ترجمة: أثير القحطاني
بقلم: توماس إتش. دافنبورت وستيفن إم. ميلر
في مجموعة واسعة من سيناريوهات الاستخدام الواقعية، كانت حالات تعزيز العمل البشري بوساطة الآلات الذكية أكثر بكثير من الأتمتة الكاملة، ومن المتوقع أن يستمر هذا الوضع في المستقبل المنظور.
قبل حوالي 30 عامًا، نشر بوب توماس، أستاذ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا آنذاك، كتابًا بعنوان “ما الذي تعجز الآلات عن فعله؟”، حيث ركز على تكنولوجيا التصنيع وادّعى أنها لم تكن جاهزة بعد للاستيلاء على المصانع من البشر. ورغم أن التطورات الحديثة في الذكاء الاصطناعي قد رفعت بشكل كبير قدرات الآلات منذ ذلك الحين، إلا أن هناك العديد من الأشياء التي لا تستطيع الآلات القيام بها، أو على الأقل لا تستطيع القيام بها بطريقة موثوقة ودقيقة. فقد تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل جيد في بيئات البحث ذات الرقابة العالية، لكنها لا تزال بحاجة للمساعدة البشرية في بيئات العمل الواقعية التي بحثنا فيها من أجل كتابنا الجديد “العمل مع الذكاء الاصطناعي: قصص حقيقية للتعاون بين الإنسان والآلة”. وكان العمال البشر حاضرين بوضوح في دراسات الثلاثين حالة التي أجريناها.
ففي هذه المقالة، نستخدم الأمثلة لتوضيح الأنشطة المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي لا تزال بحاجة إلى مساعدة بشرية، لذا، فإن هذه الأنشطة تتطلب من المنظمات الاستمرار في استثمار رأس المال البشري؛ حيث يمكن للممارسين توقع استمرارية وظائفهم في المستقبل القريب.
لاحظنا أيضًا حالات تعجز فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي عن فهم سياق العلاقة بين البشر. على سبيل المثال، قد يقوم تطبيق لجمع التبرعات في إحدى الجامعات باختيار المتبرعين المحتملين وكتابة رسائل بريد إلكتروني لهم، لكنه قد يجهل وفاة حديثة في عائلة المتبرع، مما يجعل طلب التبرع في هذا الوقت غير مناسب، أو فوز الجامعة ببطولة رياضية، وهو ما يُفضل الإشارة إليه في الرسالة. حاليًّا، لا توجد طريقة فعّالة لتمثيل السياقات الواسعة والمعقدة في الخوارزميات الرياضية أو القواعد، ومن غير المرجح أن يتغير هذا القصور قريبًا.
القيود الحالية للذكاء الاصطناعي في مكان العمل
يواصل الذكاء الاصطناعي اكتساب قدرات بمرور الوقت؛ لذا فإن مسألة ما يمكن وما لا يمكن للآلات القيام به في بيئات العمل الواقعية هدف متغير باستمرار. ربما يجد قارئ هذا المقال في عام 2032م أن ما ورد فيه بشأن قيود الذكاء الاصطناعي يبدو خاطئًا بصورة طريفة، ومع ذلك، من المهم حاليًّا عدم توقع أكثر مما يمكن للذكاء الاصطناعي تقديمه. وفيما يأتي بعض القيود الحالية المهمة:
فهم السياق: لا يزال الذكاء الاصطناعي غير قادر على استيعاب السياق الأوسع الذي تُنفذ فيه الأعمال والمهام، وتظهر هذه المشكلة في عدة دراسات حالة، مثل وظيفة “مكتتب رقمي للحياة”، حيث يقيم النظام مخاطر الاكتتاب بناءً على بيانات السجلات الطبية لمقدم الطلب دون فهم السياق الخاص بالحالة. على سبيل المثال، هناك دواء شائع يقلل الغثيان لكل من مرضى السرطان أثناء العلاج الكيميائي والنساء الحوامل اللاتي يعانين من غثيان الصباح، لكن النظام حتى الآن لا يستطيع التمييز بين الحالتين عند تقييم مخاطر التأمين على الحياة المرتبطة بهذا الدواء.
تحديد أولويات التنبيهات: تُصدر الأنظمة المحوسبة وأجهزة الاستشعار وأنظمة تحليل الصور والأصوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تنبيهات متكررة تتعلق بالأمن أو الصحة أو مشكلات المعدات. حيث ظهر في دراسة حالة حول التنبيهات الأمنية في مركز تسوق كبير مرتبط بمطار شانغي في سنغافورة، أن الدور البشري ضروري لتصفية التنبيهات وتحديد أولوياتها في البيئات المعقدة والمتغيرة باستمرار، إذ إنه غالبًا ما تعجز أنظمة الذكاء الاصطناعي عن التمييز بين التنبيهات الحقيقية والمهمة وتلك الخاطئة أو الأقل أهمية. وعلى الرغم من أن أنظمة المراقبة بالذكاء الاصطناعي تجيد تحديد التنبيهات الأكثر احتمالًا للتحقيق البشري، فإن تدخل الحراس الأمنيين والمشغلين البشريين يبقى ضروريًّا لضمان الدقة والموثوقية.
مرّت عملية مشابهة في بنك DBS في سنغافورة؛ حيث يعمل الذكاء الاصطناعي والبشر معًا بشكل وثيق لمنع غسيل الأموال وأنواع أخرى من الاحتيال في قسم مراقبة المعاملات. كان النظام القائم على القواعد من الجيل القديم يحدد تنبيهات للمعاملات المشبوهة، لكنه كان يحتوي على العديد من النتائج الخاطئة. ورغم أن النظام الأحدث القائم على التعلم الآلي يعطي الأولوية للتنبيهات، إلا أن البشر ظلوا بحاجة للمشاركة في التحقيق فيها.
وزن العناصر الذاتية: قال أحد المديرين الذين قابلناهم في بنك DBS إنه ستكون هناك دائمًا حاجة للبشر في العملية، لأن “هناك دائمًا عنصرًا ذاتيًّا في تقييم ما هو مشبوه وما ليس كذلك”. وقد تشمل هذه العناصر العلاقات التجارية والشخصية أو العائلية الممتدة للعملاء، أو تواصلهم السابق مع موظفي البنك. ربما في مرحلة ما، سيتمكن الذكاء الاصطناعي من تقييم نزاهة الشخص وموثوقيته من خلال تحليل الصور الوجهية وأنماط الصوت، وهو نهج بدأت بعض المؤسسات المالية في الصين باستخدامه بالفعل. لذلك، نعتقد أن الاستعانة بالبشر ذوي الأحكام الذاتية لتعزيز التقييمات المدفوعة بالبيانات والخوارزميات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي هي أكثر فاعلية، خصوصًا عندما تتأثر التقييمات بعوامل ثقافية وسياقية وذاتية. وقد تُدرّب التحيزات البشرية بشكل غير مقصود في أنظمة التعلم الآلي، فقد يعاني كل من البشر والآلات من التحيز في أحكامهم ويمكن أن يكون إشراك البشر في مراجعة قرارات الآلات والعكس وسيلة فعّالة لتقليل التحيز.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




