وكأن وجوده كان مجرّد انحناءة خفيفة في نسيج الزمن، ما لبثت أن استقامت.
ثمّة لحظة، لا تأتي في الغالب مبكّرًًا، نكفّ فيها عن التفكير بالحياة بوصفها امتدادًا زمنيًا لا ينتهي، ونتّجه بدلًا من ذلك إلى رؤيتها عبورًا. تلك اللحظة لا تكون إعلانًا دراميًّا عن الاقتراب من الموت، ولا نتيجة حتمية لصدمات أو خسارات، وإنما وميضًا داخليًا خافتًا، تنكسر فيه الفكرة القديمة عن الذات كما لو كانت واجهة زجاجية هشة. عندها نعيد النظر في كل ما ظننّاه ثابتًا: العلاقات، والأدوار، والإنجازات، والتطلعات، والخطط المديدة الطموحة التي لا تعرف سقفًا. فجأة تفقد هذه الأشياء وزنها السابق، ربما لأننا أخطأنا حينما تعاملنا معها كما لو كانت وجودًا راسخًا، بينما هي لم تكن يومًا مصمَّمة لذلك.
الوعي بالعبور لا يحطّ من شأن الحياة، بل يعيدها إلى حجمها الطبيعي. هو وعي لا يزرع قلقًا في الوجود، ولا يحول كل لحظة إلى مشروع وداع، بل ينزع عنه وهْمَ الامتلاك والسيطرة. حين ننتبه إلى أننا لا نملك الأشياء، بل نمرّ عبرها، تتحوّل العلاقات إلى لقاءات، لا إلى عقود دائمة، وتصبح الإنجازات محطاتٍ في درب المعنى، لا حصونًا مشيّدة حول الذات. يتراجع الإلحاح القديم على البقاء في الذاكرة، أو في التاريخ، أو حتى في أعين الآخرين، وتُزاح الستارة عن جمال جديد: ذاك الذي لا يُبصر إلا حين نتحرّر من التعلّق بالأشياء، كأننا مخلدون أو كأنها.
في زمنٍ صار فيه كل شيء مؤطّرًا بصورة، وكل لحظة موثّقة كما لو كنّا نخاف ضياعها، يصبح التحرّر من هوس الأرشفة فعلًا وجوديًّا بامتياز؛ لأنّ ما يُعاش حقًا لا يحتاج إلى برهان. أما أولئك الذين لا يكفون عن الإمساك بتلابيب الأشياء، فيكدّسون صورًا ولقطات، ويوثّقون وجوههم وكلماتهم وضحكاتهم وأمسياتهم وحتى صمتهم. لكنهم بذلك يغيبون عن اللحظة التي يعيشونها، وكأنهم يُرجئون العيش إلى حين يُشاهَد لاحقًا. وهكذا تتحوّل الحياة إلى عرض مؤجَّل، لا إلى حياة معاشة.
أما الذين يتخفّفون، فلا يفعلون ذلك زهدًا، ولا يغادرون الوجود انسحابًا، بل يمكثون فيه بيقظةٍ صافية. لا يطلبون الاختفاء، بل ينشدون حضورًا نقيًّا لا يستند إلى جمهور، ولا يتوق لتصفيق. لا يعنيهم سوى أن يكونوا، بكاملهم، في مكان لا يُعاد، وزمن لا يتكرّر، وشعور لا يُختصر أو يُؤطَّر.
الوجود المتخفّف لا يحتاج إلى الاستمرارية كي يكون صادقًا. هو اعتراف مسبق بمحدودية التجربة ورهانيتها. في هذا الأفق، يغدو الغياب جزءًا من الحضور، ويصير النقص شرطًا من شروط الجمال. فمن يدرك هشاشته لا يُبتلى بالخوف، بل يتّسع صدره لاحتمال الآخر. يعرف أن المحبة قد تفتر، وأن الفهم قد يسوء، وأن المساندة قد تنقلب إلى غياب. لا يرى كل ذلك خيانة، بل يراه تجلّيًا لطبيعة العبور المتحوّلة.
ليس الهدف من التخفّف أن نعيش بلا أثر، بل أن نترك أثرًا لا يُثقل أحدًا، لا يعلّق الناس بأعناقنا، ولا يفرض علينا إعادة إنتاج أنفسنا كلّ صباح بالطريقة نفسها. فكلّ استعراض للذات وكل خضوع لمنطق الترويج هو ضرب من التعلق الزائد بالحياة، وكلّ دفاع عن الذات ومحاولة تبريرها هو شكل من أشكال إنكار النقص الملازم لطبيعتها. أما من يعيش وهو يدرك أنّه عابر، فهو أقلّ حاجة إلى الدفاع عن نفسه أو تبريرها لأحد، وأكثر استعدادًا لقبول التغير واستيعابه، لأنّه يعي أن ذاته ليست شيئًا جامدًا عليه أن يحميه، بل مجرى متجدّد يفيض ويخبو، ويصفو ويضطرب، دون أن يفقد جوهره.
لهذا فإن الحياة، حين تُعاش بهذه الطريقة، تصبح أكثر يسرًا وصدقًا، وأقلّ صخبًا، وأيضًا أشدّ حضورًا. لا يعني ذلك أنها بلا ألم، لكن الألم يمكن أن يفهم على أنه جزء من طبيعة الحياة التي يتوجب اختبارها. لا نعدّ الألم عدُوًّا، بل ضيفًا عابرًا له ما يكشف، وله ما يعلّم.
في الوجود المتخفّف، لا نحمل العالم على ظهورنا، بل نلمسه براحة اليد، ولا نأخذ على عاتقنا محاولة إقناعه دائمًا بأننا هنا، بل نصغي لما يقوله لنا وهو يمرّ. أخيرًا، أن تحيا بلا صخب، هو أن تمنح العالم هدية لا يعرف كيف يردّها: أن تمرّ فيه.. دون أن تثقله.
…………………………………………..
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر الكاتب فقط.




