخله: أنا أصمم فساتين. وكأن تصميم الفساتين هو المجد.

ارتهنت حياة المصمم ورينولدز وودكوك للملابس التي برع فيها، وعلى الرغم من أن مهنته ملتصقة بعالم النساء إلا أنها خالية من المرأة الحقيقية التي يكون لها الأثر الحقيقي في حياته؛ فقد كان يدير حكاياته مع النساء بميكافيلية بحسب متطلبات مهنته، فكانت الأم التي فقدها مبكرًا في حياته هي الملهمة الروحية التي صمم لها أول فستان في مشواره المهني؛ لذا ظل يتناجى مع أطيافها ويظن أنها تمنحه القوةَ والجلدَ للاستمرارية في هذا الطريق، لهذا يقول: من الجيد أن الموتى يراقبون الأحياء.

ثم تأتي الأخت ”سيريل” وهي الأخت المديرة التي تنظم وتشرف على إدارة أموره الإدارية والمالية، وتحمل أيضًا القناعات ذاتها؛ لذا بينهما مسافة تتسم بالتناغم والتعايش، حتى أصبحت تعرف متى يتملل من الفتاة الموديل ويرغب في انصرافها عن دار الأزياء، فهي من ترفع الحرج عنه وتبلغ الفتيات بأمر رحليهن. أما العاملات في دار أزياء وودكوك فيظهرن بمنتهى الجدية والالتزام، ويبدُون كبيرات في السن؛ ولا توجد بينهن ابتسامات أو حوارات أو أحاديث جانبية في أثناء العمل، كانت صرامة سيريل وجدية وودكوك كفيلتين بخلق مكان ينتج الفساتين الجميلةَ؛ لكن بدون حياة جميلة في تلك الدار التي خلقت للعمل والعمل فقط.

أما زبائن وودكوك من النساء فيحملن الامتنان اللطيف لهذا الخياط الموهوب الذي يملك البراعة في إظهار جمالهن؛ لذا نجد الاستمرارية بينهن وبين وودكوك ترافقهن في مختلف مراحلهن العمرية، فهو يتعاطى معهن بلطافة آسرة وبحميمية مقننة، وتتجلى تلك الحميمية في تلك القبل الودودة التي تظهر في الفيلم مع أكثر من زبونة؛ لكنها قُبَلُ الامتنان لا قُبل الرغبة أو قُبل الشغف، فهن لا ينظرن إلى الرجل فيه؛ ولكن إلى المصمم الموهوب الذي يصمم فساتين تزيدهن فتنةً وجمالًا، وهو لا يرى فيهن سوى نساء تباهين بتصاميمه المميزة وحظين بأجمل الفساتين، وغالبًا ما يعتقد بأن له فضائلَ على النساء.

أما الطيف النسائي الرابع في حياة الخياط الموهوب وودكوك فهن (الموديلز) اللواتي يستلهم من أجسادهن إبداعاته في تصميم الفساتين، وتحظى كل موديل في الدار بمزايا حميمية تنالها مع وودكوك؛ لكن هذه الحميمية مرتهنة بصلاحية جسدها بوصفه (موديل)، وعندما تحدث التغيرات الجسدية أو تتغير رؤيةُ الفنانِ الجماليةُ في داخل وودكوك تنتهي تلك العلاقة مع الموديل، وتتولى سيريل إبلاغهن بأمر الرحيل، وهذا ما حدث مع الموديل جوانا والموديل هيرتا هاردي؛ لهذا يعيش وودكوك القلقَ والحيرةَ عندما يبحث عن فتاة جديدة لتكون (موديل) جديدًا تمنحه مزايا الابتكار والإبداع. وقد عاش هذا القلق حتى تصادف مع تلك النادلة والتي تدعى ألما إلسون.

كتب الروائي الروسي نابوكوف إلى ڤيرا: لقد دخلتِ حياتي، ليس كما يدخل الزائر، بل كما تدخل الملكات إلى أوطانهن. لكن ألما إلسون لم تدخل حياة مصمم الفساتين ورينولدز وودكوك كملكة؛ بل دخلت كفتاة موديل بسيطة. في المقابل كانت ألما تظن أنها دخلت حياة ذلك المصمم الوسيم بكونها أنثى أُغرم بها؛ فخلق بينهما هذا التضادُ في التصور العاطفي علاقةً مرتبكة وقائمة على الصراع الخفي الذي كان هو ثيمة الفيلم.

في المطعم وفي أول مشهد جمعهما، كان المصمم وودكوك يتأمل النادلة ألما ليس بعين الرجل الذي جذبته تلك الفتاة الجميلة؛ بل كان يتفحصها بعيون مصمم الأزياء، يرى فيها جسدًا مثاليًّا لِأَنْ يصبح الموديل الجديد للدار، أما تلك النادلة البسيطة ففُتنت بذلك الإعجاب ورأت فيه الرجل الذي ستعيش معه زمنًا من الوهج العاطفي.

عندما تحاور وودكوك مع ألما لم يكن يستكشف الأنثى في دواخلها؛ بل كان يتعرف على شخصيتها وقدرتها على لعب ذلك الدور الوظيفي؛ حيث فتنتْه طاعتُها، وضللتْه ابتسامتُها، وأغوتْه بساطتُها؛ فاعتقد أنه وجد الموهبة المميزة التي سوف يستثمرها في تصاميمه؛ لذا عندما أجرى معها أولَ بروفة كانت المفاجأة الجميلة له كمصمم، ليس جسدَها المناسب للإبداع؛ ولكن كونها تحظى بميزة مهمة لأي موديل نسائي، وهي قدرتها على الجلَد وتحمل متاعب الوقوف الطويل.

نتج عن إعجاب وودكوك بألما نكهةٌ جمالية جعلتْه يغفل عن إشارات مهمة في عباراتها تعبر عن شخصيتها، فقد سألها في أول لقاءٍ لهما: هل لون عينيها يشبه لون عيني والدتها، فأجابت بالنفي. وعندما سألها: هل تحمل صورة أمها، فأجابت بالنفي. عندها أصدر وودكوك أولَ فعل أمرٍ تجاه ألما وهو يقول لها عن صورة والدتها: احمليها معك؛ فسألته مباشرة: هل يحمل هو صورة أمه؟! فكانت تلك الإجابات رغم بساطتها تشي بامرأة لها شيء من الاستقلالية والخصوصية في التفكير وأيضًا في الندية، وقد قالت له في اللقاء نفسه عندما كان يتأملها: “ستخسر إن نافستني في التحديق”؛ لكن انغماس ألما في دور الموديل طمس ملامح شخصيتها المغايرة.

في المقابل كانت ألما أشد ذكاءً وأكثر فهمًا لشخصية وودكوك، فقد قالت له مازحةً في البدايات: أنت تدّعي القوة. لم تكن هذه العبارة مجرد مزحة؛ بل اكتشفت ألما أن وودكوك شيّد عالمًا خاصًّا به، تتجلى فيه طريقتُه الجادة في العمل بوصفه مصممًّا فنانًا، وخصوصيتُه بكونه إنسانًا له طقوسه الخاصة. وكان كل من حوله متواطئين في دعمه سواء الأخت سيريل أو العاملات في دار الأزياء أو حتى العارضات، كل هؤلاء دعمن وودكوك في نسج هذه الخيوط الوهمية حول شخصيته والتي تحجب حقيقة داخله.

فبرغم أن مهنته قائمةً على الوضوح الجمالي إلا أنه يراها مهنة الأسرار، فيقول لـألما: بإمكانك خياطة أي شيء في قماش المعطف، أسرار، عملات، كلمات، رسائل صغيرة. حينما كنت فتى، بدأت أُخفي أشياء في بطانات الملابس، أشياء كنت أنا فقط من يعلم بوجودها.

لكن مقابل هذه العتَمة في داخله، نجده يفضل النور الساطع والمشمس في دار الأزياء، وهذه إحدى المفارقات النفسية لشخصية وودكوك، فهو ينحاز للسرية ولا يحبها لغيره، فنراه عندما تحدث مع ألما أزال لها أحمر الشفاه مبررًا ذلك الفعل بقوله: أود أن أرى مع من أتحدث، إنها دلالة على أنه يبتغي الشفافية الجسدية؛ لأنه غفل عن إشارات في كلامها تشير إلى أنها قد تكون (موديل) جماليًّا مناسبًا؛ لكنها في الوقت ذاته امرأة ذات نفسية صعبة ومعقدة وغيور، فقد قالت له مبكرًا: أنت رجل وسيم، وحتمًا يحيط بك الكثير من الجميلات. وفي حالة أخرى استولت ألما وبشراسة على فستان تلك المرأة البدينة؛ لأنها استكثرت عليها ذلك الفستان الجميل.

منذ البروفة الأولى وعندما كان وودكوك يأخذ قياسات “ألما” تخلى عن تلك اللطافة وتلك النظرات التي كانت تغويها في بدايات التعارف، واستبدلها بها صرامة العمل وجديته، وعندما أخبرها بعد ذلك أنها ستنام في غرفة أخرى أدركت لماذا اقترب منها وودكوك وفهمت سقف الحميمية التي ستكون بينهما؛ ولكنها بشخصيتها القوية قررت في داخلها أن تمضيَ في طريق العمل بوصفها موديل؛ لكنها لن تكون كالعارضات السابقات لدار أزياء وودكوك.

استطاع وودكوك إخضاع من حوله كلهم للتآلف مع طقوسه وخصوصيته، وقد سلَّم الجميع بهذا الأمر؛ بل اعتقدن أن هذا الأمر يجب أن يستمر حتى يظل مبدعًا في تصميم الأزياء؛ لكنَّ ألما فتاة الموديل الجديدة كانت المشاكسة باحترافية لهذه الطقوس ومنها طريقتها في الأكل. فأضمرت بمكرها الخاص نية تغييره؛ فقد لمست ومنذ البداية أنه ليس الرجل القوي، بل هو يحمي داخله الهش بادعاء القوة؛ لذا عندما بدا مرهقًا في أول مرة وكان يحتاج إلى الراحة، أدركت حينها أنه عندما يمرض يصبح عذبًا متفتحًا؛ لهذا أبهجها ضعفُه الذي خلق فيه فتنة الاحتياج الإنساني. لقد قالت – وهي جذلة – عن وودكوك وهو منهك: أحيانًا من الجيّد له تخفيف سير خطاه.

استحوذت ألما عليه، وأشعرته بقدرتها على الحضور في حياته بطريقتها المختلفة وليس بالطريقة التي يريدها هو، فعندما حاولت مفاجأته بالعشاء وحدهما قالت أخته سيريل إنه لا يحب المفاجآت، لكن ألما أجابتها: “أحاول مفاجأته وحبّه بالطريقة التي أبتغيها، ولكن ينبغي لي التعرف عليه بطريقتي الخاصة”.

في ذلك العشاء تمت أول مواجهة بين الاثنتين. بدا متذمرًا ومتنمرًا من تلك المفاجأة التي أعدتها له، وعندما احتد النقاش بينهما قالت له: قواعدك كلها، وجدرانك، وأبوابك، وأناسك، وأموالك، وهذه الملابس، كل شيء هنا، ما من شيء عادي أو طبيعي، كل شيء هنا ألعوبة.

لم تكن عبارات ألما مجرد عبارات غاضبة؛ بل كانت تحمل قراءةً دقيقة لعالم وودكوك وشخصيته، وربما قالت له الكلام الذي لم يجرؤ أحدٌ من قبل أن يتفوه به ويصارحه بهلامية عالمه الوهمي الذي شيده بخيوط وهمية. وربما قالت له الكلام الذي كان يريد أن يقال له يومًا ما.

بعد ذلك الكلام الحاد والجارح لم يأمر برحيلها؛ بل استمرت علاقتهما، كانت له السيادة المعلنة، وكانت لها القدرة على إدارة تلك العلاقة بطريقتها المفضلة؛ لذا أعدت له تلك الوجبة التي طرحته مريضًا، وهنا استعادت لذتها في رؤيته منهكًا ومريضًا ومحتاجًا إلى حنانها ورعايتها. وفي هذه المرة لم تكسب فقط رغبتها في أن تراه مريضًا؛ وإنما كسبت معركة رعايته مع الأخت سيريل وأصبحت هي من تتولى رعايته.

كان وودكوك يقول: ”سيجعلني الزواج مضللًا ولا رغبة لي بذلك”؛ لكن ألما ببأسها الأنثوي جعلته يطلب الزواج منها، تخلى عن قناعته كونا عزبًا أبديًّا؛ لكنه ارتكب باتخاذه هذا القرار خطأَه الفادح؛ لأن ما كان يناله من التبجيل والمودة والحب من ألما قبل الزواج قد تبدد، وأصبحت تعامله بوظيفة الزوجة حتى أنها لم تبالِ بأن تأكل بالطريقة التي كانت تستفزه.

عندما قالت له أخته سيريل: هل آمرها بالرحيل؟ كان “وودكوك” الصارم في عمله وفي عواطفه لم يعد يملك القدرة على إبعادها عن حياته، لم يعد يمكنه التراجع، برغم أنه أدرك أنها أفسدت قواعد لعبته وأنها عندما قالت: أريدك مستلقيًا على ظهرك، عاجزًا، حنونًا، منفتحًا، وأنا وحدي من يساعدك؛ كان يدرك أن هذا الضعف والاحتياج أصبح حقيقةً، وأن عليه أن يقول لها وبمنتهى الاحتياج: قبّليني يا فتاتي قبل أن ينالني السقم.

يحكي هذا الفيلم قصة رجلٍ يعمل في مهنةٍ تحيط به النساءُ، بارعٍ في تصميم الفساتين، وله القدرة على إبهاجهن ببراعته وموهبته؛ لكنه في الوقت ذاته كان يحمي نفسه وعوالمه بخلق مسافة كافية بينه وبينه النساء تمنحه القدرة على أن يكون المصمم البارع فقط وليس الرجل العاشق. كان يخشى على فنه وموهبته، وعندما اكتشفت ألما هشاشة قلبه استحوذت عليه وجعلته فتاها الذي يخضع لسطوة الاحتياج والضعف الإنساني، لقد استسلم لها لأنه كان قد سئِم ذلك الدور المُحكم الذي مارسه طيلة حياته السابقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق