بحث جديد يسلط الضوء على عدة ديناميات مهمة، تؤثر في الآراء التي ينشرها العملاء عن المنتجات.
وندي دبليو. مو، وديفيد أ. شوييدل، ومايكل ترسوف
لقد أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي حجمًا غير مسبوق من الحديث الشفهي عن العلامات التجارية والمنتجات؛ فالعملاء الذين اعتادوا في الماضي إجراء نقاشاتهم عن المنتجات مع زملائهم في العمل أو جيرانهم في الفناء الخلفي، باتوا اليوم يتجهون إلى التقييمات والمراجعات عبر الإنترنت، والمدونات، ومجموعات النقاش، وتغريدات تويتر (Twitter). وأصبحت تلك الأحاديث التي كانت خاصة في السابق مرئية الآن للجمهور، بما في ذلك العملاء المحتملون ومديرو المنتجات.
ومن وجهة نظر الشركات، توفر وسائل التواصل الاجتماعي فرصة ثمينة للحصول على ردود فعل العملاء على منتجاتهم؛ إذ تتيح لهم الاستماع إلى هذه الأحاديث. وقد أصبح الحرص على مراقبة محادثات العملاء عبر الإنترنت منتشرًا، إلى درجة أنه أوجد صناعة متخصصة من شركات الرصد، التي تمسح المحادثات الإلكترونية بانتظام لقياس مشاعر العملاء.
لكن إلى أي مدى تعكس هذه المحادثات بدقة المشاعر الحقيقية الكامنة لدى عملاء المنتج؟ لاستكشاف هذا السؤال، حلّلنا تقييمات المنتجات ومبيعاتها عبر الزمن لدى أحد كبار تجار التجزئة عبر الإنترنت. ومن خلال دراسة سلوك التقييم على مستوى الأفراد المساهمين، كشفنا عن عدة ديناميات رئيسة تقود تطور المنتديات الإلكترونية، ثم أظهرنا كيف تؤثر هذه الديناميات في مبيعات المنتجات، من خلال ربط الآراء المنشورة بالأداء البيعي لعينة من المنتجات.
من ينشر ولماذا؟
بينما يسعى العملاء عادةً إلى معرفة آراء الآخرين قبل اتخاذ قرار الشراء، إلا أن مشاركة العملاء لآرائهم الخاصة عبر الإنترنت أقل شيوعًا بكثير. ونتيجة لذلك، فإن الآراء التي يراها المشترون المحتملون ومسؤولو استراتيجيات وسائل التواصل الاجتماعي، تأتي من شريحة صغيرة فقط من مجتمع العملاء، وهي شريحة قد لا تعكس بالضرورة مشاعر جميع العملاء. ومع أن الباحثين في السوق اعتادوا منذ زمن طويل استخدام عينات صغيرة لاستطلاع آراء العملاء، فإن اختيار تلك العينات يتم بعناية فائقة لضمان تمثيلها. أما قرار نشر تقييم أو مراجعة عبر الإنترنت، فهو متروك للعميل نفسه، ومن ثم فإن مدى تمثيل الآراء المنشورة عبر الإنترنت يخرج عن سيطرة الباحث. فما الذي يؤثر إذن في الإسهام في منتديات المنتجات الإلكترونية؟ من جهة، قد يتأثر قرار التعبير عن الرأي بما ينشره الآخرون من تقييمات وآراء (انظر: “الأصوات الإلكترونية: من نسمع”). وقد أدرك علماء السياسة هذه الظاهرة منذ زمن بعيد؛ إذ لاحظوا أن نسب المشاركة في الانتخابات يمكن أن تتأثر عندما يعرف الناخبون المحتملون كيف صوّت الآخرون. وبالمثل، يدرك المسوقون أن قرار العميل بشأن نشر تقييم أو مراجعة، قد يعتمد على الآراء التي عُبِّرَ عنها مسبقًا. وغالبًا ما يُشار إلى ذلك بتأثير الانتقاء (Selection Effect). وقد أظهرت بعض الدراسات النفسية أن كثيرًا من الأفراد، وخاصة أولئك الذين يرون أنفسهم خبراء، يحاولون تمييز أنفسهم من خلال التعبير عن آراء أكثر سلبية، في حين كشفت دراسات أخرى عن وجود عملاء يميلون إلى “مجاراة التيار”، والتعبير عن آراء تتفق مع الأغلبية.
ومن خلال الاستعانة بكامل مجموعة التقييمات المنشورة على موقع البائع الذي درسناه، حلّلنا تقييمات قدمها ٢٤٣٦ فردًا شملت ٢٠٠ منتج، وحددنا عدة ديناميات مهمة تعمل ضمن المنتديات الإلكترونية، منها:
تأثيرات التعديل (Adjustment Effects): وتحدث عندما يعبر المساهمون عن آراء تختلف عن تقييماتهم الحقيقية للمنتج. وقد وجدنا أدلة على أن العملاء الأكثر انخراطًا، يميلون إلى خفض تقييماتهم ليبرزوا بين الآخرين، في حين يميل العملاء الأقل انخراطًا إلى رفع تقييماتهم لتعزيز إجماع الآراء الإيجابية.
تأثيرات الانتقاء (Selection Effects): فالمنتديات التي يسودها إجماع سابق في الرأي، تشجع على مشاركة العملاء الأكثر إيجابية والأقل انخراطًا. أما في حالات الخلاف، فإن المشاركين يكونون عادةً من العملاء الأكثر انخراطًا الذين ينشرون آراء أكثر سلبية.
تأثيرات الاستقطاب (Polarization Effects): يميل العملاء إلى تقديم تقييمات إلكترونية للمنتجات التي يحملون تجاهها آراء متطرفة، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
وتتضافر هذه الديناميات لتشكيل تقييمات المنتجات في منتديات العملاء الإلكترونية مع مرور الوقت.
الأقلية الصاخبة في مقابل الأغلبية الصامتة
أظهرت عدة دراسات أن التقييمات المنشورة تميل إلى أن تصبح أكثر سلبية بفعل تأثيرات الانتقاء والتعديل، ما يغير نبرة المحادثات الإلكترونية تغييرًا منهجيًّا. فعلى سبيل المثال، ومع زيادة عدد المشاركين في المنتديات الإلكترونية، يميل العملاء الأكثر إيجابية والأقل انخراطًا إلى البقاء على الهامش، ويحل محلهم العملاء الأكثر انخراطًا والأكثر انتقادًا.
إن المشاعر الكامنة لدى قاعدة العملاء تجاه منتج أو علامة تجارية، تسهم في تحديد اتجاهات التقييم. فعلى سبيل المثال، المنتديات الإلكترونية التي تضم عملاء يحملون آراء قوية سواء إيجابية أو سلبية، تشهد تراجعًا أسرع في تقييمات المنتجات مقارنة بالمنتديات التي تضم قاعدة عملاء أكثر اعتدالًا، حتى لو كان متوسط الرأي في المجموعتين متساويًا، فالمعارضون الذين لديهم آراء سلبية للغاية يثبطون مشاركة العملاء ذوي الآراء الأكثر إيجابية، ويمكن أن يكون تأثير هؤلاء العملاء السلبيين قويًّا، إلى حدّ أن نبرة المنتدى قد تشبه ما يمكن أن يظهر في منتدى يضم قاعدة عملاء سلبية بالكامل.
ليس المقصود هنا أن يُهمل المديرون تمامًا ما يُقال على الإنترنت، بل ينبغي لهم أن يكونوا على دراية بهذه الديناميات المحتملة، حتى لا يبالغوا في رد فعلهم تجاه الآراء السلبية المنشورة على الشبكة؛ ففي كثير من الحالات، قد تمثل هذه الآراء شريحة صغيرة، ولكنها صاخبة من جمهور العملاء.
هل يستمع العملاء؟
لأن الآراء المُعبر عنها على الإنترنت يمكن أن تؤثر في مبيعات المنتجات، فقد حاولت بعض الشركات التلاعب بشكل استراتيجي بتقييمات المنتجات ومراجعاتها، عن طريق نشر آراء ملفقة (مصطنعة ومؤيدة) للمنتج بأنفسهم أو عبر وكيل. لم تقتصر العقوبات على الجهات التنظيمية التي فرضتها على هذه الشركات جراء هذا النشاط، بل تشير أبحاثنا إلى أن مثل هذه الأنشطة لها تأثير محدود جدًّا في المبيعات طويلة الأمد.
تنشأ الآراء المنشورة من مشاعر العملاء الكامنة ومن الديناميات الاجتماعية على حدٍّ سواء، وبينما يمكن لكل من هذين المكونين التأثير مؤقتًا في مبيعات المنتجات، إلا أن تأثير الديناميات الاجتماعية لا يدوم على المدى الطويل؛ أي إن المنتجات التي تحصل على تقييم إيجابي (أو سلبي) بشكل غير معتاد، قد تشهد دفعة مؤقتة في التقييمات والمبيعات اللاحقة. ولكن ما لم تُنشر هذه التقييمات المصطنعة باستمرار، فإن الآراء المنشورة ومبيعات المنتجات تعود بسرعة إلى قيمتها الأساسية، وهذا ينطبق خصوصًا عندما تشجع الآراء المتنوعة النقاش الحيوي.
دروس للمديرين الذين يستمعون إلى وسائل التواصل الاجتماعي
١. لا تنسَ الأغلبية الصامتة: كثير من المنتديات تهيمن عليها مجموعة صغيرة ومتحمسة من الأفراد، الذين قد لا يمثلون قاعدة العملاء الواسعة التي اختارت البقاء صامتة.
٢. يمكن أن تؤثر الديناميات الاجتماعية في المنتدى في من ينشر ومن يبقى صامتًا. في ظل وجود آراء متضاربة، يميل العملاء الأقل انخراطًا والأكثر إيجابية إلى الصمت، ما يسمح للعملاء الأكثر انتقادًا بتوجيه بيئة التقييمات.
٣. لا تبالغ في رد الفعل تجاه التعليقات السلبية؛ فالمراجعات السلبية لا تعني بالضرورة أن علامتك التجارية أو منتجك مكروه بشكل عام، فقد يكون العملاء الأكثر تأييدًا قد اختاروا الصمت، بدلًا من معارضة النقد الشديد الذي عبّر عنه المعلقون السابقون. محاولة إرضاء العملاء غير الراضين قد تكون مكلفة للغاية، وربما لا تستحق العناء.
٤. تجاهل الضوضاء البيضاء (white noise): من المهم التمييز بين الضوضاء البيضاء والرؤى ذات المغزى. كثير من الاتجاهات والديناميات التي تُلاحظ في الآراء المنشورة على الإنترنت، هي ببساطة نتيجة لديناميات “صحية”. يمكن أن تساعد التحليلات الإحصائية الدقيقة لديناميات التقييمات في تحديد متى يجب على المسوّق معالجة قضية أثارها تعليق سلبي، أو تعديل منتج استجابة للنقد.
دروس لاستراتيجيي وسائل التواصل الاجتماعي
١. كن مستعدًّا للتحرك: مراقبة المحادثات الجارية على الإنترنت، يمكن أن تكون مفيدة جدًّا لاستراتيجي وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يعرف كيف يفسر ما يسمعه ويستعد للعمل بناءً عليه. وبينما عُرف مديرو المنتجات بتعديل استراتيجياتهم بناءً على ما يسمعونه عبر الإنترنت، يمكن لاستراتيجيي وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا أن يستجيبوا للحوارات عبر إدارة البيئة الاجتماعية على الشبكة، بطريقة تعزز الديناميات الاجتماعية الصحية.
٢. شجّع الأقل انخراطًا على المشاركة: يميل العملاء الأقل انخراطًا إلى أن يكونوا أكثر إيجابية، في حين يميل العملاء الأكثر انخراطًا إلى أن يكونوا أكثر انتقادًا؛ فإذا كنت تسعى إلى تعزيز نبرة إيجابية، ينبغي تقديم حوافز لنشر المراجعات للعملاء الأكثر عفوية.
٣. لا تخشَ الخلافات: رغم أن الخلاف بين الآراء يجذب عادة مزيدًا من المعلقين السلبيين، فإنه يشجع أيضًا على مزيد من النقاش، وهذا يحمي مبيعات المنتج من التأثر ببضعة آراء سلبية غير معتادة.
٤. قاوم إغراء محاولة التلاعب بالآراء، من خلال مراجعات إيجابية مصطنعة: يميل منتدى الآراء المنشورة على الإنترنت إلى اكتساب حياة خاصة به. وعلى الرغم من أن الإغراء كبير للتلاعب بالآراء المعبر عنها بشكل استراتيجي، فإن الفوائد من حيث المبيعات محدودة، فضلًا عن العواقب الوخيمة المرتبطة بالآثار القانونية، وإمكانية الدعاية السلبية.
دراسات ذات صلة
وندي دبليو. مو وديفيد أ. شوييدل، “الرأي حول المنتجات عبر الإنترنت: الحدوث والتقييم والتطور”، في مجلة علوم التسويق (Marketing Science)، قيد النشر.
وندي دبليو. مو ومايكل ترسوف، “قيمة الديناميات الاجتماعية في منتديات تقييم المنتجات عبر الإنترنت”، في مجلة أبحاث التسويق (Journal of Marketing Research)، المجلد ٤٨، العدد ٣ (يونيو ٢٠١١م): ٤٤٤-٤٥٦.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




