بقلم جيكوب ستيرن
تستطيع الإحساس بحدوث شيء غريب عندما يتحدث إيلون ماسك عن تأييده لتنظيم التكنولوجيا أو عندما يتفق كيفن مكارثي وأحد المسؤولين المعينين من جو بايدن من الحزب اليساري على أن قضية معينة لها الأولوية – هؤلاء ليسوا أشخاصًا يتفقون على أي شيء في العادة، ولكن هذه القضايا الحديثة هي السياسات المقلوبة رأسًا على عقب للذكاء الاصطناعي.
إن الذكاء الاصطناعي ليس قضية يمكنك أن تكون معها أو ضدها كالأسلحة أو الإجهاض مثلًا، فهو على سبيل المثال وليس الحصر، قضية اقتصادية (هل سيقوم الذكاء الاصطناعي باستبدال الملايين من الأشخاص من وظائفهم؟) وقضية تتعلق بالسياسة الخارجية (ماذا سيحصل لو تجاوزتنا الصين؟) وأيضًا قضية سياسية (هل سيقوم الذكاء الاصطناعي بزيادة مشكلة معلوماتنا المضللة؟). ولكن يدور نقاش رئيس واحد حول الذكاء الاصطناعي: بين التقنيين المثاليين الذين يعتقدون بأن الذكاء الاصطناعي سيبدأ عصرًا جديدًا من الازدهار وبين التقنيين المتشائمين الذين يعتقدون بأن الذكاء الاصطناعي سيكون قوة مدمرة ومزعزعة للاستقرار التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى نهاية العالم. مع ذلك، لا ينفصل هذان الفريقان عن الأسس السياسية الصارمة، ولكن بطريقة ما وفي عصر يمكن لأجهزة المطبخ وكتب الأطفال فيه أن تتحول إلى واجهات جديدة في الحرب الثقافية بين عشية وضحاها، تمّكن الذكاء الاصطناعي بشكل ما من البقاء محايدًا على نحو مدهش.
ترجع حقيقة هذا الوضع الراهن غير الاستقطابي جزئيًا إلى أن الذكاء الاصطناعي المُوَلَّد هو أمر جديدٌ كليًّا أو قد ساد مؤخرًا، إذ بدأت حمى الذكاء الاصطناعي في الانتشار بشكل جدي منذ إطلاق ChatGPT بحوالي ستة أشهر تقريبًا. لم يمتلك الناس الكثير من الوقت حتى يتمكنوا من اتخاذ مواقفهم بشأن التكنولوجيا، فضلًا عن تشكيل آرائهم الحقيقة بشأن ذلك، كما لم يتمكن الأمريكيون من الحصول على العديد من الإشارات الواضحة من قاداتهم السياسيين حيال ما يجب عليهم أن يشعروا به. أخبرتني ليليانا ماسون وهي أستاذة العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز التي درست الاستقطاب بأن: “الدافع الرئيس لجعل الأشياء سياسية هو ما يقوله القادة عنها”. فعلى سبيل المثال لم تكن قضية كوفيد قضية سياسية عندما أبصرت النور لأول مرة في أواخر عام ٢٠١٩م وأوائل عام ٢٠٢٠م، ولكن مع مرور الوقت وبمساعدة الخطاب الجمهوري الذي قام بالتقليل من قيمة الفيروس، جرى فتح فجوة حزبية.
لم يحدث مثل هذا مع الذكاء الاصطناعي بعد، وقد كان رد إدارة بايدن على ظهور ChatGPT إلى حد كبير بمنزلة وثيقة غامضة صدرت في أكتوبر وقد وصفت بأنها “مخطط أولي لوثيقة حقوق الذكاء الاصطناعي”. وفي أواخر مارس عندما سأل أحد المراسلين السكرتيرة الصحفية الخاصة بالبيت الأبيض عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يشكل خطرًا وجوديًا اكتفت بالضحك على السؤال، وفي الأسبوع الماضي قام الرئيس بإدلاء بعض من تصريحاته غير الواضحة، وقُدمت العديد من الوثائق التي تقوم بتنظيم الذكاء الاصطناعي في الكونغرس ولكن لم يجرِ تطبيق أي منها بعد، وقد أخبرني الأعضاء الديمقراطيون في تجمع الذكاء الاصطناعي بمجلس النواب تيد ليو ودون باير، بأن القضية لم تصبح مستقطبة بعد.
قد تنتهي هذه الفترة بين الحزبين عندما يبدأ بايدن أو ترامب أو حتى الشخصيات الإعلامية الكبرى مثل تاكر كارلسون وراشيل مادو في اتخاذ مواقف بشأن الوعود أو التهديدات حول الذكاء الاصطناعي، وقال ماسون أيضًا إن استقطاب الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقوم بإيذاء أعداد كبيرة من الناس إما عن طريق شغله للوظائف أو إساءة معاملة المستخدمين، أو تحويل بعض طرائق الحياة إلى أخرى قد عفا عليها الزمن (وقد حدث بعض من هذا لعدد قليل من المستخدمين).
من غير الواضح كيف ستحدد الأحزاب مواقفها سواءً أكانت مؤيدة للذكاء الاصطناعي أم معارضة له أم في موقف حيادي بين الاثنين، فالاحتمالات تتغير باستمرار، وقد يعارض الديمقراطيون تطور الذكاء الاصطناعي على أساس المخاطر الوجودية، وهم عادةً ما يكونون أكثر قلقًا بشأن التهديدات طويلة الأمد مثل تغير المناخ وانتشار الأوبئة. وأما الجمهوريون فقد يعارضون تطور الذكاء الاصطناعي باعتباره قوة مزعزعة للاستقرار، وهم عادةً ما يكونون أكثر قلقًا بشأن الحفاظ على الهياكل والأعراف الاجتماعية الحالية وغيرها، أو ربما قد يقومون بدعمه بالنظر إلى اعتراضهم على اللوائح التنظيمية الحكومية. ومن ناحية أخرى، فقد يعارضونه على أساس شكوكهم العلمية، بينما الديمقراطيون قد يدعمونه لأنهم “يتبعون العلم”، وربما قد يعارض كلا الحزبين اللوائح التنظيمية خوفًا من التنازل عن هيمنة الذكاء الاصطناعي لصالح الصين.
أو ربما ستجد هذه الأحزاب سببًا مشتركًا لالتزامهم بالخصوصية والحذر من شركات التكنولوجيا الكبرى، أخبرتني ديبورا راجي الخبيرة في التحيز ضد الذكاء الاصطناعي في مؤسسة موزيلا أن “هنالك بالفعل الكثير من الأسس التي يمكن الاتفاق عليها، فالأطراف المختلفة لديها دوافع مختلفة، ولكن كلاهما لديه أسباب لبقاء صناعة التكنولوجيا أمراً تحت السيطرة”. ومع ذلك، يمكن أن تصبح هذه الدوافع المختلفة أساس الانقسامات التي تنقسم عليها الأحزاب، وقد اندلعت مناقشات بالفعل حول مسائل التحيز والرقابة مع شعور الليبراليين بالقلق من ميلChatGPT نحو التحيز العنصري، في حين ركز المحافظون اهتمامهم على رفضه التلفظ بالإهانات العنصرية.
إن لم تتحول المسائل المبدئية إلى أمور حزبية فقد يحولها المال. أيد أباطرة الذكاء الاصطناعي لوائح التنظيم السياسية، ولكن قول ذلك بشكل مجرد شيء ودعم التشريع الفعلي شيء آخر. وعبر باير عن قلقه بشأن السيناريو الذي تقوم فيه صناعة الذكاء الاصطناعي بتقديم الكثير من الأموال لصالح طرف ما أو لآخر وذلك في محاولة منها لمحاربة جهود لوائح التنظيم السياسية من الحزبين، وبذلك، لن تكون هي أول صناعة قامت بهذا الفعل.
كون الذكاء الاصطناعي قضية تتعلق بكل شي هو جزء مما يجعل السياسة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي يصعب الحصول عليها، إنه مثل العديد من الأشياء المختلفة والأسلحة النووية وأبحاث اكتساب الوظائف والكهرباء، ولكن بهذا السياق فهو لا يشبه أيًا منهم تمامًا وهذا ما يجعل من الصعب إدراجها في أي إطار حزبي موجود. أخبرني باير أنه “إذا طلبت من عشرة أشخاص مختلفين في الكونغرس أن يقوموا بتعريف الذكاء الاصطناعي فإنك ستحصل على عشر إجابات مختلفة على الأقل” فمن الصعب أن تنقسم إلى معسكرين مختلفين عندما لا يفهم أحد ما الذي تتجادل حوله.
وإذا كان هناك أي أشخاص قادرين على ذلك، فهم الأمريكيون، إن نظامنا السياسي مختل من نواح عديدة لا حصر لها، لكنه يتفوق في استقطاب حتى أكثر القضايا الهادئة ولن أقوم بالمراهنة ضدها.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة ذا أتلانتيك).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




