ترجمة: أمل الرشيدي
قدمت الأبحاث الجديدة رؤية حول ما الذي يضفي للعمل قيمة، بالإضافة إلى تقديم نتائج حول الأخطاء الشائعة في الإدارة التي قد تسلب الشعور بقيمة العمل من الموظفين.
يرغب الجميع في امتلاك قيمة لعمله. قال الطبيب النفسي فكتور فرانكل بوصفه الشهير: كيف تقود فطرة الإنسان للبحث عن قيمة الأشياء في حياته؟ حتى لو اشتدت الظروف سيسعى جاهدًا لتحقيق أهدافه.1 أظهر الباحثون في دراساتهم حديثًا، أن شعور الموظف بوجود قيمة لعمله أكثر أهمية من أي جانب آخر من عمله، ويشمل كلًّا من الراتب، والعوائد المادية، والفرصة للحصول على الترقية، وبيئة العمل.2 إذا كانت للعمل قيمة عند الموظفين، فسيؤدي ذلك إلى تحفيزهم بشكل كبير، ويطور من جودة عملهم، ويجعلهم ملتزمين وراضين بالعمل الموكل لهم.3 لكن حتى الآن، من المدهش أن قليلًا من الأبحاث استكشف أين وكيف يعثر الناس على قيمة عملهم، وما الدور الذي يتخذه القادة للتأثير في هذه العملية.4
أجرينا مقابلة مع 135 موظفًا يعملون في 10 وظائف مختلفة، وطلبنا منهم إخبارنا بقصص عن حوادث في العمل أو اللحظة التي عثروا فيها على قيمة عملهم، أو على العكس؛ أتوجد أوقات تساءلوا فيها بأنفسهم، “ما الفائدة من القيام بهذا العمل؟”. افترضنا أن الشعور بالمعنى في العمل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالعوامل الداخلية لبيئة العمل؛ مثل طبيعة المهام والمسؤوليات، تمامًا كما هي الحال مع الانخراط والالتزام. لكن ما وجدناه أن الشعور بقيمة العمل لا يرتبط بالعوامل الداخلية لبيئة العمل؛ بل يعتمد على الشخص نفسه.5 في الغالب كان كل موظف يكتشف قيمة عمله بشكل شخصي، وذلك من خلال التفكير في إسهامه الأوسع في المجتمع. اعتاد الناس في الغالب أن يربطوا قيمة عملهم بأفكار أو ذكريات عزيزة على قلوبهم تتعلق بأفراد عائلتهم، مثل الوالدين أو الأبناء، ما يخلق جسرًا بين حياتهم المهنية وشخصياتهم. كنا نتوقع أن يكون هذا الإحساس بالمعنى حالة ثابتة نسبيًّا، لكن المشاركين في الدراسة تحدثوا عن لحظات مفاجئة وغير متوقعة، شعروا فيها بعمق معنى عملهم.
كنا نتوقع أن تظهر بياناتنا أن القيمة التي يشعر بها الموظفون لعملهم، ترتبط ارتباطًا واضحًا بالإجراءات التي اتخذها المديرون. يكمن الفرق بين القادة المؤثرين والقادة التبادليين في أن الموظفين الذين يعملون تحت قيادة المؤثرين يرون أن عملهم ذو قيمة، في حين لا يشعر الموظفون الذين يعملون تحت قيادة التبادليين بالمستوى نفسه من القيمة تجاه عملهم. على العكس، أظهرت أبحاثنا أن جودة القيادة بالكاد ذُكرت، عندما تحدث الموظفون عن اللحظات ذات المغزى في العمل، في حين كانت الإدارة السيئة هي العامل الرئيس في تدمير هذا الإحساس بالمعنى.
أيضًا توقعنا أن نعثر على صلة بين العوامل التي أدت إلى زيادة مستويات قيمة العمل أو أضعفتها، ولكننا اكتشفنا أن السبب في زيادة المستويات أو إضعافها، معتمدٌ على عوامل مختلفة؛ فالموظفون الذين أجرينا معهم مقابلة، يميلون إلى العثور على قيمة عملهم بأنفسهم بدلًا من أن تفرض عليهم من قبل مديريهم، واكتشفنا أنه من السهل بكثير على أصحاب العمل تدمير الشعور بقيمة العمل عند موظفيهم. الشعور بـ”لماذا أزعج نفسي بفعل هذا؟”، ينتاب الناس بمجرد أن تبرز لحظة عديمة القيمة، ويؤثر فيهم بعمق. إذا كانت القيمة عبارة عن زهرة حساسة تتطلب الحماية، فتخيل أن تجد شخصًا يدوس عليها وهو يرتدي زوجين من الأحذية ذات الأصابع الفولاذية. يبدو أن التحدي الأساسي الذي سيواجه القيادة هو الحفاظ على القيم دون تشويهها، مع العمل على تعزيز نظام بيئي يزرع مشاعر ذات مغزى وأهمية.
(معلومات عن البحث)
يحظى موضوع (العمل ذي القيمة) باهتمام كبير، لكنّ عددًا محدودًا نسبيًّا من الأبحاث التجريبية يبحث بعمق عن المعنى الحقيقي لقيمة العمل عند الأفراد. للتعمق في تفاصيل قيمة العمل، اضطررنا إلى إجراء مراجعة شاملة للأدبيات من مختلف المجالات؛ مثل: علم النفس، ودراسات الإدارة، وعلم الاجتماع، والأخلاقيات. وحسب المعلومات التي توصلنا إليها؛ عرّفنا العمل ذا القيمة على أنه يحدث “عندما يرتبط الفرد ارتباطًا حقيقيًّا بين عمله وغاية أسمى تتجاوز الذات في حياته 6.”
لأجل إجراء بحثنا، سعينا إلى جمع آراء أفراد من مختلف المجالات المهنية، بعد ذلك أجرينا مقابلات مع 135 شخصًا يعملون في عشرة مجالات مهنية مختلفة، واستقصينا منهم عن اللحظات التي شعروا فيها بأن عملهم ذو قيمة أو ليس ذا قيمة. شملت هذه المهن: مساعدي البيع بالتجزئة، والكهنة من مختلف الطوائف الدينية، والفنانين (وذلك يشمل الموسيقيين والكتاب والممثلين)، والمحامين، والأكاديميين في المجالات العلمية، ورواد الأعمال الذين أسسوا أعمالهم الخاصة، والممرضات في أقسام العناية المركزة، والجنود، والحرفيين المتخصصين في ترميم الحجر الذين يعملون على ترميم كاتدرائية قديمة، وجامعي القمامة. وقد جمعنا جميع البيانات في المملكة المتحدة. بعد ذلك، ترجمنا المقابلات إلى نصوص مكتوبة، وحللناها من خلال تصنيفها وفقًا لمواضيع محددة، وذلك لكشف الأنماط التي تكشف عن كيفية نظر الناس إلى أعمالهم.
الخصائص الخمس لقيمة العمل
تهدف أبحاثنا إلى الكشف عن كيف ولماذا يجد الموظفون عملهم قيمًا (ارجع إلى قسم “معلومات عن البحث”). اكتشفنا أن معظم المشاركين في الدراسة يربطون الشعور بقيمة العمل بالإحساس بالفخر والإنجاز، سواء كانوا يعملون في وظائف يدوية أو وظائف تحتاج إلى مهارات عالية. كما أن الشعور بأنهم يستخدمون قدراتهم استخدامًا كاملًا، وأن عملهم ممتع ومثير للاهتمام، كان عاملًا مهمًّا. كان الحصول على التقدير من الآخرين أيضًا له دور كبير في الشعور بقيمة العمل.7 لكن هذه العوامل وحدها لم تكن كافية لشرح سبب شعور الناس بأن عملهم مهم.8 اكتشفنا أيضًا خمسة جوانب أخرى غير متوقعة لقيمة العمل، والتي قد تساعدنا في فهم طبيعة هذا الشعور المعقد.
- الذات المتسامية
يشعر الأفراد بأن عملهم يحمل قيمة أكبر عندما يكون له تأثير إيجابي في الآخرين، متجاوزًا حدود الفائدة الشخصية. وبهذا المعنى، يرتقي العمل ذو القيمة إلى مستوى أسمى، يتجاوز تحقيق الذات. والأكثر إثارة للاهتمام، أن عالم النفس الشهير أبراهام ماسلو قد وضع “التسامي عن الذات” في قمة هرمه المتعلق بالاحتياجات البشرية، مؤكدًا بذلك أهميته القصوى.9 عندما يتحدث الناس عن عملهم ذي القيمة، لا يقتصرون على وصف تجاربهم الشخصية فحسب؛ بل يركزون على الأثر الذي يتركه عملهم في الآخرين، سواء كانوا أفرادًا أو مجموعات أو مجتمعات بأكملها. فعلى سبيل المثال، يجد عامل النظافة أن عمله يحمل معنى عميقًا عندما يرى النفايات تتحول إلى مواد قابلة لإعادة التدوير، ما يسهم في الحفاظ على بيئة نظيفة لأحفاده والأجيال القادمة. وبالمثل، تشعر الأستاذة الجامعية بالرضا عندما تشهد تخرج طلابها، إذ ترى نتائج جهودها في نجاح الآخرين. أما الكاهن، فيجد متعة روحية في توحيد مجتمعه حول هدف مشترك؛ مثل ترميم الكنيسة.
- العمل الذي يحمل طابعًا مؤثرًا
تجربة الشعور بقيمة العمل قد تحمل طابعًا مؤثرًا بدلًا من كونه مجرد شعور بالبهجة الخالصة.10 لحظات قد يشعر فيها الموظف بأن عمله ممتلئ بالقيمة، ومرات أخرى قد تؤثر فيه مشاعر مختلطة بعدم الراحة أو الأفكار والمشاعر المؤلمة، قد لا ينطوي الشعور فقط على السعادة والفرح الخالص. بعض الموظفين عندما أجرينا معهم مقابلة بكوا عندما تحدثوا عن اللحظات التي شعروا فيها بقيمة عملهم. الاهتمام المتزايد بعلم النفس الإيجابي جعلنا نركز على محاولة إبقاء الموظفين سعداء، ومتحمسين، ومنخرطين طوال ساعات العمل. تشير عالمة النفس باربرا هيلدا إلى الضغط الحالي على “تسليط الضوء على الإيجابيات”، بوصفه “استبداد التفكير الإيجابي”.11 كان الارتباط تقليديًّا بين المعنى والصفات الإيجابية أمرًا شائعًا.
أشارت أبحاثنا إلى حقائق عكس ما توقعناه؛ بأن العمل ذا القيمة12 ليس دائمًا ذا تجربة إيجابية. غالبًا اللحظات التي يشعر فيها الناس بقيمة عميقة لعملهم، تكون أكثر ثراءً وتحديًا بكثير من الأوقات التي شعروا فيها بالدافع أو الانخراط أو السعادة البسيطة. جاءت الأمثلة الأكثر وضوحًا على ذلك من الممرضات اللاتي وصفن لحظات عميقة من القيمة عندما تمكّنّ من استخدام مهاراتهن ومعرفتهن المهنية لتخفيف معاناة المرضى في نهاية حياتهم. يتحدث المحامون في الغالب بأن العمل من أجل عملائهم، والفوز بالقضايا التي أدت إلى نتائج غيرت حياة كثير من الأشخاص؛ يكونان مجهدين ويستمران لفترات طويلة أو أحيانًا لسنوات. اكتشف كثير من المشاركين من مختلف الوظائف لحظات ذات قيمة في عملهم؛ وذلك عندما انتصروا في ظروف صعبة أو وجدوا حلًّا لمشكلة معقدة ومستعصية. أدت تجربة التكيف مع هذه الظروف الصعبة، إلى شعور بالقيمة أكثر بكثير مما كانوا سيختبرونه في التعامل مع المواقف اليومية البسيطة.
- الإحساس المتقطّع
ينشأ الإحساس بالقيمة بطريقة متقطعة بدلًا من أن يكون مستمرًّا. يبدو أن أحدًا لا يستطيع الشعور بأن عمله ذو قيمة على الدوام؛ بل يظهر هذا الإحساس خلال لحظات ذروة تولّد تجارب قوية. على سبيل المثال، أشار أستاذ جامعي إلى الشعور (المتقطع) الذي يعيشه عندما يشعر وكأنه “نجم موسيقا الروك” بعد تقديم محاضرة ناجحة. كما عبّر أحد الممثلين عن هذا الشعور بقوله: “يا إلهي، أنا فعلًا أعيش الحلم الذي كنت أطمح إليه؛ هذا أمر مذهل بالفعل”. من الواضح أن مثل هذه الأحاسيس لا يمكن الحفاظ عليها طوال يوم عمل كامل، فضلًا عن فترات أطول، بل تأتي وتختفي خلال حياة الفرد المهنية، وربما نادرًا. ومع ذلك، فإن هذه اللحظات الفارقة تترك تأثيرًا عميقًا في النفوس، وتظل حاضرة في الذاكرة، لتصبح جزءًا من رواية حياة الفرد.
لحظات ذات قيمة كهذه لم تكن مجبرة أو مدارة. في حالات قليلة فقط أخبرنا الناس بأن إدراكهم لعملهم كشيء ذي قيمة نشأ مباشرة من خلال أفعال القادة أو المديرين في المؤسسات. تحدث حرفيو الترميم عن أهمية نقش “علامة المصرفي”، أو توقيع الحرفي الخاص بهم على الحجر قبل وضعه في هيكل الكاتدرائية، مع علمهم بأن الحجر قد يُكتَشف بعد مئات السنين من قِبل حرفي آخر يعترف بأن العمل هو من صنعهم. شعروا بأنهم “جزء من التاريخ”. وصف جندي كيف أدرك مدى أهمية عمله عندما تأمل في سرعة بديهته في إطلاق صفارات الإنذار التحذيرية في أثناء موقف قتالي، ما ضمن عدم إصابة أي شخص في المعسكر خلال الهجوم الصاروخي اللاحق. تحدث موظفو المبيعات عن أوقات تمكنوا فيها من مساعدة الآخرين؛ مثل حادثة عندما فقدت زبونة وعيها في أحد المتاجر، وتمكن الموظف من دعمها حتى استعادت وعيها. لحظات لا تُنسى كهذه تحتوي على مستويات عالية من المشاعر والأهمية الشخصية، وبالتالي تصبح مشبعة بالرمزية التي تجعل العمل ذا قيمة.
- التأمل
في عديد من الحالات التي ذكرناها، لم يدرك المشاركون في الدراسة أهمية عملهم إلا عندما طلبنا منهم أن يستذكروا لحظة شعروا فيها بأن عملهم ذو قيمة.
بمعنى آخر، لم يشعروا بهذا الشعور في أثناء أداء العمل، بل أدركوه فيما بعد عند التفكير في إنجازاتهم ورؤية كيف ترتبط هذه الإنجازات بمعنى حياتهم بشكل عام.
تحدث أحد رواد الأعمال الذين قابلناهم عن الوقت الذي كان فيه يطفئ الأضواء بعد حفل عيد الميلاد في شركته، وتوقف ليعيد النظر في العام الماضي وما حققه هو وموظفوه معًا. شرح جامعو القمامة كيف تمكنوا من رؤية عملهم ذا قيمة عندما أنهوا تنظيف الشارع، وتوقفوا للنظر إلى عملهم. ضمن هذا السياق، تأملوا في كيف أسهم العمل الملموس لتنظيف الشوارع في نظافة البيئة ككل. تحدث أحد الأكاديميين عن بحث أجراه لسنوات عديدة بدا عديم المعنى إلى حد كبير في ذلك الوقت، ولكن بعد 20 عامًا قدم الحل التكنولوجي لتكنولوجيا اللمس. لذلك، فإن تجربة المعنى غالبًا ما تكون عملًا تأمليًّا رجعيًّا بدلًا من مجرد استجابة عاطفية عفوية في اللحظة، على الرغم من أن الناس قد يكونون على دراية باندفاع المشاعر الإيجابية في ذلك الوقت. من غير المحتمل أن تشهد شخصًا يتحدث عن مدى أهمية عمله في أثناء يوم عمله. بالنسبة لمعظم الأشخاص الذين تحدثنا إليهم، كانت المناقشات التي أجريناها حول العمل الهادف هي المرة الأولى التي يتحدثون فيها عن هذه التجارب.
- شخصي
غالبًا ما تكون المشاعر الأخرى المتعلقة بالعمل؛ مثل الانخراط أو الرضا، مجرد مشاعر متعلقة بالعمل. ومن ناحية أخرى، غالبًا ما يفهم الناس أن القيمة لا تنطوي فقط على سياق العمل؛ بل يمكن اكتسابها من خلال تجاربهم الشخصية في الحياة. وجدنا أن المديرين وحتى المنظمات في الواقع لم تكن مهمة نسبيًّا في هذه الأوقات. وصف أحد الموسيقيين إحساسه العميق بالمعنى عندما حضر والده أحد عروضه لأول مرة، وأصبح يقدر عمل الموسيقيّ ويفهمه أخيرًا، وتمكنت إحدى الراهبات من العثور على قيمة لعملها عندما تمكنت من ربط التجارب الشخصية المروعة لأحد أعضاء رعيّتها بأحداث حياتها الخاصة، واستخدمت هذا الفهم لمساعدة ودعم رعيتها في وقت المصيبة الشخصية. تضمن دافع رائد الأعمال لبدء عمله الخاص الرغبة في جعل جده فخورًا به. أصبح العشاء المعتاد الذي يقام للاحتفال بنهاية خدمة الجندي ممتلئًا بالمعنى بالنسبة لأحد الجنود، لأنه كان مشتركًا مع أفراد العائلة الذين كانوا هناك لسماع قصص العسكرية. وصفت إحدى المحاميات كيف وجدت عملها ذا قيمة عندما أوصى بها أصدقاؤها، وعائلتها، وشعرت بالثقة والتقدير في كلا المجالين من حياتها. وصف عامل جمع القمامة الوقت الذي تلوث فيه إمدادات المياه بالمجتمع، وطلب منه العمل على توزيع المياه على السكان المحليين؛ كان ذلك ذا مغزى، حيث رأى كيف كان يساعد جيرانه الضعفاء.
ظهرت لحظات قيّمة وعميقة بشكل خاص عندما تضافرت هذه التجارب مع الشعور بإنجاز العمل جيدًا، وهو شعور يحظى بتقدير واعتراف من الآخرين؛ فواحد من نحّاتي الحجر وصف كيف أصبح عمله الأكثر قيمة بالنسبة له عندما كُشِف عن ترميم جزء من الكاتدرائية التي كان يعمل عليها لسنوات، وسُحِبت الستائر والسقالات، واحتُفِل بعمل الحرفيين. ضم هذا الحدث جميع نحاتي الحجر والتجارات الأخرى؛ مثل النجارين وفنّيي تركيب الزجاج، وكذلك القادة الدينيون للكاتدرائية وأفراد الجمهور وكبار الشخصيات المحليون. قال: “الجميع يقولون، ألا يبدو مذهلًا؟”، “هذه هي اللحظة التي تدرك فيها أنك أنقذت شيئًا وأمنت مستقبله؛ لقد أعطيت جزءًا من الكاتدرائية للمجتمع المحلي”.
هذه الخصائص المحددة للعمل الهادف تشير إلى أن المهمة التنظيمية لمساعدة الناس في إيجاد قيمة لعملهم معقدة وعميقة، وتتجاوز بكثير السطحية النسبية للرضا أو الانخراط، وهي تكاد لا ترتبط أبدًا بصاحب العمل أو المدير.
موت القيمة: الخطايا السبع المدمرة للقيادة
ما العوامل التي تسهم في تدمير الشعور الهش بالقيمة الذي يجده الأفراد في عملهم؟ من المثير للاهتمام أن العوامل التي يبدو أنها تدفع إلى الشعور بالفراغ والعبثية حول العمل كانت مختلفة تمامًا عن تلك المرتبطة بالقيمة. التجارب التي كانت تدفع الناس بنشاط إلى السؤال: “لماذا أفعل هذا؟”، عمومًا كانت نتيجة لكيفية تعامل المديرين والقادة معهم. لاحظ المشاركون في المقابلات سبعة أشياء قام بها القادة لخلق شعور بالفراغ (مُدرجة بالترتيب من الأكثر خطورة إلى الأقل خطورة).
- فجوة القيم: على الرغم من أن الأفراد لم يتحدثوا كثيرًا عن توافق القيم كمُعزز للقيمة، فإنهم غالبًا ما تحدثوا عن وجود فجوة بين قيمهم الخاصة وقيم صاحب العمل، أو مجموعة العمل كسبب رئيس للشعور بالعبثية والفراغ.13 كانت هذه القضية هي الأكثر شيوعًا كمصدر للفراغ في العمل، وهناك موضوع متكرر يتمثل في التوتر بين تركيز المنظمة على الربح الصافي، وتركيز الفرد على جودة العمل أو مهنيته. علق أحد نحّاتي الحجر، قائلًا إنه وجد تركيز المنظمة على التكلفة “مُحبطًا للغاية”. وتحدث الأكاديميون عن اهتمام إداراتهم بالأرباح وتجنب الدعاوى القضائية، بدلًا من النزاهة الفكرية وتوفير أفضل تعليم ممكن. تحدث الممرضون في حالة من اليأس عن اضطرارهم إلى إرسال المرضى إلى المنزل، قبل أن يكونوا مستعدين لتوفير مساحة في الأسرة. تحدث المحامون عن التركيز على الأرباح بدلًا من مساعدة العملاء.
- الاستخفاف بالموظفين: كان غياب التقدير للعمل الجاد من قبل القادة التنظيميين، يُذكر بشكل متكرر على أنه يستدعي شعورًا بعدم الشعور بالقيمة. تحدث الأكاديميون عن رؤساء الأقسام الذين لم يعترفوا بنجاحاتهم البحثية أو التدريسية؛ وتحدث مساعدو المبيعات والكهنة عن رؤساء لم يشكروهم على توليهم أعمالًا إضافية. وصف نحّات الحجر الطريقة التي لا يقول بها المديرون حتى “صباح الخير” له، ووصف المحامون كيف أنه على الرغم من قضاء ساعات طويلة للغاية، فإنهم ما زالوا ينتقدون لعدم سرعتهم في العمل. كان الشعور بعدم التقدير وعدم الإقرار من قبل المديرين التنفيذيين أو كبار المديرين، يُذكر غالبًا في المقابلات كسبب رئيس يجعل الناس يجدون عملهم بلا قيمة.
- تكليف الأفراد بمهام لا قيمة لها: وجدنا أن الأفراد لديهم فهم قوي لما ينبغي أن يشتمل عليه عملهم، وكيف ينبغي أن يقضوا وقتهم، وأن الشعور بعدم المعنى ينشأ عندما يُطلب منهم أداء مهام لا تتناسب مع هذا الفهم. ذكر الممرضون والأكاديميون والفنانون ورجال الدين جميعًا المهام البيروقراطية وملء النماذج غير المرتبطة مباشرة بغرضهم الأساسي، كمصدر للإحباط وبلا قيمة. ذكر النحاتون وعمال التجزئة المشاريع غير المخطط لها بشكل جيد، حيث تُرِكوا لـ”جمع القطع المفقودة” من قبل المديرين التنفيذيين. وصف أحد مساعدي المتجر المهمة غير المجدية المتمثلة في تغيير ترتيب المحل بناءً على تعليمات من المكتب الرئيس لمدة أسبوع، لتُطلب منه إعادة التغيير بعد أسبوع.
- المعاملة غير العادلة للناس: إذَا لم يحتوِ العمل على الإنصاف والعدل يصبح بلا قيمة. تنوّعت أشكال الظلم بين مظالم توزيعية؛ مثل عامل بناء أُبلغ بأنه لن يحصل على زيادة في راتبه لعدة سنوات بسبب نقص الموارد المالية، في حين شاهد زميله يحصل على زيادة، وصولًا إلى موسيقيين مستقلين طُلب منهم تأليف موسيقا تصويرية لفيلم دون أي مقابل. أما المظالم الإجرائية، فتضمنت التنمر وغياب فرص التطور الوظيفي.
- تجاهل الحكم السليم للناس:
في بعض الأحيان كان الشعور بعدم وجود قيمة للعمل مرتبطًا بالشعور بالعجز أو الحرمان من السلطة في كيفية أداء العمل. على سبيل المثال، وصفت إحدى الممرضات كيف طلبت منها زميلة أكبر سنًّا إجراء تدخل طبي لم يكن صحيحًا إجرائيًّا، وكيف شعرت بأنها ملزمة بإكمال هذا حتى ضد حكمها السليم. وتحدث المحامون عن إجبارهم على التهاون في الوقت لإنجاز القضايا بسرعة. وصف حرفيو الحجر كيف أن الإجبار على “التسرع” باستخدام الأدوات والتقنيات الحديثة يتعارض مع شعورهم بممارسات الحرف التاريخية. لخص أحد الكهنة دور المدير بقوله: “يمكن أن يشعر الناس بالتمكين أو العجز من خلال الطريقة التي تدير بها الأمور”. عندما يشعر الناس بأن لا أحد يستمع إليهم، أو أن آراءهم وخبرتهم لا تهم، أو أنهم لا يستطيعون التعبير عن رأيهم، فمن المرجح أن يجدوا عملهم بلا قيمة.
- فصل صلات الناس بالعلاقات الداعمة: ارتبطت مشاعر العزلة أو التهميش في عدم وجود قيمة للعمل. يمكن أن يحدث هذا من خلال التهميش المتعمد من جانب المديرين، أو ببساطة من خلال الشعور بالانفصال عن الزملاء وفرق العمل. تحدث معظم المشاركين في الاستطلاع عن أهمية الرفقة والعلاقات مع الزملاء لإحساسهم بالقيمة، وتحدث رواد الأعمال عن شعورهم بالوحدة وعدم المعنى خلال مرحلة بدء أعمالهم التجارية، والشعور المتزايد بالمعنى الذي نشأ مع تطور العمل وإشراك مزيد من الأشخاص الذين يمكنهم مشاركتهم في النجاحات. وتحدث الفنانون المبدعون عن الأوقات التي لم يتمكنوا فيها من الوصول إلى جمهور من خلال فنهم، كأوقات من عدم وجود قيمة عميقة.
- تعريض الناس لخطر جسدي أو عاطفي: تتضمن كثير من الوظائف مخاطر جسدية أو عاطفية، ويقدر أولئك الذين يتولون هذا النوع من العمل عمومًا الخيارات التي اتخذوها. ومع ذلك، ارتبط التعرض غير الضروري للمخاطر بفقدان المعنى. أشارت الممرضات إلى مشاعر الضعف عندما يتركن بمفردهن مع مرضى عدوانيين؛ وتحدث جامعو القمامة عن الحوادث التي يمكن تجنبها، والتي تعرضوا لها في العمل؛ ووصف الجنود التعرض لظروف الطقس القاسية دون المعدات المناسبة.
كلما زاد حضور هذه العوامل السبعة المدمرة؛ زاد تآكل الشعور بقيمة العمل لدى الفرد.
تنمية نظام بيئي للإحساس بالقيمة
أظهر العالم فريدريك هيرزبيرج في عام 1960م، أن العوامل التي تُولّد شعورًا بالرضا الوظيفي مختلفة عن المشاعر التي تؤدي إلى عدم الرضا.14 يبدو أن الأمر ذاته ينطبق على الإحساس بالقيمة. تُظهر أبحاثنا أن الإحساس بالمعنى هو في الغالب شيء يجده الأفراد بأنفسهم في عملهم،15 ولكن انعدام القيمة هو شيء يمكن أن تتسبب فيه المؤسسات والقادة بشكل نشط. من الواضح أن التحدي الأول لبناء قوة عمل راضية، هو تجنب “الخطايا السبع المميتة” التي تزيد من مستويات انعدام القيمة.
نظرًا لأن الإحساس بالقيمة أمر شديد الخصوصية، وتجربة فردية تُفسَّر من قبل الأفراد في سياقات مختلفة بالحياة، فهل يمكن للمؤسسة أن تعزز مستويات عالية من الإحساس بقيمة العمل؟ أهم خطوة لخلق قيمة للعمل هي بناء نظام بيئي يشجع الناس على التألق في عملهم. كما أشار باحثون آخرون،16 فإن محاولات السيطرة على المعنى الذي يكتسبه الأفراد من عملهم وحظره، تؤدي بشكل متناقض إلى فقدانه.
تشير مقابلاتنا والقراءة الواسعة للأدب حول القيمة إلى أربعة عناصر يمكن أن تعالجها المنظمات، والتي ستساعد في تعزيز إحساس متكامل بالقيمة للموظفين الأفراد.17 (ارجع إلى الرسم البياني “عناصر النظام البيئي ذي القيمة”).
عناصر النظام البيئي ذي القيمة
يمكن للأفراد استخلاص القيمة من وظائفهم، أو من مهام معينة في عملهم، أو من التفاعل مع الآخرين، أو من غرض المنظمة. على الرغم من أنه من الممكن لشخص ما وصف المعنى في العمل من حيث عنصر واحد فقط من العناصر الأربعة، فإن القيمة تكون ثرية عندما يكون أكثر من عنصر واحد موجودًا في الوظيفة، ويمكن أن تتحد هذه العناصر الأربعة لتمكين حالة من المعنى الكلي.
(محتوى الصورة)
- المحور الأساسي: الإحساس الشامل بالقيمة
- المحاور الثانوية للإحساس بقيمة العمل من خلال:
- التفاعلات
- المهام
- الوظيفة
- المؤسسة
- الإحساس بقيمة العمل من خلال المؤسسة
على المستوى الكلي، من المرجح أن تزدهر القيمة عندما يفهم الموظفون الغرض الواسع للمؤسسة.18 تجب صياغة هذا الغرض بطريقة تركز على الإسهام الإيجابي للمنظمة في المجتمع الأوسع أو البيئة، وهذا ينطوي على توضيح ما يلي:
- ما الذي تهدف المؤسسة إلى الإسهام فيه؟ وما “نشاطها الأساسي”؟
- كيف تطمح المؤسسة إلى تحقيق ذلك؟ وما القيم التي تدعم طريقة عملها؟
يجب القيام بذلك بطريقة حقيقية ومدروسة. الناس بارعون جدًّا في اكتشاف النفاق؛ مثل الممرضات اللواتي قيل لهن إن مستشفياتهن تضع المرضى في المقام الأول، ولكن قيل لهن أيضًا أن يُخرِجن الناس بأسرع ما يمكن. التحدي لا يكمن فقط في صياغة وتوصيل رسالة واضحة حول هدف المنظمة؛ بل أيضًا في تجنب تقويض المعنى من خلال خلق شعور بالتلاعب.19
إيصال الرسائل إلى الموظفين بطرائق تناسبهم قد يكون تحديًا. إحدى الإشارات لحل هذا التحدي جاءت من عمال جمع القمامة الذين قابلناهم، فقد وصف لنا أحدهم كيف كان يُقال للعمال من قبل الإدارة، إن النفايات التي يعيدونها إلى المستودع سيُعاد تدويرها، لكن هذه الرسالة كانت تبدو شديدة التجريد. ثم بدأت الشركة بوضع صور للأشياء التي تُصنع من النفايات المعاد تدويرها على جانبي شاحنات القمامة. أدى ذلك إلى إدراك أكثر وضوحًا وواقعية للهدف الذي من أجله تُستَخدم النفايات.20
- القيمة الوظيفية
وجدت الغالبية العظمى من المشاركين في الدراسة، أن عملهم ذو قيمة، سواء كانوا موسيقيين، أو مساعدي مبيعات، أو محامين، أو جامعي قمامة. أظهرت الدراسات أن المعنى مهم جدًّا للناس، لدرجة أنهم يسعون بنشاط لإعادة صياغة وظائفهم لتعزيز إحساسهم بالمعنى.21 غالبًا ما تنطوي هذه الإعادة على توسيع تأثير أو أهمية دورهم للآخرين. أحد الأمثلة على ذلك هو مساعدو المبيعات في متجر تجزئة كبير يستمعون إلى العملاء المسنين الوحيدين.
يمكن للمؤسسات تشجيع الناس على رؤية عملهم على أنه ذو قيمة من خلال إظهار كيف تنسجم الوظائف مع الغرض الأوسع للمؤسسة، أو كيف تخدم مصلحة المجتمع الأوسع. غالبًا ما شرح الكهنة الذين تحدثنا إليهم كيف أسهم عملهم الوزاري في رعاياهم المحليين بالغرض الأوسع للكنيسة ككل. وبالمثل، يمكن تشجيع المديرين على أن يظهروا للموظفين كيف يسهمون في وظائفهم الخاصة في الكل الأوسع، وكيف سيساعد ما يفعلونه الآخرين أو يخلق إرثًا دائمًا.22
إلى جانب ذلك، نحتاج إلى تحدي الفكرة القائلة إن المعنى يمكن أن ينشأ فقط من تجارب العمل الإيجابية.23 الوظائف التي تتسم بالتحدي، أو الإشكالية، أو الحزن، أو التأثير العاطفي العميق، لديها القدرة على أن تكون مصدرًا غنيًّا لرؤى جديدة ومعانٍ ذات قيمة، وتجاهل هذا الأمر يهدد بخلخلة التوازن الدقيق لنظام القيمة المتكامل. تقديم الدعم للأشخاص في نهاية حياتهم يعد تجربة مؤلمة للممرضين ورجال الدين، ومع ذلك، أشاروا إلى أن هذه اللحظات كانت من بين الأكثر قيمة بالنسبة لهم. مهمة القادة تتمثل في الاعتراف بالجوانب الصعبة أو السلبية لبعض الوظائف، وتوفير الدعم المناسب للموظفين الذين يؤدونها، مع تقديم صورة صادقة عن الفوائد والإسهامات الواسعة التي تقدمها مثل هذه الوظائف.24
- قيمة المهمة
نظرًا لأن الوظائف تتألف عادةً من مجموعة واسعة من المهام، فمن المنطقي أن تشكل بعض هذه المهام مصدرًا أكبر للقيمة من البعض الآخر. 25على سبيل المثال، سيكون لدى الكاهن مسؤولية قيادة أفعال العبادة، ودعم الأفراد المرضى والضعفاء، وتطوير علاقات وأنشطة المجتمع، وربما مجموعة واسعة من المهام الأخرى؛ مثل جمع الأموال، وإدارة المساعدين والمتطوعين، وضمان صيانة مباني الكنيسة، وما إلى ذلك. في الواقع، كان الكهنة هم المجموعة الأكثر اجتهادًا التي تحدثنا إليها، حيث يعمل معظمهم سبعة أيام في الأسبوع في مجموعة متنوعة من الأنشطة. حتى الوظائف البسيطة جدًّا ستشمل عديدًا من المهام المختلفة. أحد التحديات التي تواجه المنظمات هو مساعدة الناس في فهم كيف تسهم المهام الفردية التي يؤدونها في وظيفتهم والمنظمة ككل.
عندما وصف الأفراد بعض المصادر غير القيّمة التي واجهوها في عملهم، غالبًا ما تحدثوا عن كيفية التوصل إلى تسوية مع العمل الممل أو المتكرر أو عديم الغرض، الذي يشكل جزءًا من كل وظيفة تقريبًا. على سبيل المثال، وصف حرفيو الحجر كيف كانت الأشهر القليلة الأولى من تدريبهم تتضمن تعلم “تربيع الحجر”، الذي يتضمن تشكيل كتلة حجر كبيرة إلى مربع مثالي، مع بضعة ملليمترات فقط من التفاوت على كل مستوى. بمجرد الانتهاء من واحد، كان عليهم البدء بآخر، مكررين ذلك مرارًا وتكرارًا حتى يقتنع الحرفي الرئيس بأنهم أتقنوا المهمة. بعد ذلك فقط سُمح لهم بالعمل على نقوش أكثر إثارة للاهتمام ومعقدة. وصف كثير منهم مشاعر الملل والعبث؛ فقال أحدهم إنه استغرق 18 محاولة للحصول على تربيع الحجر بشكل صحيح. “يشعر المرء بأنه لن يتحسن أبدًا”، كما يتذكر. شعر كثيرون برغبة في الاستسلام في هذه المرحلة، خوفًا من أن تكون صناعة الحجر ليست لهم. فقط في السنوات اللاحقة، عندما نظروا إلى الوراء في هذه الفترة من حياتهم العملية، تمكنوا من رؤية فائدة هذا المستوى التفصيلي من التدريب كخطوة أولى على طريقهم، إلى عمل أكثر تحديًا ومكافأة.
ملء النماذج، كما ذكرنا سابقًا، هو مثال آخر على العمل عديم القيمة. أفاد الأفراد في مجموعة واسعة من المهن، بأن ما سمّوه “البيروقراطية العبثية” استنزف قيمة عملهم. على سبيل المثال، كان معظم الأكاديميين الذين تحدثنا إليهم سلبيين للغاية بشأن كمية ملء النماذج التي تنطوي عليها الوظيفة. قال أحدهم: “كنت أسقط جداول البيانات في ثقب أسود ضخم”.
عندما نجحت المنظمات في إدارة السياق الذي نُفِّذت فيه هذه المهام الضرورية، ولكن المملة، نُظِر إلى المهام على أنها ليست بالضرورة ذات مغزى، ولكنها أيضًا ليست عديمة القيمة. قال أكاديمي آخر: “أنا جيد جدًّا في العمل الممل، ما دامت له قيمة أكبر”.
4-قيمة التفاعل
هناك اتفاق واسع على أن الناس يجدون عملهم ذا قيمة في سياق تفاعلي بطريقتين:26 أولًا، عندما يكونون على اتصال مع الآخرين الذين يستفيدون من عملهم؛ وثانيًا، في بيئة من العلاقات الشخصية الداعمة.27 كما رأينا سابقًا، فإن التجارب التفاعلية السلبية -مثل التنمر من قبل المدير، أو عدم الاحترام أو التقدير، أو إجبار تقليل الاتصال مع مستفيدي العمل- كلها تزيد من الشعور بعدم وجود قيمة، إذ يتلقى الموظف إشارات سلبية من الآخرين حول القيمة التي يضعونها على عمل الموظف. التحدي هنا هو قيام القادة بإنشاء مناخ عمل داعم ومحترم وشامل بين الزملاء، وبين الموظفين والمديرين، وبين موظفي المنظمة ومستفيدي العمل.28 كما ينطوي ذلك على الاعتراف بأهمية خلق مساحة في يوم العمل للتفاعلات الهادفة، حيث يمكن للموظفين إعطاء وتلقي ردود فعل إيجابية، والتواصل مع شعور بالقيم والانتماء المشتركين، وتقدير كيف يؤثر عملهم تأثيرًا إيجابيًّا في الآخرين.
لم يكن من المستغرب أن تأتي الأمثلة الأكثر إثارة للإعجاب لتأثير القيمة التفاعلية في الناس من المهن الرعائية المدرجة في دراستنا: الممرضات والكهنة. في هذه الحالات، كان هناك تواصل متكرر للغاية بين الفرد والمستفيدين المباشرين من عمله، غالبًا في سياق دعم وشفاء الناس في أوقات ضعفهم الشديد بحياتهم. إن مشاهدة كيف غيّر عملهم حياة الناس مباشرةً، وسماع ذلك مباشرة، خلق بيئة عمل مواتية للمعنى. على الرغم من أن الأبحاث السابقة29 قد سلطت الضوء بشكل مشابه على أهمية هذا الاتصال المباشر لتعزيز قيمة العمل، فإننا وجدنا أيضًا أن الأجيال الماضية أو المستقبلية، أو المستفيدين المتصورين في المستقبل، يمكن أن يؤدوا دورًا. كانت هذه هي الحال بالنسبة لحرفيي الحجر الذين شعروا بالارتباط بالأجيال الماضية والمستقبلية من الحرفيين من خلال علاماتهم المصرفية على ظهر الحجارة، وبالنسبة لجامعي القمامة الذين يمكنهم تصور كيف أسهم عملهم في بيئة المعيشة للأجيال القادمة.
القيمة الشاملة
تتحد العناصر الأربعة لنظام البيئة المعنوية لتمكين حالة من القيمة الشاملة، حيث يمكن تحقيق الفوائد التعاونية لمصادر متعددة القيمة.30 على الرغم من أنه من الممكن لشخص ما وصف اللحظات ذات المغزى من حيث أي عنصر واحد من الأنظمة الفرعية، فإن القيمة تكون ثرية عندما يكون أكثر من عنصر واحد أو جميع هذه العناصر موجودة.31 على سبيل المثال، وصفت مساعدة مبيعات كيف كانت تعمل مع فريق لإصلاح متجرها: “كنا جميعًا هناك حتى الساعة الثانية صباحًا، نعمل معًا لنقل الأشياء، وكان الجميع قد أسهموا وبقوا متأخرين وساعدوا، لقد كان وقتًا جيدًا. كنا منهكين لكننا ظللنا نضحك، ثم في صباح اليوم التالي كنا جميعًا مشرقين في زيّنا الموحد، كان شعورًا جميلًا، مثلما كانت عائلة صغيرة تتجمع معًا. في اليوم الذي فتح فيه المتجر، ذرفت الدموع من عيني. كان لدينا تجمع صغير وخطاب؛ قال المديرون “شكرًا” للجميع لأن الجميع قد أسهموا”.
العثور على عمل ذي قيمة يعدّ تجربة تتجاوز مكان العمل، وتصل إلى عالم أوسع في الحياة الشخصية للفرد. قد تكون تجربة عميقة، ومؤثرة، وغير مريحة في الوقت نفسه. تنشأ نادرًا وغالبًا بطرائق غير متوقعة؛ تجعل الناس يتوقفون للتفكير، ليس فقط فيما يتعلق بالعمل، ولكن حول ماهية الحياة نفسها. من خلال تجربة العمل على أنه ذو قيمة، نتوقف عن كوننا عمالًا أو موظفين ونرتبط كبشر، متواصلين في رابطة إنسانية مشتركة مع الآخرين. بالنسبة للمنظمات التي تسعى لإدارة القيمة، فإن المسؤولية الأخلاقية والمعنوية كبيرة، لأنها تجسر الفجوة بين العمل والحياة الشخصية.
على الرغم من ذلك، فإن الفوائد التي تعود على الأفراد والمنظمات التي تنشأ من أماكن العمل ذات القيمة يمكن أن تكون هائلة. من المرجح أن تنجذب المنظمات التي تنجح في هذا، وتحتفظ وتحفز الموظفين الذين يحتاجون إليهم لبناء مستدام للمستقبل، وخلق بيئات عمل يمكن للبشر أن يزدهروا فيها.
المراجع (32)
-1ف. إي. فرانكل، «(الإنسان يبحث عن المعنى» (بوسطن: دار بيكون للنشر، 1959.
-2و. ف. كاسيو، «التغيرات في العمال والعمل والمنظمات»، المجلد 12، الفصل 16 في «دليل علم النفس»، تحرير: و. بورمان، ر. كليموفسكي، ود. إلجن (نيويورك: وايلي، 2003).
-3م. ج. برات و ب. إي. آشـفورث، «تعزيز الإحساس بالمعنى في العمل ومن خلاله»، في «المنح الدراسية التنظيمية الإيجابية»، تحرير: ك. س. كاميرون، ج. إي. دَتّن، و ر. إي. كوين (سان فرانسيسكو: بيرِت–كوهلر، 2003).
-4ك. بيلي، ر. يومان، أ. مادن، م. تومبسون، و ج. كيريدج، «تركيب سردي للأدلة حول العمل ذي المعنى: التقدم وجدول أعمال البحث» (ورقة مقدَّمة إلى مؤتمر أكاديمية الإدارة الأمريكية، أنهايم، كاليفورنيا، 5–9 أغسطس 2016)؛ وكذلك م. ج. برات، ك. براديس، و د. أ. ليبيستو، «الأداء الجيد، والعمل للخير، والعمل معًا: ممارسات تنظيمية لتنمية العمل ذي المعنى بفاعلية»، في «الغاية والمعنى في مكان العمل»، تحرير: ب. ج. ديك، ز. س. بيرن، و م. ف. ستيغر (واشنطن العاصمة: الجمعية الأمريكية لعلم النفس، 2013)، ص 173–196.
-5عرّفنا العمل ذي المعنى بأنه ينشأ «عندما يدرك الفرد ارتباطًا أصيلًا بين عمله وغاية حياتية متسامية أوسع تتجاوز الذات». انظر: ك. بيلي و أ. مادن، «الوقت المُستعاد: الزمنية وتجربة العمل ذي المعنى»، مجلة العمل والتوظيف والمجتمع (أكتوبر 2015)، doi:10.1177/0950017015604100. ويختلف الإحساس بالمعنى عن الاندماج الوظيفي، الذي يُعرَّف بأنه موقف إيجابي مرتبط بالعمل ويتكوّن من الحيوية والتفاني والاستغراق. انظر: و. ب. شوفايلي، «ما هو الاندماج الوظيفي؟»، في «اندماج الموظفين: النظرية والتطبيق»، تحرير: ك. ترَس، ك. ألفِس، ر. دِلبريدج، أ. شانتز، و إ. سوان (لندن: روتليدج، 2014)، ص 15–35.
-6ك. أرنولد، ن. تيرنر، ج. بارلينغ، إ. ك. كيلواي، و م. ك. مَكي، «القيادة التحويلية والرفاه النفسي: الدور الوسيط للعمل ذي المعنى»، مجلة علم نفس الصحة المهنية 12، العدد 3 (يوليو 2007): 193–203.
-7م. ليبس-ويرسما و س. رايت، «قياس معنى العمل ذي المعنى: تطوير والتحقق من مقياس العمل ذي المعنى الشامل»، إدارة الجماعات والمنظمات 37، العدد 5 (أكتوبر 2012): 665–685.
-8ب. د. روسو، ك. هـ. ديكاس، و أ. فرجِسنيِفسكي، «حول معنى العمل: تكامل نظري ومراجعة»، البحث في السلوك التنظيمي 30 (2010): 91–127.
-9أ. ماسلو، «الدافعية والشخصية» (نيويورك: هاربر ورو، 1954).
-10هـ. إيرسنر-هيرشفيلد، ج. أ. مايكلز، س. ج. سوليفان، و ل. ل. كارستنسن، «الوقع الوجداني: التجربة العاطفية المختلطة في مواجهة النهايات ذات المعنى»، مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي 94، العدد 1 (يناير 2008): 158–167.
-11ب. س. هِلد، «طغيان الموقف الإيجابي في أمريكا: ملاحظات وتأملات»، مجلة علم النفس الإكلينيكي 58، العدد 9 (سبتمبر 2002): 965–991.
12-ج. س. بندرسون و ج. أ. تومبسون، «نداء البرية: حرّاس حدائق الحيوان، الرسالة المهنية، والسيف ذو الحدين للعمل شديد المعنى»، المجلة الفصلية للعلوم الإدارية 54، العدد 1 (مارس 2009): 32–57.
-13س. كارترايت و ن. هولمز، «معنى العمل: تحدي استعادة اندماج الموظفين وتقليل السخرية»، مراجعة إدارة الموارد البشرية 16، العدد 2 (يونيو 2006): 199–208.
-14ف. هيرتزبرغ، «مفهوم الدافعية–الصحة ومشكلات القوى العاملة»، إدارة شؤون الأفراد 27، العدد 1 (1964): 3–7.
15-م. ليبس-ويرسما و ل. موريس، «التمييز بين ’ العمل ذي المعنى‘ وإدارة المعنى‘»، مجلة أخلاقيات الأعمال 88، العدد 3 (سبتمبر 2009): 491–511.
-16المرجع نفسه.
-17المرجع نفسه.
18-ن. شالوفـسكي، «أماكن العمل ذات المعنى» (سان فرانسيسكو: وايلي، 2010)؛ و ف. أ. والومبا، أ. ل. كريستنسن، و م. ك. موتشيري، «القيادة التحويلية والعمل ذي المعنى»، في ديك، بيرن، وستيغر، «الغاية والمعنى»، ص 197–215.
-19ج. م. بودولني، ر. خورانا، و م. هيل-بوبر، «إعادة النظر في معنى القيادة»، البحث في السلوك التنظيمي 26 (2004)، doi:10.1016/S0191-3085(04)26001-4.
-20تشير المنظّرة التنظيمية ماريا ل. بيشاروف إلى تحدي الإدارة في بيئة تنظيمية تختلف فيها آراء الموظفين حول القيم الأهم، وتلفت إلى «الجانب المظلم» لمحاولة فرض أيديولوجيا تنظيمية موحّدة على الموظفين. وبناءً على بحثنا، نرى عمومًا أن الموظفين يرحّبون ببيان واسع لغرض المنظمة وقيمها يتيح لهم مساحة لتفسيره بما يكون ذا معنى لهم. انظر: م. ل. بيشاروف، «البيئة العلائقية للتماهي: كيف ينشأ التماهي التنظيمي عندما يحمل الأفراد قيَمًا متباينة»، مجلة أكاديمية الإدارة 57، العدد 5 (أكتوبر 2014): 1485–1512.
21-أ. فرجِسنيِفسكي و ج. إي. دَتّن، «صياغة الوظيفة: إعادة تصور الموظفين كصانعين نشطين لأعمالهم»، مراجعة أكاديمية الإدارة 26، العدد 2 (أبريل 2001): 179–201؛ و ج. م. بيرغ، ج. إي. دَتّن، و أ. فرجِسنيِفسكي، «إعادة تشكيل الوظيفة والعمل ذي المعنى»، في ديك، بيرن، وستيغر، «الغاية والمعنى»، ص 81–104.
-23ب. إي. آشـفورث و ج. إي. كراينر، «دَنِس أم عميق؟ إيجاد المعنى في الأعمال القذرة»، في ديك، بيرن، وستيغر، «الغاية والمعنى»، ص 127–150.
24-هِلد، «طغيان الموقف الإيجابي»؛ و إيرسنر-هيرشفيلد وآخرون، «الوقع الوجداني: التجربة العاطفية المختلطة».
-25ليبس-ويرسما و موريس، «التمييز بين ’العمل ذي المعنى‘».
-26أ. غرانت، «تصميم الوظائف العلائقي والدافعية لإحداث فرق اجتماعي نافع»، مراجعة أكاديمية الإدارة 32، العدد 2 (2007): 393–417.
-27ليبس-ويرسما و رايت، «قياس المعنى».
28-أ. غرانت، «القيادة بالمعنى: التواصل مع المستفيدين، الأثر الاجتماعي، وآثار الأداء للقيادة التحويلية»، مجلة أكاديمية الإدارة 55، العدد 2 (أبريل 2012): 458–476.
-29أ. فرجِسنيِفسكي، ج. إي. دَتّن، و ج. ديبيبي، «بناء المعنى التفاعلي ومعنى العمل»، البحث في السلوك التنظيمي 25 (2003): 93–135.
30-غرانت، «القيادة بالمعنى».
-31ليبس-ويرسما و رايت، «قياس المعنى».
32-ن. شالوفـسكي، «بناء ناشئ للعمل ذي المعنى»، التنمية الدولية للموارد البشرية 6، العدد 1 (2003): 69–83.
i. بيلي و مادن، «الوقت المُستعاد: الزمنية والتجربة».
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




