ترجمة: رانيا الحربي
جوناثان نولز وبي. توم هونسكر وميلاني هيوز
يمكن للقادة تعزيز ثقافة مؤسستهم لتحويل الاستراتيجية إلى سلوكيات بشكل أكثر فاعلية وتعزيز أولويات التغيير.
غالبًا ما تُوصَف الثقافة بأنها “كيف نؤدي الأمور هنا”؛ كانعكاس غير نشط للمعايير والسلوكات الموروثة.
ولكن من الأفضل أن نرى الثقافة كالجهاز العصبي للمؤسسة.
في علم الأحياء، يعمل الجهاز العصبي المركزي كالقناة التي تُحوَّل من خلالها الأفكار في دماغنا إلى أفعال من خلال عضلاتنا، وكيف أن تجربتنا في التصرف تؤثر في تحديث دماغنا لفهم العالم.
أما في المنظمات فهذا يعني عدّ الثقافة كآلية اتصال تنقل من خلالها الشركة استراتيجيتها المقصودة إلى الفرق الميدانية، وفي الوقت نفسه تستقبل الملاحظات والمعلومات من الميدان لتقييم إذا كانت الاستراتيجية تحقق النتائج المطلوبة في السوق.
تُوضِّح هذه الاستعارة المتعلقة بالجهاز العصبي العوامل الكامنة وراء اثنين من أكثر الأسباب شيوعًا للفشل في الأعمال: “كان لدينا استراتيجية متميزة، لكننا فشلنا في تنفيذها”.
وهو فشل في التواصل بين المركز والميدان، أو “قادتنا أحاطوا أنفسهم بأشخاص كانوا يخشون إبلاغهم بحقيقة أداء الأعمال” (وهو فشل في نقل الملاحظات والمعلومات المهمة من الميدان).
كلا المثالين يوضح فشلًا في خلق آلية فعالة لتحويل الأفكار إلى أفعال وإعادتها.
يشمل النهج الاستراتيجي للثقافة بذل جهد نشط لإنشاء البيئة والبنية التحتية التي تدعم تدفق المعلومات الضروري بين الاستراتيجية والتنفيذ، مع عدّهما مكونات مكملة للعمل المدروس.
تتنوع الأدوات المستخدمة في ذلك مثل الاجتماعات العامة، وزيارات مواقع العملاء، والتحليلات بعد فشل العطاءات، واستبانات مشاركة الموظفين، وغيرها من الآليات التي تسهم في تبادل المعلومات المهمة حول ما يعمل وما لا يعمل.
هذه الأدوات تعزز ثقافة الوعي بالبيئة المحيطة والقدرة على التكيف، ما يساعد الأعمال على الأداء بشكل أفضل في الوضع الحالي والتحضير لتحقيق النجاح في المستقبل.
هناك جوانب معينة من الثقافة تُعد مرغوبة بشكل عالمي، في حين توجد جوانب أخرى تكون قيمتها مرتبطة بالسياق.
عندما حلل دونالد سول وشارلز سول 1.4 مليون تقييم من الموظفين على موقع جلاسدور، حدَّدا أربعة عوامل رئيسة تسهم في تكوين ثقافة مؤسسية إيجابية (الاحترام، والقيادة، والتعويضات/المزايا، والأمان الوظيفي).
ولكن عندما يكون التغيير التنظيمي أمرًا بالغ الأهمية، يتطلب ذلك إضافة عوامل متعلقة بالسياق إلى الثقافة بشكل متعمد.
كانت أهمية تكيف الموضوع الأساسي في مقالاتنا السابقة حول الاستراتيجية والابتكار والقيادة، لتوضيح كيف تتطلب أهداف التغيير المختلفة اختيارات متنوعة بشأن الثقافة. سنعتمد على تجارب القيادة في الموارد البشرية لواحدة من المؤلفين (ميلاني هيوز) خلال مسيرتها المهنية. في ثلاث شركات مختلفة، استخدمت استراتيجيات متنوعة أولًا لتحديد الحاجة إلى التغيير، ثم لتحديد خصائص الثقافة الفعّالة التي تساعد في تنفيذ أولويات التغيير هذه.
تحديد أولويات التغيير في المؤسسة
من أهم المسؤوليات التي غالبًا ما تُتَجاهَل في قسم الموارد البشرية تحليل الجوانب الثقافية في الشركة التي تسهم في أدائها الجيد ضمن بيئتها الحالية، وكذلك تلك التي تعيق قدرتها على التصرف بالطريقة أو بالسرعة المطلوبة وفقًا للسياق. الخطوة الأولى في هذه العملية هي تحديد نوع التغيير الذي ينبغي أن تسعى الأعمال أو الوحدة أو الفريق لتحقيقه، وكما شرحنا في مقال “جوهر الاستراتيجية هو كيفية التغيير”، هناك ثلاث طرائق لتحقيق هذا التغيير.
تعزيز الأهمية:
تحسين وتوسيع الإجراءات التي تساهم في زيادة الأهمية للمساهمين الرئيسيين وتمييز الشركة من منافسيها.
إعادة تصور الأنشطة:
تحديث الأساليب والقنوات والأدوات المستخدمة لتنفيذ الاستراتيجية الحالية.
إعادة التفكير في الاتجاه:
تجديد نموذج العمل لتوفير مستويات من الأهمية والتميُّز التي تضمن استدامة الأعمال من الناحية الاقتصادية. استنادًا إلى فهمها لشكل التغيير المطلوب، يمكن لقسم الموارد البشرية تحديد الآليات اللازمة لتحقيق النتائج المستهدفة، بالإضافة إلى تحديد أنسب الأفراد لتولي دور وكلاء التغيير (المكلفين بإدخال عناصر جديدة إلى الثقافة)، وأولئك الذين يمكنهم أداء دور حامل الثقافة (الذين يوضحون كيفية دمج هذه العناصر الجديدة مع العناصر الموروثة من الثقافة التي يُحافَظ عليها).
نستعرض كل نوع من أنواع التغيير والأدوات والإجراءات التي تدعم كل نوع على أفضل وجه، مستفيدين من تجارب هيوز كمديرة إدارية في شركة جيلت جروب ورئيسة الموارد البشرية في شركة تريبيون للإعلام.
نوع التغيير الأول: تعزيز الأهمية
أُسِّست شركة جيلت جروب في نيويورك عام 2007م، وكانت من أوائل الشركات التي قدمت عروض البيع السريع للسلع الفاخرة، شهدت الشركة فترة نمو سريع من 2009م إلى 2012م، عندما كانت هيوز تشغل منصب المديرة الإدارية، حيث توسعت من بيع الملابس النسائية إلى تقديم الملابس الرجالية والسفر، وأطلقت عمليات في اليابان، وجمعت رأس المال بتقييم تجاوز المليار دولار في 2011م، وكانت تخطط بنشاط للاكتتاب العام الأولي.
وبصفة شركة جيلت جروب قائدًا معترفًا في سوق الأزياء، وشريكًا مفضلًا لمصنعي السلع الفاخرة، كانت الأولوية التغييرية هي تعزيز الأهمية -أي توسيع الأنشطة التي جعلت الشركة متميزة وذات صلة- من خلال تكرار نموذج العمل الناجح في فئات جديدة.
كان التحدي الرئيسي يكمن في كيفية دمج التوجه الريادي الذي يركز على النمو في الثقافة الحالية مع تبادل المعرفة والعمليات القابلة للتكرار اللازمة لدعم التوسع في فئات جديدة متعددة وإدارة مراحل تطورها المختلفة.
ومن بين العوامل الأساسية التي ساعدت في تحقيق هذا التغيير كانت الرسائل المعدلة التي قدمها الرئيس التنفيذي في الاجتماعات العامة للشركة، بالإضافة إلى التعديلات على برامج الحوافز للمديرين التنفيذيين والمديرين.
في كلتا الحالتين، تم استبدال التركيز السابق على النمو فقط، التركيز على النمو القابل للتحقيق، وتحقيق الكفاءة، وزيادة الربحية. أصبح الرئيس التنفيذي هو المحرك الرئيس للتغيير؛ فقد ركز على قصص النجاح التي تبرز تقليص التكاليف وتحقيق الكفاءات بدلًا من التركيز فقط على زيادة الإيرادات.
كما عُدِّلت برامج الحوافز، بحيث حُوِّل التركيز من أداء الأعمال الفردية إلى تحقيق توازن بين الإسهامات لصالح “جوليت كوربوريشين” وأداء الأعمال الفردية.
اختير أفراد معينون كحَمَلة للثقافة بسبب إظهارهم بالفعل سلوكات مثل تبادل المعرفة، والإرشاد، والتفويض الفعّال، وهي من الجوانب الرئيسية في الثقافة الجديدة.
مُنح هؤلاء الأفراد مسؤوليات أكبر وترقيات كعلامات واضحة للاعتراف بجهودهم (إلى جانب الزيادات غير المعلنة في التعويضات) لتأكيد السلوكيات التي أصبحت الشركة تقدرها الآن.
النوع الثاني من التغيير: إعادة تصور الأنشطة
في المقابل، كان سياق دور هيوز الأخير كمديرة للموارد البشرية في شركة موديز (2017م إلى 2021م) يتطلب إعادة تصور الأنشطة كنهج مناسب، نظرًا للهدف المتمثل في تجديد الأساليب والأدوات المستخدمة لتنفيذ الاستراتيجية الحالية.
كانت موديز تضم أعمال تصنيف ناجحة لكنها ناضجة، إلى جانب أعمال تحليلية سريعة النمو.
وكان هناك توتر ثقافي متزايد حيث كانت كل منظمة تدافع عن مزايا نهجها في التعامل مع المخاطر، والابتكار، والعملاء، والموارد البشرية.
وفي ضوء إدراكهم لعدم توافق هذه الأساليب التشغيلية، تعاون الرئيس التنفيذي ورؤساء الأقسام مع قيادة الموارد البشرية لتطوير برنامج يهدف إلى تطوير الثقافة المؤسسية، مع إنشاء بنية تحتية وتشغيلية ونظام لإدارة الأداء مصمم خصيصًا لدعم احتياجات “موديز أناليتكس”.
طُوِّرت عدة مبادرات تنظيمية لدعم التغيير، ومن بين هذه المبادرات كان توسيع القيم المؤسسية لتشمل عناصر مثل السرعة والابتكار (التي ترتبط ارتباطًا رئيسًا بأعمال التحليلات)، والاحتفاء بأمثلة لتلك القيم في الاتصالات مع الموظفين وفي مكالمات المستثمرين.
كما أُنشِئت برامج لتطوير القيادة تهدف إلى تدريب المديرين على المهارات الأساسية لكل قطاع من قطاعات الأعمال وتحديد وكلاء التغيير الذين يمكنهم نقل السلوكيات المرغوب فيها إلى كل قطاع.
بالإضافة إلى ذلك، قُدِّمت عملية جديدة لتخطيط المواهب تُسمى “المواهب للقيمة”، التي حددت الأدوار ذات التأثير الاستراتيجي الأكبر في كل قطاع من الأعمال، والمهارات المطلوبة لأداء تلك الأدوار.
وقد أتاح ذلك للقادة فهم أي من المرشحين الداخليين مؤهل فعلًا لتولي الأدوار وأين يجب عليهم البحث عن مواهب خارجية لملء الأدوار الحيوية ودعم الثقافة الجديدة.
أوضح الرئيس التنفيذي بشكل صريح التحول من ثقافة “الترقية من الداخل” السابقة، مؤكدًا فوائد وجود قاعدة موظفين أوسع وأكثر تنوعًا بالنسبة لأداء كلا القطاعين.
شملت هذه الرسائل منشورات على لينكد إن من الرئيس التنفيذي، ما أشار داخليًّا وخارجيًّا إلى ما هو مطلوب للتقدم في موديز الحديثة.
وقد عُزِّزت هذه الرسائل من خلال الدعاية التي أُعطيت للتعيينات الجديدة والترقيات الداخلية، مع التركيز على كيفية تجسيد هؤلاء الموظفين للمهارات والسمات المطلوبة التي حُدِّدت في مبادرة “المواهب للقيمة”.
إعادة تصور هذه الأنشطة دعمت انتقال موديز إلى شركة متعددة الأنشطة، مع ثقافات وهياكل ومجموعات مهارات تتناسب مع كل كيان. نما السهم بنسبة 60% في غضون عامين، ما عكس أداءً قويًّا للأرباح من أعمال تصنيف موديز التقليدية، بالإضافة إلى مضاعف أعلى يُعزى إلى الإمكانات الكبيرة لنمو أعمال التحليلات.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




