مراجعات

مراجعة كتاب «الجسد: دليل المستخدم»

فهد الفهد

غلاف كتاب الجسد
غلاف كتاب الجسد

 

الجسد: دليل المستخدم
بيل برايسون
سنة النشر: 2019م
الترجمة العربية: لم يترجم بعد
عدد الصفحات: 464 صفحة

   في مقدمة كتابه «موجز تاريخ كل شيء تقريبًا» والصادر سنة 2003 يذكر الرحالة والمؤرخ الأمريكي بيل برايسون لحظة فارقة في حياته «في وقت متأخر جدًا منذ أربع أو خمس سنوات، على ما أظن كنت في رحلة طويلة فوق المحيط الهادئ، أنظر بكسل من النافذة إلى المحيط الذي ينعكس عليه ضوء القمر، حينها خطر لي بشكل غير مريح أنني أجهل أبسط الأمور عن الكوكب الوحيد الذي أعيش فيه، فلم تكن لدي فكرة مثلًا، لماذا المحيطات مالحة ولماذا البحيرات الكبرى حلوة. لم أكن أمتلك أدنى فكرة. لم أكن أعرف إن كانت المحيطات تصبح أكثر ملوحة، أو تقل ملوحتها مع مرور الوقت، وإن كانت مستويات ملوحة البحر أمرًا ينبغي أن يهمني أم لا… كانت ملوحة البحر بالطبع تمثل مجرد ذرة جهلي. لم أكن أعرف ما هو البروتون، أو البروتين، ولم أكن أميز بين الكوارك والكوازار (شبه النجم) … وهكذا قررت أن أخصص جزءًا من حياتي وهو ثلاث سنوات، كما تبين الآن لقراءة الكتب والمجلات والعثور على خبراء صابرين كالقديسين، مستعدين للإجابة عن كثير من الأسئلة غير المطروحة»[1]

تلك اللحظة التأملية نتج عنها كتاب برايسون الأشهر «موجز تاريخ كل شيء تقريبًا» والذي استكشف فيه المؤلف الكون والأرض والعلوم المرتبطة بهما، كما قص بأسلوب ممتع وجذاب سير العلماء الذين فكوا أسرار الكون والطبيعة، كان الكتاب رحلة علمية تبسيطية للقارئ غير المتخصص والذي قد يجد صعوبة في قراءة الكتب العلمية المركزة بقوالبها الجامدة ومصطلحاتها التي لا ترحب بالدخلاء.

غلاف كتاب موجز تاريخ كل شيء

اللغوي والرحالة

مثّل «موجز تاريخ كل شيء تقريبًا» انعطافة في مسيرة برايسون الكتابية، فالمؤلف الأمريكي البريطاني تخصص ولما يزيد على العشرين عامًا قضاها بين أمريكا وإنجلترا في الكتابة عن موضوعات تتعلق باللغة الإنجليزية وبرحلات المؤلف حول العالم، بدءًا من كتابه الصادر سنة 1984 «قاموس بينغوين للكلمات المزعجة» مرورًا بكتاب «القارة الضائعة، رحلات في مدن أمريكا الصغيرة» 1989، و«اللغة الأم، الإنجليزية وكيف صارت ما هي عليه» 1990، و «لا هنا ولا هناك، رحلات في أوروبا» 1992، و «صنع في أمريكا، تاريخ غير رسمي للغة الإنجليزية في الولايات المتحدة» 1994، و«ملاحظات من جزيرة صغيرة» 1996.

فلذا كان هذا الكتاب خطًا جديدًا للمؤلف في تقديم العلم والمعرفة للقراء بأسلوب المؤلف السهل والطريف، وكان نجاح الكتاب وتوالي طبعاته وترجمته إلى الكثير من اللغات دافعًا للمؤلف إلى تكرار التجربة.

بيل برايسون
بيل برايسون

في المنزل

أصدر برايسون سنة 2010 كتابًا جديدًا بعنوان «في المنزل: تاريخ مختصر للحياة الخاصة»، فكما كان كتابه الأول استكشافًا للكون والطبيعة كموطن للجنس البشري، جاء كتابه التالي ليستكشف المنزل كموطن للفرد، هكذا خصص برايسون كل فصل من فصول الكتاب لجزء معين من أجزاء المنزل كالمدخل والمطبخ والقبو والعلية والحديقة، وطرح في كل فصل وأجاب على الكثير من الأسئلة التي قد تتبادر لذهن القارئ الذي يعيش في هذه الأماكن كل يوم من أيام حياته من دون أن يعرف تاريخ وتشكل هذه الأمكنة الحميمة والتي بدورها شكلت الإنسان المعاصر.

كيف تبني إنسانًا؟

رحلة برايسون والتي بدأت من الكون والطبيعة ومرت بالمنزل تصل في كتابه الأخير إلى الكون الأصغر أو المنزل الأول وهو الجسد البشري، فما دمنا قد انطلقنا نبعثر الأسئلة حول الكون والطبيعة لنداوي بذلك جهلنا بهما، لمَ لا نسأل عن أجسادنا؟ ما حجم ما نجهله عن هذا الجسد؟ ما مكوناته ووظائفه وعلله؟

يستفتح برايسون بفصل عنوانه «كيف تبني إنسانًا» وفيه يخبرنا بمعلومة مثيرة سمعها في مراهقته من معلم أحياء، تقول هذه المعلومة إن كل المواد الكيميائية التي يتكون منها الجسد البشري لا يزيد ثمنها في السوق عن خمسة دولارات، ينطلق برايسون ليتحقق من هذه المعلومة فيورد حسابات الجمعية الملكية للكيمياء والتي خلصت إلى أن الجسد البشري يتكون من 59 عنصرًا، ستة من هذه العناصر تمثل 99.1% من الجسد، هذه العناصر الأساس هي «الكربون والأكسجين والهيدروجين والنيتروجين والكالسيوم والفوسفور» يسيطر الأكسجين على النسبة الأعلى 61% من الجسد متحدًا مع الهيدروجين والذي يمثل نسبة 10% ليكونا الماء، لهذا يقال إن 70% من الجسد البشري عبارة عن ماء. يواصل برايسون تفكيك وتسعير الجسد البشري مستشهدًا بنتائج الجمعية الملكية ليخلص إلى أن التكاليف السوقية للعناصر الـ 59 تزيد في الحقيقة على 150 ألف دولار، وهو مبلغ يفوق كثيرًا دولارات معلم الأحياء الخمس.

هذه التجربة العلمية الطريفة التي أشغلت برايسون والجمعية الملكية، تجعلنا نؤكد بأن الجسد البشري ليس بمجموع عناصره، فحتى لو توفرت كل هذه المواد، لا يمكننا صنع جسد بشري بكل بساطة، ناهيك عن روحه وعقله، ومن هنا تبدأ رحلة المؤلف ومعه القارئ بالطبع في استكشاف الجسد بكل عجائبه؛ فالجسد مصنع وورشة عمل لا تهدأ ولا تتوقف عن العمل والإنتاج إلا عند الموت طبعًا.

الغلاف الخارجي: الجلد والشعر

من الطبيعي أن تبدأ الرحلة من الغلاف الخارجي الذي يغلف الجسد البشري ويحفظه، الجلد وما يغطيه من شعر؛ فالجلد أكبر عضو بشري، بحجم متران مربعان وبوزن يقترب من السبعة كيلوجرامات، يكون الجلد أرق ما يكون في الأجفان، وأغلظ ما يكون في الأقدام والأيدي، يتخلص الجلد في كل ساعة من مليون خلية، وتخترقه بين 2 – 5 ملايين شعرة بينما ترقد تحته ضعف ذلك من الغدد العرقية.

تقوم بصيلات الشعر بمهمة مزدوجة فهي تنبت الشعر وتفرز نوعًا من الدهون والذي باختلاطه بالعرق يصنع طبقة تعزل الجلد وتحميه، وفي بعض الحالات تنسد المسام بالجلد الميت والدهن الجاف فنحصل على ما يعرف بالرؤوس السوداء، وفي حالات أخرى قد تلتهب البصيلات فينتج عنها البثور، وفي حالة النشاط الزائد للغدد الدهنية كما عند المراهقين تنتشر البثور وحب الشباب بشكلها المزعج.

يحتوي الجلد كذلك على مستشعرات عصبية، هذه المستشعرات هي ما يجعلنا نشعر بالعالم من حولنا، من هبة الهواء إلى لسعة النار، ومن أشهر هذه المستشعرات جسيمات ميسنر والتي سميت تيمنًا بمكتشفها العالم الألماني جورج ميسنر، تلتقط هذه الجسيمات أرق اللمسات وأخف التأثيرات وتتواجد في أطراف الأصابع والشفاه واللسان والأعضاء الحساسة.

يتحدد لون الجلد من مجموعة مختلفة من الأصباغ، أشهرها صبغة الميلانين، ويرتبط هذا بالتعرض للشمس واستخلاص الجلد فيتامين د منها، ولهذا يعاني 50% من البشر من نقص في فيتامين د، يزداد هذا النقص في البلدان الباردة التي تغيب فيها الشمس طيلة شهور السنة ليصل إلى 90% من السكان.

الجسد كمجرة: الميكروبات

تبدو أجسادنا كمجرة لمليارات الميكروبات التي تعيش عليها وداخلها، الجيد في الأمر هو أن أغلب هذه الميكروبات نافعة وتقدم خدمة لأجسادنا، بل إن بعض هذه الميكروبات قد لا نعيش طويلاً لو اختفت، فهناك ميكروبات تساعد أجسادنا في هضم الطعام واستخلاص السعرات الحرارية التي يحتاجها الجسم، ففي حين ينتج الجسد البشري 20 إنزيمًا هاضمًا، تنتج الباكتيريا 10 آلاف إنزيم تساعدنا في هضم الطعام وامتصاص المواد النافعة منه، وتتميز هذه الميكروبات بقدرتها العالية على التكيف، وسرعة تكاثرها وتوالدها، فمثلًا تتكاثر الباكتيريا القولونية 72 مرة في اليوم الواحد، وهذا يعني أنها تستطيع إنتاج 20 ألف جيل في نفس المدة التي يحتاجها البشر لإنتاج جيل واحد.

ويعتبر الجسد البشري موطنًا لأربعين ألف نوع من الميكروبات، 900 نوعًا في الأنف، و800 نوعًا في باطن الخدين، و1300 نوعًا في اللثة، هذا غير 36 ألف نوع تستوطن الجهاز الهضمي. أما أعداد هذه الميكروبات فبالمليارات، فقد خلصت دراسة أجريت سنة 2016 إلى أنه في مقابل 30 ترليون خلية بشرية، يوجد ما بين 30 إلى 50 ترليون خلية ميكروبية، طبعًا حجم الخلية البشرية ضخم جدًا مقارنة بالخلية الميكروبية وهذا ما يجعل الميكروبات غير ظاهرة في الجسد البشري.

تنتقل الميكروبات بين البشر من خلال الكثير من الأنشطة البشرية العادية أو الحميمة، فقد قدرت دراسة أن القبلات تنقل مليار ميكروب من فم إلى فم، ولكن نسبة قليلة جدًا من هذه الميكروبات ضارة، فمن بين المليون ميكروب التي تعرف عليها العلم، 1415 ميكروبًا فقط هي التي لها علاقة بأمراض تصيب البشر.

الدماغ: السر الأكبر

يتكون الدماغ البشري من 75% – 80% من الماء، وتتوزع النسبة الباقية بين الدهون والبروتين، ويزن 1300 جرامًا من هذه المادة الإسفنجية التي أنتجت الحضارة البشرية بأكملها، يمكن لهذا الدماغ أن يعالج من المعلومات في ثلاثين ثانية ما أحتاج منظار هابل الفضائي إلى ثلاثين سنة لمعالجته، ويمكن للدماغ البشري أن يحتفظ بمعلومات تعادل سعتها كل المحتوى الرقمي للعالم اليوم.

يستحوذ هذا العضو المهم ليقوم بعمله على ما يقارب الـ 20% من طاقة الجسد، أي ما يعادل 400 سعرة حرارية، ترتفع هذه النسبة في المواليد لتصل إلى 65%، ربما لهذا السبب ينام الرضع كثيرًا فاستهلاك الدماغ العالي للطاقة منهك، ولا يرتبط هذا الاستهلاك بكثرة التفكير، فكل الأدمغة من أذكاها إلى أقلها ذكاءً تستهلك المقدار ذاته من الطاقة.

القلب، المحرك الذي لا يتوقف

ينبض القلب بلا توقف – إلا عند الموت – مئة ألف نبضة في اليوم، 3.5 مليار نبضة في العمر تقريبًا، تدفع هذه النبضات بقوة خارقة الدم حول الجسد وعودةً إلى القلب، ويمكن التعرف على قوة الدفع هذه من خلال مراقبة الاندفاع القوي للدم عندما يقطع الشريان الأورطي «الأبهر» عند الحيوانات، يوزع القلب في الساعة الواحدة ما يعادل 265 لترًا من الدم، هذا العمل المحموم والذي لا يتوقف طيلة ساعات النهار والليل يعادل لو قيس بالجهد الذي يحتاجه رفع سيارة وزنها طن إلى مسافة 240 كيلومترًا في السماء.

وفي كل مرة يوزع فيها القلب الدم على الجسد، يذهب 15% منه إلى الدماغ، فيما تذهب النسبة الأكبر 20% تقريبًا إلى الكلى، وتأخذ رحلة الدم حول الجسد كاملًا قرابة الخمسين ثانية، ويقوم الدم خلالها بوظائف عدة، فبالإضافة إلى نقل الأكسجين إلى الخلايا، ينقل الدم الهرمونات وبعض المواد الكيميائية المهمة، كما تقوم كريات الدم البيضاء بحماية الجسد من الفيروسات والميكروبات، كما يساعد الدم في التحكم بحرارة الجسد.

المزيد من الأسرار

تتوالى فصول الكتاب لتقدم لنا المزيد من المعلومات والأسرار عن أجسادنا، عن العظام والحركة والتوازن، وعن الجهاز المناعي والرئتين، وعن الطعام والجهاز الهضمي، والنوم والتكاثر، والأعصاب والألم، والأمراض التي تهدم هذا الجسد، مع فصل كامل خصصه المؤلف لمرض السرطان. هناك فصول كذلك عن الطب والعلاج بخيره وشره، وفصل أخير عن نهاية هذا الجسد، عندما يتوقف القلب عن الخفقان والدم عن الجريان، والدماغ عن توزيع إشاراته فيتحول الجسد إلى جثة فقدت روحها وصارت طعامًا لتلك الكائنات التي كانت تسكنها.


[1]  بيل برايسون، موجز تاريخ كل شيء تقريبًا، ت أسامة اسبر، الطبعة الأولى، العبيكان للنشر، 2014م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى