تعيد الشركات اليوم النظر بشكل متزايد في الأساليب الجوهرية التي تولّد بها الأفكار وتطرحها في الأسواق، إذ تستفيد من الأفكار الخارجية في الوقت الذي توظف فيه أبحاثها وتطويرها الداخليين خارج نطاق عملياتها الحالية.
هنري دبليو. تشيسبرو
في الماضي، كانت البحوث وعمليات التطوير الداخلية (R&D) تُعد أصلًا استراتيجيًّا ذا قيمة، بل وكانت تشكّل حاجزًا منيعًا أمام دخول المنافسين إلى كثير من الأسواق؛ فلم يكن بمقدور سوى الشركات الكبرى مثل DuPont وIBM وAT&T أن تنافس من خلال قيامها بأكبر قدر من البحث والتطوير في صناعاتها (ومن ثم جنيها لمعظم الأرباح أيضًا). أما المنافسون الذين حاولوا إزاحة تلك القوى الكبرى، فقد كان يتعين عليهم استثمار موارد ضخمة لإنشاء مختبراتهم الخاصة، إذا ما أرادوا أن يحظوا بأي فرصة للنجاح. أما اليوم، فقد بدأت المؤسسات الصناعية الرائدة في الماضي تواجه منافسة قوية بشكل لافت من العديد من الشركات الناشئة. والمفاجئ في الأمر أن هؤلاء الوافدين الجدد لا يجرون أبحاثًا أساسية تذكر بأنفسهم، بل يوصلون الأفكار الجديدة إلى السوق عبر عملية مختلفة تمامًا.
تأمل في شركة Lucent Technologies، التي ورثت الحصة الكبرى من مختبرات Bell Laboratories بعد تفكك شركة AT&T، ففي القرن العشرين، كانت مختبرات Bell ربما المنظمة البحثية الصناعية الأولى، وكان ينبغي أن يكون ذلك سلاحًا استراتيجيًّا حاسمًا لشركة Lucent في سوق معدات الاتصالات. غير أن الأمور لم تسر على هذا النحو؛ إذ تمكنت شركة Cisco Systems، التي تفتقر إلى أي قدرات داخلية عميقة في البحث والتطوير مماثلة لمختبرات Bell، من مواكبة Lucent باستمرار، بل وتفوقت عليها أحيانًا في الوصول إلى السوق أولًا. فما الذي حدث؟
على الرغم من أن Lucent وCisco كانتا تتنافسان مباشرة في القطاع نفسه، فإن كلتيهما لم تبتكرا بالطريقة ذاتها؛ فقد كرست Lucent موارد هائلة لاستكشاف عالم المواد الجديدة والمكونات والأنظمة المتقدمة، ساعيةً وراء اكتشافات أساسية يمكن أن تغذي أجيالًا مستقبلية من المنتجات والخدمات. أما Cisco، فقد انتهجت استراتيجية مختلفة تمامًا في سعيها للريادة في الابتكار. فكلما احتاجت الشركة إلى تقنية ما، اقتنتها من الخارج، غالبًا من خلال الشراكة أو الاستثمار في شركات ناشئة واعدة (بعضها، للمفارقة، أسسه موظفون سابقون من Lucent). وبهذه الطريقة، تمكنت Cisco من مواكبة مخرجات البحث والتطوير لإحدى أرقى المؤسسات البحثية الصناعية في العالم، من دون أن تجري كثيرًا من الأبحاث بنفسها.
وقصة Lucent وCisco ليست حالة فريدة. فقد كان تفوق IBM البحثي في مجال الحوسبة ذا أثر محدود في حمايتها من Intel وMicrosoft في مجالي أجهزة وبرمجيات الحاسوب الشخصي. وبالمثل، شاهدت شركات كبرى مثل Motorola وSiemens وغيرهما من عمالقة الصناعة بعجز صعود Nokia إلى صدارة الاتصالات اللاسلكية خلال عشرين عامًا فقط، مستفيدة من خبرتها الصناعية في العقود السابقة في صناعات بسيطة مثل لب الخشب والأحذية المطاطية. كما شهدت شركات الأدوية العملاقة مثل Merck وPfizer كيف استطاعت شركات ناشئة مثل Genentech وAmgen وGenzyme أن تستفيد من اكتشافات الآخرين لتصبح من اللاعبين الرئيسين في صناعة التقنيات الحيوية.
من الانغلاق إلى الانفتاح
هل مات الابتكار؟ قطعًا لا، كما تؤكد ذلك الإنجازات الحديثة في العلوم الحياتية، بما في ذلك الاختراقات الثورية في علم الجينوم والاستنساخ. فلماذا لم يعد البحث والتطوير الداخلي هو الأصل الاستراتيجي الذي كان عليه؟ يكمن الجواب في تحول جوهري في كيفية توليد الشركات للأفكار الجديدة وإيصالها إلى السوق. ففي النموذج القديم للابتكار المغلق (Closed Innovation)، كانت الشركات تلتزم بالفلسفة التالية: النجاح في الابتكار يتطلب السيطرة. بمعنى آخر، كان على الشركات أن تولد أفكارها بنفسها، ثم تطورها وتصنعها وتسوقها وتوزعها وتخدمها بذاتها (انظر “نموذج الابتكار المغلق”). ويتطلب هذا النهج الاعتماد على الذات: إذا أردت أن يُنجز العمل على الوجه الأمثل، فعليك أن تقوم به بنفسك.
ولسنوات طويلة، كانت منطقية الابتكار المغلق تُعد بدَهية بوصفها “الطريقة الصحيحة” لطرح الأفكار الجديدة في الأسواق، وكانت الشركات الناجحة جميعها تلتزم بقواعد ضمنية معينة؛ فقد استثمرت هذه الشركات بكثافة في البحث والتطوير الداخلي أكثر من منافسيها، واستقطبت أفضل العقول وأكثرها ذكاءً (لتحصد ثمار أذكى العاملين في الصناعة). وبفضل هذه الاستثمارات، تمكنت من اكتشاف أفضل وأكبر عدد من الأفكار، ما أتاح لها السبق إلى السوق. وهذا بدوره مكّنها من جني معظم الأرباح، التي كانت تحميها من خلال السيطرة الصارمة على الملكية الفكرية (IP) لمنع المنافسين من استغلالها. ثم كانت تعيد استثمار الأرباح في إجراء مزيد من البحث والتطوير، ما يؤدي إلى اكتشافات رائدة إضافية، ويخلق دورة حميدة من الابتكار.
لأكثرية القرن العشرين، كان النموذج المعتمد فاعلًا، بل فاعلًا على نحوٍ ممتاز، وبفضله استطاع توماس إديسون أن يبتكر عددًا من الأجهزة الثورية، من بينها الفونوغراف (phonograph) والمصباح الكهربائي، وهما اختراعان مهّدا الطريق لإنشاء مركز الأبحاث العالمي الشهير التابع لشركة جنرال إلكتريك (General Electric) في مدينة نيسكاينا بولاية نيويورك. وفي قطاع الصناعات الكيميائية، أسست شركات مثل دوبونت (DuPont) مختبرات مركزية للأبحاث بهدف اكتشاف وتطوير مجموعة مذهلة من المنتجات الجديدة، كالألياف الصناعية نايلون (nylon)، وكيفلار (Kevlar)، وليكرا (Lycra). أما باحثو مختبرات بيل (Bell Labs)، فقد كشفوا عن ظواهر فيزيائية مذهلة واستثمروا تلك الاكتشافات في ابتكار سلسلة من المنتجات الثورية، مثل الترانزستور (transistor) والليزر (laser).
ومع اقتراب نهاية القرن العشرين، اجتمعت عوامل عدة لتقويض أسس الابتكار المغلق في الولايات المتحدة، ولعل أبرز هذه العوامل كان الارتفاع الكبير في عدد العاملين في مجال المعرفة وتزايد قدرتهم على التنقل، ما جعل من الصعب على الشركات أن تحتفظ بأفكارها وخبراتها الخاصة. وهناك عامل مهم آخر، تمثل في تزايد توفر رأس المال الاستثماري الخاص، الذي أسهم في تمويل شركات جديدة وجهودها لتسويق أفكار خرجت عن نطاق مختبرات الأبحاث التابعة للشركات الكبرى.
وقد أحدثت هذه العوامل اضطرابًا في الدورة الحميدة التي كانت تدعم الابتكار المغلق. ففي الوقت الراهن، حين تحدث اكتشافات كبيرة، بات العلماء والمهندسون الذين يقفون وراءها يمتلكون خيارًا خارجيًّا لم يكن متاحًا لهم من قبل. فإذا لم تسع الشركة الممولة للاكتشاف إلى تطويره في الوقت المناسب، أصبح بإمكان المعنيين أن يواصلوا العمل عليه بأنفسهم من خلال شركة ناشئة تمولها رؤوس الأموال الاستثمارية. وإذا نجحت تلك الشركة الوليدة، فبإمكانها الحصول على تمويل إضافي عبر طرح أسهمها أو أن يُستَحوَذ عليها بسعر مغرٍ. وفي كلتا الحالتين، فإن الشركة الناشئة الناجحة غالبًا لا تعيد استثمار أرباحها في اكتشافات أساسية جديدة، بل —كما تفعل شركة سيسكو (Cisco)— تبحث خارج نطاقها عن تقنية أخرى لتسويقها. وهكذا، انكسرت الدورة الحميدة للابتكار: فالشركة التي موّلت الاكتشاف الأصلي لا تجني ثمرة استثمارها، والشركة التي استفادت فعليًّا لا تعيد استثمار أرباحها لتمويل الجيل القادم من الاكتشافات.
في هذا النموذج الجديد للابتكار المفتوح، تسوّق الشركات الأفكار الخارجية (إلى جانب الداخلية) من خلال مسارات خارجية (وكذلك داخلية) للوصول إلى السوق، وعلى وجه التحديد، يمكن للشركات تسويق أفكارها الداخلية عبر قنوات خارج نطاق أعمالها الحالية، بغية تحقيق قيمة مضافة للمؤسسة. ومن وسائل تحقيق ذلك تأسيس شركات ناشئة (startup companies) قد تمول وتوظف بعض أفراد الشركة نفسها، أو عبر اتفاقيات الترخيص (licensing agreements). فضلًا عن ذلك، يمكن للأفكار أن تنشأ خارج مختبرات الشركة وتُستقدم إلى الداخل بغرض التسويق. وبعبارة أخرى، أصبح الحد الفاصل بين الشركة وبيئتها المحيطة أكثر نفاذية، ما يتيح للابتكار أن ينتقل بسهولة بين الطرفين.
نموذج الابتكار المفتوح
في النموذج الجديد للابتكار المفتوح، تسوّق الشركة أفكارها الخاصة إلى جانب الابتكارات الواردة من شركات أخرى، وتسعى لإيجاد طرق لإيصال أفكارها الداخلية إلى السوق عبر مسارات خارج نطاق أعمالها الحالية. ويُلاحظ أن الحد الفاصل بين الشركة وبيئتها المحيطة أصبح أكثر نفاذية (يمثل ذلك بخط متقطع)، ما يتيح للابتكارات أن تنتقل بسهولة بين الطرفين.
في جوهره، يرتكز الابتكار المفتوح على مشهد معرفي زاخر، ينبغي استخدامه بسرعة لكي يحقق قيمة للشركة التي أنتجته. ومع ذلك، ينبغي للمؤسسة ألا تقتصر في استخدام المعرفة التي تكتشفها عبر أبحاثها على مساراتها الداخلية للسوق، كما أن تلك المسارات الداخلية ينبغي ألا تكون مقيدة بجلب المعرفة الداخلية للشركة فقط إلى السوق. وتوحي هذه النظرة بقواعد مختلفة تمامًا (انظر: “مبادئ الابتكار المغلق والمفتوح المتباينة” [Contrasting Principles of Closed and Open Innovation]). فعلى سبيل المثال، لم يعد من الضروري للشركة أن تحتكر ملكيتها الفكرية (IP)، بل ينبغي لها أن تبحث عن سبل لتحقيق الربح من استخدام الآخرين لتلك التقنية، عبر اتفاقيات الترخيص، أو المشاريع المشتركة، أو ترتيبات أخرى. (انظر أيضًا مقال ديفيد كلاين [David Kline]، “مشاركة جواهر التاج المؤسسية” [Sharing the Corporate Crown Jewels]).
مبادئ الابتكار المغلق والمفتوح المتباينة
| مبادئ الابتكار المغلق | مبادئ الابتكار المفتوح |
| الأشخاص الأذكياء في مجالنا يعملون لدينا. | ليس جميع الأشخاص الأذكياء يعملون لدينا، لذا يجب أن نبحث عن المعرفة والخبرة لدى الأفراد المتميزين خارج شركتنا ونستفيد منها. |
| لتحقيق الربح من البحث والتطوير، يجب أن نكتشف ونطور ونطرح المنتجات بأنفسنا. | البحث والتطوير الخارجي يمكن أن يخلق قيمة كبيرة؛ البحث والتطوير الداخلي ضروري للحصول على جزء من تلك القيمة. |
| إذا اكتشفناها بأنفسنا، سنكون أول من يصل بها إلى السوق. | لسنا مضطرين لأن نكون مصدر البحث لكي نحقق الربح منه. |
| إذا كنا أول من يسوّق ابتكارًا ما، سنفوز. | بناء نموذج عمل أفضل هو أفضل من الوصول إلى السوق أولاً. |
| إذا أنشأنا أكبر عدد وأفضل الأفكار في الصناعة، سنفوز. | إذا أحسنا استخدام الأفكار الداخلية والخارجية، سنفوز. |
| يجب أن نتحكم في ملكيتنا الفكرية حتى لا يستفيد منافسونا من أفكارنا. | يجب أن نحقق الربح من استخدام الآخرين لملكيتنا الفكرية، ويجب أن نشتري ملكية فكرية من الآخرين كلما ساهمت في تطوير نموذج أعمالنا. |
يكمن الفرق الجوهري بين الابتكار المغلق والمفتوح في كيفية قيام الشركات بانتقاء أفكارها؛ ففي أي عملية بحث وتطوير (R&D)، يتعين على الباحثين ومديريهم أن يميزوا بين المقترحات السيئة والجيدة، ليتمكنوا من التخلص من الأولى وتطوير الثانية وتسويقها. وكلا النموذجين —المغلق والمفتوح— بارع في استبعاد “الإيجابيات الكاذبة” (أي الأفكار السيئة التي تبدو واعدة في البداية)، إلا أن الابتكار المفتوح يضيف القدرة على إنقاذ “السلبيات الكاذبة” (أي المشاريع التي تبدو غير واعدة في البداية، لكنها تبرهن لاحقًا على قيمتها الكبيرة). فالشركة التي تركز على الداخل فقط —أي التي تتبنى نهج الابتكار المغلق— تكون عرضة لفوات كثير من تلك الفرص؛ لأن كثيرًا منها يقع خارج نطاق أعمالها الحالية أو يحتاج إلى دمجه مع تقنيات خارجية لإطلاق إمكاناته. وقد يكون هذا مؤلمًا على نحو خاص للشركات التي استثمرت مبالغ ضخمة على مدى سنوات طويلة في البحث، لتكتشف لاحقًا أن بعض المشاريع التي تخلت عنها كانت ذات قيمة تجارية هائلة.
المثال الكلاسيكي هو شركة Xerox ومركزها للبحوث في بالو ألتو (Palo Alto Research Center – PARC). فقد طوّر الباحثون هناك كثيرًا من تقنيات الحاسوب من حيث المكونات المادية والبرمجيات، ومن بين هذه التقنيات شبكة الإيثرنت (Ethernet) وواجهة المستخدم الرسومية (GUI). ومع ذلك، لم تُعد هذه الابتكارات مشاريع تجارية واعدة بالنسبة لشركة Xerox، التي كانت تركز اهتمامها على آلات النسخ والطابعات عالية السرعة. وبعبارة أخرى، كانت هذه التقنيات بمنزلة “نتائج سلبية زائفة” (false negatives)؛ إذ بقيت حبيسة أروقة Xerox، ولم تُستَثمر تجاريًّا إلا من قبل شركات أخرى جنت من ورائها فوائد هائلة. فعلى سبيل المثال، استغلت شركة Apple واجهة المستخدم الرسومية (GUI) في نظام تشغيل Macintosh، في حين اتبعت Microsoft النهج ذاته في نظام Windows الخاص بها.
ما مدى انتشار الابتكار المفتوح؟
ليس المقصود هنا القول إن الصناعات جميعها قد انتقلت (أو ستنتقل) إلى الابتكار المفتوح؛ ففي الوقت الراهن، يمكن تصنيف الشركات المختلفة على طيف يمتد من الانغلاق التام إلى الانفتاح الكامل. ومن أمثلة الطرف الأول صناعة المفاعلات النووية، التي تعتمد اعتمادًا رئيسًا على الأفكار الداخلية، وتتميز بانخفاض تنقل الأيدي العاملة، وضعف رأس المال المغامر، وقلّة الشركات الناشئة (startup) وضعفها، فضلًا عن قلة الأبحاث التي تُجرى في الجامعات. ولا يزال من غير المؤكد تحديد أكانت هذه الصناعة ستنتقل يومًا ما إلى الابتكار المفتوح.
أما على الطرف الآخر، فقد تبنت بعض الصناعات الابتكار المفتوح منذ زمن بعيد. خذ على سبيل المثال هوليوود، التي اعتمدت لعقود طويلة على شبكة من الشراكات والتحالفات بين استوديوهات الإنتاج والمخرجين ووكالات المواهب والممثلين وكتّاب السيناريو والمنتجين المستقلين والمقاولين المتخصصين (مثل موردي المؤثرات الخاصة). ويُضرب المثل في تنقل هذه القوى العاملة: فكل نادلة تطمح لأن تصبح ممثلة، وكل موظف موقف سيارات يعمل على كتابة سيناريو خاص به.
أما كثير من الصناعات —بما في ذلك آلات النسخ، والحواسيب، وأقراص التخزين، وأشباه الموصلات، ومعدات الاتصالات، والصناعات الدوائية، والتقنيات الحيوية، وحتى أنظمة الأسلحة والاتصالات العسكرية— فهي تمر حاليًّا بمرحلة انتقالية من الابتكار المغلق إلى الابتكار المفتوح. ففي هذه الشركات، ظهرت العديد من الابتكارات الحاسمة من مصادر كانت تبدو غير متوقعة، بل إن مركز الابتكار في هذه الصناعات قد تجاوز حدود مختبرات البحث والتطوير المركزية التابعة لأكبر الشركات، وأصبح اليوم موزعًا بين شركات ناشئة وجامعات واتحادات بحثية ومنظمات خارجية أخرى. وهذه الظاهرة لا تقتصر على الصناعات التقنية المتقدمة فحسب، بل امتدت إلى صناعات أخرى كصناعة السيارات والرعاية الصحية والمصارف والتأمين والسلع الاستهلاكية المعبأة، والتي باتت جميعها تميل نحو الابتكار المفتوح.
تأمّل شركة Procter & Gamble، عملاق المنتجات الاستهلاكية الذي يفتخر بتقاليده العريقة في البحث العلمي الداخلي وراء العديد من علاماته التجارية الرائدة، فقد غيّرت الشركة مؤخرًا نهجها في الابتكار، ووسعت نطاق البحث والتطوير الداخلي ليشمل العالم الخارجي من خلال شعار “تواصل وابتكر” (Connect & Develop). وقد أنشأت الشركة منصب مدير الابتكار الخارجي، ووضعت هدفًا يتمثل في أن يكون نصف ابتكاراتها خلال خمس سنوات مستمدًّا من خارج الشركة، بعدما كان هذا الرقم يُقدّر بنحو 10% فقط هذا العام. إن هذا النهج يبتعد كثيرًا عن متلازمة “ليس من ابتكارنا” (not invented here – NIH) التي تصيب كثيرًا من المؤسسات الصناعية الكبرى والناجحة. ومؤخرًا حققت الشركة نجاحًا باهرًا مع منتج SpinBrush، فرشاة الأسنان الكهربائية التي تعمل بالبطاريات وتباع بسعر خمسة دولارات. ولم تأت فكرة هذا المنتج، الذي أصبح سريعًا الأكثر مبيعًا في الولايات المتحدة، من مختبرات الشركة، بل من أربعة رواد أعمال في مدينة كليفلاند.
وتسعى Procter & Gamble أيضًا إلى نقل ابتكاراتها الخاصة إلى الخارج؛ فقد تبنت الشركة مؤخرًا سياسة تنص على أن أي فكرة تنشأ في مختبراتها ستُعرض على شركات أخرى، حتى وإن كانت منافسة مباشرة، إذا لم تُستَغل داخليًّا خلال ثلاث سنوات. ويهدف هذا الإجراء إلى منع المشاريع الواعدة من فقدان زخمها أو التعثر داخل أروقة الشركة. (انظر أيضًا مقال ديفيد كلاين: “مشاركة جواهر التاج المؤسسية”).
أنماط الابتكار المختلفة
في الواقع، باتت كثير من الشركات تعيد صياغة استراتيجياتها لاستغلال مبادئ الابتكار المفتوح، مستكشفةً السبل التي يمكن من خلالها للتقنيات الخارجية أن تسد الفجوات في أعمالها الحالية، وكيف يمكن لتقنياتها الداخلية أن تزرع بذور أعمال جديدة خارج إطار المؤسسة. وفي هذا السياق، ركزت العديد من الشركات أنشطتها في واحد من ثلاثة مجالات رئيسة: تمويل الابتكار، أو توليد الابتكار، أو تسويق الابتكار.
تمويل الابتكار
يركز نوعان من المنظمات —المستثمرون في الابتكار والرعاة (benefactors)— تركيزًا أساسيًّا على توفير الوقود اللازم لنار الابتكار. كان الاستثمار الأصلي في الابتكار يتمثل في ميزانيات البحث والتطوير المؤسسية، لكن ظهر اليوم طيف واسع من الجهات الأخرى، بما في ذلك شركات رأس المال المغامر (venture capital – VC)، والمستثمرون الملائكة (angel investors)، وكيانات رأس المال المغامر التابعة للشركات، ومستثمرو الأسهم الخاصة، وشركات الاستثمار في الأعمال الصغيرة (Small Business Investment Companies – SBICs) التي توفر رأس المال المغامر للشركات الصغيرة المستقلة، وتخضع لترخيص وإشراف إدارة الأعمال الصغيرة الأمريكية (U.S. Small Business Administration). وتساعد رؤوس أموالهم في نقل الأفكار من الشركات والجامعات إلى السوق، غالبًا من خلال تأسيس شركات ناشئة. وإلى جانب التمويل، يمكن للمستثمرين في الابتكار أن يقدموا نصائح ثمينة لمساعدة الشركات الناشئة على تجنب المشكلات الشائعة التي تعترض طريق كثير من الشركات الجديدة.
مع الانكماش الاقتصادي الأخير وانهيار العديد من شركات الإنترنت (dot-com)، أصبح المستثمرون في الابتكار أكثر حذرًا، وهو أمر مفهوم في ظل هذه الظروف. ومع ذلك، ورغم أن هؤلاء اللاعبين يبدون وكأنهم قد تراجعوا، فإنهم لم يخرجوا من الساحة بعد؛ إذ يدير المستثمرون في رأس المال المغامر (VCs) حاليًّا ما يقرب من 250 مليار دولار من رأس المال، منها 90 مليار دولار غير مستثمرة بعد. وعندما ينتعش الاقتصاد، من المرجح أن يكتشف هؤلاء المستثمرون ويمولوا تطورات جديدة في مجالات مثل علم الجينوم (genomics) وتقنية النانو (nanotechnology)، والتي يُتوقع أن تحفز موجة جديدة من الابتكار الاقتصادي.
يقدّم رعاة الابتكار مصادر جديدة لتمويل البحث العلمي، وعلى خلاف المستثمرين، يركز الرعاة على المراحل المبكرة من اكتشاف البحث. والمثال الكلاسيكي هنا هو المؤسسة الوطنية للعلوم (National Science Foundation – NSF)، وهي وكالة مستقلة تابعة للحكومة الأمريكية. فمن خلال برامج الجوائز والمنح التي تقدمها، توفر المؤسسة الوطنية للعلوم نحو 20% من الدعم الفيدرالي للمؤسسات الأكاديمية لإجراء البحوث الأساسية، كما كانت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (Defense Advanced Research Projects Agency – DARPA) من الرعاة الرئيسين، وخصوصًا في الأعمال الأولية في كثير من صناعة الحواسيب.
تخصّص بعض الشركات جزءًا من مواردها للقيام بدور الراعي، فمن خلال تمويل الأعمال الواعدة في مراحلها الأولى، تحصل هذه الشركات على فرصة الاطلاع الأولي على الأفكار، ويمكنها انتقاء وتمويل تلك التي تبدو ملائمة لصناعتها. ومن التطورات المثيرة للاهتمام في مجال رعاة الابتكار، الزيادة المحتملة في العمل الخيري من المؤسسات الخاصة، وخاصة تلك المدعومة من قبل الأفراد الأثرياء. فعلى سبيل المثال، قام الملياردير لاري إليسون، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة أوراكل (Oracle) العملاقة في مجال البرمجيات، بتأسيس منظمة تقدم نحو 50 مليون دولار سنويًّا للبحث الأساسي في أمراض السرطان وباركنسون وألزهايمر بالإضافة إلى اضطرابات أخرى. ومن الجدير بالذكر أن المؤسسة أُنشئت خصيصًا للاستكشاف المبكر؛ أي البحوث التي لا تزال في مراحلها الجنينية بحيث لا يستطيع العلماء الحصول على تمويل لها عبر المنح التقليدية، مثل تلك التي تمنحها المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF).
توليد الابتكار
هناك أربعة أنواع من المؤسسات التي تتولى بشكل أساسي توليد الابتكار: المستكشفون، والتجار، والمعماريون، والمبشرون في مجال الابتكار. يتخصص مستكشفو الابتكار في أداء وظيفة البحث الاستكشافي التي كانت تُجرى سابقًا في مختبرات البحث والتطوير التابعة للشركات. ومن المثير للاهتمام أن عددًا من المستكشفين نشؤوا كمؤسسات منبثقة عن مختبرات كانت جزءًا من كيانات أكبر. فعلى سبيل المثال، قبل عام واحد فقط، أصبحت شركة PARC كيانًا مستقلًّا ومنفصلًا عن شركة زيروكس (Xerox). وبالمثل، تأسست شركة Telcordia Technologies نتيجة فصل نظام بيل (Bell System)، وهي تضم الآن نحو 400 باحث يتمتعون بخبرات واسعة تتراوح بين هندسة البرمجيات والشبكات البصرية.
وقد شهدت المختبرات الحكومية الكبرى مثل مختبرات سانديا الوطنية (Sandia National Laboratories)، ومختبر لورانس ليفرمور الوطني (Lawrence Livermore National Laboratory)، ومختبر لينكولن التابع لمعهد ماساتشوستس للتقنية (MIT Lincoln Laboratory)، تطورًا مثيرًا في مجال الاستكشاف؛ فبعد نهاية الحرب الباردة، بدأت هذه المؤسسات بالبحث عن مهام جديدة لأعمالها، وأصبح جزء كبير من بحوثها الأساسية يجد تطبيقات في الأسواق التجارية. فعلى سبيل المثال، أجرى مختبر لينكولن أبحاثًا في مجال الرادار والدفاع منذ خمسينيات القرن الماضي. وقد كُيِّفت التقنية التي طُورت هناك للكشف عن الصواريخ مؤخرًا لعلاج السرطان، حيث أُتيح تركيز الطاقة الميكروية بشكل أكثر فعالية على الأورام.
يتعين على تجار الابتكار أيضًا الاستكشاف، لكن أنشطتهم تتركز على مجموعة ضيقة من التقنيات التي تُحوَّل بعد ذلك إلى ملكية فكرية وتُباع بقوة للآخرين (وتُسوَّق من قبلهم). بعبارة أخرى، يقوم تجار الابتكار بالابتكار ولكن بأهداف تجارية محددة، في حين أن المستكشفين يبتكرون من أجل الابتكار ذاته. وبالنسبة للتجار، تُمكنهم العائدات من الملكية الفكرية من مواصلة البحث في مجالات تركيزهم. في الواقع، تصعد هذه الشركات وتهبط حسب قوة محافظ الملكية الفكرية الخاصة بها.
ومن الأمثلة على تجار الابتكار شركة كوالكوم (Qualcomm)، التي تجري بحوثًا داخلية واسعة النطاق في مجال الاتصالات، بما في ذلك تقنية النفاذ المتعدد بتقسيم الشيفرة (code division multiple access – CDMA)، وهو معيار لتقنية الاتصالات اللاسلكية. في البداية، كانت كوالكوم تصنع الهواتف الخلوية ومنتجات البرمجيات مثل برنامج البريد الإلكتروني Eudora، لكنها اليوم تركز على ترخيص تقنية CDMA وإنتاج الشرائح الإلكترونية المرتبطة بها لاستخدامها من قبل شركات تصنيع الهواتف الأخرى. وتفخر كوالكوم حاليًّا بوجود أكثر من 100 جهة مرخصة، من بينها موتورولا (Motorola)، ونوكيا (Nokia)، وكيوريسيرا (Kyocera).
يقدم معماريو الابتكار خدمة قيمة في عوالم التقنية المعقدة؛ فمن أجل خلق قيمة لعملائهم، يطورون هياكل تقسّم هذا التعقيد، ما يتيح لكثير من الشركات الأخرى توفير أجزاء من النظام، مع ضمان أن تتكامل هذه الأجزاء بطريقة منسجمة. فعلى سبيل المثال، تقوم شركة بوينغ (Boeing) بهندسة التصميم العام للطائرة مثل طراز 747، ثم تتولى شركات مثل جنرال إلكتريك (GE) تطوير وتصنيع محركات الطائرات والأجزاء الأخرى المكونة لها. يعمل معماريو الابتكار في مجالات معقدة وسريعة التغير، وهو ما لا يلائم نهج “افعلها بنفسك”. ولكي يحققوا النجاح، يجب على معماريي الابتكار أن يثبتوا حلهم النظامي، وأن ينقلوه، ويقنعوا الآخرين بدعمه، ويطوروه مستقبلًا. كما يجب عليهم ابتكار وسيلة للحصول على جزء من القيمة التي يخلقونها، وإلا فسيجدون صعوبة في الحفاظ على هيكلهم وتطويره.
على سبيل المثال، إن الصعود اللافت لشركة نوكيا في مجال الاتصالات اللاسلكية يُعزى جزئيًّا إلى الدور الريادي الذي اضطلعت به في ترسيخ نظام الاتصالات المتنقلة العالمي (GSM) كتقنية معيارية للهواتف الخلوية، وقد تطلّب تحقيق ذلك التعاون الوثيق مع عدد من الشركات الأخرى، فضلًا عن حكومات العديد من الدول الأوروبية. وعلى وجه التحديد، أسهمت أبحاث نوكيا في وضع المعايير المعتمدة حاليًّا لنقل تقنية GSM من نطاق ضيق إلى نطاق عريض، كما دفعت الشركة بقوة لترسيخ هذه التقنية؛ إذ رخّصت أبحاثها للآخرين عن طيب خاطر، وتعاونت مع شركات أخرى (بما في ذلك منافسوها) لتطوير الشرائح الإلكترونية (chipsets) اللازمة لتطبيق المعيار. وقد ساعدت تلك الجهود نوكيا على أن تصبح المورد المهيمن عالميًّا لأجهزة الهواتف اللاسلكية، مستحوذةً على نحو 40% من السوق العالمية.
أما “رسل الابتكار” فهم أفراد ومؤسسات يبتكرون التقنيات ويطوّرونها لخدمة قضية ما. وعلى خلاف “تجار الابتكار” و”مهندسيه”، فإنهم لا يسعون لتحقيق أرباح مالية من أعمالهم، بل إن الرسالة هي الدافع الرئيس لهم. وهذه السمة تميز كثيرًا من الجمعيات غير الربحية القائمة على المجتمع والجماعات الدينية، كما تظهر أيضًا في صناعة البرمجيات. (انظر أيضًا مقال جورج فون كروغ: “تطوير البرمجيات مفتوحة المصدر” [Open-Source Software Development]). هنا، تساعد مجموعات المستخدمين على تحديد كيفية تطور برنامج برمجي معين. وتشمل هذه المنظمات مبرمجين محترفين وهواة على حد سواء، إذ لا يكتفون بالكشف عن الأخطاء (bugs) واقتراح سبل إصلاحها، بل قد يضعون أيضًا “قائمة أمنيات” بالميزات المحتملة التي قد تتضمنها الأجيال القادمة من المنتج البرمجي.
ويعد تطور نظام التشغيل الحاسوبي لينوكس (Linux) مثالًا على هذا النهج؛ فقد طُوِّر في الأصل على يد لينوس تورفالدس، وتقدم على مدى السنوات بفضل الجهود المضنية لشبكة غير رسمية من المبرمجين حول العالم. والبرمجية متاحة مجانًا لأي شخص، وأصبحت بديلًا عمليًّا للعروض التجارية مثل مايكروسوفت ويندوز إن تي (Microsoft Windows NT).
تسويق الابتكار
وأخيرًا، هناك نوعان من المؤسسات يركزان على إيصال الابتكارات إلى السوق: مسوّقو الابتكار ومراكز الخدمة الشاملة. غالبًا ما يؤدي مسوّقو الابتكار بعض وظائف الأنواع الأخرى من المؤسسات، غير أن ما يميزهم هو قدرتهم البارعة على تسويق الأفكار بشكل مربح، سواء أكانت أفكارهم أم أفكار غيرهم. ولتحقيق ذلك، يركز المسوّقون على تطوير فهم عميق للاحتياجات الحالية والمحتملة في السوق، ما يساعدهم على تحديد أي الأفكار الخارجية ينبغي استقطابها إلى داخل الشركة. فعلى سبيل المثال، معظم الأدوية التي توجد حاليًّا في خط إنتاج شركة فايزر (Pfizer) نشأت خارج الشركة.
ومثال آخر على مسوّقي الابتكار هو شركة إنتويت (Intuit)، التي تبيع برامج التمويل الشخصي مثل البرنامج الشهير كويكن (Quicken). فعلى مدى سنوات عدة، تمكنت إنتويت من صدّ شركة مايكروسوفت —وهي من الشركات القليلة التي استطاعت ذلك— من خلال الحفاظ على تواصل وثيق ومنضبط مع عملائها لاكتساب معرفة معمقة باحتياجاتهم. ووفقًا لدور مسوّق الابتكار، أصبحت إنتويت ماهرة في تحديد التقنيات الخارجية وتكييفها لتلبية تلك الاحتياجات. وبهذا الأسلوب، استطاعت الشركة تحقيق أرباح مستمرة من ابتكارات لم تكن هي مكتشفتها. فعلى سبيل المثال، استحوذت على اثنين من أشهر منتجاتها —توربوتاكس (TurboTax)، وهو برنامج لإعداد الضرائب، وكويكبوكس (QuickBooks)، وهو برنامج محاسبة للشركات الصغيرة— من الخارج، ثم طوّرتهما لتلبية احتياجات عملائها.
أما مراكز الابتكار الشاملة (one-stop centers) فتوفر منتجات وخدمات متكاملة؛ إذ تأخذ أفضل الأفكار (من أي مصدر كان) وتقدمها للعملاء بأسعار تنافسية. وكما هو الحال مع مسوّقي الابتكار، فإنهم يزدهرون من خلال بيع أفكار الآخرين، لكنهم يختلفون في أنهم غالبًا ما يكوّنون روابط متينة مع المستخدمين النهائيين، ويتولون بشكل متزايد إدارة موارد العميل وفقًا لمتطلباته. فعلى سبيل المثال، يمكّن موقع ياهو! (Yahoo!) المستخدمين من التسوق، وإرسال البريد الإلكتروني، وإدارة شؤونهم المالية الشخصية، والبحث عن وظائف، ومتابعة آخر الأخبار.
وبينما يستهدف ياهو! المستهلكين، تركز مراكز الخدمة الشاملة الأخرى على التفاعلات بين الشركات (business-to-business). فعلى سبيل المثال، تقدم وحدة الخدمات العالمية لشركة آي بي إم (IBM Global Services) حلول تكنولوجيا المعلومات لشركات أخرى، ومن اللافت أنها تقوم بتركيب وصيانة الأجهزة والبرمجيات من أي مورد، بما في ذلك منافسو آي بي إم. وبعبارة أخرى، فإنها توفر أفضل حل لعملائها، بغض النظر عن مصدر تلك المنتجات.
وعلى الرغم من أن كثيرًا من الشركات تركز فقط على تمويل الابتكار أو إنتاجه أو تسويقه، فإن بعضها لا يزال يواصل القيام بهذه الأدوار جميعها معًا. وكما أُشير سابقًا، كانت الشركات الصناعية الكبرى مثل جنرال إلكتريك (GE) ودوبونت (DuPont) و(AT&T) مع مختبرات بيل (Bell Labs) نماذج لهذا النهج في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين، وقد شكّل نجاح هذه الشركات النموذج الذي احتذت به معظم منظمات البحث والتطوير المركزية. وإلى يومنا هذا، لا تزال بعض الشركات، التي تُسمى “المبتكرين المتكاملين بالكامل” (fully integrated innovators)، تتبنى عقيدة الابتكار المغلق القائمة على “الابتكار عبر السيطرة الكاملة”.
آي بي إم (IBM) في سوق الحواسيب المركزية (mainframe computer) تمثل مثالًا بارزًا على ذلك. وبفضل مركز أبحاث تي. جي. واتسون (T.J. Watson Research Center) التابع للشركة ومختبراتها الداخلية الأخرى للبحث والتطوير (R&D)، فإن المكونات جميعها ذات القيمة المضافة تقريبًا داخل حاسوب آي بي إم المركزي تأتي من الشركة نفسها. ويشمل ذلك دوائر أشباه الموصلات (semiconductor circuits) التي تغذي وحدة المعالجة الرئيسة، ووحدات تخزين الأقراص (disk storage)، والدارات عالية السرعة التي توجه الإشارات، ووحدات التخزين الاحتياطي على الشريط (tape backup storage)، ونظام التشغيل (operating system)، والبرامج التطبيقية المختلفة. ولتحقيق ذلك، يجب على آي بي إم إدارة التطورات التقنية في كل من المكونات المادية (hardware) والبرمجيات (software) ضمن أقسامها الداخلية المختلفة، منسقةً بين الإصدارات المستقبلية للبرمجيات ونسخ الأجهزة الجديدة لتضمن لعملائها استمرار التحسينات في السعر والأداء.
تثير أعمال آي بي إم في مجال الحواسيب المركزية نقطة مهمة: إذ يمكن للمؤسسة أن تعتمد أنماطًا مختلفة من الابتكار في أسواق مختلفة. وتحديدًا، تعد آي بي إم مركزًا شاملًا للخدمات الاستشارية ومبتكرًا متكاملًا بالكامل فيما يتعلق بالحواسيب المركزية. ونقطة أخرى بالغة الأهمية هي أن الأنماط المتنافسة يمكن أن تتعايش ضمن الصناعة ذاتها؛ ففي قطاع الصناعات الدوائية، على سبيل المثال، بقيت شركة ميرك (Merck) مبتكرًا متكاملًا بالكامل، في حين تتحول شركة فايزر (Pfizer) إلى مسوّق للابتكار. ولا يزال من غير الواضح أي من هذه الأنماط (أو ربما نمط آخر) سيسود في النهاية.
هذه الأنماط المختلفة جميعها ستتطور في بيئة الابتكار المفتوح (open innovation)، ومن المرجح أن تظهر أنماط جديدة في المستقبل. ومن التطورات المحتملة بروز وسطاء متخصصين يعملون كوسطاء أو سماسرة لإنشاء أسواق لحقوق الملكية الفكرية (IP). ومن غير المرجح أن يكون هناك “أفضل طريقة” واحدة للابتكار، رغم أن بعض الأنماط ستواجه تحديات أكبر من غيرها.
فالمبتكرون المتكاملون بالكامل، على سبيل المثال، أصبحوا نوعًا مهددًا بالانقراض في عديد من الصناعات. ومع تدفق الأفكار من مختبرات البحث والتطوير المركزية للشركات الكبرى، باتت الأنماط الأخرى من الابتكار في موقع يسمح لها بالاستفادة من هذه الأفكار. وفي الواقع، فقد صعدت هذه الأنماط الأخرى إلى الواجهة استجابةً للقيود التي يُنظر إليها على أنها تحد من فعالية المبتكرين المتكاملين بالكامل. فكثير من ابتكارات آي بي إم، على سبيل المثال، انتقلت من النمط المتكامل بالكامل نحو نموذج المركز الشامل (one-stop center).
يعتمد نمط المستكشف (explorer mode) على مصادر تمويل خارجية بسبب الموارد الكبيرة وعدم اليقين الملازم للبحث طويل الأمد. وخارج علوم الحياة، تضاءل هذا الدعم تضاؤلًا كبيرًا خلال العقد الماضي، ما جعل عددًا من المستكشفين عرضة للخطر. وقد توفر المخاوف المجتمعية الحديثة، كمسألة “الأمن الوطني” (homeland security) في الولايات المتحدة، زخمًا جديدًا للتمويل الحكومي، وقد بدأ كثير من المستكشفين بالفعل بالانتقال إلى هذا المجال؛ فمختبرات سانديا الوطنية (Sandia National Labs)، على سبيل المثال، تطور حاليًّا روبوتات لتعطيل القنابل. ومع ذلك، يبقى التساؤل قائمًا عما أكانت مهمات البحث الأمني الجديدة ستتوافق مع نقاط القوة والقدرات لدى المستكشفين الحاليين أم إن جيلًا جديدًا منهم سيظهر بدلًا من ذلك.
كما يواجه تجار الابتكار (innovation merchants) تحديات كبيرة؛ فعلى الرغم من أن فكرة توفير الابتكار لـ “سوق للأفكار” تبدو جذابة نظريًّا، فإن تنفيذها بالغ الصعوبة عمليًّا؛ إذ يجب على التجار، من جهة، تحديد أفضل السبل للوصول إلى الأصول التكميلية التي قد تكون ضرورية لتسويق الابتكار. وهناك قضية أخرى تتمثل في أن القوانين التي تحمي حقوق الملكية الفكرية غير واضحة في أفضل الأحوال، ما يجعل من المخاطرة أن يعتمد التجار في دخلهم فقط على تسويق ملكيتهم الفكرية.
أما معماريو الابتكار (innovation architects) فيواجهون مجموعة مختلفة من التحديات في أدوارهم التي تتعلق بتنظيم التقنيات المعقدة وتنسيقها. فعلى الرغم من وفرة الأفكار، فإن هذه الوفرة نفسها قد تجعل من الصعب للغاية إنشاء أنظمة مفيدة. علاوة على ذلك، يجب على مهندسي الابتكار، من خلال استغلال شبكة واسعة من الشركات، تحقيق توازن بين خلق القيمة والحاجة إلى الاستفادة بجزء من تلك القيمة. فشركة بوينغ (Boeing)، على سبيل المثال، قادرة على ذلك من خلال عملها كمجمع للأنظمة في طائراتها. أما مع تقنيات أخرى، فإن الوسائل التي يمكن أن يستفيد بها معماريو الابتكار من أدوارهم ليست واضحة بالقدر نفسه.
ويعتمد عدد من أنماط الابتكار على استمرار تدفق الأفكار والتقنيات المفيدة من الخارج. وعلى الرغم من أن البحث الجامعي اليوم أكثر وفرة وجودة مما كان عليه في السابق، فإن تدفق هذه المعرفة إلى القطاع التجاري يواجه عدة عقبات؛ فمثل هذا البحث يمر حتمًا عبر حواجز الأقسام الأكاديمية، وهذا المسار غالبًا ما يثبط الاختراقات متعددة التخصصات. بالإضافة إلى ذلك، بات يُسمح للجامعات الآن بتسجيل براءات اختراع لاكتشافاتها، ورغم أن هذا التغيير عاد بالنفع على الأساتذة (الذين أصبح بإمكانهم تأسيس مشاريعهم التجارية الخاصة)، فإنه أثقل كاهل الشركات، ولا سيما الصغيرة منها، في الاستفادة من هذا المصدر للابتكار.
يحيا الابتكار المفتوح
في عصرنا الحالي، وفي كثير من الصناعات، بات المنطق الذي يدعم النهج الداخلي المركزي للبحث والتطوير (R&D) من الماضي؛ فقد أصبحت المعرفة المفيدة منتشرة على نطاق واسع، ويجب استغلال الأفكار بسرعة وإلا ضاعت. وتؤدي هذه العوامل إلى نشوء منطق جديد للابتكار المفتوح، يحتضن الأفكار والمعرفة الخارجية جنبًا إلى جنب مع البحث والتطوير الداخلي. ويوفر هذا التغيير طرائق جديدة لخلق القيمة، إلى جانب فرص جديدة للاستفادة بجزء من تلك القيمة.
ومع ذلك، لا بدّ للشركات من القيام بالعمل الشاق والمضني اللازم لتحويل نتائج البحوث الواعدة إلى منتجات وخدمات تلبي احتياجات العملاء. وبشكل خاص، ينبغي أن يتجاوز دور البحث والتطوير (R&D) حدود المؤسسة بكثير؛ إذ يجب على المبتكرين دمج أفكارهم وخبراتهم ومهاراتهم مع أولئك الذين هم خارج المنظمة، من أجل إيصال النتائج إلى السوق بأكثر الوسائل فاعلية ممكنة. وباختصار، فإن الشركات التي تستطيع استثمار الأفكار الخارجية لدفع أعمالها قُدُمًا، وفي الوقت نفسه توظيف أفكارها الداخلية خارج نطاق عملياتها الحالية، سيكون لها على الأرجح الريادة والازدهار في هذا العصر الجديد من الابتكار المفتوح (open innovation).
المراجع
1. The early work on PARC comes from D.K. Smith and R.C. Alexander, “Fumbling the Future: How Xerox Invented, Then Ignored, the First Personal Computer” (New York: William Morrow & Co., 1988). The story was revisited in M. Hiltzik, “Dealers of Lightning” (New York: HarperBusiness, 1999). An alternative perspective — that Xerox managers did not “fumble” these technologies but consciously ushered them out the door — can be found in H. Chesbrough, “Graceful Exits and Foregone Opportunities: Xerox’s Management of Its Technology Spinoff Companies,” Business History Review 76 (winter 2002): 803–838.
2. N. Sakkab, P&G’s senior vice president for R&D for Global Fabric and Home Care, described P&G’s new innovation strategy in an address to the Industrial Research Institute. See N. Sakkab, “Connect & Develop Complements Research & Develop at P&G,” Research Technology Management 45 (March–April 2002): 38–45.
3. H. Chesbrough, interview with Larry Huston, August 5, 2002. Huston, director of external innovation at Procter & Gamble, noted as well that the “Connect & Develop” initiative had strong support from P&G’s board of directors and that there has been a board subcommittee working on the issue.
4. Sakkab, “Connect & Develop,” 38–45.
5. “Too Much Ventured Nothing Gained: VCs Are a Hurting Bunch. New Companies Feel Their Pain,” Fortune, November 25, 2002.
6. For an account of Nokia’s R&D approach to GSM, see M. Häikiö, “Nokia: The Inside Story” (London: Financial Times Prentice Hall, 2002), 120–121 (in particular).
7. M. Sawhney, E. Prandelli and G. Verona, “The Power of Innomediation,” MIT Sloan Management Review 44 (winter 2003): 77–82; and J.D. Wolpert, “Breaking Out of the Innovation Box,” Harvard Business Review 80 (August 2002): 76–83.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




