تمتاز السينما بقدرتها على التملص من الزمان والمكان، والتنقل فيهما بحرية أكبر، وذلك لما يهبه الوسيط السينمائي من مساحة أكثر سعة، ومع ذلك تُلزمُ بعضُ الأفلام نفسها بما لا يلزم، وذلك من قبيل التحدي بصناعة أحداث الفيلم في مكان أو زمان محددين.
يأتي فيلم (السادسة صباحا) 6 AM للمخرج الإيراني مهران مُديري ضمن تلك الأفلام التي تلتزم بزمن محدد، وقد تم عرض الفيلم في الدورة الرابعة لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي المقام في جدة البلد.
تبدأ أحداث الفيلم في ساعات محددة قبل رحلة سارة (سميرة حسنبور)، وقبيل توديعها لوالديها الأستاذين الجامعيين، وعزمها على حزم حقائبها استعدادا للرحيل إلى تورنتو في كندا، وكشف ما يحمله بوستر الفيلم من تسيُّد السادسة صباحا، ليكون موعد رحلتها، ومغادرتها لبلدها، وعندها نترقب في تشويق مُصْغِين إلى مضي الوقت بسير عقرب الثواني في حساباتنا بوصفنا مشاهدين، ومشاركين في الفيلم الذي اتخذ من التشويق نوعا ينتمي إليه، فمن فضائل التشويق في الأفلام التي تتخذ من الوحدة الزمنية سمة لها؛ ما تمارسه من إدخال المشاهد في معضلة الزمن أثناء جلوسه على الكرسي، لأن تقييد الأحداث بوقت محدد يلحّ على المشاهد ويوتره، ويجعله ينظر إلى ساعته مجازًا، كما تنظر سارة إلى ساعتها بتكرارها للوقت المتبقي على رحلتها.
غياب صوت العقارب
أخرست التقنية أصوات عقارب الساعة، ولا أعلم ما إذا كانت تلك مزية أم عيب؟ فمن بعد أن كانت تلك العقارب تشاركك حساب الوقت؛ صار عليك أن تترقب ذلك من تلقاء نفسك، وعليك أن تعدها بحساب دقات قلبك مثلا، أو بتصاعد أنفاسك في الشهيق والزفير، وتقسيم ذلك بمعادلة رياضية لا بد من إتقانها، وربما تصيب أو تخيب، فلا انتظام للأرقام المعطاة، وعندها إن أخطأت في المدخلات، فلا تعويل على المخرجات!
هذا ما يحدث لمشاهد الفيلم، فلا يعلم متى بدأ توقيت القنبلة الموقوتة والمعلنة في بوستر الفيلم، ولا يرتدي ساعة تسير مع عقارب ساعة سارة، ولا يعلم عن الوقت الذي وجدته سارة ضيقًا وغير منطقي لقبولها دعوة صديقتها فريبا (منى فرجاد)، ولكن لا مناص من إجابة الدعوة، وخاصة عندما تعلم ما الذي تكبدته صديقتها وزوجها من أجل إقامة حفل توديع سارة، وغبطتها ضمنا على الرحيل من مكان لا يقبل تجمعا مثل ذلك، والخلاص برحيل يتمناه كل الحضور، ما عدا سارة التي تترقب انتهاء بعثتها وعودتها قبل رحيلها، ومع ذلك لا يعنيك بوصفك مشاهدًا إلا مؤقت القنبلة، وترقب انفجارها!
من سجن الزمان إلى المكان
تصل سارة إلى شقة صديقتها، وتفوز باحتفال محل تقديرها، فلم تألُ صديقتها جهدا في الاحتفاء والاحتفال بها، وترك ذكرى تظل خالدة في ذاكرتها بعد رحيلها، فكل ما يمكن تقديمه؛ وجدته سارة، حتى الفلامينجو والعازفين الذين أثثوا الشقة بعزفهم بعد عشاء بسيط عبارة عن بيتزا، يتناولها كل واحد دون مشقة. بيتزا تخرج من سجن الفرن مبتهجة؛ لتصطدم بسجن الصندوق الكرتوني. إلى سجن الأفواه والبطون!
هكذا كانت حالة سارة بتطور الأحداث بشكل مكثف في فترة زمنية قصيرة، وهذا ما أضاف الشعور بتوتر الزمن، الذي كان عامل السرد الأول، وهو الذي نجح في ضغط الأحداث وخلق التوتر المستمر بمضي الوقت، والانتقال من فقرة احتفالية إلى أخرى، ظنا بأنّ الزمن وحده قادر على ذلك!
لا يمكن للزمن أن يعمل منفردًا، فالمكان عنصر مؤازر لتعقيد الأحداث، وخاصة عندما نعلم لاحقًا أن مثل هذا الاحتفال مخالف للعرف والنظام بوجود مشروبات كحولية، واختلاط بين رفاق من الجنسين، وربما العزف يدخل في منظومة المخالفات، لا حصر للمخالفات المدونة في التقرير الذي لا نعلم ما كُتب فيه، ولكن من الواشي؟
الوشاية أم الواشي؟
هل من المهم أن نعرف من وشى بهم؟ فهل هو صديق سارة الذي عرف بمكانها دون أن يحضر؟ وما أقسى الوشاية من صديق! أو من عامل البيتزا الذي أطعمهم قبل أن يطيح بهم؟ أو أحد جيرانهم ممن يصله صخبهم دون مشاركتهم الفرح؟
لا يهم الواشي بقدر قبح الوشاية بأناس يحتفلون دون أذية أحد كما شاهدنا، فالمتلقي شاهد على ما حدث، وهو أعلم بالتفاصيل لو أتيح له أن يتقدم لتقديم شهادته، فحجم الضرر لا يُقدّر عندما تجاوز ليضغط على سارة في صراعها مع عداد الثواني الخفي، ولهذا كانت الوحدة الزمنية للفيلم تحدٍ للمخرج؛ ليظهر أقصى ما لديه من أسئلة (ماذا لو؟)
شارك المخرج مُهران مُديري كتابة السيناريو مع عباس رافي، وترك التخمينات لمزيد من الإثارة والتشويق، فكلما ضغطت على الشخصية، وصنعت العقبات؛ تضاعفت الحلول بمزيد من التعقيد، وإرهاق البطل، والابتكار في السرد، ولا شك من الخروج بنتائج مذهلة على الأغلب، بل والنزول إلى الميدان كما حدث للمخرج مُهران مُديري في هذا الفيلم
تدخلُ المخرج
تعقد الأمر وخرج عن السيطرة، وهذا ما يدعو إلى التحفيز لمشاهدة هذا الفيلم لمن لم يشاهده، وكان على المخرج لبس دور المفاوض لإنهاء هذا التعقيد، فقام المخرج بهذا الدور باقتدار، ولعب مشهدًا مميزا على مستوى الحوار والأداء، والختام بعناصر أكثر تشويقًا بإدخال من هم خارج دائرة الحدث مثل سيافاش (مهرداد صديقيان) أخي سارة، ولا بأس من تطعيم التوتر بقليل من الكوميديا في شخصية فاتح الأقفال، والكشف عن أعماق شخصية البطلة بهذه الأداة السردية المتمثلة في الوحدة الزمنية، والضغط حتى الاقتراب كثيرا من موعد الرحلة، والتركيز على التفاصيل الصغيرة التي لا تخلو من حمل معاني كثيرة من الاستعانة بالأخ دون غيره في أحلك الظروف.
بدا التركيز على تفاعل الأخ مع الحدث عاملا محفزًا، ودافعا للأحداث، وظهرت نتيجته بالتصعيد على مستوى السرد، وحبس الأنفاس في اللقطة الحاسمة التي لعب عليها المخرج بعكس معادلة الزمن الذي يمر سريعا، والسخرية بتبطيء اللحظة إخراجيا، فالمخرج معروف بسخريته، وهذا ما ظهر على صعيد المونتاج.
إن الزمن في هذا الفيلم أشبه ما يكون بالقصيدة التي تعتني بكل لقطة بوصفها وحدة صغرى في الفيلم، وهذا ما انعكس من خلال العناية بتأثيث المكان، فلم تأتِ صورة مارلين مونرو التي تحتل مساحة كبرى في الجدار عبثًا؛ لأن صورة مونرو السينمائية لا تمثل حقيقتها، كما أن السهرة العابرة لأصدقاء؛ ليست كما يتوهمه المتشفُّون بمصيرهم! وكذلك لوحة الفتاة ذات القرط اللؤلؤي للفنان الهولندي يوهانس فيرمير، فهل تلك الفتاة هي سارة التي جاءت من خيال المخرج، لتكون مثالًا، أم أن سارة على الأرض دون أن يعرفها أحد؟! فكم من سارة ضاع مستقبلها من أجل إجابة دعوة!
وأختم برمز اقتصاص يد الرب بآدم من الفريسكو المصور على سقف كنيسة سيستينا في الفاتيكان لتجسيد خلق آدم، وتأطير لقطة سيافاش أمام هذه الصورة في قرار مصيري صعّد أحداث الفيلم لذروة تخطف الأنفاس، فهي من اللحظات بالغة الأهمية -وكل لحظات الفيلم ذات قيمة- فهي ذات دلالات تأويلية على مستوى الحدث، وتستحق من باب التحفيز مشاهدة الفيلم لقراءة الدلالات، ففتح الأسئلة أولى من إجابة واحدة تقفل الباب. إن لقطات الفيلم جديرة بالتأمل، حتى ما جاءت مطولة للتعبير عن الزمن، واصطحاب المشاهد لحضور الحفل معهم، ليستمع إلى الأغاني، ويتناول البيتزا؛ من أجل أن يعيش اللحظات معهم، ويقوم بتفكيكها لحظة بلحظة، ويكابد حالة الترقب التي يطلبها الفيلم، فهي تمرين على التفلسف على أقل تقدير بأسئلة سقراطية للتحقق ممّا شاهدته بإخضاع الشخصيات لهذا الاختبار، ومدى استجابة الفيلم بوصفه لوحة فنية لاكتمال العناصر وإحكامها وتوازنها معا.
…
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




