ماركو يانسِتي، وإف. وورين ماكفارلن، وجورج ويستَرمان
كثيرًا ما يُتحدَّث عن المنافسة التجارية كأنها سباق قصير: مَن يصل إلى السوق أولًا فهو الفائز لا محالة. وقد تكرّر تأكيد أهمية ميزة المبادِر الأول في أذهان كثير من المديرين التنفيذيين في عالم الأعمال حتى كاد بعضهم يُسْتَلبُ فكره ويظن أن السرعة هي كل شيء. غير أنه إذا برزت تقنية جديدة تهدد بتحويل صناعة ما، فإن الشركات التي تبادر بالاستجابة السريعة لا تكون بالضرورة هي التي تجني أعظم الفوائد. بل إن اختيار استراتيجية سريعة قد يحبسهم في سلسلة من القرارات التي تضرهم على المدى البعيد. والأجدر أن تختار المؤسسات الاستراتيجية الملائمة لمسيرة السباق كاملةً، في مراحله الأولى والمتأخرة على السواء، كي تظفر بالغلبة. وبعبارة أخرى، إن المنافسة التجارية أشبه بالماراثون لا بالعدو السريع.
أي شركة تواجه ابتكارًا مثل التصوير الرقمي أو شبكة الإنترنت -ما قد يبدّل وجه أعمالها- لا بد أن تتخذ قرارًا تنظيميًّا أساسيًّا: أتنشئ مجموعة مستقلة ذات حكم ذاتي لتتولى مواجهة التطور، أم تعتمد نهجًا أكثر تكاملًا؟ وعليها أيضًا أن تقرر متى تتحرك: مبكرًا، حينما لا يزال الابتكار في طور التشكّل، أم متأخرًا، حينما تتضح آثار التقنية الجديدة وقابليتها للبقاء؟ وفوق ذلك، وبما أنّ طبيعة المنافسة تتغير مع الزمن، ينبغي للشركة أن تحدد كيف تطوّر استراتيجيتها.
وقد وجدنا في بحوثنا أن إنشاء المجموعات المنفصلة يمكّن الشركات من التحرك بسرعة في البداية، لكنها تجد لاحقًا صعوبة في تحقيق الاستدامة في السوق. بل قد يكون الأمر أسوأ، إذ إن إطلاق مجموعة منفصلة يخلق ظروفًا تجعل التكامل في المستقبل عسيرًا جدًّا. ولتحقيق النجاح الدائم، فإن الشركات الراسخة أولى بأن تنشئ مجموعة تكون، أو ستصير في نهاية المطاف، جزءًا لا يتجزأ من كيانها التنظيمي. آنذاك فقط تستطيع أن تستثمر قواها المتعددة كاملة، وتستفيد من ميزة المتقدم في السوق.
وبعبارة أخرى، لا توجد إلا ثلاث استراتيجيات قابلة للحياة للنجاح على المدى الطويل: فإما أن تنشئ الشركة وحدة مستقلة ثم تعيد دمجها لاحقًا (نهج الانفصال ثم التكامل)، وإما أن تنشئ وحدة داخلية تبقى كذلك (نهج القائد المتكامل)، وإما أن تنتظر حتى تستقر التقنية على مجموعة سمات مهيمنة ثم تستجيب بجهد داخلي (نهج التابع المتكامل). وهذه الاستراتيجيات جميعها تنتهي بالتكامل، غير أن سُبُل الوصول إليه تتفاوت. والشركات الناجحة تختار النهج الذي يلائم قواها وقدراتها وظروف السوق التي تعمل فيها.
إغراء الانفصال ومخاطره
حينما تواجه الشركات ابتكارًا قد يزلزل صناعتها، يغريها في كثير من الأحيان أن ترد بإنشاء مشروع مستقل. إذ إن الابتكارات الجذرية كثيرًا ما تُعرقل أو تُجهض في أروقة المؤسسات الكبرى البيروقراطية، فيبدو الانفصال حلًّا سهلًا. فبفصل المبتكرين، تستطيع الشركة الكبرى أن تتحرك بسرعة وخفة وتركيز. وسيتمكن العاملون في الوحدة المنفصلة من اتخاذ القرارات بسرعة والتكيف مع التغيرات المتسارعة في بيئة المنافسة دون أن يشغلهم التنسيق مع الأعمال القائمة. كذلك فإنّ الحياة تكون أيسر في المؤسسة الأم، إذ لا ينشغل المديرون هناك بحل النزاعات بين القديم والجديد.
غير أن للانفصال عيبًا جسيمًا؛ إذ إن عزل المبتكرين قد يحرمهم، من غير قصد، من الاستفادة من أقوى أصول المنظمة. صحيح أن الوحدة المنفصلة قد تستغل بعض موارد الشركة الأم، مثل الموارد المالية أو قوة العلامة التجارية، إلا أنها كثيرًا ما تعجز عن استثمار الأصول التي تتطلب جهودًا منسقة، مثل حملات التسويق أو منشآت الإنتاج. والأسوأ من ذلك أن الانفصال يجعل من العسير جدًّا بناء التآزر؛ فالمجموعة المنفصلة تجد صعوبة في الاستفادة من سبل توسع الأعمال القديمة، ولا تستطيع الأعمال القديمة أن تتعلم الدروس القيمة من تجارب الوحدة المنفصلة. وعليه، تجد الوحدة المنفصلة نفسها مضطرة إلى لعب دور الشركات الناشئة، في ميدانها وبقوانينها.
ولفهم بعض هذه الإشكالات، تأمل مثال شركة “سيليكون جرافيكس” (Silicon Graphics Inc.)، المصنعة لمحطات العمل الحاسوبية عالية الأداء. ففي أوائل التسعينيات، واجهت الشركة تهديدًا من تطوير نظام التشغيل “مايكروسوفت ويندوز إن تي” (Microsoft Windows NT). إذ كان المنافسون يستخدمون “إن تي” في محطات عمل ذات أداء أقل، لكنها أرخص بكثير من منتجات الشركة التي كانت تعتمد نسخة من نظام “يونيكس”.
وفي مواجهة ذلك، أنشأت الشركة مشروعًا مستقلًّا لتطوير حواسيب تعمل بنظام “إن تي”. وقد انفصلت هذه الوحدة الجديدة عن الشركة الأم من الناحيتين المكانية والتنظيمية، وكانت لها هيكلية ربح وخسارة مستقلة، وشُجِّعت على ابتكار تصاميم جديدة لمنتجاتها. وفوق ذلك، مُنحت حرية تطبيق مناهج جديدة في إدارة سلسلة الإمداد والتصنيع والمبيعات.
لقد أعان هذا الانتقال السريع في مجال الكتب الدراسية شركة SGI على الانطلاق بسرعة، إلا أنه كاد يودي بها إلى الهلاك؛ فقد كان إنشاء تنظيم جديد وبناء القدرات اللازمة من الصفر أشد صعوبة مما كان متوقعًا، ما أدّى إلى اختلالات جسيمة وتأخيرات واسعة النطاق؛ إذ تأخرت المنتجات وامتلأت بالعيوب، ولم تحظ بالدعم الكافي من قنوات البيع. وفوق ذلك، عجز المشروع المستقل عن الاستفادة من القدرات التقليدية لشركة SGI وعلاقاتها المؤسسية في تطوير المنتجات وعملياتها وبيعها. وأخيرًا، كان هذا الانتقال مصدر إحباط وخيبة أمل للموظفين الذين بقوا لإدارة خط الحواسيب القديم، فتضررت تلك المنتجات التي كانت لا تزال تمثل شريان حياة الشركة. وقد اضطرت هذه المشكلات في نهاية المطاف شركة SGI إلى إعادة ضم مشروعها الخاص بنظام NT إلى المنظمة الأم، غير أن الشركة لم تكن قد أعدت العدة لذلك، فعانى المشروع الجديد في الحصول على الدعم الداخلي، وبقيت سوق NT المزدهرة اليوم جزءًا يسيرًا من أعمال SGI.
قيمة التكامل وصعوباته
إن تجربة SGI ليست فريدة من نوعها، بل قد وجدنا أن المبتكرين المنفصلين يحتاجون غالبًا إلى إعادة الدمج في وقت لاحق. (انظر: “حول البحث”). فعلى سبيل المثال، درسنا في إحدى الدراسات عينة من واحد وثلاثين مشروعًا أطلقتها الشركات لمواجهة تحديات الإنترنت، فاختارت بعض الشركات النهج المنفصل بعد فشلها في تطوير الابتكار داخليًّا، في حين سلكته أخرى طمعًا في العلاوات التي كانت تنالها شركات الإنترنت في سوق الأسهم آنذاك، واتخذته غيرها بناءً على نصائح الخبراء. ومهما اختلفت الدوافع، كانت النتائج واحدة؛ إذ لم يبق من المشاريع الواحد والثلاثين التي أُطلقت بين عامي 1999م و2000م أي مشروع قائم بذاته بحلول عام 2002م. وليس معنى ذلك أن جميعها أفلست، بل إن نحو ثلاثة أرباعها أعيد دمجها في الشركات الأم. إلا أن عملية إعادة الدمج كانت غالبًا عسيرة، وأضرّت أحيانًا بأداء الشركة الأم والفرع معًا. وفي دراسة أخرى في قطاع التجزئة، بحثنا في جدوى المشروعات المنفصلة مقابل الجهود الداخلية، فوجدنا أن الأخيرة كانت أكفأ بكثير في توليد الإيرادات، إذ كان الفارق جليًّا؛ فعمليات التكامل كانت أكثر إنتاجية بنحو ثلاثة أضعاف من حيث الإيرادات لكل موظف ولكل دولار تسويق. أما الشركات التي أطلقت التجارة الإلكترونية عبر مشاريع مستقلة فقد واجهت مشكلتين؛ أولاهما أنها لم تستثمر أصولها القائمة، فكانت أقل كفاءة، إذ اضطرت تلك المشاريع إلى شراء الإيرادات بدلًا من توليدها من قاعدة العملاء القائمة. وثانيتهما، حين تبين أن الوحدات المستقلة لا تستطيع المنافسة وسعت الشركات إلى إعادة استيعابها، وجدت صعوبة بالغة، إذ باتت المجموعات المستقلة مختلفة جدًّا من حيث التقنية والعمليات والأفراد والعلاقات.
ومع ذلك، فإن نهج التكامل ليس باليسير، ولهذا تتجنبه كثير من الشركات. ولكي ينجح المشروع الداخلي، لا بد للمنظمة أن توازن بين الأعمال القديمة والجديدة مع تمكين كليهما من الازدهار. وينبغي للإدارة العليا أن تدعم التعاون الوثيق وتطفئ النزاعات على النفوذ. ويحتاج فريق الابتكار إلى قائد قوي يحظى بالاحترام في كلٍّ من العمل القديم والوحدة الجديدة، وأن يضم الفريق أعضاء قادرين على سد الفجوة بين الطرفين. وأخيرًا، ينبغي أن يكون العمل القديم ذا بنية من الأنظمة والعمليات تتيح ضم العمل الجديد بسهولة، أو أن يبني فريق الابتكار بنية تتيح مستويات متزايدة من التكامل مع العمل القديم.
المزايا النسبية
وللوقوف على مكامن القوة والضعف في النهجين المنفصل والمتكامل، انظر إلى تجربة سلسلتي الصيدليات الرائدتين في الولايات المتحدة: CVS Corp وWalgreen Co (والجرينز). ففي أغسطس من عام 1998م، علمت الشركتان أن شركات ناشئة ممولة جيدًا توشك أن تدخل السوق بوصفها صيدليات إلكترونية، فاستشعرتا الخطر، واستجاب كلٌّ منهما بطريقة مختلفة.
فكر مسؤولو CVS في البداية في بناء متجرهم الإلكتروني داخليًّا، ثم عدلوا عن ذلك وقرروا البحث خارجه، فاشتروا في مايو 1999م شركة ناشئة بثلاثين مليون دولار. وبعد الاستحواذ، أبقت CVS على مجموعة التجارة الإلكترونية تلك على حالها تقريبًا، على مسافة ثلاثة آلاف ميل في سياتل، برئاسة مستقلة والوظائف اللازمة لاستدامة العمل جميعها. غيرت CVS مظهر موقع تلك المجموعة وأعادته إلى السوق باسم CVS.com بعد ثلاثة أشهر فقط. ومنذ البداية، وُجدت بعض الروابط مع أعمال CVS التقليدية، إذ كان بإمكان العملاء عبر الإنترنت استلام وصفاتهم في المتجر، كذلك عُلقت لافتات ترويجية لـ CVS.com في المتاجر، وحظي الموقع بخصومات الموردين بفضل ارتباطه بالشركة الأم. ومع ذلك، ظلت عمليات الكيانين منفصلة في المجمل؛ فعلى سبيل المثال، لم تجرِ CVS تعديلًا على أنظمة المتاجر لربط الأعمال الإلكترونية بالتقليدية، فلم يكن بمقدور عملاء الإنترنت معرفة حالة الطلب إن كان جاهزًا للاستلام، بل كان عليهم الاتصال بالمتجر أو الذهاب إليه والمخاطرة بالانتظار.
لقد انتهج مسؤولو شركة Walgreens أسلوبًا أكثر تكاملًا؛ إذ استعانوا، في بناء موقعهم الإلكتروني، بمقاولين لإنجاز معظم أعمال التطوير الأولية، غير أنهم اعتمدوا اعتمادًا كبيرًا على موظفين من صميم التنظيم التقليدي للشركة، ممن كانوا على دراية بنهجها في الأعمال والتقنية. وكان فريق العمل الإلكتروني، الذي تمركز في المقر الرئيس، قد ربط الموقع ربطًا وثيقًا بأنظمة Walgreens القائمة لصرف الأدوية الموصوفة، ومعالجة استمارات التأمين الصحي، والتحقق من سجل طلبات العملاء. وبذلك، أتاح الموقع الإلكتروني، منذ انطلاقه، للعملاء إمكانية الاطلاع الفوري على حالة طلباتهم، كما كان بوسعهم اختيار تلقي رسالة إلكترونية عند جهوزية أدويتهم للاستلام من متجر معين. وإذا اختار العميل الإلكتروني أن تصله الوصفة عبر البريد، عولج ذلك الطلب عبر خطوط المعالجة نفسها التي كانت Walgreens تعتمدها في تلبية ملايين الوصفات البريدية لعملائها التقليديين. وقد تطلب تحقيق هذا التكامل جهدًا جسيمًا؛ إذ اضطرت Walgreens إلى تغيير إجراءاتها في أكثر من ثلاثة آلاف متجر لتستوعب نشاطها الإلكتروني.
وكما كان متوقعًا، أطلقت CVS موقعها قبل Walgreens. وخلال السنة الأولى، كان الموقع قادرًا على معالجة طلبات الأدوية الموصوفة وسلع الصيدلية الأخرى، مثل كريم الحلاقة والبطاريات والأفلام. أما Walgreens فقد أخلفت موعد إطلاقها بستة أسابيع، وحين انطلق موقعها، اقتصر على معالجة طلبات الأدوية الموصوفة فحسب. وليس من المستغرب أن يكون موقع CVS قد استقطب، في بادئ الأمر، عددًا أكبر بكثير من الزوار مقارنة بموقع Walgreens.
غير أن ريادة CVS.com لم تكن مستدامة؛ إذ إن إدارة العمليات واتخاذ القرارات عبر ثلاثة آلاف ميل وثقافتين تنظيميتين متباينتين أضحيا مكلفين وصعبي الإدارة. فقررت الشركة استيعاب CVS.com بنقلها من سياتل إلى المقر الرئيس في رود آيلاند. وخلال هذه العملية، فقدت CVS.com كبار مديريها، وانخفض عدد العاملين فيها إلى النصف، كذلك فقدت تركيزها التسويقي، فتراجع الإقبال على الموقع. ومنذ ذلك الحين، وخلال عامين، تحسن أداء CVS.com الإلكتروني تحسنًا ملحوظًا، إلا أن الانتقال كان مؤلمًا لاختلاف التنظيمين في أمور جوهرية كثيرة.
أما Walgreens فقد واصلت تحسين جودة موقعها الإلكتروني ووظائفه، مع المحافظة الدائمة على التكامل الوثيق بين تنظيمها الإلكتروني والتقليدي. ففي تسعة أشهر من الإطلاق، بدأ الصيادلة في المتاجر بجمع عناوين البريد الإلكتروني للزبائن، ليصبحوا بذلك عملاء إلكترونيين فوريين يمكنهم طلب إعادة صرف أدويتهم والاطلاع على سجلات وصفاتهم ومدفوعاتهم عبر الإنترنت. وعندما يطلب هؤلاء عبر الموقع، كان النظام يتحقق من تداخلات الأدوية بين الوصفات التي صرفتها Walgreens جميعها سواء إلكترونيًّا أو تقليديًّا. وخلال موسم الضرائب، كان بمقدورهم طباعة سجل مشترياتهم من الأدوية الموصوفة للسنة السابقة عبر الموقع. وعندما رغبت Walgreens في بيع منتجات غير صيدلانية عبر موقعها، عدلت إجراءات مركز توزيع قائم لتلبية تلك الطلبات، مستثمرة بنيتها التحتية القائمة لتسريع التوسع. (في البداية، استخدمت CVS مركز توزيع منفصلًا لنشاطها الإلكتروني، ما زاد من نفقاتها العامة).
اختيار الاستراتيجية الصائبة
حين تظهر الابتكارات أول الأمر، لا تكون الشركات واثقة بنجاحها، وتظل مترددة بشأن الخصائص التي ينبغي تضمينها والأسعار المناسبة لها. ونتيجة لذلك، تتنافس الشركات على المواقع وهي تجرب صيغًا مختلفة لاستكشاف استجابة العملاء. في هذه المرحلة، التي تمثل طور البدايات في دورة حياة التقنية الجديدة، تكون الأولوية للسرعة والتعلم، أي القدرة على إطلاق نسخ جديدة وتعديلها بسرعة.
هنا، قد يكون النهج المنفصل فعالًا جدًّا، إذ يكون المبتكرون في المشاريع المستقلة عادة أسرع وأكثر تركيزًا. غير أنهم قد يستهلكون موارد كبيرة في الاستجابة لكل نزوة في السوق، وقد يقعون في عدم الكفاءة بإعادة اختراع العجلة، وإنشاء بنى تحتية وأصول منفصلة موجودة أصلًا لدى الشركة الأم. والأسوأ من ذلك أنهم قد يبتعدون تدريجيًّا عن قدرات المنظمة الأم، فيصعب إعادة دمجهم (كما حدث في CVS وSGI).
أما النهج المتكامل فقد يكون فعالًا أيضًا، إذ يستخدم الموارد بكفاءة، ويستفيد من مهارات الشركة الأم وأصولها وبنيتها. كذلك يتيح بناء التكامل بين الجديد والقديم. لكن ذلك يتطلب عناية إدارية كبيرة واختيار فريق مناسب لإزالة العوائق التنظيمية وحل النزاعات بين الجديد والقديم، وهو أمر بالغ الصعوبة، ولهذا فإن النهج المتكامل يحمل خطرًا كبيرًا يتمثل في العجز عن إطلاق المنتجات أصلًا. وغالبًا ما تكون الفرق الداخلية أقل مرونة في البداية من المشاريع الخارجية (كما كانت الحال مع Walgreens).
وفي المراحل اللاحقة من دورة الحياة، تتغير الحال كثيرًا. فكلما اتضحت معالم الابتكار، وتبين أثره، قلّت الحاجة إلى التغيير السريع. ويكون العملاء قد اكتسبوا فهمًا أوضح لما يريدون، وتكون الشركات قد تقاربت في خصائص منتجاتها أو خدماتها. وتصبح المنافسة حينئذٍ على تقديم منتجات أو خدمات عالية الجودة بأسعار يقبلها العملاء. وهنا تغدو الكفاءة في توسيع نطاق الأعمال لتلبية الطلب المتزايد أمرًا بالغ الأهمية.
على المدى البعيد، فإن النهج المتكامل يتفوق غالبًا على النهج المنفصل لسببين اثنين: أولهما أنه يستطيع الاستفادة من موارد الشركة الأم على نحو أوسع، وثانيهما أن النهج المتكامل قادر على إيجاد حلول تجمع بين الجديد والقديم لمصلحة الطرفين. فعندما عدّلت شركة والجرينز إجراءاتها في متاجرها لتتيح لعملائها عبر الإنترنت الاطلاع على سجلات وصفاتهم الطبية وتاريخ تأمينهم الصحي من خلال الشبكة، لم تقتصر الشركة على إبداع خيار الخدمة الذاتية المريح، بل أعانت أيضًا الصيادلة والموظفين في المتاجر على التحرر من أداء تلك المهمة المملة.
وأما النهج المنفصل، فإن مزاياه تقل كثيرًا في المراحل المتأخرة من دورة الحياة؛ إذ تغدو الكفاءة أهم من المرونة، وغالبًا ما يفشل النهج المنفصل في هذا الجانب. فإن الشركات المنبثقة تجد صعوبة في الاستفادة من مزايا شركاتها الأم، لا سيما إذا تباينت هياكلها التنظيمية وإجراءاتها وثقافتها تباينًا كبيرًا. وأي شركة تفكر في استراتيجية انفصال طويلة الأمد، فعليها أن تسأل نفسها: إذا لم تكن ثمة قيمة في استثمار الأصول القائمة، فلماذا إطلاق المشروع ابتداءً؟ وبعبارة أخرى، فإن أي مجموعة مبتكرة لا بد لها في نهاية المطاف من الاندماج مع المنظمة الأم. وبذلك، فلا توجد إلا ثلاث استراتيجيات صالحة للاستجابة للابتكار: المنفصل-المتكامل، والقائد المتكامل، والتابع المتكامل. (انظر: “ثلاث استراتيجيات للاستجابة للابتكار”).
النهج المنفصل-المتكامل
إن النهج المنفصل-المتكامل يمزج بين سرعة الأرنب في البداية وثبات السلحفاة لاحقًا. غير أن تطبيقه عسير، إذ يتطلب هيكلة صحيحة للعمليات والأنظمة، ومجموعة مناسبة من القواعد للمنظمة الجديدة. ومنذ البداية، ينبغي تشجيع العمل الجديد على استخدام أكبر قدر ممكن من أصول المنظمة الأم، ومقاومة إغراء سلوك طريق مستقل لمجرد سهولته مقارنة بالتفاوض مع العمل القائم. وإلا، فسيزداد تباعد المجموعة الجديدة عن أصلها، ويصعب الاندماج لاحقًا.
انظر إلى شركة تشارلز شواب وشركاه التي اتبعت نهج المنفصل-المتكامل في أعمال السمسرة عبر الإنترنت. في البداية، أُنشئَت e.Schwab بوصفها وحدة مستقلة ترفع تقاريرها مباشرة إلى الرئيس التنفيذي المشارك ديفيد بوتروك، ما أتاح للمشروع الجديد التركيز على المنافسة الشرسة مع E*Trade Group Inc وAmeritrade IP Co، حتى وإن استلزم ذلك جذب عملاء من أعمال شواب التقليدية في السمسرة.
غير أن e.Schwab لم تكن مطلقة التصرف، بل التزمت منذ البداية قاعدة بسيطة: لا تحيد عن العمل التقليدي إلا إذا كان ذلك ضروريًّا جدًّا لتلبية متطلبات السوق. لذا تولّى قيادة الوحدة مسؤول كبير ذو احترام من تنظيم شواب التقليدي، وضمّت فريقًا من موظفي شواب ذوي الخبرة، إلى جانب موظفين جدد ومستشارين. وعلاوة على ذلك، صُمّمَت منصة e.Schwab التقنية لتتكامل مع أنظمة شواب المعلوماتية؛ فأضحى الويب واجهة مختلفة لنظام التداول الخلفي العريق للشركة الأم، واندمجت مع قنوات وتطبيقات قائمة أخرى على الحاسوب، مثل Quicken من Intuit Inc، وMSN من Microsoft Corp، وStreetSmart من شواب نفسها. وأخيرًا، حرصت e.Schwab على ألا تنفر العاملين في العمل التقليدي؛ إذ كان مديروها يجتمعون بانتظام بزملائهم في الشركة الأم لحل الإشكالات، وساعد على ذلك أن الفريقين من التنفيذيين كانا يعرفان بعضهما بعضًا ويجلّان بعضهما، إذ عملا معًا سنوات طوالًا في أعمال شواب التقليدية.
لقد كان لتلك القرارات التكتيكية آثار عميقة، منها القيود على نماذج التسعير (إذ كان على e.Schwab أن تفرض رسمًا ثابتًا عن كل معاملة بدلًا من استخدام نماذج تسعير مبتكرة)، ومنها متطلبات معمارية النظام (إذ وجب أن يكون العتاد والبرمجيات الجديدة متوافقة تقنيًّا مع الأنظمة القائمة). ومع ذلك، مكّن هذا e.Schwab من الاستفادة من أصول الشركة الأم وقدراتها منذ البداية. وقد نجحت الاستراتيجية؛ ففي يناير سنة 1998م، كانت e.Schwab أنجح وسيط مالي عبر الإنترنت في الولايات المتحدة.
غير أنه في أوائل عام 1999م، أدركت شواب ضرورة دمج أعمالها عبر الإنترنت وخارجها؛ إذ شكا عملاء e.Schwab من عدم قدرتهم على دخول مكاتب شواب والوصول إلى حساباتهم لإجراء المعاملات. ومع ذلك، لم تواجه شواب عند الدمج المشكلات نفسها التي واجهتها CVS؛ إذ لم تكن لديها منذ انطلاق المشروع خطة محددة لإعادة دمج e.Schwab، لكنها بحكمة أعدّت خيارًا لذلك، وحرصت منذ البدء على مواءمة العمل الجديد مع القديم، ما جعل عملية الدمج لاحقًا سريعة وسهلة نسبيًّا.
وقد يكون النهج المنفصل-المتكامل هو الخيار الأمثل للشركات التي تفتقر إلى الإرادة التنظيمية أو الزخم اللازمين لإطلاق جهد داخلي، لا سيما حين يكون الأثر الكامل للابتكار غير مؤكد، إذ يجد العمل القائم صعوبة في التحفيز لعدم يقينه بتأثره. غير أن على الشركات التي تختار هذا النهج، كما فعلت شواب، أن تراجع دومًا أي انحراف عن العمل القديم، وأن تبني باستمرار جسورًا تسهّل عملية الدمج مستقبلًا.
القائد المتكامل
إن الدخول المبكر بمنهج متكامل قد يكون ذا فاعلية عظيمة، إلا أنه محفوف بالمخاطر. إن لم يُحسن التدبير، فقد تتعثر الجهود المتكاملة بسبب النزاعات بين الأعمال الجديدة والقديمة، أو بسبب الجمود السائد في المؤسسة. حتى إذا انطلقت المشاريع الداخلية، فإنها غالبًا ما تسير ببطء. غير أنّ هذه المشاريع تملك من الإمكانات ما قد يجعلها تتفوق على المشاريع المستقلة مع مرور الزمن، إذ تستطيع أن توظف الموارد بكفاءة أعلى، مستثمرة أصول الشركة الأم القائمة. ولتحقيق ذلك، ينبغي للشركة التي تسلك مسلك القائد المتكامل أن تضمن للمشروع مديرًا متفرغًا ذا مكانة مرموقة، وأن تحيطه بعناية إدارية بالغة. كذلك ينبغي أن يكون لأعضاء الفريق خبرة في مهارات شتى، ومعرفة عميقة بالأعمال القائمة، وروابط شخصية يمكنهم توظيفها لحل النزاعات واستكشاف أوجه التآزر الخلّاق.
وقد نجحت شركة “والجرينز” في استراتيجية القائد المتكامل، غير أنّ أكثر من نصف الصيدليات التقليدية التي انتهجت هذا الطريق لم تستطع أن تطلق صيدلية إلكترونية منافسة في محاولتها الأولى. واستمرت تلك المشاريع الإلكترونية في التعثر حتى أُعيد تنظيمها بما يناسب من مهارات واهتمام إداري. وكان من أسباب نجاح “والجرينز” التزام الإدارة العليا ومشاركتها المستمرة، من الرئيس التنفيذي حتى القائمين على المشروع. فعلى سبيل المثال، تولّى قيادة المشروع في بدايته مدير تنفيذي ذو سمعة طيبة، كان موضع ثقة لرعاية مصالح الشركة ككل، وأجاد بناء الروابط غير الرسمية بين المجموعة الإلكترونية وبقية الشركة. إضافةً إلى ذلك، كانت “والجرينز” تعقد اجتماعات شهرية لأعلى اثني عشر مديرًا في الشركة، حرصًا على أن تظل وحدات الأعمال التقليدية على اطلاع بما تُجريه المجموعة الإلكترونية، فيتسنى لهم التعاون المثمر. ومن الطريف أن طبيعة النقاشات في تلك الاجتماعات تبدّلت مع الزمن؛ ففي البداية كان التنفيذيون التقليديون يرون في طلبات نظرائهم الإلكترونيين عبئًا، أما الآن فهم ينظرون إلى العمليات الإلكترونية بوصفها أداة محتملة لتحسين الأعمال التقليدية.
التابع المتكامل
أما الدخول المتأخر بمنهج متكامل، فيكون ذا جدوى خاصة إذا بدا أن الابتكار مزعزع للنظام القائم، لكن جدواه لم تتأكد بعد. فكثيرًا ما يكون من الأفضل للشركات أن تترقب حتى تتبلور التقنية، ثم تتخذ قرارها، فتسند قرارها بحجة أقوى، وتكسب بذلك تأييدًا مهمًّا من مختلف أفراد الشركة. ومثل هذا الزخم التنظيمي ضروري لإحداث التغييرات في الأعمال القديمة، كي تتعايش مع الجديدة.
تأمّل شركة “ميريل لينش وشركاه”، وهي واحدة من عمالقة الاستثمار، التي تأخرت في تبني التداول عبر الإنترنت، ذلك الابتكار الذي يتيح للعملاء شراء الأسهم وبيعها، وغيرها من الأدوات المالية دون عون من المختصين. وكان من أسباب تأخر “ميريل” في الفعل، أن عرضها القيمي يعتمد على تقديم أبحاث عالمية المستوى مباشرة للعملاء عبر أربعة عشر ألف مستشار مالي. وبفضل هؤلاء المحترفين، كانت الشركة تفرض عمولات تداول مرتفعة تشكل حتى خمسة وستين في المئة من راتب المستشار المالي. وكان هذا النظام دائمًا موضع إشكال، إذ إن الحوافز المالية كثيرًا ما تدفع الموظفين إلى سلوكات غير سليمة، لكنه كان عصيًّا على التغيير تاريخيًّا.
وأخيرًا، ومع اشتداد المنافسة من شركات مثل “إي تريد”، وبعد عام من تحرك “شواب”، بادرت إدارة “ميريل” إلى الفعل. لكنها لم تسلك الطريق السهل بإطلاق مشروع خارجي ينافس في التداول الإلكتروني دون أن يمس عمليات “ميريل” القائمة، بل أنشأت قناة إلكترونية ضمن الأعمال التقليدية، واستغلت تلك المبادرة لإعادة هيكلة النظام القائم من أساسه.
وقد أعلنت “ميريل” منتجين: “الميزة غير المحدودة”، التي تفرض على العملاء رسمًا سنويًّا بنسبة من قيمة محافظهم (مع حصول الأعضاء على نصائح مالية مجانية وعدد غير محدود من المعاملات)، و”ميريل لينش دايركت” عبر الإنترنت، الذي يفرض 29.95 دولارًا لكل صفقة إلكترونية. وقد اندمجت المنتجات الجديدة مع العمليات والبنية التحتية لتقنية المعلومات القائمة في الشركة، فأتاحت للعملاء القدامى والجدد على السواء قائمة متكاملة من الخيارات للتداول وإدارة الأصول.
وكانت هذه المنتجات فعّالة جدًّا في تحييد المزايا التي اكتسبها المنافسون الأسرع حركة. ولعل الأهم من ذلك أن انتقال “ميريل” إلى التداول الإلكتروني أتاح للشركة أن تغيّر أساليبها التقليدية في العمل، بما في ذلك هيكل التعويضات المثير للإشكال. فأصبح دخل المستشارين الماليين يعتمد على نسبة من الأصول التي يديرونها، ما يحفز السلوكات المنسجمة مع مصلحة العملاء.
ويمكن أن ينجح أسلوب التابع المتكامل لسببين: أولهما أن قلة من الابتكارات تغير الصناعة بين عشية وضحاها، فتستطيع كثير من الشركات الكبرى أن تترقب. لكن الانتظار لا يعني الإهمال، بل ينبغي للرواد أن يستثمروا الوقت في فهم ما يلزم إذا قرروا التحرك. وقد درست “ميريل” التداول الإلكتروني دراسة وافية، فأجرت استطلاعات لآراء العملاء الإلكترونيين والتقليديين في أوقات مختلفة، واستحوذت على شركة أصغر لتحصل على التقنية والمعرفة اللازمة، ثم جمعت ما تعلمته لتصوغ مزيجًا قويًّا من المنتجات، وهي تبني في الوقت عينه حجة داخلية قوية لضرورة التحرك.
ثانيهما، إذا عَزَمَت الشركةُ على اتخاذ خطوةٍ ما، وجب أن تأتي هذه الخطوة بثباتٍ وقناعةٍ من أعلى الهرم إلى أسفله. فلما أعلن ديفيد كومانسكي، رئيس مجلس إدارة ميريل لينش، دعمه للمشروع، أدرك الموظفون جميعهم الوجهة الجديدة التي تعتزم الشركة سلوكها. وقد تأكد هذا الأمر حين أُوكلت القيادة إلى لاوني ستيفنز، الذي كان من قبل غير مؤمن بشؤون الإنترنت. لقد قررت ميريل أن تغيّر بنيتها التنظيمية بأسرها، ولم تكن الإدارة العليا لتتسامح مع أي شيء أو شخص يقف في طريق هذا التحول.
المنافسة في المدى البعيد
نعتقد أن نتائجنا ذات تطبيق عام، وأن دروس شركات SGI وCVS وWalgreens وSchwab وMerrill تصلح لأن يُقتدى بها في صناعات شتى. فمثلًا، كثير من مقدمي الخدمات المالية اعتادوا أن يطلقوا منتجاتهم الجديدة عبر وحدات مستقلة. فقد تكون لهم وحدات منفصلة للتأمين على الحياة، والتأمين على الممتلكات والحوادث، والمصرفية للأفراد، والإقراض التجاري، والوساطة للأفراد، وإدارة الثروات الخاصة، على سبيل المثال. غير أن هذه الشركات أدركت، على نحو متزايد، ضرورة دمج تلك الأعمال، ليتمكنوا من مشاركة البنية التحتية الإدارية الخلفية، ومن بيع المنتجات المتبادلة فيما بينهم. فمثلًا، يمكن للشركة أن تعرض عروضًا خاصة للتأمين على الحياة لمن حصلوا حديثًا على رهن عقاري لشراء منزل جديد، أو أن توفر حسابات جارية لعملاء الوساطة المالية.
حتى شركة جونسون آند جونسون، المشهورة بشركاتها التشغيلية المستقلة (وعددها عند آخر إحصاء مئة واثنتان وتسعون)، تمارس قدرًا كبيرًا من التكامل. فمنذ تأسيس كل وحدة تشغيلية، يُشجَّع على استخدام خدمات تكنولوجيا المعلومات المركزية. وإضافة إلى ذلك، فإن كثيرًا من الشركات التشغيلية المعنية بالتسويق تستفيد من خدمات البحث والتطوير والتصنيع التي تقدمها شركات تشغيلية أخرى. بل إن جونسون آند جونسون أنشأت منظمات على مستوى القطاعات لتعزيز التعاون بين الشركات التشغيلية المختلفة في الصناعة نفسها.
والخلاصة بيّنة: إن فاعلية استجابة الشركات الراسخة للتغيرات التي قد تعصف بالصناعة ينبغي أن تُقاس لا بالسرعة فحسب، بل بالأثر الكلي. وهذا الأثر، بالنسبة إلى الشركات الراسخة، غالبًا ما ينشأ من قدرتها على دمج التقنيات والممارسات الجديدة مع أصولها وقدراتها القائمة. فقد تفوز المشاريع المستقلة تمامًا في سباقات السرعة، غير أن التكامل هو الذي ينتصر في سباقات الماراثون، وللبقاء في المنافسة، ينبغي للشركات أن تتجنب السعي وراء مكاسب آنية على حساب فاعليتها في المدى البعيد.
المراجع
For examples of disruptive strategic innovations and incumbent responses, see C. Christensen, “The Innovator”s Dilemma”
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




