غايل كورنوال
صادف غوردون فليت مصطلح “الأهمية” وهو طالب دراسات عُليا في قسم علم النفس، وبينما كان جالسًا في مكتبه عام 1987م يتصفح كتابًا دراسيًّا، قال: “كنت أعلم فورًا ما الأهمية”.
تذكَّر زيارته لجدته في الصيف وهو طفل، ورحلاته حينها إلى مصنع العزل، إذ كانت جدته تدير فيه الكافيتيريا، وقد كانت تستمع إلى كل كلمة يقولها، وكان زملاؤها يعاملونه كأنه من العائلة المالكة؛ عند تذكُّره لهذه التجربة، كان بإمكانه أن يتذوق طعم الجيلي وحليب الشوكولاتة تقريبًا.
بعد بضع سنوات، اقترب المفهوم أكثر إلى منزله، فقد كان يكافح للعثور على موضوعات بحث لرسالته للماجستير، وكان الذُّعر يتصاعد، وكانت والدته التي تعيش في منطقة قريبة منه، تواجه أيضًا لحظة صعبة؛ إذ كان زواجها يتفكك.
قررت ماري فليت مساعَدة ابنها، وقد أصبحت معروفة في مجتمعها بـ”السيدة التي على الدراجة”؛ إذ كانت تتنقل إلى ملاعب البيسبول وكرة القدم لتجنيد المشاركين الشباب من أجل دراسته.
قال الدكتور فليت الذي نشر الورقة الناتجة في مجلة مرموقة: “لقد حصلتْ على الدفعة التي كانت تحتاج إليها من حيث الأهمية، وذلك من خلال تشكيل دور جديد ذي معنًى”، “كما حصلتُ على تذكير بقيمتي في وقت كنت بحاجة إليه”.
الدكتور فليت الذي أصبح الآن أستاذًا في جامعة يورك ومؤلف كتاب “علم نفس الأهمية”، هو واحد من أبرز الخبراء في هذا الموضوع على مستوى العالم، ويتفق هو وخبراء آخرون على أن الشعور بالأهمية ضروري للتقدم البشري، وعلى الرغم من أن بعض العوامل خارجة عن سيطرتنا، فإن ثمة خطوات، كبيرة وصغيرة، يمكن للجميع اتخاذها لتعزيز ذلك.
ماذا تعني الأهمية؟
الأهمية هي: “حاجة إنسانية أساسية وعالمية”، ومكون ضروري للرفاهية، كما قال الدكتور فليت، لكنه أضاف أنه من الصعب تعريفها؛ لأن الناس في بعض الأحيان يخلطون بينها وبين الانتماء، وتقدير الذات، والاتصال الاجتماعي.
تشمل الأهمية “أكثر من مجرد الشعور بأنك تنتمي إلى مجموعة ما”، كما أوضح؛ إنها أيضًا تعني “افتقادك من قِبَل الأشخاص في تلك المجموعة إذا لم تكن موجودًا”، وعندما يتعلق الأمر بتقدير الذات، يمكنك أن تحب نفسك وتشعر بالقدرة، كما قال الدكتور فليت، لكن “لن تكون شخصًا سعيدًا إذا لم يلاحظك أحد عندما تدخل غرفة”.
لكي يشعر الناس بأنهم مهمُّون، يجب أن يشعروا بقيمتهم؛ أن يُستمع إليهم ويُقدَّروا ويهتم بهم الآخرون، ويجب أن يشعروا بأنهم يضيفون قيمة بطرائق تجعلهم يشعرون بالقدرة والأهمية والثقة، كما قال إسحاق بريللتنسكي، الأستاذ في جامعة ميامي والمؤلف المشارك لكتاب “كيف تكون للأشخاص قيمة: لماذا يؤثر ذلك على الصحة والسعادة والحب والعمل والمجتمع” ، إنه تعريف ذو جزأين: الشعور بالقيمة، وإضافة القيمة.
تشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يشعرون بأنهم مهمُّون يلقَون مزيدًا من التعاطف الذاتي، والرضا في العلاقات، وزيادة الإيمان بقدرتهم على تحقيق أهدافهم، في حين يرتبط نقص الأهمية بالإرهاق، والنقد الذاتي، والقلق، والاكتئاب، والعدوانية، وزيادة خطر الانتحار.
كيف تعرف أين تقع على المقياس؟ ينصحك الدكتور بريللتنسكي بالبدء بطرح بعض الأسئلة على نفسك: هل تشعر بقيمتك في علاقاتك؟ في العمل (سواء أكان مدفوعًا أم غير مدفوع)؟ في مجتمعك؟ هل تشعر بأنك مهم لنفسك، وتمتلك شعورًا بأنك تستحق بصرف النظر عما تحققه أو كيف تبدو؟
ثم اسأل عما إذا كنت تضيف قيمة في كلٍّ من تلك المجالات الأربعة: هل تشعر بأنك شريك أو صديق جيد؟ هل تشعر بالكفاءة في العمل؟ هل يعتمد عليك أولئك الذين هم خارج دائرتك المباشرة في أي شيء؟ هل العناية الذاتية واقع أم حلم بعيد المنال؟
يتمثل المفتاح، كما قال الدكتور بريللتنسكي، في السعي لتحقيق شعور بالتوازن عبر كلا جزأي التعريف ومجالات حياتك جميعها، (فكِّر، على سبيل المثال، في الشخص المدمن على العمل الذي لا يمكن الاستغناء عنه في المكتب، لكنه لا يستثمر وقتًا كافيًا في المنزل ليشعر بقيمته هناك)، ويمكن أن تساعدك هذه الأسئلة على ملاحظة أين تحتاج إلى إجراء تغييرات.
كيفية زيادة شعورك بالأهمية
مهما كانت ظروفك، “الأهمية قابلة للتشكيل”، كما قال الدكتور فليت، لا يمكننا تغيير كيفية تربيتنا أو ما إذا كنا قد تعرضنا للتمييز أو التهميش أو المعاملة غير العادلة، وذلك كلّه يمكن أن يؤثر على نَحوٍ كبير في شعورنا بالأهمية، لكن ثمة خطوات يمكن أن تغيِّر كيف ندرك قيمتنا.
حدِّد نقاط قوتك، وفكِّر في وقت شعرت فيه بالفائدة، كما قال الدكتور بريللتنسكي، أو حدِّد المجالات التي تضيف فيها قيمة بالفعل، واكتشِف كيف يمكنك رفع المستوى.
بينما يمكن أن يكون الناس جيدين في كثير من الأشياء، فإن نقاط القوة الحقيقية هي الأشياء التي نحن جيدون فيها، والتي نختار القيام بها، والتي تجعلنا نشعر بالرضا في أثناء القيام بها، كما قالت ليا ووترز أستاذة علم النفس الإيجابي في جامعة ملبورن ومؤلفة كتاب “تحويل القوة”، وإذا لم تكن هذه المكونات الثلاثة جميعها موجودة، كما قالت الدكتورة ووترز، فإنها ليست نقاط قوة وفقًا لتعريف علماء النفس الإيجابيين.
لنقل إنك رائع في جداول البيانات، والتواصل الاجتماعي، والتخطيط للفعاليات؛ ترشحك جمعية أولياء الأمور بصفتك مسؤولًا عن جمع التبرعات، لكن إدارة مزاد تبدو ممتعة بوصفه إجراء عملية جذرية، فهذا ليس دورًا يتناسب مع نقاط قوتك، كما قالت الدكتورة ووترز، لكن إذا حضرت مبكرًا إلى كل اجتماع لأنك تستمتع بالدردشة مع أولياء الأمور الآخرين؛ فمن المحتمل أن تجعلك قيادة لجنة الترحيب تشعر بأنك تضيف قيمة.
قيِّم حياتك المهنية؛ فقد ارتبط الشعور بالأهمية في العمل بانخفاض التغيب، وزيادة الاستعداد لمشاركة الأفكار، وزيادة انخراط الموظفين، وعلاقات أفضل بين الموظف والمدير، كما قال الدكتور بريللتنسكي؛ لذا من المفيد معرفة أي جوانب من عملك تجعلك تشعر بالقدرة والسيطرة. وقد تقسِّم محامية شابة، على سبيل المثال، وقتها بين صياغة المذكرات القانونية -وهي مهمة مثيرة تساعدها على الإبداع- والحصول على الشهادات، وهو ما يجعلها تشعر بالتعب والارتباك، ومع هذه المعلومات، قد تطلب كثيرًا من الفرص لصياغة المذكرات لزيادة الشعور بأنها تضيف قيمة.
لكن لا تنسَ أن تستجوب كيف تُقدَّر أيضًا؛ فهل تُعامل بعدل؟ وهل يُقدِّر زملاؤك في العمل وجهة نظرك؟ وهل أُخذ طلبك للترقية على محمل الجد؟ هذه الأسئلة يمكن أن تساعدك على تقييم ما إذا كنت مُقدَّرًا في مكان العمل أم لا، لكن الأهم من ذلك، أنها يمكن أن تحدد ما إذا كنت تشعر بهذا التقدير أم لا.
إذا كان العمل غير مُجزٍ، يمكنك محاولة تشجيع التغييرات أو التفكير في المغادرة؛ إذ إن التحول المهني هو اضطراب كبير، وليس متاحًا للجميع، كما قال الدكتور بريللتنسكي، لكن الشعور المطول بعدم التقدير يمكن أن يؤدي إلى الإرهاق والاكتئاب وعدم الفاعلية.
عدِّل علاقاتك، ففي كتاب “كيف تكون للأشخاص قيمة: لماذا يؤثر ذلك على الصحة والسعادة والحب والعمل والمجتمع” ، يوصي الدكتور بريللتنسكي وزوجته المؤلفة المشاركة، أورا بريللتنسكي، بإخبار الناس لماذا وكم تقدرهم، وجرِّب شيئًا محددًا مثل: “كان يعني لي كثيرًا أنك أخرجت القمامة قبل أن أعود إلى المنزل لأنك أدركت أنني سأكون مُتعَبًا من العمل”.
يمكنك أيضًا إضافة قيمة في العلاقات من خلال طرح سؤال مفتوح واحد في الأقل على أحبائك في كل مرة تراهم فيها؛ إذ يساعد ذلك على فهم وجهات نظرهم على نَحوٍ أفضل، ويوصل رسالة بأنك تقدرهم بما يكفي للاهتمام بتجاربهم.
في بعض الأحيان، يتطلب الأمر “التأكد من أنك تشارك في علاقات مع أشخاص يعكسون أنك تهمهم فقط”، كما قالت ماريسا فرانكو، مؤلفة “بلاتونيك” والأستاذة المساعدة في الطب السريري في برنامج الشرف في جامعة ماريلاند؛ وتضيف: إذا كنت قد عبَّرت عن احتياجاتك وما زلت لا تشعر بالتقدير، فابتعِد.
تطوَّع بوقتك، فالنضال من أجل قضية هو إحدى الطرائق للشعور بالأهمية، كما قال الدكتور بريللتنسكي، وذلك على الرغم من أنك “لا تحتاج إلى أن تكون الأم تيريزا أو مارتن لوثر كينغ”. اصنع شطيرة لشخص يعاني من التشرد، على سبيل المثال، أو احضر حدثًا تنظِّمه منظمة تؤمن بها؛ إذ إن مجرد البدء بذلك يولِّد نوعًا من الرضا والتقدير يجعلك تشعر بالامتنان، كما قال.
عبِّر عن الشكاوى ومارِس التعاطف مع الذات. غالبًا ما نلوم أنفسنا عندما لا نُقدَّر، كما قال الدكتور فليت، لكن في كثير من الأحيان، تكون الظروف الخارجة عن إرادتنا هي ما جعلتنا نعتقد أننا لا غير مهمين، ربما نشأت تشعر بأنك مهم لدى أحد الوالدين لكن ليس لدى الآخر، أو لحظت أن المعلمين يتوقعون الأسوأ من الأطفال الذين يشبهونك، فغالبًا ما يشعر الأشخاص ذوو الهويات المهمشة بأنهم أقل أهمية من الآخرين.
لكن يمكن أن يكون هناك شيئان صحيحان في الوقت نفسه: ثمة جوانب من الأهمية لا يمكنك تغييرها دون إصلاحات مؤسسية وهيكلية، ويمكنك اتخاذ إجراءات لزيادة شعورك بالرفاهية، كما قال الدكتور بريللتنسكي، وغالبًا ما يبدأ الأمر بالاعتراف بأنك قد عوملت على نَحوٍ غير عادل، وفقًا للدكتور فليت.
هذا ما ألهم تانشاي ريدفرز، الكاتب والممثل التلفزيوني المثلي، ليصبح أحد مؤسسي منظمة “نحن نهم”، هي منظمة تهدف إلى تعليم الشباب الأصليين كيفية التعامل مع “القوى النظامية والهيكلية”، وهي الأنظمة والهياكل الاجتماعية والسياسية التي تساهم في جعل من الصعب الشعور بالتقدير. هذه القوى قد تشمل السياسات الحكومية، القوانين، التعليم، والممارسات الاقتصادية التي تؤثر سلبًا على الشباب الأصليين. كما تشارك القصص الملهمة لأشخاص أصليين تمكنوا من التغلب على هذه التحديات. رسالتها الأساسية هي رسالة أمل: انظر كيف أضاف أشخاص مثلك قيمة وأكدوا وجودهم.
إنها أيضًا رسالة تعاطف مع الذات، فكما أن الأهمية حاجة إنسانية عالمية، فإن عدم تلبيتها هو جزء شائع من الحياة، كما قالت الدكتورة فرانكو؛ لذا عندما يكون ذلك ممكنًا، تجنَّب الحكم على الذات وذكِّر نفسك بأنك لست وحدك، كما قالت، وتضيف: عندما تفكر “أنا لا أهمّ”، فحاوِل ألا تتعرف، على نَحوٍ مفرط، إلى الفكرة؛ بل لاحِظ الفكرة وتحدَّاها برفق بدلًا من ذلك، ويمكنك أن تقول: “أفكر أنني لا أهم، لكنني أتذكر كيف ابتسمت أمينة الصندوق في متجر البقالة عندما سألتها عن حفيدها يوم الثلاثاء”.
من هنا، قد تجد طريقًا للمُضيّ قدمًا يبرز مقدار أهميتك، تمامًا كما فعلت والدة الدكتور فليت عندما ساعدته على إنجاز بحثه، وبدلًا من التفكير في سبب عدم تقدير زوجها لها أو قرارها بترك الزواج، أصبحت ماري فليت “السيدة على الدراجة”، التي كانت تعرف أنها شخص ذو أهمية كبيرة.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة نيويورك تايمز).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




