ترجمة: بشائر حدادي
مرّت المجتمعات الأوروبية خلال القرن الرابع عشر بمدة من التغيرات الفكرية، إذ أدى السعي وراء السعادة الدنيوية إلى تفكيك المنظومة الفكرية التي أسستها الكنيسة منذ العصور الوسطى على أسس التصوف والزهد، وقد أثرت هذه التحولات الفكرية العميقة والمعقدة على فرانشيسكو بترارك، إذ أصبحت المواجهة بين الفكرين القديم والجديد، والصراع بين الإيمان العميق والسعادة الدنيوية، مصدر إلهام لإبداعه الأدبي طوال حياته.
شاعر البلاط
وُلِد فرانشيسكو بترارك في العشرين من شهر يوليو لعام 1304م في بلدة صغيرة تدعى أريتسو (الواقعة اليوم في إقليم توسكانا بإيطاليا)، وتنتمي عائلته في الأصل إلى إحدى الأسر العريقة في فلورنسا، عمل والده سير بترارك، محاميًا وموثقًا قضائيًّا هناك، عام 1302م، وبعد سيطرة فصيل الغويلفيين السود على فلورنسا، أطلق الغويلفيون السود محاكمة ضد الغويلفيين البيض، بهدف طرد دانتي – وهو شاعر إيطالي مشهور– وحزبه من فلورنسا، وبصفة والد بترارك محامي الدفاع عن “الغويلفيين البيض”، دافع بقوة في المحكمة عن دانتي وأفراد الفصيل، ما جعله عرضة لكراهية الغويلفيين السود وسعيهم للانتقام منه، فوُجّهت إليه تهمٌ ملفقة بالتزوير، وصودرت ممتلكاته، وصدر حكم بنفيه من فلورنسا غيابيًّا، ما جعله يضطر يائسًا إلى مغادرة المدينة برفقة زوجته إلى أريتسو، حيث وُلِد فرانشيسكو بترارك.
عام 1312م، انتقل بترارك مع والديه إلى مدينة أفينيون بجنوب فرنسا حيث تلقّى تعليمًا جيدًا، وبفضل الخلفية المتميزة لعائلته، أُتيحت له فرصة الاطلاع على مختلف الكتب والمخطوطات، ما عزّز لديه حب القراءة منذ الصغر، وهو أمر لم يكن متاحًا لكثير من الأسر آنذاك، ففي القرن الرابع عشر، أي قبل ظهور الطباعة في أوروبا، كانت الكتب والمخطوطات والنصوص الأخرى نادرة، ولم يكن الحصول عليها ممكنًا إلا للأثرياء، سواء عبر تكليف النُّسَّاخ بنسخها أو شراء النسخ الأصلية بأسعار باهظة، في حين كان الفقراء يعتمدون على نسخ الكتب بأيديهم إن أرادوا امتلاكها، بعد سنوات عدة، بدأ بترارك دراسة القانون في جامعة مونبلييه بفرنسا على الرغم من أنه لم يكن شغوفًا بهذا المجال، وسافر خلال هذه المدة إلى مدن عدة، مثل البندقية وريميني (الواقعة في منطقة إميليا رومانيا في إيطاليا اليوم، والتي يشار إليها فيما بعد باسم (بولونيا) وبولونيا للتواصل والتعلم، حيث تعرّف على الأوساط الأدبية هناك، وفي بولونيا، حيث تُستخدم اللهجات المحلية في كتابة الشعر، صقل بترارك مهاراته الأدبية، كما غرس بذور إبداعاته المستقبلية للكتابة بلهجة مسقط رأسه توسكانا.
عام 1326م، توفي والد بترارك، وتدهور الوضع المالي لعائلته، ما أدى إلى تخليه عن دراسة القانون والعودة للاستقرار في أفينيون، حيث كان البابا كليمنت الخامس قد نقل الكرسي البابوي هربًا من الاضطرابات السياسية في روما، التحق بترارك خلال هذه المدة بوظيفة في الكنيسة، حيث توفر له عملاً مريحًا ودخلًا جيدًا، ما مكنه من متابعة شغفه بالقراءة والكتابة والشعر، وفي عام 1327م، التقى بترارك في كنيسة القديسة كلير بلورا، المرأة التي حلم بها طوال حياته، فوقع في حبها من النظرة الأولى، وهكذا بدأت رحلة حب استمرت مدةَ 40 عامًا من دون جدوى، ولم يؤثر هذا الحب على حياة بترارك الشخصية فحسب، بل أصبح مصدرًا مهمًّا لأشهر أعماله مجموعة القصائد الإيطالية “كتاب الأغاني”، وزاد اهتمام بترارك بالنصوص اللاتينية القديمة في ثلاثينيات القرن الرابع عشر، فبحث في الأديرة والمكتبات في أوروبا للبحث عن المخطوطات القديمة في أكوام الكتب القديمة، واكتشف بعض النصوص اللاتينية المهمة، مثل “الدفاع عن أرخياس”[1] لشيشرون، ومن خلال القراءة والبحث، أتقن بترارك اللغة اللاتينية وأصبح قادرًا على استخدامها بطلاقة.
بدأ بترارك تأليف ملحمته اللاتينية الشهيرة «قصيدة إفريقيا» منذ عام 1338م، وهي عمل أدبي يتناول موضوع الحرب البونيقية الثانية، وقد أكسبته هذه الملحمة شهرة واسعة وجعلته ذائع الصيت في الأوساط الأدبية، وفي عام 1341م، توّج بترارك بإكليل الغار على تل الكابيتول في روما على يد الملك روبرت الأول ملك نابولي، ليصبح بذلك أول شاعر مُتوَّج علنًا في أواخر العصور الوسطى، كان التتويج بإكليل الغار أعلى تكريم يُمنح للشعراء والعلماء البارزين، إذ كان يرمز إلى قمة الإنجازات الأدبية والعلمية، وقد عُدَّ تتويج بترارك بمنزلة إحياءٍ للتقاليد الرومانية القديمة، كما أنه كان حدثًا رمزيًّا للإنسانية في أوائل عصر النهضة، ألهم نجاح بترارك كثيرًا من المفكرين والشعراء اللاحقين مثل بوكاتشيو، لمواصلة استكشاف مسار الأدب الكلاسيكي والإنساني.
جعل قبول التتويج بالغار بترارك ضيفًا كريمًا في عصره، إذ حظي برعاية الكنيسة وحماية أصحاب النفوذ، ما أنجاه من وباء الطاعون الأسود الذي تفشى عام 1348م، إلا أن حبيبته لورا لم تنجُ، وبعد أن أُلغي حكم نفي عائلته عام 1350م، وصل بترارك إلى فلورنسا، حيث التقى بأحد معجبيه وكان يدعى جوفاني بوكاتشيو، وسرعان ما نشأت بينهما صداقة وثيقة منذ لقائهما الأول، وكانا يتبادلان الكتب والمخطوطات بانتظام، حتى إن بترارك عهد إلى بوكاتشيو ببعض المخطوطات النادرة للأعمال الكلاسيكية لحفظها، تأثر بوكاتشيو ببترارك تأثرًا كبيرًا، فتعلم منه مزيدًا عن أساليب الكتابة باللاتينية ودمج الثقافة الكلاسيكية في أعماله، عام 1352م، غادر بترارك مدينة أفينيون الفرنسية بسبب خلافه مع البابا الجديد إينوسنت السادس ليستقر في ميلانو، وعلى الرغم من أنه تولى أحيانًا منصب المبعوث الدبلوماسي وسافر حول العالم، إلا أنه بدأ منذ ذلك الحين التركيز على نحو أكبر على التأليف والبحث، ومنذ عام 1369م، استقر في قرية أركوا، القريبة من مدينة بادوفا (حاليا في منطقة فينيتو بإيطاليا)، حيث توفي عام 1374م، وأُطلق على القرية لاحقًا اسم “أركوا بترارك” تخليدًا لذكراه، ولا يزال من الممكن زيارة منزله هناك.
من اللغة اللاتينية إلى اللهجة التوسكانية
كتب بترارك غالبًا باللغة اللاتينية في بدايات أعماله، تماشيًا مع تقاليد الأعمال الأدبية والأكاديمية في العصور الوسطى، وتُعد “قصيدة إفريقيا” المذكورة أعلاه من بين أبرز أعماله في تلك المدة، والتي تناولت شخصية سكيبيو الإفريقي، الشخصية التاريخية البارزة من حقبة الجمهورية الرومانية التي انتصرت على القائد القرطاجي هانيبل، وتدور أحداث القصة على نحو رئيسي خلال الحرب البونيقية الثانية، استلهم بترارك هذه القصيدة من الشاعر الروماني فيرجيل، إذ مجّد فيها البطولة الرومانية وإنجازاتها التاريخية، معربًا عن إعجابه بالثقافة الكلاسيكية، إضافة إلى ذلك، سلّطت “قصيدة إفريقيا” الضوء على إعادة اكتشاف بترارك للثقافة الكلاسيكية واعترافه بها، وتشكلت بوادر فكره الإنساني الذي كان له تأثير عميق على عصر النهضة لاحقًا.
بدأ بترارك في منتصف وأواخر عصره باستخدام لهجة توسكانا على نحو مكثف في أعماله، وهو ما جعله أحد المؤسسين البارزين في تاريخ الأدب الإيطالي، ومن أهم أعماله في هذا السياق “كتاب الأغاني”، الذي يُعدّ حجر الأساس للتقليد الشعري الغنائي في أوروبا ونموذجًا للأدب الإنساني في عصر النهضة، وقد استغرق بترارك مدةً طويلة في تأليف هذا الكتاب من أوائل ثلاثينيات القرن الرابع عشر وحتى قبيل وفاته عام 1374م، ويُعد هذا العمل خلاصة مشاعره وأفكاره على مدار حياته، يتمحور “كتاب الأغاني” على نحو رئيسي حول حب بترارك للورا، ويضم 366 قصيدة غنائية، كُتبت على 72 ورقة من الجلد، وهي محفوظة حاليًّا في مكتبة الفاتيكان، وينقسم الكتاب وفقًا لمحتواه إلى جزأين رئيسيين: إذ يضم الجزء الأول “خلال حياة لورا” 263 قصيدة، تصف جمال لورا وأناقتها خلال حياتها، وإعجاب بترارك بها، وتدور موضوعات هذه القصائد حول الفرح والألم والتناقض في الحب، مع استكشاف ممتلئ بالصراع بين المشاعر الدنيوية وسمو الروح، ويضم الجزء الثاني “بعد وفاة لورا” 103 قصائد، يعبر فيها بترارك عن حزنه العميق وحنينه إلى لورا بعد وفاتها، كما تتناول هذه القصائد مفهوم خلود الموت، وخلاص الروح، والتأملات الدينية.
يجدر الذكر أن مصدر إلهام بترارك في تأليف “كتاب الأغاني” هي لورا، المرأة التي أحبها بصدق، ظلّ محل جدل طويل حول هويتها الحقيقية، فوفقًا لما ورد في المخطوطات التي تركها، ادعى بترارك أنه رأى لورا لأول مرة في السادس من أبريل لعام 1327م في كنيسة سانت كلير، حيث فُتن بجمالها وحسن أطباعها، ثمة من يفترض أن لورا كانت سيدة نبيلة من منطقة أفينيون في فرنسا، لكن بسبب انعدام وجود وثائق تاريخية تثبت ذلك على نحو قاطع، يبقى هذا محض افتراض لا يمكن تأكيده، في حين يرى آخرون أن لورا لم تكن شخصية حقيقية، بل صورة مثالية ابتكرها بترارك لأغراض شعرية، إذ جسّدت تأملاته في الحب، وخلاص الروح، وضعف الطبيعة البشرية، ويتضح من خلال قصائده، أن لورا لم تكن محض محبوبة بترارك فحسب، بل أصبحت رمزًا يعكس تأملاته في الحياة، والدين، والقيم الخالدة، كما أن اسم “لورا” في اللغة الإيطالية يتطابق صوتيًّا مع كلمة “إكليل الغار”، وهو التاج نفسه الذي تُوّج به بترارك في روما على يد الملك روبرت الأول ملك نابولي، ما قد يُلمح إلى طموحاته الأدبية وسعيه وراء المجد والشرف، لكن سواء كانت لورا شخصية حقيقية أم لا، فقد تجاوزت في أعمال بترارك كونها شخصية محددة، لتصبح رمزًا للحب المثالي والنقاء، وهذه الطبيعة الغامضة هي إحدى خصائص أدب عصر النهضة، حيث التركيز على عكس المساعي الفلسفية والجمالية العالمية من خلال المشاعر الشخصية.
تتألف القصائد في “كتاب الأغاني” من حيث الشكل الشعري على نحو رئيسي من السونيتات، إذ يصل عددها إلى 317 قصيدة، بالإضافة إلى بعض القصائد الغنائية الطويلة، والقصائد القصيرة، والقصائد سداسية الأبيات، نشأت السونيتة أواخر العصور الوسطى الأوروبية في إيطاليا، وتطورت خلال القرن الثالث عشر، إذ كان شاعر البلاط في صقلية جياكومو دا لينتيني أول من كتبها، ثم انتشرت تدريجيًّا في مختلف أنحاء أوروبا، ترتبط نشأة السونيتة على نحو وثيق ببنيتها وموضوعاتها، إذ ظهرت في البداية بوصفها شكلًا من أشكال الشعر الغنائي تُستخدم للتعبير عن المشاعر والأفكار الشخصية، خلال مسيرة بترارك الإبداعية الطويلة قام بتطوير البنية القياسية للسونيتة، إذ قام بتنظيم إيقاعها وهيكلها على نحو متكامل، ما جعلها تصل إلى مستوى من الكمال، وعُرفت فيما بعد بـ”أسلوب بترارك”، وتمتاز هذه السونيتات بلغة دقيقة وجميلة، تجمع بين الطابع الموسيقي والتأمل الفلسفي، تتألف كل سونيتة من الناحية البنائية وكما يوحي الاسم من أربعة عشر بيتًا تنقسم إلى مقطعين، مقطع أول من ثمانية أبيات ومقطع ثانٍ من ستة أبيات، وكل بيت يتكون من أحد عشر مقطعًا صوتيًّا، ويتبع الأوكتاف عادةً نمطًا ثابتًا من القافية مثل: أ ب ب أ – أ ب ب أ، ويهدف إلى تقديم الموضوع، أو طرح تساؤل، أو إبراز مشكلة، أو تناقض، أو بداية انفعال معين، أما السيكستيت، فيتّسم بمرونة أكبر في القافية، مثل: ج د هـ – ج د هـ، أو ج د ج د ج د، أو ج د د هـ هـ و، ويعمل على إحداث تحول منطقي مقارنة بالأوكتاف، إذ يقدم إجابة على السؤال المطروح، أو يعالج المشكلة، أو يعمّق المشاعر، أو يطرح تأملًا فلسفيًّا، أثّر ابتكار بترارك لهذا الشكل الشعري في كثير من شعراء أوروبا اللاحقين، مثل إدموند سبنسر وويليام شكسبير في إنجلترا، وغارثيلاسو دي لا فيغا في إسبانيا، وانتشرت سونيتات الحب بهذه البنية على نطاق واسع في أوروبا، وكان لها تأثير عميق على أدب عصر النهضة في كلٍّ من إنجلترا وفرنسا وإسبانيا.
يُعد “كتاب الأغاني” لبترارك عملًا شعريًّا ذا مغزى تاريخي، يُمثل نقطة تحول من الفكر المتمركز حول الدين واللاهوت في العصور الوسطى إلى الإنسانية والثقافة الإنسانية، إذ عبَّر بترارك من خلال شعره عن مشاعره وأفكاره الشخصية، ما يعكس مبدأ الفردانية الذي يُبرز أهمية العقل والعاطفة لدى الإنسان، وهو أحد الخصائص الجوهرية لثقافة عصر النهضة، كما وسع بترارك نطاق التعبير عن الحب في أدب العصور الوسطى المقتصر غالبًا على حب الإله، ليشمل الحب الدنيوي أيضًا، فتناول في قصائده مختلف تجليات الحب، بدءًا من العشق المثالي والتبجيل، مرورًا بالاشتياق المؤلم، وصولًا إلى التأمل العميق والندم على حب لم يتحقق، وبذلك أضفى عمقًا غير مسبوق على التعبير العاطفي في الأدب، كما اعتمد بترارك في أعماله على وصف المناظر الطبيعية ليعكس حالته العاطفية الداخلية، وهي تقنية أصبحت فيما بعد من الأساليب الشائعة في الأدب الغربي.
أبو النزعة الإنسانية
يُلقَّب بترارك بـ”أب الإنسانية” نظرًا إلى دوره البارز في إحياء الثقافة الكلاسيكية، وتركيزه على الفردانية، وإسهاماته في استكشاف الطبيعة البشرية، فقد جسّدت حياته وأعماله المبادئ الأساسية للإنسانية المبكرة، لا سيما من خلال جهوده في إحياء التراث الكلاسيكي وإبداعاته الأدبية والفلسفية.
تجلى إحياء بترارك للثقافة الكلاسيكية على نحو رئيسي في دراسته العميقة للثقافتين الرومانية واليونانية القديمتين وإبداعه الأدبي، فقد قرأ على نطاق واسع أعمال الكُتَّاب الكلاسيكيين مثل هوميروس، وفيرجيليوس، وشيشرون، ما أثَّر على نحو كبير في أسلوبه الأدبي ومحتواه الفكري، ولم يكتف بترارك بالبحث عن المخطوطات الكلاسيكية المفقودة في إيطاليا وغيرها فحسب، بل تواصل أيضًا مع علماء آخرين من خلال الرسائل، وشجعهم على مزيد من الاهتمام بالثقافة الكلاسيكية، وفي الواقع قبل أن يلتقي بترارك مع بوكاتشيو في فلورنسا عام 1350م، كان الاثنان يتواصلان من خلال الرسائل الأكاديمية، ويناقشان قضايا أكاديمية وأعمال أدبية مختلفة من بينهما أهمية الأدب الكلاسيكي وأساليب ترجمته، ما أسهم في تعزيز صداقتهما وتطوير أعمالهما الأدبية.
أما تعزيزه مفهومَ الفردانية والوعي الذاتي، فيُعدُّ من أبرز إسهاماته التي رسَّخت مكانته بوصفه أبَ الإنسانية، فقد أظهر بترارك في “كتاب الأغاني” استكشافه العميق للمشاعر الشخصية من خلال الشعر، فلم يقتصر على التغني بالحب فحسب، بل عمَّق استكشافه للمشاعر الفردية وتعقيداتها، كما عكس في أعماله إدراكه وتفكيره بشأن ذاته، والوقت، والذاكرة، وغالبًا ما أنشأ في بعض قصائده قفزة أدبية بين الزمان والمكان من خلال حوارات مع شعراء قدامى، مثَّلت هذه التقنية شكلًا جديدًا من الوعي الذاتي، أي أن الأعمال الأدبية يمكن أن تكون مساحة للمؤلف لاستكشاف نفسه، مؤكدًا بذلك دور الفرد في الثقافة والتاريخ، فضلا عن ذلك، ناقش بترارك في بعض أعماله كيف يمكن للكتابة والسعي وراء المعرفة أن يساعدا الإنسان في فهم ذاته والعالم من حوله، أصبح هذا التركيز على النمو الشخصي وتطوير الذات سمة مميزة لعصر النهضة، إذ بدأ الناس يولون اهتمامًا أكبر للمنظور الفردي والتجربة الشخصية، ما أسهم في تطور الفنون والعلوم في تلك المدة.
إذا كان دانتي “والكوميديا الإلهية” قد أشعلا شعلة عصر النهضة، فإن بترارك و”كتاب الأغاني” نشرا شرارتها وروح الإنسانية في كل مكان، وقد حقق بترارك تقدمًا أكبر مقارنةً بدانتي من حيث الموضوعات الأدبية والأفكار الجوهرية في أعماله، فعلى مستوى الموضوعات الأدبية والمشاعر الشخصية، ركز دانتي في الكوميديا الإلهية على قضايا الدين والفلسفة والأخلاق، إذ شدَّد على خلاص الروح البشرية، ونظام الكون، والعدالة الإلهية، وعلى الرغم من احتواء العمل على عناصر عاطفية، مثل حبه لبياتريس، فإن هذه المشاعر كانت تخدم موضوعات أوسع، كما أن التعبير عنها كان محكومًا بالإطارين الديني والفلسفي، أما بترارك، فقد أولى اهتمامًا أكبر بالمشاعر الداخلية والتجارب الفردية للإنسان، في “كتاب الأغاني”، عبَّر بترارك عن حبه للورا من خلال القصائد الغنائية، إذ ركَّز على الصراعات الداخلية والتأمل الذاتي، وجعل العواطف الشخصية في صلب العمل الأدبي، يُعدّ هذا النهج في التعبير العاطفي أمرًا نادرًا في أدب العصور الوسطى، إذ مثَّل بداية الاهتمام بعالم الإنسان الداخلي وإبراز شخصيته، وقد أسهم هذا الاستكشاف للمشاعر الإنسانية في تشكيل مسار تطور الشعر الغنائي الأوروبي في الأوقات اللاحقة.
على صعيد الفكر الإنساني الرائد، لا تزال “الكوميديا الإلهية” لدانتي تحمل بصمات واضحة للفكر في العصور الوسطى، إذ تركز على نحو أساسي على السلطة المطلقة للعقيدة الدينية، وعلى الرغم من أن دانتي عبَّر عن احترامه للثقافة الكلاسيكية، إلا أن تركيزه كان لا يزال منصبًّا على خدمة النظرة المسيحية للعالم، أما بترارك، فقد استحق لقب “أب الإنسانية” لأنه أكد قيمة الإنسان وعقله وإمكاناته من خلال بحثه في النصوص اليونانية والرومانية الكلاسيكية، فقد دعا إلى تطوير الذات من خلال التعلم الذاتي والتأمل الشخصي، وكان له دور محوري في إحياء الثقافة الكلاسيكية، وقد وضع فكره الإنساني الأساس الفكري لعصر النهضة الإيطالية، ما جعله جسرًا مهمًّا في الانتقال من فكر العصور الوسطى إلى الفكر الحديث.
أما من حيث التأثير على الأجيال اللاحقة، فقد تجلى تأثير دانتي بشكل أساسي في التراث الأدبي القومي الإيطالي، إذ وضع الأسس للأدب الإيطالي، وكان له تأثير عميق على الأدب الديني وأسلوب الشعر القصصي، في المقابل، امتد تأثير بترارك إلى نطاق أوسع شمل أوروبا بأكملها، فقد أصبحت سونيتاته وأفكاره الإنسانية نموذجًا يُحتذى به لدى شعراء وعلماء عصر النهضة الأوروبي، وكان لنموذجه في التأمل الذاتي واهتمامه بالتجربة الفردية دور بارز في تمهيد الطريق أمام ظهور الأدب الحديث، وقد تأثر به كثير من الأدباء والمفكرين مثل شكسبير ومونتين.
يمكن القول إن دانتي يُعد آخر أعظم شعراء العصور الوسطى، فقد مهد الطريق لعصر النهضة، لكنه ظل مرتبطًا بقيم العصور الوسطى، أما بترارك، فكان أول أديب كسر قيود الفكر القروسطي، وفتح الأبواب أمام عصر النهضة، ما جعله المؤسس الحقيقي للإنسانية الحديثة.
[1] الشاعر أولوس ليسينيوس أرخياس، وهو شاعر سوري-يوناني، اتُّهم بأنه حصل على الجنسية اليونانية بشكل غير قانوني، فدافع عنه تلميذه شيشرون.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




