ترجمة: غيداء العبودي
يحتوي الكتاب على مقالات مختارة في فلسفة العلوم والتكنولوجيا، معظمها يتعلق بالذكاء الاصطناعي، لكنها ليست مقتصرة على الذكاء الاصطناعي فحسب، بل كذلك تحرير الجينات وعلم الاجتماع الفلكي (Astrosociology)، ونظرية الخيال العلمي التي تصورها ليو تسي شين، التي رغم أنَّها ليست تخصصًا معترفًا به، فإنَّ لها أهمية عملية كبيرة.
نظرية المعرفة هي الأصل السابق لفلسفة العلوم والتكنولوجيا، وعلى الرغم من أن الفلسفة في العصور القديمة قد ناقشت مسائل المعرفة، فإنَّ نظرية المعرفة لم تتطور إلَّا في العصر الحديث، والتي كانت نتيجةً لما بعد علم اللاهوت، وخطة لبناء الذاتية، والتي عبّر عنها إيمانويل كانط بكلماته العظيمة بأن نظرية المعرفة تسعى لإثبات أن العقلانية البشرية قادرة على “سن القوانين”، وممَّا لا شكّ فيه أن طموحات نظرية المعرفة ترتبط بنشوء العلوم الحديثة. إن لم تظهر العلوم الحديثة التي تفسر جميع الأشياء في الكون من خلال التجارب وباستخدام نظريات نيوتن التي حققت نجاحًا باهرًا، فمن الصعب تخيل أن المعرفة ستكون جوهر الفلسفة الحديثة. من أهم مواضيع نظرية المعرفة الحديثة هي تلك التي طرحها إيمانويل كانط، ومحاولته تفسير المبادئ العامة للمعرفة، لكن ما اكتشفه البشر لاحقًا، أنَّه يمكن لنظريات إيمانويل كانط تفسير أساس الوعي للعلوم في مراحله المبكرة الذي تمثله قوانين نيوتن، ولكن لا يمكن لنظرية كانط أن تفسر العلوم الحديثة التي تمثلها الهندسة غير الإقليدية، ورياضيات كانتور، ومنطق غودل، والنسبية وميكانيكا الكمّ، ولا أن تفسر العلوم الإنسانية التي لا يمكن تبسيطها إلى مفاهيم علمية، أي المعرفة التاريخية التي عرّفها فيلهلم دلتاي بأنها “العلوم الروحية”[1] و”علم الثقافة” عند ليكرت.
لقد تطورت نظرية المعرفة المعاصرة عن طريق العلوم والعلوم الإنسانية، والتي انقسمت فيما بعد إلى نوعين مختلفين أُطلق عليهما “الثقافتين”. باختصار، لم تتجاوز نظرية المعرفة المعاصرة تقديس مفهوم العلم، كما يُعتقد أن المعرفة التي تحقق المعايير العلمية هي المعرفة الحقيقية، ويعتقد أيضًا أن العلوم والتكنولوجيا ستكون قادرة على حل المشكلات جميعها عاجلًا أم آجلًا. إن تقديس العلم ليس إيمانًا أعمى، فقد خلق العلم العديد من المعجزات الخارقة التي تعد ولا تحصى، وعلى الرغم من أن العلم لا يفسر القيمة والتاريخ لأنهما مجالان خاصان بالعلوم الإنسانية، فإنَّ نقطة ضعف العلوم الإنسانية هي أنها غير قادرة على إنشاء أنظمة منهجية تتمتع بالمصداقية التي يتمتع بها العلم حتى يومنا هذا.
تعد فلسفة العلوم والتكنولوجيا وريثة نظرية المعرفة، إلَّا أنها انفصلت عن النظرية التي طرحها كانط لمبادئ المعرفة الشاملة، فهي تحلل أساليب إنتاج المعرفة العلمية والفرضيات المعرفية، والآليات الإدراكية وأنماط المعرفة، كما تعكس أيضًا العواقب الاجتماعية، والثقافية، والسياسية للعلم وتقدم نقدًا إنسانيًّا أو أخلاقيًّا للعلم.
أدى انكماش نظرية المعرفة إلى فلسفة التكنولوجيا، إلى فقدان تأثيرها الواسع. في السنوات الأخيرة، أصبحت فلسفة العلوم والتكنولوجيا فجأة مجالًا محوريًّا ومتقدمًا في الفلسفة، حتى إنها أصبحت مركزًا أساسيًّا يؤثر في جميع القضايا الفلسفية، وقد كانت نقطة تحولها الكبيرة متعلقة بالذكاء الاصطناعي وتحرير الجينات. على الرغم من مرور مئة عام على التطور الذي أحدث فارِقًا في التاريخ من خلال مجموعة كانتور الرياضية ونظريات غودل، والنظرية النسبية وميكانيكا الكم، فإنَّ نظرية المعرفة لم تستطع حتى يومنا هذا تفسير القضايا الجذرية المتعلقة بها بشكلٍ كافٍ. المقصود هو تلك المشكلات الصعبة التي كان يُشار إليها بشكل مبالغ فيه باسم “أزمة الرياضيات” و”أزمة الفيزياء” والتي قيل عنها إنها “أنهت الحقيقة”. من المثير للاهتمام بأن البشر لا يشعرون بالقلق بشأن تلك المسائل، وهذا يعني أنَّ مسائل نظرية المعرفة ليست مُلحة ولا مُهلكة، وحتى إذا لم تستطع المعرفة تفسير صعوباتها الخاصة، فإن ذلك لا يؤثر في استمرار تطورها. رغم أنَّ الذكاء الاصطناعي وتحرير الجينات عبارة عن تطبيقات وتطورات في التكنولوجيا، فإنهما أقل ثورية من حيث الأفكار مقارنةً بالعلوم، كما أنَّ ممارسة الذكاء الاصطناعي وتحرير الجينات قد يؤديان إلى حدوث مشكلات خطيرة تفوق نظرية المعرفة وتمس نظرية الوجود (Ontology)، أو بعبارة أخرى، لقد تحولت من مسألة “معرفية” إلى مشكلة وجودية. وبما أن القضايا المتعلقة بالوجود جميعها قضايا مصيرية مُلحة، فهنا تكمن المشكلة: لو كان قدر البشرية غير محظوظ، فإن من الممكن للذكاء الاصطناعي وتحرير الجينات وغيرها من التقنيات القضاء على الجنس البشري. لقد أظهر التاريخ أنه لا يمكن لأي نقد أن يمنع تطور التكنولوجيا، وعلى الرغم من أن البشر يحبون تخويف أنفسهم، فإنَّهم في نهاية المطاف من المستحيل أَلَّا يفتنوا بالتكنولوجيا المذهلة.
إن الخطورة الفعلية للذكاء الاصطناعي ليست كخطورته النظرية؛ لأن المستوى التكنولوجي للذكاء الاصطناعي حاليًّا بعيدٌ تمامًا عن تلك الأخطار النظرية (وفيما يخص ادعاءات التفرد التقني فهي مبالغ بها)، وعلى الرغم من المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي فإن فوائده كبيرة في الحياة اليومية، وبالتالي فإن القيود المفروضة على الذكاء الاصطناعي بمفهوم آلة تورنغ تعتبر مقبولة. رغم أنَّ الذكاء الاصطناعي الخارق الذي يفوق آلة تورنغ يُعَدُّ خطرًا كبيرًا، فإنَّه يُرى حاليًّا كمسألة ميتافيزيقية.
المحور الرئيسي لهذا الكتاب هو الذكاء الاصطناعي كقضية ميتافيزيقية. يُمكن فهم النقاش عن الذكاء الاصطناعي الفائق الذي يملك وعيًا ذاتيًّا وقدرات خارقة، كنقاش ميتافيزيقي وأسطوري، على الرغم من أن هذا الخطر الميتافيزيقي بعيد، فإنَّه حقيقي. إنَّ الإنجازات الكبيرة في العلوم والتكنولوجيا قد تكون مفاجئة مثل ثورات بركانية.
تكمن الخطورة الحقيقية والوشيكة في التقنيات البيولوجية مثل تحرير الجينات، في أن منافع التقنيات البيولوجية الكبيرة مقارنة بمنافع الذكاء الاصطناعي يجعلها مغرية أكثر، وتعد استخدامات التقنيات البيولوجية لعلاج الأمراض جميعها مقبولة، في حين أن أي استخدام لها لتغيير وتحسين الطبيعة البشرية للوصول للكمال، كالسعي للخلود والذكاء الخارق والجمال الفائق يعُد أمرًا خطيرًا، وقد تؤدي تلك المحاولات التي تسعى لتدمير الأنظمة وإعادة هيكلة الطبيعة البشرية إلى هلاكها؛ لأن تدمير الأنظمة أسهل بكثيرٍ من بنائها، بالإضافة إلى أن إعادة بناء نظام جديد يتطلب قوة إلهية تفتقر إليها البشرية. لا يمكنني تقديم براهين موثوقة بخصوص هذا الشأن إلَّا بناءً على اعتقاد شخصي واحد: من المستحيل لصنعة البشر أن تتجاوز خلق الطبيعة، بالتالي فإن جميع التقنيات المعنية بإعادة هيكلة بناء الطبيعة قد تؤدي إلى هلاك شامل لنظم الحياة.
تسعى جميع الأهداف بعيدة المدى للذكاء الاصطناعي وتحرير الجينات إلى تغيير الطبيعة الثابتة على مستوى علم الوجود وتحاول إعادة بنائه، وأي محاولة لإعادة بناء الوجود محفوفة بمخاطر شديدة، تتعارض مع مبادئ تجنب الأخطار بعقلانية. وممَّا لا شك فيه أن كل مخاطرة تملك فرصة ضئيلة للنجاح، لكن بما أن البشرية تفتقر إلى فهم أسرار الوعي والطبيعة بشكل كامل، فإن أي محاولة لإعادة بناء الوجود هي مخاطرة لا أساس لها. إن الغرور البشري في العصر الحديث مرتبط بأسطورة الإنسان المتجذرة في قلوب البشر التي تدفع الإنسان إلى التطلع لتحقيق كل شيء، إلى حد أن تصوراتهم قد تتحول إلى وهم لا يمكن السيطرة عليه. والأكثر رعبًا هو أن أسطورة الإنسان مرتبطة بتركيبة الإنسان، لذا فإن معارضة الانتهاكات الذاتية تتطلب براهين قوية. تأمل العديد من الفلاسفة الحداثة والذاتية وتقديس العلم بصورة نقدية، وتحول ذلك منذ زمن طويل إلى جزء معروف من الخطاب الفكري، ولكن ذلك كله بلا فائدة أمام إيقاف أسطورة الإنسان. لقد فسد البشر لدرجة أنهم يريدون السيطرة الحصول على كل شيء بسهولة دون بذل أي جهد، وقد أثبتت الحقائق أن النقد الأخلاقي للحداثة والذاتية وتقديس العلم ضعيف ومثير للشفقة وغير فعال. ورغم ذلك كله، ومهما حنَّ المرء إلى ذلك العالم المُحبط، فإن هذا الحنين يُعَدُّ عديمَ الجدوى مع الأسف، وذلك لافتقاره لقيمة فكرية. تُنذر أسطورة الإنسان وأسطورة الذاتية، والذكاء الاصطناعي وتحرير الجينات بحدوث مأساة بشرية.
[1] تشير إلى العلوم التي تهتم بفهم التجربة الإنسانية، بما في ذلك التاريخ والفلسفة وعلم النفس، وذلك من خلال تفسير الظواهر البشرية والأنظمة الثقافية.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




