في مقابلة عمل أجريتُها قبل شهور للحصول على وظيفة أكاديمية بإحدى الجامعات المرموقة، وجّه إليّ أحدُ أعضاء لجنة المقابلة، بنبرة رسمية مشوبة بالود، طلبًا لتقديم نفسي في حدود ثلاث دقائق. ولأن هذا الطلب هو الأكثر توقعًا في بداية مثل هذه المقابلات، كنت قد هيّأتُ نفسي له مسبقًا، وظننتُ أنني مستعد لتقديم نفسي في حدود الوقت المحدد. لكن ما إن طُرح بصيغته المباشرة حتى وجدتني أرد بشكل عفوي: “تلك مهمة ليست باليسيرة”. قرأت معالم دهشة سريعة في وجه مُحدِّثي، لهذا حاولتُ أن أستدرك الأمر، لكن يبدو أن عفويتي أربكت ما كنت قد تدرَّبتُ عليه لعدة أيام. تعثّرت الكلمات، ولم تخرج الجمل كما حفظتها. وجدتني بلا إجابة جاهزة، وكأن ذهني أسقط فترةَ التدريب السابقة، وعاد إلى حالته الطبيعية التي تأبى الاختزال. لم أعتد التفكير في نفسي بوصفي مادة قابلة للعرض. خرجتُ من المقابلة بحالة من التشوش وأنا مدرك أنني لم أكن على القدر المأمول أو مستوى الأداء الذي توقعته عن نفسي: لم أشعر بالفشل، لكنني شعرتُ بأني لم ألتزم بقواعد اللعبة. شيءٌ طُلب مني ولم تكن إجابتي على قدر التوقع (أو ربما المنافسة)، شيءٌ لا يتعلّق بما أنجزتُه فعلًا، بل بكيفية صياغة ذلك بوصفه عرضًا يمكن ابتلاعه بسرعة وسلاسة. وربما ما جعل الأمر مدعاة لي للتأمل والكتابة أن هذا النوع من التقديم لم يَعُد مقتصرًا على مقابلات العمل، بل صار جزءًا من الحياة اليومية: في السيرة الذاتية، وفي الحسابات الشخصية، وفي المداخلات القصيرة، وحتى في اللقاءات العابرة. كأن على كل فرد أن يكون مُلخَّصًا دائمًا، نسخة خفيفة وسريعة الهضم من نفسه الأصلية، نسخة لا تعيش لتشعر أو تتعثر أو تتأمل، بل لتُقدَّم.
تبدأ العلامة التجارية للذات من هنا: ليس من الداخل، بل من الخارج الذي يفرض أن تكون ذاتك قابلة للتقديم، واضحة، ومشذّبة، ومصقولة. الذات، في هذه الصيغة، لا تُكتشف بل تُبنى كما يُبنى الشعار والهوية البصرية. لا تُصان بل تُروَّج. تتحول الحياة إلى حملة دائمة، يُعاد فيها تنسيق الانفعالات، وتهذيب الأفكار، وتغليف التجربة.
هذه العلامة ليست قناعًا، بل جِلدًا جديدًا تُغلَّف به الذات. آلية تفكيك هادئة تُسخّر الرغبة، وتعيد تدوير الحضور في هيئة استحقاق مرئي. كل لحظة تُختبر يجب أن تُوثَّق. كل شعور يُحسّ يجب أن يُعلن. هكذا تنتقل المراقبة من عين الآخر إلى عين الذات، وتُختزل الأصالة في مهارة العرض.
الحضور هنا لا يُعاش، بل يُهندس، وكل ما لا يُنشر يُنفى من الوجود. من لم يُرَ لم يُحصَ، ومن لم يُحصَ لم يدخل في الاقتصاد الرمزي للحضور. الشفافية لم تعد فضيلة، بل قاعدة وجود، كما يخبرنا بيونغ شول هان. وتحت وطأة هذا الحضور يصبح الصمت خللًا في التواصل، والغموض عيبًا في البرمجة، والتردد مؤشرًا على ضعف في الاستراتيجية.
إن العلامات التجارية لذواتنا تُبنى على نمط من “الزيف الصادق”: كلمات مفتاحية عن الذات. سرد مُنتقى لا يسمح بالتناقض، ويشبه الخطابات التحفيزية أكثر مما يشبه الحياة، وتُجمع فيه التجربة كما تُجمّع البيانات: قابلة للفرز والتصنيف، وللمقارنة، وللتداول. لا مكان فيه للارتباك أو التعثّر، فكل عطب يُعد فشلًا في التسويق.
تتحول الذات بمرور الوقت إلى منصة عرض، وتختزل الهوية إلى سلسلة من التحديثات، وتغدو الخصوصية عائقًا. حتى الانقطاع يُفسَّر كما لو كان خروجًا عن الخدمة أو التغطية. والظهور المستمر يتحوّل إلى واجب ضمني لا يُغفر لمن يتخلّف عنه.
الانصياع هنا ناعم. لا نحتاج إلى سَجّان، بل إلى اتصال مستمر. يُطلب منك أن تكون نفسك، بشرط أن تكونها كما تقتضي قواعد التداول: قابلة للمشاركة، وقابلة للإعجاب، وقابلة للقياس. الذات تُدفع لأن تظل تحت الضوء، لا لتُرى، بل لتُعرَض وتظل موجودة. ومن لم يُعرَض، لم يوجَد.
في منطق العلامة التجارية للذات، كل أثر هو محو. وكل عرض هو قضم للماهية. وكل صورة مُؤطرة نصنعها تأكل شيئًا من سكينة الذات. في النهاية، لا يبقى سوى حياة متشظية، مُجزَّأة إلى مقاطع جاهزة للنشر، ووجود يلهث خلف انطباع هشّ قابل للزوال في ثوان معدودة.
النجاة، إن كانت ممكنة، لا تكون بالهرب، بل بالاستعادة التدريجية للمساحات المطفأة: لحظات لا تُلتقط، وكلمات لا تُوثّق، ومواقف لا تُقدَّم للعرض. هناك فقط، تستعيد الذات شيئًا من نفسها. هناك فقط، لا تحتاج أن تشرح وجودها.
العلامة التجارية للذات لا تحمينا، بل تستهلكنا. ولا حاجة لأن تتحوّل الحياة إلى سيرة منسّقة. يكفي أن تُعاش كما هي: خامة هشّة، مملوءة بالفجوات، غير صالحة للتداول وللبيع.
…………………………………………..
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر الكاتب فقط.




