نحن لا نعيش بين الأشياء، بل فوقها، كأن الوجود قد وُهب لنا وحدنا، وكأن كل ما حولنا خُلِق ليُطيع. نعبرها بأقدامنا، ونمدّ إليها أيدينا، ونُعيد ترتيبها ونخلع عنها معناها متى أردنا. نقرّر وظيفتها ونحسم مصيرها بلا تردّد. ثم نمضي معتقدين أنها صامتة، أو خاملة، أو لا شيء فيها سوى الامتثال. هكذا تعودنا أن ننظر إلى الأشياء، دون أن نُدرَّب على احتمال أن تكون هي الأخرى ناظرة، وحافظة، ومتأمّلة، أو ربما، حائرة مثلنا. ماذا ترى الأريكة حين تحمل أجسادنا؟ هل تفرّق بين من يجلس بحزن ومن يستلقي بطمأنينة؟ هل تسجّل الطاولة الانحناءة ذاتها كل مساء دون أن ننتبه؟ ما الذي تراه الأشياء فينا، ليس بصفتها أدوات، بل شركاء في الحضور؟ نظن أننا نستخدمها، لكنها تحتفظ منّا بما لا يحتفظه أحد. العلاقة بيننا وبينها لا يمكن اختزالها في الأداء، بل أن خيوطها تنسج بالتكرار، وبالاحتكاك اليومي الذي لا يدوّن. فالغرفة التي نغادرها لا تعود كما كانت، ولا يزول الأثر الذي نتركه فيها بمجرد الرحيل. ذلك أن الأشياء تُعيد ترتيب ذاتها على مقاس الغياب، كما لو أنها تعلم أن أحدهم كان هنا، ومضى.
ليس للأشياء وعي يشبه وعينا بالتأكيد، لكنها تنتمي إلى نوع آخر من الحضور، حضور يراكم الزمن بالمرافقة، إذا أحسنا التعبير. أشعر كأن مقعد مكتبي الذي اعتاد هيئة جسدي، يحتفظ بها، حتى وإن تبدّلت أحوال الجسد. والكوب الذي لازم كل صباحاتي، يتقن قراءة ارتجافة يدي حين يتملكني التوتر. والرفّ الذي ضمّ كتبي، يميّز بين ما امتدّت إليه يدي، وما تجاهلته طويلًا. هذا حضور لا يُقاس بالانتباه، بل بالتكرار. الأشياء تتغيّر بنا، وتنصت دون أن تسأل. تكتسب معانٍ جديدة من احتكاكنا بها، ومن ميلنا اللاواعي نحوها. تخرج من حيادها حين نستدعيها كل يوم، وتُصبح جزءًا من طقوسنا اليومية التي لا نسمّيها، ومع ذلك فهي ترسم ملامحنا الأكثر صدقًا. في صمتها ما يفوق ضجيج اعترافاتنا، وفي تكرارها ما يكشف عن عمقنا دون أن نتكلم. الأشياء لا تسكن مثلنا، لكنها تبقى. لا تتكلّم، لكنها تتذكّر.
نظن أننا نمنحها حياتها، لكننا لا نُدرك كم من ملامحنا تسللت إليها. لا شيء في البيت يعرف معناه وحده، بل يكتسبه منّا، ومن الزمن الذي نُنزله عليه، ومن الألفة التي لا تُصطنع. إن العلاقة بين الإنسان والشيء تتجاوز الاستخدام قطعًا، وتدخل في حقل من التواطؤ الخفي: ما نختاره من دون وعي، وما نحتفظ به رغم القِدم، وما لا نستطيع رميه رغم أنه بلا فائدة ظاهرة. ونحن لا نكتفي بالأشياء، بل نتّخذها أجزاءً من ذاكرتنا، ومن أيامنا المكرورة، ومن إحساسنا بالثبات في عالم لا يثبت على حال. ربما لم تكن الأشياء تحتاج إلينا لتكتمل، لكنها تبقى ناقصة دون وجودنا. فما من شيء يظلّ حيًا في هامش العالم، حتى الجمادات تحتاج إلى نظرة، وإلى يد، وإلى مَن يعيد تفعيل حضورها. ليست الأشياء صورة صامتة لحياتنا، بل سجلٌ دقيق لها. المقعد يحفظ جلستك حين ضاقت بك الحياة. والمكتب يخبئ آثار قلمك حين كنت تكتب كأنك تبحث عن خلاص. والغبار على الطاولة قد لا يكون إهمالًا، بل شهادة على انسحابك وتآكلك، أو على تغيّر مزاجك والمسافة التي اتّسعت بينك وبين ذاتك. حين نغيب، لا تنكرنا، بل تنتظرنا. لا تُعاتب، بل تبقى في مكانها، كأن لسان حالها: كنتَ في الجوار، ولست بعيدة.
(والله إن أُحدًا جبلٌ يحبّنا ونحبّه)، لم يكن قول الرسول الكريم هنا محض مجاز بقدر ما كان إقرارًا بعلاقة متبادلة، يتبادَل فيها كل حضورُ حضورَه مع الآخر، وتتشابك فيها الذاكرة بين الإنسان والمكان، وهو ما ألح عليه القرآن الكريم في مواطن عديدة {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}، فنحن لا نعيش بين الأشياء، بل نعيش معها، ونمرّ بها وهي تمرّ بنا، ونُراكم فوقها من أنفسنا ما لا يراه سوانا. وهي في كل ذلك لا تنتظر منّا كلامًا، بل تكتفي بتكرارنا، وتحتفظ بملامحنا في صمتٍ لا يحتاج إلى ترجمة.
الحياة من حولنا تهمس وربما تكرّر ذاتها حتى نصغي. وكل ما بدا عاديًّا في أعيننا، يخفي ذاكرة كاملة لا نلتفت إليها. الأشياء التي تكرّرت معنا، والتي سايرتنا بصبر، والتي قبلت وجودنا دون شرط، تقول عنا أكثر مما نقول. لا شيء أبكم، كل ما حولنا يتكلّم، فقط نحتاج إلى تعلم فن الإصغاء له.
وفي نهاية يوم شاق، قد لا نحتاج إلى إعادة ترتيب العالم بقدر ما نحتاج إلى إعادة الإنصات إليه. فالأشياء لا تنتظر منّا اعترافًا، لكنها تمنحنا، إذا انتبهنا، معنى أبعد من الاستخدام، لغة من نوع آخر، وميثاقًا لا يُعلن. لعلّنا لم نكن وحدنا نكتب هذا العالم. وربما، في صمت الأشياء، ما ينقذنا من النسيان.




