في البداية؛ لا شيء يُنذر بالخطر، تبدو الحياة متّزنة محسوبة على وتيرة مفهومة ومتوقعة جدًا، وكأنها تتدرّب على طقسٍ قديم لا يريد أن يتبدّل، تُكرِّر نفسها كما تفعل موجة البحر حين تُصافح الرمل وتعود. ونمضي نحن بدورنا في تكرار الطقوس ذاتها، وفي إتمام الحركات نفسها، وفي التفاعل مع الأشياء دون اشتباك حقيقي معها، كأننا نُجري تمارين صامتة على الحياة دون أن نعيشها فعلًا. يخدعنا كل هذا الانسياب فنظن أننا بخير، لأن كل شيء ما يزال في مكانه. لكن ما لا نراه أن التكرار ليس بالضرورة مرادفًا للطمأنينة، بل قد يكون خدعة الزمن حين يُغلق علينا الباب بلطف ويهمس لنا بأن نبقى حيث نحن لأن «كل شيء بخير»، فنصدّق. نستمرّ في ما بدأناه منذ زمن دون أن نتذكر لمَ بدأناه. نؤدي المهام، ونُنجز الواجبات، ونرتّب المواعيد، ونُجيب عن الرسائل، ونُحيّي الأصدقاء، ونُودّع الأحباب، ونضحك حين يجب أن نضحك، ونصمت حين يتوجب الصمت، وننهي كل يوم وكأننا نُنجز حياة، بينما ما نفعله في الغالب هو أننا نُخفّف من حضورنا فيها، لأننا نُعيد إنتاج ما نحن عليه كما لو كنّا مرآة عمياء، لا تُمسك سوى انعكاس ماضٍ لم يَعُد حيًّا، فنصبح بمرور الأيام نسخة مُهذّبة من غيابٍ متواصل، لا يحتجّ، لأنه ببساطة لا يشعر. ثم نكتشف متأخّرين أن اليوميّ لم يكن حياديًّا كما توهّمنا، بل كان طوال الوقت يُهندس انسحابنا من ذواتنا، وأن كل ما نفعله بنظام وهدوء ودقّة ليس سوى تواطئًا مهذّبًا معه للذبول.
بعد ذلك لا يعود في مقدورنا تمييز اللحظة التي بدأ فيها هذا الذبول، لأن التغيّر لم يكن صاخبًا، ولم يكن حدثًا يصلح للسرد أو التأريخ، بل كان أقرب إلى التآكل؛ تآكل في الحدة، وفي الرغبة، وفي الانتباه، وفي كل ما كان يجعلنا ننهض فجأة من مكاننا لنقول شيئًا لم يُقَل، أو نغيّر طريقنا لأن قلبنا ارتجف، أو نكسر عادة لأن الحياة يجب ألّا تُعاش كما لو كانت فلمًا رأيناه مرارًا. لكننا صرنا نؤجل ذلك كل يوم حتى اختفت الحاجة إلى التغيير. صار كل شيء مؤجّلًا، حتى الحنين غدا عابرًا لا ينتظر منّا ردًّا، يأتي ويذهب طيفًا لا يثق بنا. ربما لأننا خذلناه كثيرًا؛ خذلناه حين برمجنا أفواهنا على القول بلغةٍ مهذبة «الأمور طيبة..أنا بخير»، وها نحن الآن بخير فعلًا لدرجة أننا صرنا كائنات رمادية تؤدي أدوارها بنجاح. نمشي ونأكل ونتكلّم وننشر الصور ونُظهر الحماسة ونكتب التعليقات ونُرسل الإيميلات ونحضّر الاجتماعات، ثم ينتهي يومنا ولا شيء فينا قد تغيّر سوى أن أيامنا صارت أخفّ وزنًا، وأكثر شفافية، وأقلّ حياة.
غير أننا في لحظات التأمل القليلة التي نمنحها لأنفسنا، حين نسأل بصدق: ماذا نفعل هنا حقًا؟ نجد السؤال نفسه مربكًا، ربما لأنه يلمس منطقة خفية في وعينا، حيث ندرك أننا اخترنا ببطء أن نعيش حياة أقل مما يمكن أن تكون.
لقد حدث كل ذلك بهدوء، يوم بعد يوم، حين اخترنا الطريق الأسهل، والأكثر ألفة، والأقل مقاومة. لم يكن ثمة إجبار، فقط قرارات صغيرة متتالية قادتنا إلى هنا. اتخذناها لأن الدفء مريح، ولأن التغيير مليء بالاحتمالات، ولأن الروتين يمنحنا وهم الاستقرار.
لا أحد سيأتي لينقذنا من هذا المسار. فالصمت يُغذّي نفسه، والعادة تُعمِّق جذورها. لكن في بعض الأوقات، وبين حينٍ وآخر، يحدث أن يعترض هذا الانسياب شيء صغير: جملة في كتاب، أو التفاتة عابرة، أو سؤال لا يبدو مهمًّا. شيء لا يدّعي الحكمة، لكنه يوقظ فينا -ولو لحظة- شعورًا غامضًا بأن ما نحن فيه ليس كلّ ما يمكن أن نكونه. لحظة لا تغيّر المسار، لكنها تترك فيه شرخًا صغيرًا، نعود إليه بالتفكير كلما خفّ الضجيج، وهدأت الحركة، وتذكّرنا أن ما حسبناه حياة، لم يكن أكثر من تمارين صامتة عليها.
…………………………………………..
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر الكاتب فقط.




