في تجمع ما مزدحم بالضيوف، تتناثر الضحكات هنا وهناك. أحدهم يروي قصة عادية جدًا، لكنَّ حماسة الاستقبال توحي بأنها أعظم ما سُمع. في الجوار، تلتقطُ عيناك ابتسامات مُتقنة الصنع، مرسومة بالزاوية نفسها تقريبًا، تشي بأن ثمة اتفاقًا خفيًا بين الحاضرين وقع قبل الدخول. تشارك أنت أيضًا في هذا العرض! تبتسم. تهز رأسك. تطلق تعليقًا مجاملًا. غير أن إحساسًا داخليًّا يراقبك من بعيد، يتتبع كل حركة ويعرف أن المشهد مصطنع في أدق تفاصيله. مع مرور الدقائق، تشعر أن جسدك تحول إلى أداة داخل طقس محفوظ، تحاكي فيه ملامحك انفعالات الآخرين، ويعيد صوتك الصدى ذاته، حتى تغدو جزءًا من مشهد لم تختَره بقدر ما ابتلعك في إيقاعه.
التواطؤ مع الزيف ليس فعلًا لحظيًا يمرّ وينقضي، بل هو حالة متراكمة تتشكل من سلسلة مواقف صغيرة، تتكرر حتى تتحول إلى أسلوب حياة. يبدأ الأمر بابتسامة مجاملة أو تعليق متساهل مع ما تعرف أنه غير صحيح، ثم يتسع ليشمل الصمت حين يلزم الكلام، أو المشاركة في طقوس اجتماعية تعرف أنها بلا معنى وبلا مردود حقيقي. بمرور الوقت، يصبح التظاهر هو القاعدة، وتتحول شجاعة قول الحقيقة إلى فعل يحتاج إلى حسابات خاصة.
في هذه الحالة، لا يكون الزيف مجرد كذب أو مناورة، بل يصبح بيئة مشتركة، ومساحة رمادية يتشاركها الجميع بوعي أو بلا وعي. وهنا، تفقد الكلمات وزنها، وتغدو التصرفات مكررة إلى درجة لا تستوقفنا. وكلما زاد عدد المشاركين، ترسخ الإحساس بأن اللعبة حقيقية، وأن الحفاظ على إيقاعها جزء من مسؤولية الجماعة.
يتغذى التواطؤ على حاجة بدائية إلى الأمان. فالجماعة تمنح دفئًا ومكانًا محفوظًا على الطاولة، وهذا الامتياز يمر عبر بوابة التوافق والامتثال. تقدم اجتماعات العمل في كثير من الأحيان مثالًا دالًا على ذلك: (عرضٌ متعثر لأحدهم صاحب درجة وظيفية أعلى – وجوه متحمسة – رؤوس تهتز بالموافقة). الاعتراض يكلّف رصيدًا اجتماعيًا قد نحتاجه لاحقًا، بينما الموافقة المجاملة تمر بهدوء وتضمن انتهاء اليوم بسلاسة. هكذا يتحول الزيف إلى مادة زلقة في آلة العلاقات؛ تقلّل الاحتكاك، وتترك أثرًا لزجًا يصعب تنظيفه.
في البيت والتجمعات العائلية تتكرر القاعدة بصيغة أخرى: (قصة قديمة يرويها أحدهم – ابتسامات محفوظة – صمت يجنّب الجدال). الكلفة الفورية للصدق العاطفي تبدو عالية: (توتر – ملامح متصلبة – احتمالات قطيعة). لذلك يختار كثيرون البقاء داخل النص المكتوب سلفًا. أما المشهد الرقمي فيضيف طبقة أكثر لمعانًا: (صور مصقولة أو تغريدة بلا قيمة – عبارات احتفائية – إعجابات متبادلة). تصنع هذه العلامات الصغيرة شبكة أمان رمزية، وكل خرق لإيقاعها يُقرأ بوصفه خروجًا على العقد الاجتماعي غير المكتوب.
لم يسلم المجال العلمي أو الثقافي أيضًا من هذا التواطؤ. فكثيرًا ما يتشكل مشهد من المديح المتكرر والعبارات المنمقة المحفوظة التي تُوجَّه إلى أصحاب المكانة العلمية (أو إلى أولئك الذين يصفهم الإعلام بالنخبة)، فيتحول النقاش إلى دائرة من الإطراء المسبق، ويغدو التصفيق للمكانة جزءًا من إيقاع الجماعة. تُكرَّر الكلمات وتُفصَّل الشروح كأنها تضيف قوة إلى الفكرة، بينما ما يحدث في الواقع هو بناء جدار من الطاعة يحجب النقد ويؤجل الاعتراض، رغم تداعي حجة المتكلم وتهافت برهانه. عندها يتخذ البحث عن الحقيقة قناعًا آخر، وتدخل المعرفة في اقتصاد المجاملة، حيث تُوزَّع الأدوار بدقة: صاحب السلطة يُنتَج حوله هالة من الامتثال، والآخرون يتناوبون على تثبيتها، حتى يصبح حضورهم امتدادًا لصورة لا يريد أحد أن يصدعها.
يعمل هذا النمط عبر اقتصاد خفي للمكافآت والعقوبات (مجاملةٌ في التوقيت المناسب تفتح باب تعاون – انحناءة لغوية رشيقة تحفظ منصبًا – تهنئة مبالغ فيها تبقي المقعد دافئًا في دوائر النفوذ). يتعلم العقل بسرعة هذه المعادلة: الحقيقة الصريحة تُربك الاصطفافات، بينما الموافقة تضمن المرور السلس. ومع التكرار تتكوّن عضلة جديدة في الجسد؛ عضلة تُنتج التعبير المناسب عند الطلب: (ضحكة قصيرة – عبارة مألوفة – انفعال محسوب).
تحت السطح تعمل آلية انقسام هادئ. في الخارج ممثلٌ بارع يتقن الدور، وفي الداخل شاهدٌ يعرف التفاصيل. هذا الانقسام يمنح قدرة على الاستمرار داخل اللعبة، ويؤجل الصدام، ويؤمّن الحدّ الأدنى من الاستقرار. غير أن الثمن يتراكم على شكل فقدان بطيء للحساسية. ومع الوقت تتشكل طبقة من الكلل الأخلاقي؛ نعرف أن الأداء ناجح وأن المعنى شحيح، ونمضي مع ذلك لأن النظام الاجتماعي يكافئ الأداء لا المعنى.
حتى آليات التقييم الحديثة تعزّز هذا المسار (المقاييس الكمية في المؤسسات، ومؤشرات التفاعل في المنصات، وأرقام الحضور والانتشار…)، كلّها تُشجع السلوك القابل للقياس، وتترك الصدق في منطقة لا أرقام لها. والنتيجة شعور عام بـ«توافق» يتكاثر بالعدوى. من يراقب المشهد من بعيد يظن أن الكل مقتنع، بينما الواقع شبكة من التنازلات الصغيرة التي تراكمت حتى بدت حقيقة.
في قلب هذا الاقتصاد الخفي، يمكن استدعاء تصور إرفنغ غوفمان عن «المسرح الاجتماعي»، حيث يقف كل فرد على خشبته الصغيرة، مقدِّمًا نفسه أمام الآخرين مثله مثل الممثل يؤدي دورًا مكتوبًا بعناية. ما يبدو عفويًا في الوجوه والحركات ليس سوى جزء من «إدارة الانطباع» التي تُبقي المشهد متماسكًا. الابتسامة في لحظة حرجة، أو الإيماءة المطمئنة في مجلس رسمي، ليست فعلًا بريئًا بل هي ديكور مسرحي يُستخدم لضبط صورة الذات بما يتوافق مع توقعات الجمهور. على هذا النحو، تتحول المجاملة إلى ستارة سميكة تحجب الفاصل بين الداخل والخارج: تتوارى الذات الحقيقية خلف الدور، فيما تتسع المسافة بين ما نعيشه وما نظهره. وكلما طال العرض، كلما ازداد التصاق الدور بالوجه، حتى يكاد الممثل ينسى أنه يرتدي قناعًا، ويغدو القناع نفسه هويةً مُعترفًا بها داخل الجماعة.
ينساب التواطؤ مع الزيف في صمتٍ ويتراكم مع الوقت في شكل ابتسامات مصنوعة وكلمات تقال دون يقين، حتى يتحول العالم إلى ساحة للظهور والاستعراض، تغدو فيه الصور أثقل من الأشياء، والعلامات أكثر رسوخًا من الواقع الفعلي. ومع كل لحظة انسجام مزيّف يتراجع حضور الحقيقة ويزداد رسوخ الوهم، حيث الطمأنينة التي تمنحها الجماعة تغطي على القلق الذي تفتحه المواجهة الصريحة. هنا ينشأ واقع موازٍ، محكم الصنعة لكنه هشّ في جوهره، شبيه بعالم المحاكاة الذي تحدّث عنه بودريار، عالم يبدو متماسكًا أكثر من الأصل، بينما الأصل يذبل في الظل.
لكن التواطؤ ليس نتاج سوء نية دائمًا؛ في كثير من الحالات هو تقنية للنجاة وسط بيئات تفضّل الشكل المستقر على المحتوى الحي. هذه التقنية تضمن الهدوء السريع، وتؤّجل العواصف، وتمنح الجسد فرصة لالتقاط أنفاسه داخل منظومات مرهقة. غير أن التأجيل المتكرر ينحت فراغًا في الداخل؛ ما يبقى بعد طول استخدام هو ممر طويل مصقول، تُعاد فيه الخطوات ذاتها يومًا بعد يوم دون أن يُفضي إلى أفق جديد.
وحين يترسخ التواطؤ، يصبح كسر الإيقاع أصعب من الانخراط فيه. فالتظاهر يوفّر سلامًا مؤقتًا، ويمنح العلاقات غطاء من الاستقرار، حتى لو كان هشًّا. ومع الوقت، تتضاءل الرغبة في اختبار بدائل حقيقية، لأن الزيف صار مألوفًا، والمألوف أكثر أمانًا من المجهول. وهكذا نمضي في اللعبة حفاظًا على توازنٍ تعوّدنا عليه، مهما كان هشًّا.
قد يبدو هذا الغطاء ضروريًا ومبررًا أحيانًا، لكنه مع التراكم يصبح سجنًا شفافًا، نرى من خلاله الحياة، دون أن نلمسها حقًا. لا ضجيج في الخارج، ولا انكشاف في الداخل، فقط طبقة رقيقة من الزيف تمتد فوق كل شيء، شفافة بما يكفي لأن نرى من خلالها، سميكة بما يكفي لتفصلنا عما نراه.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




