ترجمة: أحلام الغامدي
هل تشعر بأنك متوقف عن التقدم في مسيرتك المهنية؟ قد يبدو الانتقال إلى وظيفة مماثلة في المستوى نفسه مخاطرة، لكنه في بعض الأحيان يكون الخيار الأمثل لتطوير مهارات جديدة واكتساب خبرات متنوعة.
بريان إليوت
أدى بطء الترقيات وتراجع فرص العمل إلى شعور الكثيرين بأنهم عالقون في وظائفهم الحالية، وقد يكون الحل الأمثل هو الانتقال إلى دور جديد داخل الشركة نفسها، فهذا الخيار يمكن أن يسهم في التطور المهني والحفاظ على الدافعية وزيادة التواصل بين مختلف الأقسام.
الصحفية باتي سيلرز هي صاحبة عبارة “المهن هي صالة ألعاب رياضية وليست سلمًا”، على الرغم من شهرة نسبة هذه العبارة إلى شيريل ساندبرج وهي الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة ميتا، نظرًا لذكرها للعبارة في كتابها(Lean In) ، إن التحرك الوظيفي الأفقي أو حتى الرأسي قد يكون مفيدًا على المدى الطويل، خاصةً إذا كان الشخص يتمتع بالنظرة الإيجابية والتوجه الصحيح، وهذا الأمر يفيد صاحب العمل أيضًا.
شهدت مسيرتي المهنية تنقلات أفقية، وتراجعًا في بعض الأحيان من حيث المناصب والسلطات، وكان هدفي الأساسي وراء هذه التنقلات هو التطوير الذاتي واكتساب مهارات جديدة، إيمانًا مني بأهمية التعلم المستمر لتحقيق الأهداف المهنية الطموحة على المدى البعيد، وكما أنني حرصت على تقديم النصائح لمن يفكرون في اتخاذ خطوات مماثلة في مساراتهم المهنية.
ما هي العلامات الدالة على الحاجة إلى الانتقال الوظيفي الأفقي؟ وكيف يمكن التغلب على المفاهيم التقليدية حول التقدم الوظيفي؟ تسعى هذه المقالة للإجابة عن هذين السؤالين الرئيسيين: متى يكون الانتقال الأفقي هو الخيار الأمثل؟ وما هي الفوائد التي تعود على الشركة من دعمها للتنقل الوظيفي الداخلي؟
البحث عن الفرص حولك لا يعني دائمًا البحث عن فرص خارجية
توقف الزخم القوي الذي شهدناه في سوق العمل الأمريكية بعد جائحة كورونا، واستقرت الأوضاع بشكل أكبر. هذا الاستقرار وإن كان إيجابيًّا بشكل عام، إلا أنه قد يجعل عملية الانتقال بين الوظائف أكثر صعوبة بالنسبة للباحثين عن عمل.
تجاوز معدل البطالة حاجز 4% للمرة الأولى منذ عام 2021م، وعادت فرص العمل المتاحة لكل باحث عن عمل إلى مستويات ما قبل الجائحة، 1.2 فرصة عمل لكل شخص، مقارنة بأكثر من 2 لكل شخص في عام 2022م. ومع ذلك، ورغم انخفاض معدلات التسريح، يبدو أن فرص الترقية قد تراجعت ويبدو أن الجميع يفضلون التمسك بوظائفهم الحالية.
يجد الكثيرون أنفسهم عالقين في روتين يومي ممل، حيث يبدؤون يوم العمل آليًّا وينتقلون من مهمة إلى أخرى دون حماس متسائلين عما إذا كان حان الوقت للبحث عن وظيفة أخرى، ويشعر معظم الموظفين (51%) بالإرهاق في نهاية اليوم، و(44%) يشعرون بالإرهاق في العمل، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الشعور بالملل والرتابة في العمل. ففي ظل الضغوط المتزايدة لإنجاز المزيد بموارد أقل، يصبح تكرار المهام المملة نفسها عبئًا ثقيلًا على الموظفين.
تتضافر هذه العوامل جميعها لجعل التحول الوظيفي الأفقي خيارًا جذابًا للكثيرين، ومع ذلك، فإن مثل هذه التحولات تحمل مخاطرها الخاصة وقد لا تؤتي ثمارها دائمًا. لذا، كيف يمكن للمرء أن يقرر ما إذا كان حان الوقت للتخلي عن فكرة التقدم الوظيفي التقليدي والبحث عن بدائل على المستوى نفسه؟
قد تكون هناك فرص داخل مؤسستك للانتقال إلى دور أفضل.
أحيانًا يتضح أنه قد حان الوقت للبحث عن فرص وظيفية جديدة ضمن المجال نفسه، وقد يكون ذلك بسبب ركودك المهني أو عدم رضاك عن الإدارة أو الفريق، رغم رغبتك في الاستمرار في المجال الوظيفي نفسه، وفي مثل هذه الحالات يصبح البحث عن فرص للتنقل الداخلي هو الخيار الأمثل.
خلال فترة عملي في شركة (Google) كمدير عام مشرف على الهندسة والمنتجات والعمليات، لاحظت أن التنقل الوظيفي للمهندسين كان أمرًا شائعًا للغاية. فالشركة كانت تشجع بشكل كبير على ترقية الموظفين من الداخل بدلًا من استقطاب موظفين جدد من الخارج، وكان للمهندسين قدر كبير من الحرية في اختيار مسارهم المهني، وكانوا قادرين على الانتقال بين الفرق والمنتجات المختلفة لتطوير مهاراتهم واكتساب خبرات جديدة، وهذا الأمر أسهم في زيادة ولاء الموظفين وتعزيز ثقافة الابتكار داخل الشركة.
في مقال بصحيفة وول ستريت جورنال، استعرض الكاتب شيب كاتر مثالًا لشركة (Synchrony)، حيث تتاح للموظفين إمكانية التبديل بين الوظائف لمدة تصل إلى عام. ووفقًا لدي جي كاستو، كبير مسؤولي الموارد البشرية بالشركة، فإن الموظفين يرغبون في تجربة أشياء جديدة والعمل بما يتناسب مع اهتماماتهم وقدراتهم.
لا تسمح العديد من الشركات لموظفيها بالانتقال بين الأدوار بسهولة كما تفعل شركات (Synchrony) أو (Google)، وذلك لافتقارها إلى بيئة عمل تشجع على مثل هذه التحركات، فالأنظمة المستخدمة لقياس الأداء وتحديد المكافآت غالبًا ما تكون مصممة لدعم التقدم الوظيفي التقليدي، بالإضافة إلى مقاومة المديرين لهذه التحركات لرغبتهم في الاحتفاظ بالموظفين المتميزين ضمن فرقهم، ومع ذلك حتى في هذه الشركات قد توجد فرص للانتقال الأفقي إذا بذل الموظف الجهد في البحث عنها وبناء علاقات مهنية خارج نطاق فريقه الحالي.
لا تخف من الفرص الوظيفية الصغرى
إذا كنت لا تزال تجد وظيفتك مثيرة للاهتمام، فقد يكون من الأفضل استكشاف فرص النمو الوظيفي داخل المجال نفسه. هذا الأمر ينطبق بشكل خاص على المهن التي تتطلب خبرات ومهارات تقنية متخصصة، مثل التصميم والهندسة والتمويل.
تعد فرص التعرف إلى جوانب مختلفة من العمل والمشاركة في مشاريع جديدة من أهم الدوافع وراء تغيير الفرق الوظيفية، فبالإضافة إلى تطوير المهارات الشخصية، قد تسهم هذه الخطوة في إيجاد بيئة عمل أكثر ملاءمة من خلال العمل مع رئيس أو فريق يتمتعون بأسلوب قيادي أو تعاوني يتناسب مع تطلعاتك، كما أن الانتقال إلى وحدة عمل أكثر استقرارًا يمثل ميزة إضافية تجعل عملية التغيير أكثر راحة مقارنة بتغيير الوظيفة بشكل كامل.
تُسهم هذه التحركات في تحقيق مكاسب طويلة الأجل؛ فهي توسع دائرة معارفك وتعيدك إلى بيئة التعلم المستمر، كما أن زيادة الطاقة الإنتاجية في العمل تفيدك وتفيد صاحب العمل على حد سواء. فالجمع بين الانتقالات الوظيفية الداخلية وفرص التعلم الخارجية، مثل الدورات التدريبية، والدروس الخصوصية، والمشاركة في الفعاليات، وبناء العلاقات المهنية، يساعدك على تجديد نشاطك والمحافظة على مسار مهني مثير للاهتمام.
إن الانتقال المهني الجذري إلى مجال عمل جديد تمامًا يمثل تحديًا كبيرًا لكن ليس مستحيلًا، خاصة عندما تكون الشبكة المهنية ضعيفة ومجموعة المهارات غير متطورة، رغم أن هذه التحولات قد تؤتي ثمارها على المدى البعيد فإنها غالبًا ما تتطلب التنازل عن بعض الميزات الوظيفية الحالية كالانخفاض في الراتب أو المستوى الوظيفي، وقد يكون تحمل هذه التضحيات صعبًا، خصوصًا في بيئة عمل تركز على المسميات الوظيفية والمزايا المادية.
انتقلت بين عدة وظائف طوال مسيرتي المهنية وكانت التنقلات بمنزلة مجازفة غير مضمونة؛ فقدتُ بعض الامتيازات التقليدية ووجدت نفسي في أدوار كنت قليل الخبرة فيها، لكنني كنت أبحث عن تجارب جديدة معتقدًا أنها ستسهم في تطوري كقائد. ومع كل انتقال أصبح الأمر أسهل وتخلصت تدريجيًّا من الاعتماد على المؤشرات المؤسسية، وازدادت ثقتي في قراراتي.
إن التنقل الداخلي يمكن أن يكون ذا فائدة لجميع الأطراف
تُعد قصة شركة (Allstate) في مجال التنقل الوظيفي الداخلي من أبرز القصص التي تلهم، فمن خلال تحويل تركيز مسؤولي التوظيف من الخارج إلى الداخل، تمكنت الشركة من زيادة نسبة التوظيف الداخلي من 45% إلى 60%. بدأت هذه الجهود بحوارات بسيطة بين الموظفين ومسؤولي التوظيف أثناء فترات الاستراحة، فكما يقول بوب توهي مدير الموارد البشرية، في مقابلة مع وول ستريت جورنال: “عندما يتصل بك مسؤول توظيف، تشعر داخليًّا بالقلق من أنك قد تفقد وظيفتك”.
خصصت شركات كبرى مثل (PepsiCo) استثمارات ضخمة لتطوير مهارات موظفيها وذلك بهدف دعم نموهم المهني والاحتفاظ بهم. ويعتمد برنامج (myDevelopment) الذي طورته الشركة على تحديد المهارات المطلوبة لكل وظيفة وتحديد احتياجات الموظفين الفردية، ما يتيح لهم التقدم لمشاريع خاصة أو مهام قصيرة الأجل تستمر لمدة 90 يومًا، وذلك لاكتساب خبرات جديدة في مجالات مختلفة.
لماذا من مصلحة الشركة دعم قدرة الأشخاص على التنقل؟ دعم قدرة الموظفين على التنقل الوظيفي داخل الشركة يصب في مصلحتها بشكل مباشر، فمن المعروف أن الموظفين الذين يحظون بفرص التطوير والتقدم المهني هم أكثر حماسًا وإنتاجية وولاءً للشركة، كما أن مثل هذه الممارسات تسهم في تعزيز الاحتفاظ بالمواهب وتبادل المعرفة وتحفيز الابتكار، صحيح أن تطوير برامج التنقل الداخلي قد يتطلب بعض الجهد والاستثمار، إلا أن عائداتها على المدى الطويل تفوق التكلفة بكثير.
إلى جانب الفوائد الملموسة، يمكن أن يسهم الاستثمار في برامج التنقل الداخلي في تحقيق مجموعة من النتائج الإيجابية الأخرى التي يصعب قياسها بدقة، ومن أبرز هذه النتائج: تقليل الإرهاق الوظيفي، والحفاظ على مستوى الإنتاجية، وتقليل تكاليف تدريب الموظفين الجدد، وتعزيز ولاء الموظفين وارتباطهم بالمنظمة، وذلك من خلال إظهار حرص المنظمة على الاستثمار في مستقبلهم المهني.
يعد التنوع الوظيفي والتجربة المتنوعة ضمن فرق العمل من العوامل الرئيسة التي تحفز الابتكار على المدى الطويل، وإن تطوير قادة يتمتعون بخبرة واسعة في مختلف الوظائف والأقسام داخل الشركة يؤتي ثماره، حيث تبحث الشركات عن مثل هؤلاء القادة لتولي المناصب القيادية العليا. يحظى المرشحون الداخليون فهمًا للشركة من مختلف جوانبها، وهم الأفضل تأهيلًا لتولي هذه الأدوار مقارنة بمرشحين من خارج الشركة.
يمكن للآخرين مساعدتك ودعمك
انتقلت ثلاث مرات على الأقل خلال مسيرتي المهنية، وقد أسهم ذلك بشكل كبير في تسريع وتيرة تعلّمي وتحقيق أهدافي المستقبلية، ورغم المخاطرات التي تحملتها، فإن نجاحي كان مرتبطًا إلى حد كبير باختياري للقادة الذين يدعمونني في الانتقالات المهنية. فعند انضمامي إلى شركة (Google) حرصت على بناء علاقات قوية مع قادة آخرين مثل سمير سامات نائب رئيس إدارة المنتجات آنذاك، والذي وعد بدعمي في الانتقال إلى دور قيادي في مجال المنتجات شريطة أن أثبت نفسي خلال عامين.
حظيت باحترام وتقدير عدد كبير من المديرين التنفيذيين في (Slack)، ومن بينهم مديرة تامار يهوشوا، التي كانت تشغل منصب كبير مسؤولي المنتجات. وقد لاقى اقتراحي بإنشاء مركز أبحاث (منتدى المستقبل) تأييدها، على الرغم من أن هذا المشروع لم يكن ضمن نطاق مهامها المباشر. وقد تطلب الأمر موافقة الرئيس التنفيذي آنذاك ستيوارت باترفيلد، ودعم مستشارنا القانوني ديفيد شيلهاس. وقد تمكنت من بناء علاقة ثقة قوية مع ديفيد على مر السنين، وهذه الثقة المتبادلة كانت حاسمة في تمكيني من تشكيل فريق صغير للعمل على هذا المشروع الجديد والمجازف.
عند الرغبة في الانتقال إلى دور جديد، يعد البحث عن الحلفاء خطوة جيدة. هؤلاء الأشخاص يمكنهم تزويدك بمعلومات قيمة حول الوظائف أو الفرق التي تتناسب مع مهاراتك واهتماماتك، كما يمكنهم مساعدتك في فهم كيفية تحقيق النجاح في الدور الجديد. فوجود داعم يلتزم بدعمك خلال هذه الفترة الانتقالية يقلل من المخاطر والضغوط المصاحبة للتغيير.
يجب على القادة أن يشجعوا الموظفين على فهم أهمية التطوير المهني الشامل، حتى لو لم ينعكس ذلك بشكل مباشر على رواتبهم في الوقت الحالي. كما يقول توهي من شركة (Allstate): “علينا أن نتجاوز مبدأ التركيز على التقدم الوظيفي التقليدي، وأن ننتقل إلى طرح أسئلة مثل: كيف يمكنني تطوير نفسي؟ وكيف يمكنني المساهمة بشكل أكبر في نجاح الشركة؟”.
تسهم التنقلات الأفقية في تطوير موظفين أكثر ولاءً وتفانيًا، كما تسهم في بناء قادة المستقبل. أما بالنسبة للأفراد، فإن التنقلات الأفقية تمثل استثمارًا في بناء مسيرة مهنية أكثر نجاحًا وإرضاءً. فإذا كنت تشعر بأنك وصلت إلى طريق مسدود في مسيرتك الحالية، فقد حان الوقت لإحداث تغيير.
عن المؤلف
بريان إليوت مستشار تنفيذي ومتحدث، وهو مؤلف مشارك لـHow the Future Works: Leading Flexible Teams to Do the Best Work of Their Lives (Wiley, 2022).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




