بقلم: كريستينا شويل | ترجمة: سمية العتيبي
تُشير الأبحاث أنَّ التعاطف الذاتي مختلفٌ عن الانغماس الذاتي: إليكَ خطوات كَسْب التعاطف الذاتي
يساهم التعاطف الذاتي في الاهتمام بالآخرين، وخلافًا للاعتقاد الشائع، فإنه لا يعني الانغماس في الذات
تعدُّ اللحظة التي سمعتُ فيها إحدى زميلاتي في المدرسة الثانوية تصف نفسها مرارًا وتكرارًا بالغباء أمام مرآة الحمام من اللحظات التي لن أنساها طيلة حياتي، ففي اللحظة التي ميّزت بها صوتها، صُدِمت وشعرت بقشعريرة تتسلّل في عمودي الفقري؛ لأنَّني كنتُ أراها من ألطف الناس في المدرسة؛ فقد كان من المحزن سماعها وهي تُحدِّث نفسها بتلك القسوة في اللحظة التي اعتقدتْ أن لا أحد يسمعها.
يعلّمنا الناس منذ أن كنا في مرحلة الحضانة أو الروضة أن نلاطف الآخرين، كما يعلموننا كيفية وأهمية المشاركة والتعاون واللعب مع الآخرين، وعندما يصف أي طفل زملاءه الآخرين بالغباء أو الخسارة أو يوجّه كلامًا غير لائق لهم، يُوبَّخ على الفور أو يُستبعَد لمدّةٍ مؤقتة لتأديبه، فنحن نشأنا على اتباع القاعدة الذهبية: “عامِل الناس كما تُحِب أن يعاملوك”.
ومع ذلك، لا يتلقى الكثير منا أي نصائحَ تساعدنا على أن نصادق أنفسنا قبل أن نصادق الآخرين؛ مما قد يؤدي إلى تفكيرنا بأفكار مغلوطة حول التعاطف الذاتي، وقد نعتقد أنَّ كوننا لطيفين مع أنفسنا يعني انغماسنا في ذواتنا أو الكسل أو الضعف.
لاحظتُ بصفتي طبيبة نفسية إكلينيكية في التدريب أن التوبيخ الذاتيّ أمر شائع بين الناس، فعلى سبيل المثال، ينقُدُ الناس عادةً أجسادهم أو أداء عملهم أو قدراتهم على الأبوة والأمومة وفقًا لمعايير الآخرين، كما يسمّون أنفسهم أسماء لا يجرؤون على قولها لأصدقائهم أو عائلاتهم أو حتى للأشخاص الذين لا يحبونهم.
يعدُّ المفهوم النفسي للتعاطف الذاتي مفهومًا مثيرًا للجدل، فجوهر ذلك المفهوم يتضمّن معاملة ذاتك باللطف نفسه والاهتمام الذي تعامل به شخصًا عزيزًا، كما ينصّ مفهوم التعاطف الذاتي على أن تعاطفك مع ذاتك يبدأ بإدراكك لمعاناتك الشخصية مثلما تُشفِق على الآخرين عند معرفتك بآلامهم، ووفقًا لباحثة التعاطف الذاتي الرائدة كيرستين نيف، من جامعة تكساس؛ فإن استجابتك للتعاطف الذاتي تستلزم ثلاثة عناصر بالغة الأهمية:
- اللطف الذاتي: عامِل نفسك بالمودة والتفهم بدلًا من أن تحكم وتنقد نفسك.
- الإنسانية المشتركة: تذكَّر أن البشر جميعهم يرتكبون الأخطاء، ويعانون من الألم، وهو أمر نعاني منه جميعًا.
- اليقظة الذهنية: راقِب أفكارك وعواطفك باتزان، ولا تجعل تلك الأفكار تستهلك طاقتك.
ومن الجدير بالذكر أنني اكتشفتُ أن فكرة التعاطف الذاتي تثير ردود فعل مختلفة، فبعض الناس يشعرون بالرغبة ويُظهرون حماسهم، والبعض الآخر، على النقيض من ذلك، فهم يشعرون بالشكِّ أو الخوف كما تُراوِدهم أفكار مختلفة عند مناقشة التعاطف الذاتي: “التعاطف الذاتي لا يناسبني”، “أليس الناس متساهلين جدًّا مع أنفسهم هذه الأيام؟”، “النقد الذاتي يساعدني على تحفيزي لتحقيق أهدافي”، “إذا كنتُ متعاطفًا مع ذاتي ألن أجلس على الأريكة وأتناول مثلجات بن وجيري طوال اليوم؟”.
وبالتأكيد، تَنتُج عن هذه المعتقدات عواقبُ، تؤثِّر على كيفية مواجهة الناس لتحديات الحياة، فقد أظهرت إحدى الدراسات التي أجريتُها أنا وزملائي باتريشيا تشين وجميل زكي، حول إستراتيجيّات التكيف التي طبّقها الأشخاص الذين أُصيبوا بخيبة أمل وغضب بعد نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، وأظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين كانت اعتقاداتهم إيجابية تجاه التعاطف الذاتي، كانت احتمالية استفادتهم لتجاوز المحن أكبر، كما صرَّح أولئك الأشخاص باستخدامهم استراتيجيات فعّالة للتعامل مع عواطفهم مثل طلب الدعم من الآخرين، وأصبحوا أقل اعتمادًا على الاستراتيجيات غير المجدية مثل الإلهاء أو لوم الذات، إضافةً إلى عزمهم على تطوير أنفسهم وأوضاعهم، وأن يكونوا نشطين سياسيًّا أكثر مما كانوا عليه في السابق.
ويؤكِّد بحثنا أن التعاطف الذاتي يعدُّ استجابة صحّية للمعاناة، كما أنه بالِغ الأهمية، ليس لرفاهيتنا فقط، ولكن للارتفاع إلى مستوى التصدي للتحديات أيضًا؛ فقد وجد باحثون آخرون أن التعاطف الذاتي يساعد الناس على تحمُّل مسؤولية الهفوات والاستمرار بعد مواجهة العقبات مثل درجة اختبار ضعيفة ومخيبة للآمال، على عكس الافتراضات القائلة إنَّ التعاطف الذاتي يعد أنانية؛ فالتعاطف الذاتي كما أثبَتَ بحثنا يساعدنا على أن نكون أطيب مع الآخرين، وقد يبدو هذا كلّه غير منطقي للناس، مما يؤدي إلى تساؤلهم “كيف يمكن لشيء بسيط مثل التعاطف الذاتي أن يحدث فرقًا في أنفسنا، وأن يطوّرنا لنصبح أفضل نسخة من أنفسنا؟”.
حب الذات لا يُهزم، ويساعدنا على الاعتراف بأخطائنا لأنفسنا، فهل تُفضِّل مشاركة خطأ محرج قد قمتَ به مع شخص يتقبل الأخطاء ويرد بلطف، أم مع شخص يشتعل غضبًا وينتقدك انتقادًا جارحًا؟
فعندما يرتكب الأشخاص المتعاطفون مع ذواتهم أخطاء أو إخفاقات متوقعة، تظهر قدرتهم على الاعتراف بأن هذه الأخطاء أحداث بشرية طبيعية، أي جزء من حياة الإنسان دون ثقل النقد الذاتي؛ مما يسهّل نموّهم وتطورهم والتقدم في حياتهم بشجاعة.
قد قدمت نيف في حديثها الشهير في TEDx عام 2013، تشبيهًا مفيدًا لفهم سبب نجاح التعاطف الذاتي؛. تخيل أن طفلًا مستاءً عاد إلى المنزل من المدرسة بعد حصوله على درجة رسوب في مادة الرياضيات، قد ينتقده أحد الوالدين انتقادًا قاسيًا معربًا عن خيبة أمله وغضبه أو شعوره بالخِزيِ من فشله بتلك المادة، كما أنهم قد يصرخون ويشكّكون في ذكاء الطفل، وقد يستجيب الطفل استجابة قصيرة المدى ويبذل جهدًا أكبر في المذاكرة، ولكن قد يُصابُ الطفل بالاكتئاب مع الأيام، ويفقد شغفه في مادة الرياضيات؛ لأن عواقب الفشل وخيمة، فيمكن لأحد الوالدين الاستجابة للطفل بتعاطف وتفهُّم مشاعر خيبة أمله وتأييد مشاعره بقول “يمكنني تفهُّم مدى استيائك“، و”يبدو هذا صعبًا للغاية“، وتذكيره بأن الجميع يكافحون ويعانون، ومساعدته على اتباع وجهة نظر متوازنة كقول، “ستواجه المزيد من الاختبارات في حياتك“، و “لنكتشف كيف يمكننا مساعدتك حتى تشعر أنك مستعد للمرحلة التالية”.
لم تَعنِ الاستجابة المتعاطفة أن يتغاضى أحد الوالدين عن درجة الاختبار، ولم تتطلب تعزيزهم للطفل ورفع تقديره لذاته بعد رسوبه بتلك المادة، ولكنها ساعدت على تكوين بيئةٍ آمنة وحاضنة له، حيث تكون الأخطاء مقبولة للطفل؛ مما يساعده على مواجهتها.
وبمعنى آخر، اختَرْ كلماتِك بعناية عندما تتحدث مع ذاتك، فإن تلك الكلمات هي مصدر طاقتك وشغفك للحياة؛ فيمكنك إما أن تملأ مصدر طاقتك بالنقد أو التعاطف، وكلاهما سيجعلانك تمضي في حياتك، لكن نتيجة التعاطف الذاتي تستمرّ لفترة أطول وبأقل الأضرار، فعندما تكون لطيفًا مع نفسك، ستواجه تحديات الحياة بعزم وثبات وستتمكن من الدراسة بعد أن ترسب، أو الاعتذار بعد أن تستشيط غضبًا أو العودة إلى النادي بعد أن تشعر بالإرهاق، ومن الجدير بالذكر، يساعدنا التعاطف الذاتي على مواجهة هذه العقبات مباشرةً دون أن نشعر بالعجز.
التعاطف الذاتي ليس سِمةً صعبة المنال، ويمكن أن يكتسبها الجميع من خلال طرق واقعية وملموسة تساعد على زَرْع التعاطف تجاه أنفسنا والآخرين، فقد أنشأ الباحثون برنامجًا معروفًا باسم، «برنامج التعاطف الذاتي الإدراكي»، وأقاموا ورش عمل عن التعاطف الذاتي، كما وفّروا مصادرَ لدعم الناس على تنمية التعاطف الذاتي، ويمكننا تدريب أنفسنا على التعاطف الذاتي بطرق مختلفة، على سبيل المثال؛ ممارسة تمارين الكتابة الخيالية والتأملية، فيقوم الشخص بكتابة رسالة إلى نفسه، وكأنه يَعتزِمُ على إرسال تلك الرسالة إلى صديقه العزيز دون شروط؛ فقد تساعدنا هذه التمارين على الاستجابة لألمنا بالتشجيع والمراعاة كاستجابتنا لألم صديق قريب وملاحظة قُصورِنا في استجاباتنا لمعاناتنا الشخصية.
ومع ذلك، إذا كنتَ مثل معظم الناس؛ فإنَّ اقتناعك للذهاب إلى نادي التعاطف الذاتي هو الجزء الأصعب وإذا كنت تشكُّ ما إذا كان ذهابك لذلك النادي سيفيدك أم لا، فمن غير المحتمل أن تذهب، ويؤكِّد عملنا على أهمية أخذ الوقت الكافي لفهم وتصحيح افتراضاتك فيما يتعلّق بالتعاطف الذاتي؛ فقد يساعدك التعاطف الذاتي على مواجهة العقبات الحتمية في أيامك القادمة بطريقة فعالة، اكتشفْنا أمرًا من الأمور المشجعة في عملنا عندما ساعدنا المشاركين على تغيير قناعاتهم حول فائدة التعاطف الذاتي، فقد أصبح بإمكانهم مواجهة تحديات الحياة بشكل أفضل، وعندما أخبرناهم أن البحث يُثبِتُ أهمية التعاطف الذاتي في رفع المعنويات أصبحوا متحمّسينَ لممارسة التعاطف الذاتي أثناء الصعوبات، وهذا بدوره ساعدهم على التأقلم والسعي لتطوير أنفسهم، ويؤكد بحثنا على أهمية أخذ الوقت الكافي لفهم وتصحيح الافتراضات؛ فقد يساعدك التعاطف الذاتي على مواجهة العقبات الحتميّة في أيامك القادمة مواجهةً فعّالة.
أولًا، لاحظ معتقداتك عن التعاطف الذاتي، واسأل نفسك: ماذا قال لك الآخرون سواء من خلال الأقوال أو الأفعال عن التعاطف الذاتي؟ هل مارست الشخصيات الأبوية في حياتك التعاطف؟ إذا كان الرد بالإيجاب، فهل أدرجوا أنفسهم في مساحة تعاطفهم مع أطفالهم؟ ما الذي سيحدث إذا كنت متعاطفًا مع نفسك؟ ما الذي سيحدث إذا تخلّصتَ من النقد الذاتي القاسي؟
ثانيًا، لاحظ كيف تتحدث مع نفسك، إذا كنتَ مثل معظم الناس، فإن عقلك مليء بالكلام كنهر يتدفّق تدفقًا مستمرًا، وكما لو كنت تأكل الفشار أثناء مشاهدة فيلم دون ملاحظة قوامه أو نكهته، فقد لا تتوقف للتفكير في حديثك الذاتي، هل تميل أفكارك إلى أن تكون سلبية؟ هل تُلزِم نفسك بمعاييرَ مستحيلة؟ ومن الجدير بالذكر أنك ستقضي ما تبقّى حياتك مع هذا الصوت؛ لذلك خُذ الوقت الكافي للتعرف عليه؛ حتى تستطيع تعديل تلك الأفكار.
وختامًا، انتبه لمعتقداتك حول التعاطف الذاتي؛ فقد وجد الباحثون مرارًا وتكرارًا أنَّ التعاطف الذاتي يؤثر تأثيرًا عمليًّا إيجابيًّا، كما يُعدُّ وسيلة تحفيزية قوية قد تساعدك على المثابرة حتى في مواجهة التحديات.
قد يبدو التعاطف الذاتي في بداية الأمر غريبًا أو مخيفًا أو صعبًا؛ لذلك كن صبورًا مع نفسك، وتذكَّر أنَّ التعاطف الذاتي يعني التواصل مع ذاتك تواصلًا هادفًا ومراعيًا، وأن الأمر قد يستغرق وقتًا لتطويره، كما أن التعاطف الذاتي لا يعني الشعورَ بالرضا طَوالَ الوقت مثل بَدء نظام تمرين بدنيّ جديد، فقد تكون رحلتك في التعامل مع ذاتك بتعاطف صعبة مؤلمة في البداية.
يُعدُّ التعاطف الذاتي لكثير من الناس نهجًا مختلفًا جذريًّا عمّا اعتادوا عليه، فالتعاطف الذاتي يعني أن تكون متعاطفًا وطيبًا مع ذاتك دونَ شروط، بغضِّ النظر عن ظروفك أو إنجازاتك، ولكنَّ هذا يتناقض مع الثقافة التي تكافئنا على الإنجازات بالأموال والأوسمة؛ فعندما يهمس الأنا بنداء صفارة الإنذار (ستكون عظيمَ الشأن، عندما تنجز أكثر وبنهج أفضل)، فإن التعاطف الذاتي يُعدُّ صديقًا مخلصًا، وسيهمس لنا (أنا أؤمن بك، وأنا هنا من أجلك مهما حدث).
أتذكَّرُ الآن زميلتي في المدرسة الثانوية وهي تُوبِّخ نفسها أمام مرآة الحمام، وأتمنى لو كانت تعرف أنّه لم يكن عليها أن تتنمر على نفسها، فلو كانت تؤمن بقوة التعاطف الذاتي لِما له من أثر إيجابي، فربما كانت متعاطفة مع نفسها «حصولي على درجة اختبار ضعيفة أمر مؤلم، لكنه لا يعني أنني شخص سيئ، كما أنني أعلم أن زملائي في الفصل يكافحون أيضًا، وأنني لست الشخص الوحيد الذي يكافح؛ لذلك سوف أسأل الآخرين عن طرق الدراسة الفعّالة، وسأحصل على الدعم الذي أحتاجه وأستحقه»، وجدتُ أثناء عملي السريري وأبحاثي أن التعاطف الذاتي يعدُّ كشاحن يزودنا بالطاقة، ويساعدنا على التكيف، ولو كان بإمكان زميلتي في الفصل أن تصادق نفسها، ستجد أن درجاتها في المدرسة ستتحسن، وأن حياتها في نهاية الطريق ستصبح أفضل بكثير.
اعلَمْ أن هذا ينطبق عليك أيضًا، وفي حين أنَّ رحلة تنمية التعاطف الذاتي قد تبدو شاقّة؛ إلا أنها جديرة بالاهتمام والصبر، وتذكّرْ دائمًا، عندما تكون صديقًا لطيفًا مع نفسك، لن تخشى الفشل.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سايكي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




