كارينا فونك
لم يهدأ بعد غبار الانهيار الاقتصادي الأخير، فقد ابتُدِعت الأصول الرأسمالية والثروات، ثم صُفّيت وفُقدت مراتٍ لا يُحصيها أقوى آلات تمزيق الورق الصناعيّة في عمرها كلّه. ولسنوات قادمة، سيظل المحلّلون والمستثمرون يتحمّلون عبء تجاهلهم للديون الثقيلة التي أثقلت كاهل كثير من عمالقة التقنية الذين سقطوا اليوم، وسيستمر التنفيذيون السابقون وموظفو الشركات المنحلّة في معاركهم القضائية. أما مدة بقاء المدير التنفيذي في منصبه، فقد انخفضت من ثماني سنوات في عام ١٩٨٠م إلى أربع سنوات في عام ٢٠٠٠م، في الوقت الذي احتدم فيه الجدل بين الإعلام والجمهور حول ما إذا كانت عوائد الشركات قد واكبت الأجور الفلكية للمديرين التنفيذيين. وفي غضون ذلك، ازداد عدد حالات فشل الأعمال التجارية؛ إذ تجاوزت حالات فشل الشركات ثمانين ألفًا سنويًّا في العشرين سنة الماضية، مقارنة بتسعة عشر ألفًا سنويًّا، في المتوسط، خلال الثلاثين سنة السابقة. ويبدو أن الشركات أقل فأقل قدرة على التنبؤ بأرباحها الحقيقية.
وليس من العجب، في مثل هذا المناخ، أن يبدأ المستثمرون وسائر أصحاب المصلحة في الشركات في إبداء اهتمام بالغ باستدامة الأعمال، ويشهد على ذلك نمو الاستثمار المسؤول اجتماعيًّا، حيث تقود الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية معًا قرارات الاستثمار. ومع أن المحللين لا يتحدثون دومًا بلغة التنمية المستدامة، فإن وول ستريت بدأت تدريجيًّا تدرك أهمية قياس العناصر غير المالية في الأعمال والإفصاح عنها. فعلى سبيل المثال، أكّد خمسون بالمئة من محللي قطاع النفط والغاز الذين شملهم استطلاع كاب جيميني إرنست ويونغ، أن الامتثال التنظيمي في القضايا البيئية وخدمة المجتمع والدعاوى القضائية تؤثر فعلًا في قيمة الشركة، فيما يرى ثمانية وستون بالمئة أن الجوانب غير الملموسة المتعلقة بالموظفين لها أيضًا أثر كبير. واستجابة لهذا الطلب، بات مزيد من الشركات تقدّم تقارير الاستدامة المؤسسية؛ إذ أفادت صحيفة نيويورك تايمز أن عدد التقارير المنشورة بلغ ٤٨٧ تقريرًا في عام ٢٠٠١م، بعدما كان ١٩٤ تقريرًا في عام ١٩٩٥م، وسبعة تقارير فقط في عام ١٩٩٠م.
ومع ذلك، لا تزال كلمة “الاستدامة” غامضة وذات حمولة سياسية، لا سيما في معجم الأعمال؛ فعندما يُحصر المصطلح، كما هو شائع، في إدارة البيئة أو العدالة الاجتماعية، يُنظر إلى الاستدامة غالبًا على أنها تتعارض مع المسؤولية الائتمانية، ولا صلة لها باستراتيجية الأعمال. ويقيم هذا المقال حجة اقتصادية للاستدامة من خلال تبنّي منظور أوسع: فالمنظمة المستدامة هي التي تُصمَّم خصائصها وأفعالها لتقود إلى “حالة مستقبلية مرغوبة” لجميع أصحاب المصلحة. فبالنسبة للمستثمرين، تشمل الحالة المستقبلية المنشودة نموًّا مستدامًا في الإيرادات على المدى الطويل، أما بالنسبة لسوق المواهب، فتشمل تنوع القوى العاملة. ويثمّن المنظمون والمجتمع الأوسع الرعاية البيئية والمسؤولية الاجتماعية، ويطلب المستهلكون منتجات وخدمات مفيدة وموثوقة وفعالة من حيث التكلفة. ومن منظور موظفي الشركة نفسها، تشمل الحالة المستقبلية المرغوبة الحفاظ على البقاء والربحية، وإدارة المخاطر مع تعزيز الابتكار. والشركات التي تدير وتستجيب بفاعلية لِطَيْفٍ واسعٍ من مؤشرات الاستدامة، أقدر على خلق القيمة لجميع أصحاب المصلحة على المدى الطويل.
الجوانب غير الملموسة وخلق القيمة
في العامين الماضيين، كلّفت المفوضية الأوروبية، وهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، ومجلس معايير المحاسبة المالية الأمريكي، بدراسات حول أهمية الجوانب غير الملموسة في الاقتصاد، وأجمعت جميعها على أن محركات خلق الثروة في الأعمال والاقتصاد لم تعد تقتصر على الأصول المادية والمالية، بل باتت ترتبط أكثر بالجوانب غير الملموسة، مثل حقوق الملكية الفكرية، ومواهب الموظفين.
ورغم أن المقاييس المحاسبية والمالية التقليدية تمنح بعض البصيرة في قيمة الشركة السوقية، فإن مؤشرات الاستدامة الاستشرافية -من الثقة في إدارة الشركة، إلى الريادة البحثية وإدارة الالتزامات البيئية- تزداد أهمية في العرض الكلي لقيمة الأعمال. ونتيجة لذلك، يُبذل جهد أكبر في تقنين الجوانب غير المالية وغير الملموسة للأعمال. ففي فرنسا، تفرض اللوائح الاقتصادية الجديدة، من بين أمور أخرى، الإبلاغ عن الموارد البشرية ومعايير المجتمع والعمل. وفي المملكة المتحدة، تطالب الحكومة بالإفصاح عن المعلومات الأخلاقية والاجتماعية والبيئية المتعلقة بسياسات استثمار صناديق التقاعد المهنية. وفي مركز الابتكار التجاري لدى كاب جيميني إرنست ويونغ، طورنا مؤشر خلق القيمة، الذي لا يكتفي بقياس الأداء غير المالي، بل يربط أيضًا الجوانب غير الملموسة الرئيسة بقيمة الشركة السوقية. وقد أظهرت النتائج بوضوح أهمية أصول الأعمال التي لا تقيسها، أو تديرها، أو تفصح عنها معظم الشركات. وعلى الرغم من أن المسؤولية الاجتماعية والبيئية كانتا من بين أبرز العوامل غير الملموسة المحددة، فإن المؤشر يقدم صورة أوسع بكثير لعناصر الأعمال المستدامة. ومع أن هذه العناصر تختلف قليلًا حسب الصناعة، فإن مقاييس مثل مصداقية الإدارة، والابتكار، وهوية العلامة التجارية، والقدرة على جذب المواهب، والريادة البحثية، كلها ارتبطت بقوة وثبات بقيمة السوق عبر مختلف القطاعات.
الاستدامة بوصفها دلالة على فعالية الإدارة
لقد أدرك المديرون أن المؤشرات اللامادية التي تقيس الاستدامة يمكن أن تكون أيضًا مؤشرات على الفعالية؛ أي مدى حسن إدارة الشركة. فمن إدارة الالتزامات المؤسسية إلى المغامرات في الأسواق الجديدة، يمكن لاستراتيجية الأعمال المستدامة أن تحسّن جميع قطاعات النشاط المؤسسي، بل يجادل بعضهم بأن الإدارة البيئية، على وجه الخصوص، تعد مقياسًا جيدًا لقدرات الإدارة الكلية على المستويين الاستراتيجي والتشغيلي. يرى ماثيو كيرنان، مؤسس شركة “إينوفيست ستراتيجيك فاليو أدفايزرز” للبحوث الاستثمارية، أن القضايا البيئية تمثل استعارة قوية؛ إذ إنها تمس جميع جوانب عمليات الشركة من تصميم المنتج إلى التمويل، ولها تبعات على طيف واسع من أصحاب المصلحة من الحكومة إلى المستثمرين إلى أبناء المجتمع. ولعل الأهم من ذلك، أن المشكلات البيئية تُعد مسائل “فتية” نسبيًّا، ومعالجتها تتطلب بُعد نظر استراتيجيًّا، وتنفيذًا متفوقًا، ومرونة تنظيمية، وهي عوامل لا يمكن إدراكها تمامًا في الميزانيات العمومية.
وإذ يسعى المديرون إلى مقاييس أداء كاشفة وموثوقة لهذه العوامل، يمكنهم الاستفادة من المعلومات المتوفرة بالفعل لدى شركاتهم، لا البيانات التي يُلزمهم القانون بالإبلاغ عنها فحسب، بل أيضًا البيانات التي تُجمع لغرض ما، ويمكن توظيفها لاستخلاص معلومات عن مسائل أخرى مرتبطة. فعلى سبيل المثال، تُطلب بيانات الانبعاثات لبعض المواد السامة المنظمة، إلا أن هذه المعلومات ذاتها يمكن أن تُعين على وضع أهداف لاستخدام المواد في عمليات الإنتاج. إن الإدارة الاستباقية لهذه البيانات وتفسيرها، تمكّن الشركات من التحكم في المقاييس ذات الأهمية في أسواقها وصناعاتها، بل قد لا يكون أمام الشركات خيار آخر: فمع تطور نظم جمع البيانات وإدارتها، سيغدو رصد الأداء مرتبطًا، بالضرورة، بتحسين الأداء. وفي كثير من الوجوه، فإن مقاييس الاستدامة والأداء السوقي مترابطة استراتيجيًّا.
إشعال شرارة الابتكار
تقليديًّا، كان الامتثال البيئي ونفقات الرفاه الاجتماعي يُعدَّان تكاليف ترتبط سلبيًّا بالعوائد، غير أن دراسات حديثة تشير إلى وجود فرص عديدة لتحقيق ميزة تنافسية وزيادة الأرباح، عبر الانخراط في مبادرات استراتيجية للاستدامة.
ويعكس هذا المنطق تحولًا من النظر إلى مصروفات الأعمال في عالم ساكن، إلى النظر إليها في عالم ديناميكي قائم على الابتكار، فقد جادل كلاس فان دير لينده ومايكل بورتر بأن الشركات في نموذج ساكن قد اتخذت بالفعل خياراتها الأدنى تكلفة، ومن ثم فإن أي إلزام بالإنفاق باسم البيئة أو المسؤولية الاجتماعية، “يرفع التكاليف حتمًا، ويميل إلى تقليص الحصة السوقية للشركات المحلية في الأسواق العالمية”. ويقولان: إن العالم الساكن يفترض، خطأً، أن الشركات تسعى بالفعل وراء كل الابتكارات المربحة من خلال البحث عن الربح. أما العالم الديناميكي (أي الواقعي)، فيتشكّل عبر تحفيز الابتكارات وتطويرها. ويذهب بورتر وفان دير لينده إلى أن “صافي تكاليف الامتثال [للتنظيمات البيئية] مبالغ فيه بافتراض غياب منافع الابتكار”.
وبعبارة أخرى، فإن التنظيمات وضغوط السوق قد ساعدت على إشعال ابتكارات حسّنت في نهاية المطاف من كفاءة العمليات، وفتحت أسواقًا جديدة، وسهّلت الإنتاج واستخدام المواد، وأفضت إلى منافع عديدة تتجاوز تقليل التلوث. فعلى سبيل المثال، ترى شركة “سبارتيك” لإنتاج البلاستيك في برنامجها لإعادة التدوير خدمة مضافة للعملاء، لا شرًّا لا بد منه. ففي عام 2001م، اشترت “سبارتيك” مئتين وعشرين مليون رطل من البلاستيك الفائض وقصاصات الإنتاج من ألفي عميل، وأعادت تدوير المواد بكفاءة في منتجاتها. كما تشارك عشرة من مصانع “سبارتيك” في برنامج لإعادة استخدام منصات الخشب المستخدمة في الشحن، مما يغني العملاء عن معالجة نفايات الخشب، ويوفر على “سبارتيك” وعملائها 134 ألف دولار سنويًّا من تكاليف المواد ورسوم التخلص.
ولقياس الأداء، تنظر “سبارتيك” إلى ما وراء الامتثال البيئي البسيط، الذي تعدّه “مؤشرًا متأخرًا”. وتشير سوزان ريني، مديرة البيئة والصحة والسلامة في “سبارتيك”، إلى العديد من التحسينات المستمرة في الشركة، التي تتجاوز الامتثال وتحقق “منطق الأعمال الرشيد”، مثل تقليل انبعاثات الغازات الدفيئة، وتحسين كفاءة الطاقة، وتوسعة برنامج إعادة التدوير، ليشمل جميع المواد والمخلفات. ومع كثير من وفورات التكاليف التي تحققها برامج “سبارتيك”، لا يبدو تحويل وظيفة البيئة والصحة والسلامة في الشركة إلى مركز ربح وخسارة هدفًا غير معقول. ومن ثم، يمكن أن تكون المؤشرات الاستشرافية التي تقيس قدرة الشركة على الاستخدام الكُفْء للمواد والطاقة (مثل بيانات الإنتاج أو استهلاك الطاقة لكل وحدة منتج)، وأي إيرادات لاحقة، مقياسًا للقدرة الابتكارية، والاستخدام الفعّال لرأس المال، وخلق القيمة.
قيادة التنظيم
إن ابتكار وسائل جديدة للامتثال أو تجاوز الأهداف التنظيمية لم يقلل التكاليف فحسب، بل ساعد أيضًا في توجيه التنظيم البيئي نحو اتجاه يعود بالنفع على المنتجين كما على الصالح الاجتماعي والبيئي. ويزعم الأستاذ فورست راينهارت من كلية هارفارد للأعمال، أن الشركة قد “تدير” منافسيها “بفرض مجموعة من التنظيمات الخاصة، أو بالمساهمة في تشكيل القواعد التي يكتبها المسؤولون الحكوميون”.
يؤكد روبرت لارسون، من وكالة حماية البيئة الأمريكية، صحة تلك الملاحظة، إذ كان مسؤولًا عن وضع القواعد المنظمة لمعايير الانبعاثات في الولايات المتحدة للمحركات ثنائية الأشواط المحمولة يدويًّا. ويقول: إن ابتكارًا تقنيًّا معينًا من شركة جون دير، وهو حقن موجة الضغط (CWI)، “قد أسهم بلا ريب في دفع المعيار الخاص بمعدات الحدائق والعشب المحمولة يدويًّا”. وقد أوجد ذلك ميزة تنافسية لجون دير؛ إذ إن تقنيتها في حقن موجة الضغط تجاوزت المعيار المقترح من وكالة حماية البيئة بتكلفة أقل، ومع عراقيل أقل أمام الاعتماد الواسع مقارنة بالخيارات الأخرى. وقد أظهرت وكالة حماية البيئة أن الفوائد البيئية لهذه التقنية عظيمة، وأن حقن موجة الضغط يقدم وسيلة تقنية ممكنة لبلوغ تلك الفوائد. ومنذ ذلك الحين، رخصت جون دير هذه التقنية لمنافسيها، مما جعل المحرك الأنظف احتراقًا متاحًا على نطاق أوسع، وضمنت بذلك موردًا ماليًّا مستقبليًّا.
إن مستوى الاستثمار في البحث والتطوير لمواجهة المتطلبات التنظيمية المقبلة قد يكون مؤشرًا على الميزة التنافسية المحتملة. وكذلك، فإن أي حوافز موضوعة للموظفين أو الأقسام أو وحدات الأعمال لتطوير عمليات وتقنيات “تتجاوز الامتثال”، من شأنها أن تمنح أصحاب المصلحة فهمًا حول ما إذا كانت الشركة رائدة، أم تابعة في مجال التفاعل التنظيمي.
إيجاد التمايز في الصناعات السلعية: يكون تمييز المنتجات صعبًا للغاية، وغالبًا ما تتنافس الشركات من خلال الكفاءة التشغيلية واقتصاديات الحجم. ومع ذلك، فقد ميزت بعض الشركات نفسها من خلال أداء أفضل في الجوانب غير الملموسة، ويبدو أنها قد كافأت في السوق على ذلك.
حين تولى بول أونيل (الذي شغل سابقًا منصب وزير الخزانة الأمريكي) منصب الرئيس التنفيذي لشركة ألكوا في منتصف عام 1987م، كان سجل الشركة في سلامة العمال يساوي ثلث المتوسط الوطني، ولم يسعَ أونيل إلى زيادة هامش الربح، أو تعزيز اقتصاديات الحجم، أو تنويع الأعمال، بل رفع قضايا الصحة والسلامة والبيئة إلى مستوى استراتيجي، وقد أوضح أونيل، مع التركيز على هذه القيم: “سوف تتجاوز ما كان يبدو ممكنًا من قبل. وسلامة مكان العمل مجرد مثال واحد، فعندما تصبح فعالًا في حل المشكلات التنظيمية، يصبح العديد من الأهداف التي كانت بعيدة المنال، سواء كانت أرباحًا أو نموًّا أو ابتكارًا أو أسواقًا جديدة، سهلة المنال”. وبحلول عام 2000م، كان أونيل قد خفض معدل إصابات العمل في ألكوا بنسبة 90%، وزاد المبيعات إلى 22.9 مليار دولار (بعد أن كانت 4.6 مليار دولار عام 1986م)، ورفع القيمة السوقية للشركة إلى نحو 30 مليار دولار (بعد أن كانت 2.9 مليار دولار عام 1986م).
ولأن الجوانب غير الملموسة المرتبطة بالمسؤولية البيئية أو الاجتماعية تتفاعل بقوة مع رضا العملاء وتفضيلات أصحاب المصلحة الآخرين، فإن التحسينات في مجال قد تحقق مكاسب غير متوقعة في مجال آخر. ووفقًا لنائب الرئيس التنفيذي للبيئة والصحة والسلامة في ألكوا: “لتحسين السلامة، عليك أن تتعمق في عملية التصنيع أو الأعمال، فإذا تعمقت في العملية، تكتشف فرصًا لزيادة الجودة وخفض التكاليف”. ووفقًا لهذا المنظور، فإن المقاييس المتعلقة بسلامة العمال، وعدد مخالفات إدارة السلامة والصحة المهنية، وأيام العمل المفقودة، والالتزامات المتراكمة للإعاقة، تعد مؤشرات رائدة على الفعالية. وقد يكون المقياس الأوسع للالتزام بقضايا البيئة والصحة والسلامة، هو عدد العاملين في هذا المجال داخل الشركة، وعددهم على المستوى التنفيذي.
إدارة المخاطر: إن الاستثمار الاستباقي في التدابير البيئية التي تتجاوز ما يفرضه القانون، قد يكون نافعًا من الناحية المالية، إن لم يكن لسبب سوى الحد من مخاطر الخسارة، من أضرار أو رسوم تقاضٍ باهظة، أو كوارث في العلاقات العامة. وغالبًا ما يُوكل ذلك إلى مكتب البيئة والصحة والسلامة، البعيد عن مركز النشاط المؤسسي. ولكن إذا كان اتباع استراتيجيات الأعمال المستدامة قد يزيد من القيمة المتوقعة للشركة، فمن المنطقي الاستنتاج بأن دمج اعتبارات الاستدامة في أنواع أخرى من إدارة المخاطر سيؤدي إلى اتخاذ قرارات أفضل. ويجادل فورست راينهارت أن “المشكلات البيئية يُحسن تحليلها كونها مشكلاتِ أعمال… فالمهام الأساسية لا تتغير حين يُضاف لفظ “بيئي” إلى المسألة”.
فعلى سبيل المثال، إن استخدام المواد بكفاءة أكبر للامتثال للمعايير البيئية، قد يساعد كذلك في الحد من تقادم المنتج، وهو هاجس استراتيجي مهم. ففي صناعة الحواسيب، حيث يُواجه التقادم غالبًا بإدخال منتجات جديدة بسرعة وتواتر، قد تكون الاستراتيجية الأفضل تقليل خطر التقادم بتمديد عمر المنتج، أي تصميم الأجزاء بحيث يسهل ترقيتها لا التخلص منها. وقد تشمل الفوائد المالية في نهاية المطاف ولاء العملاء أو حتى ارتباطهم بالشركة عبر علاقة خدمية طوال حياة المنتج، وانخفاض تكاليف التخلص، لا سيما في الدول التي تفرض إعادة استرجاع المنتج. وتشمل المقاييس المتعلقة بإدارة المخاطر المستدامة الالتزامات البيئية المتراكمة، والغرامات، والإنذارات، والعقوبات، بالإضافة إلى برامج استرجاع المنتجات بما يتوافق مع المبادرات التنظيمية، أو بالإضافة إليها.
تعزيز النمو والتوسع العالمي
ينبغي للشركة التي تسعى لتوسيع عملياتها حول العالم، أن تربط اعتبارات الاستدامة بإدارتها الاستراتيجية للعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. فإن بعض الوقائع الشهيرة التي شغلت الرأي العام -مثل صراع شركة شل مع شعب أوغوني في نيجيريا، والادعاءات حول ممارسات نايكي العمالية- تبرهن أن العمليات المستدامة فرصة لتجنب أو تقليل التكاليف المستقبلية. كما أن القياس المبكر والإفصاح عن المؤشرات الرائدة لمبادرات الاستدامة، يعينان على بناء علاقات أوثق مع أصحاب المصلحة، لا سيما على المستوى المحلي. وتذكر سارة سيفرن، مديرة التنمية المستدامة المؤسسية في شركة نايكي، أن الاستماع إلى هواجس أصحاب المصلحة المحليين، أعان نايكي على إعطاء الأولوية لمعالجة قضايا شتى، من استخدام المياه إلى تغير المناخ واستعمال القطن العضوي، وإطلاق مبادرات لتحسين أدائها في كل هدف من هذه الأهداف.
وإن اتخاذ منهج الاستدامة قد يفضي كذلك إلى زيادة فرص الحصول على رأس المال لمبادرات التوسع. وعلى الرغم من أن محور التفاوض الأساسي غالبًا ما ينصب على السعر والربح والعوامل الاقتصادية، فإن مراعاة الاستدامة قد تكون سمة فارقة، بل قد تشترط بعض الحكومات المضيفة الالتزام بمبادئ التنمية المستدامة ثمنًا للدخول إلى أسواقها.
ومن المؤشرات الرائدة لهذا النوع من إدارة المخاطر والنمو: مراقبة المعلومات المهمة لأصحاب المصلحة، والإفصاح عنها في كل إقليم تشغله الشركة، والمشاركة مع الجماعات المحلية الفاعلة، ومستوى الاستثمار في التنمية المحلية، وقياسات المخاطر السياسية والاقتصادية.
تحويل المنتجات إلى خدمات
لقد بشرت جملة من المؤلفات الحديثة بـ”اقتصاد الخدمات”، مبينة أن الخدمات توفر هوامش ربح أعلى، وتحتفظ بقيمتها لمدة أطول من المنتجات التي سرعان ما تصير بالية. وقد أفادت دائرة الإحصاء الأمريكية أن الصناعات الخدمية خلقت أكثر من نصف الوظائف الجديدة بين عامي ١٩٩٢م و١٩٩٧م، وأنها مثلت أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في عام ١٩٩٩م، وقد تجلى هذا التحول بوضوح في شركات البرمجيات والحواسيب؛ إذ انتقلت مايكروسوفت إلى الخدمات الإلكترونية والترفيهية، واتخذت آي بي إم لنفسها موقعًا في سوق الاستشارات التقنية.
وتقترح البحوث والسياسات الحديثة أن ثمة أسبابًا بيئية وجيهة لاستبدال المنتجات التي يجب تصنيعها والتخلص منها بالخدمات، فغالبية المستهلكين يشترون المنتجات لأداء وظيفة معينة، فإذا أمكن تقديم تلك الوظيفة بصفتها خدمة، أمكن تقليل كثافة المواد المستعملة في السلع المادية، ومن ثم تخفيف العبء البيئي لهذه المعاملات.
ولا يصح الادعاء بأن اقتصاد الخدمات قادر على الاستغناء عن المنتجات كليًّا، غير أنه يمكن تصور ما وصفه معهد تيلوس بـ”الاقتصاد الوظيفي”، حيث “يشتري المستهلكون خدمات التنظيف بدلًا من آلات الغسيل، وخدمات المستندات عوض آلات النسخ، وخدمات التنقل بدلًا من السيارات”. وقد حازت شركة زيپكار، مثلًا، في الولايات المتحدة اعترافًا وطنيًّا لنهجها المبتكر في تأجير السيارات بالساعة، متاحة طوال اليوم، بلا معاملات ورقية. ومن الفوائد البيئية المترتبة على تقليل استخدام السيارات (إذ تستبدل كل سيارة مشتركة بين أربع إلى ثماني سيارات خاصة)، تقليل الانبعاثات وتخفيف الضغط على البنية التحتية للنقل.
وفي اقتصاد الخدمات، قد ترى الشركات من الحكمة مراقبة مؤشرات مستقبلية مثل نسبة المنتجات الحالية التي تحوي عنصرًا خدميًّا، أو مقدار القيمة التي تقدمها للعميل طوال عمر المنتج، أو ما إذا كانت تقدم منتجات قابلة للتوسعة بالخدمات، أو خدمات تتضمن منتجًا ماديًّا، فهذه القياسات تعين على وضع الأهداف وتتبع التحسن.
نموذج الاستدامة على مستوى الشركة
تكملة لما يضمّه نموذج مؤشر خلق القيمة على مستوى الصناعة من محركات القيمة غير الملموسة، يمكن تكييف كثير من المؤشرات الرائدة المذكورة في هذا المقال، مداخلاتٍ لنموذج استدامة خاص بكل شركة، وقد استُمدت المؤشرات المستخدمة في دراسات مؤشر خلق القيمة من معلومات متاحة للعامة. أما نموذج الاستدامة على مستوى الشركة، فيشمل أنواعًا إضافية من المقاييس، تتجاوز المعلومات العامة. وينبغي أن يكون تحديد المقاييس الملائمة لأداء الشركة متّسقًا مع الفطرة السليمة، دون الاقتصار عليها.
ومن خلال التنقيب فيما لديهم من معارف، يستطيع المديرون تكوين رؤية أشمل لكيفية تشجيع النمو المستدام، فلكل شركة، يمكن استخراج جملة من الأدلة النوعية والقياسات الكمية وخصوصيات السياق الصناعي لصياغة نموذج افتراضي لمحركات الاستدامة ذات الصلة (مثل: التجديد، وإدارة المخاطر، والأثر البيئي، والسمعة)، ثم يمكن الاستعانة باستطلاعات أصحاب المصلحة الداخليين والخارجيين، وبيانات التشغيل القائمة لتحديد مجموعات من مؤشرات الاستدامة القابلة للقياس لكل محرك، عابرة لمختلف وظائف الشركة (مثل: الشراء، وعلاقات الموردين، وتصميم المنتج، وما إلى ذلك)، وقد يشمل ذلك مؤشرات مثل الاستثمار في البحث والتطوير، وإحصاءات سلامة العمال، والالتزامات البيئية المتراكمة، ونسبة المكونات الخدمية المرتبطة بكل منتج.
إن النموذج الخاص بالشركة الناتج يمكن اختباره تجريبيًّا؛ إذ يمكن قياس أثر المؤشرات على المحركات، ثم أثر المحركات على الاستدامة الكلية، كما يمكن ربط التغيرات في المؤشرات والمحركات بعوامل الأداء، مثل سعر السهم والأرباح وحصة السوق.
ولعل تحديد المؤشرات الرائدة للاستدامة لن يبلغ حدَّ الكمال في العلم أبدًا، غير أنّ قياس الأداء الناقص وغير الكامل خيرٌ من قياسٍ منفصل عن أهداف الأعمال. ولعل ميزة التنافس ستؤول إلى أولئك الذين يتجنبون الانشغال بإدارة ما لا يمكنهم قياسه.
وقد يبدو أن النظر الاستراتيجي البعيد المدى للاستدامة يناقض إلحاح النتائج العاجلة لهذا الربع من السنة، غير أنّ توفر المعلومات حول الأداء المالي وغير المادي مع القدرة على اتخاذ القرار بناءً على تفسيرها، هو الذي يمكّن صناع القرار من فهم أعمق لما هو مهم للأداء على المدى البعيد.
المراجع
1. For Fortune 300 companies’ CEOs, average tenure was eight years in 1980, compared to four years in 2000. T. Neff and D. Ogden, “Anatomy of a CEO,” Chief Executive (February 2000): 30–32.
2. For example, Forbes.com reported that 36% of CEOs at large companies in the United States, who have held the position for three years or less, have delivered annualized total returns of 15% or more to shareholders, in A. Gillies, “Short Tenures, Big Returns,” Forbes.com, April 29, 2002. By contrast, the Institute for Policy Studies and United for a Fair Economy report that the CEOs of the 23 large companies under investigation for accounting irregularities earned 70% more from 1999–2001 than the average of CEOs among large companies, while shares of these companies lost 73% of their total value. See S. Klinger, C. Hartman, S. Anderson, J. Cavanagh and H. Sklar, “Executive Excess 2001: CEOs Cook the Books, Skewer the Rest of Us,” Ninth Annual CEO Compensation Survey, Institute for Policy Studies and United for a Fair Economy, August 26, 2002, 1.
3. Cap Gemini Ernst & Young Center for Business Innovation analysis (September 2002), with data from Council of Economic Advisors, “Economic Report of the President” (Washington, D.C.: GPO, 2000), 431.
4. The failure rate per 10,000 listed businesses has dramatically increased, rising from 43, from 1953 to 1979, to 91, from 1980 to 1997. See E. Mankin and P. Chakrabarti, “Valuing Adaptability: Financial Markers for Managing Volatility,” Perspectives on Business Innovation, Cap Gemini Ernst & Young Center for Business Innovation, in press.
5. As evidence, the number of S&P 500 companies taking special charges (for restructuring charges, inventory write-downs and asset write-downs) has increased more than fourfold, from 68 in 1982 to more than 300 in 2001. Source: Cap Gemini Ernst & Young Center for Business Innovation analysis (August 2002).
6. Cap Gemini Ernst & Young’s Center for Business Innovation “Measures That Matter” study (1996), a survey of 300 sell-side analysts, 275 buy-side analysts, as well as interviews with portfolio managers.
7. A. Corteste, “The New Accountability: Tracking the Social Costs,” New York Times, Sunday, March 24, 2002, sec. 3, p. 4.
8. C. Eustace, “The Intangible Economy: Impact and Policy Issues.” Report of the High Level Expert Group on the Intangible Economy, Enterprise Directorate-General (Brussels: European Commission, October 2000), 6–7.
9. M.M. Blair and S.M.H. Wallman, “Unseen Wealth: Report of the Brookings Task Force on Intangibles” (Washington, D.C.: Brookings Institution Press, 2001).
10. W.S. Upton, Jr., “Special Report: Business and Financial Reporting, Challenges for the New Economy,” Financial Accounting Standards Board, Financial Accounting Series no. 219-A, April 2001.
11. M. Kiernan, “Sustainability: Social and Environmental Factors in Financial Reporting” (panel discussion at the Cap Gemini Ernst & Young Measuring the Future 2 Conference, Cambridge, Massachusetts, October 1–3, 2000). Also, author interview with M. Kiernan, November 11, 2001.
12. See, for example, F.L. Reinhardt, “Bringing the Environment Down to Earth,” Harvard Business Review 77 (July–August 1999): 149–157, and H.D. Blank and C.M. Carty, “The Eco-Efficiency Anomaly,” Journal of Investing, in press.
13. M.E. Porter and C. van der Linde, “Toward a New Conception of the Environment-Competitiveness Relationship,” Journal of Economic Perspectives 9 (fall 1995): 97–118.
14. Ibid. They also cite numerous examples in support of this.
15. A debate against Porter’s claim of “the innovation-stimulating effect of regulation” casts doubt on the assumption that regulation would offer the possibility of a “free lunch,” in part because “there is considerable doubt as to whether regulators would know more about these better methods of production than firm managers.” For this reference and an extended discussion, see A.B. Jaffe, S.R. Peterson, P.R. Portney and R.N. Stavins, “Environmental Regulation and the Competitiveness of U.S. Manufacturing: What Does the Evidence Tell Us?” Journal of Economic Literature 33 (March 1995): 132–163.
16. Author interview with Suzanne Riney, director of environment, health and safety and training development, Spartech Corp., October 22, 2002.
17. Ibid. A challenge put forth by Jackson Robinson, a Spartech director and president of Winslow Management, which does environmental investing.
18. Reinhardt, “Bringing the Environment Down to Earth,” 150.
19. Author interview with Robert Larson, Office of Transportation and Air Quality, U.S. Environmental Protection Agency, October 11, 2002.
20. U.S. Department of Treasury, “United States Treasury Secretary Paul H. O’Neill Remarks to the Harvard Business School” (Washington, D.C.: Office of Public Affairs, October 17, 2002), which can be accessed at http://www.treas.gov/press/releases/po3549.htm.
21. S.J. Spear, “Workplace Safety at Alcoa (B),” Harvard Business School case no. 9-600-068 (Boston: Harvard Business School Publishing, 1999): 2.
22. Author interview with Andrew Brengle, environmental research specialist, KLD Research & Analytics, October 30, 2002.
23. Reinhardt, “Bringing the Environment Down to Earth,” 149–157.
24. Ibid.
25. Laws in Europe, Japan, and in some U.S. localities require some manufacturers to take back their products from consumers or to set up easily accessible collection systems for disposal, reuse or recycling.
26. Author interview with Sarah Severn, director of corporate sustainable development, Nike, Inc., October 17, 2002.
27. U.S. Census Bureau, “Comparative Statistics, 1987 SIC Basis,” U.S. Department of Commerce (Washington, D.C.: GPO, June 2000), 7–31, and Council of Economic Advisors, “Economic Report of the President” (Washington, D.C.: GPO, 2002), 336.
28. For more on this argument in the context of product service systems, see M. Wong, “Industrial Sustainability (IS) and Product Service Systems (PSS): A Strategic Decision Support Tool for Consumer Goods Firms” (first-year Ph.D. report, Cambridge University, Department of Engineering, Manufacturing and Management, 2001).
29. A.L. White, M. Stoughton and L. Feng, “Servicizing: The Quiet Transition to Extended Product Responsibility,” Tellus Institute for Resource and Environmental Strategies, 1. [Submitted to the U.S. Environmental Protection Agency, Office of Solid Waste, May 1999.]
30. For more information, see “The Fast 50: Trendsetters,” Fast Company, March 2002, also available at http://www.fastcompany.com/ fast50/2001/winners.html.
i. Three Cap Gemini Ernst & Young studies contributed to the VCI: “Measures That Matter” (1996); “Success Factors in the IPO Transformation Process” (1998, 2001); “Decisions That Matter” (2001). These studies are available at www.cbi.cgey.com. More details on CGE&Y’s body of work on intangibles valuation is available in J. Low and P.C. Kalafut, “Invisible Advantage: How Intangibles Are Driving Business Performance” (Cambridge, Massachusetts: Perseus, 2002).
ii. For a fuller explanation of the VCI energy, utilities and chemicals industries’ models, see C.B. Cobb, “Measuring What Matters: Value Creation Indices for the Energy, Utilities and Chemical Industries,” Perspectives on Business Innovation, Cap Gemini Ernst & Young Center for Business Innovation, in press. Also available at www.cbi.cgey.com.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




