مقالات

الدنوّ من مارك روثكو – سعيد بوكرامي

حوارٌ مُتخيَّل

تمهيد:

إن الدنو من مارك روثكو يجعلنا نضع في اعتبارنا دائمًا تحذيراته الناقمة على النقد التشكيلي، بمعنى ما، فهو غير راضٍ على ما سأكتبه الآن، وبالأحرى أن أحاوره. نفور مبرر من الفنان طالما أن النقد التشكيلي يمترس نفسه، حسب تصور روثكو، خلف مفاهيم جاهزة تصب في قوالب جاهزة أيضًا؛ لكن روثكو يمنحنا أملًا لمصاحبة أعماله والنزول إلى سراديب تصوراته التشكيلية، على الأقل هذا ما أشعر به وأنا أتأمل لوحاته وتجربته الثرية والامتداد التشكيلي الذي عبّد به طرقات سريعة وشوارع خلفية لمدارس فنية جاءت بعده.

حوار متخيل:

– كيف يمكننا إذن أن نفسر أعمالك الفنية؟

إذا أردت فعلًا أن تفسر أعمالي فإنه من اللازم عليك أن توجه عينيك إلى مكان آخر غير الألوان، وهذا يعني أن تأخذ بعين الاعتبار جانبها الروحي وليس الصباغي المادي. وإذا كان الفن حياة وجدانية وفكرية تترجم في شكل بصري وتشكيلي، وإذا كانت اللوحة صورة الفكرة أو فكر الصورة وليس الفكرة المهيأة لتصير صورة؛ فإن جميع التأويلات التي تفسر الفن أو تبرر تجاربه مجرد أفكار نقدية في شقيها النظري والتطبيقي، تقتل هذه الحياة الفنية التي عاشها الفنان بأعصابه وأفكاره وعلاقاته وجنونه.

– هل تعني أن النقد التشكيلي عاجز عن تفسير لوحاتك؟

أعتقد أن النقد التشكيلي الحالي موت معلن وراسخ للوحة، وتجميد لمصيرها الجمالي الراقي. إن الفن – بالنسبة لي – بناءٌ من التصورات الفنية والذهنية، وإذا لم يتمكن النقد من سبر هذه الطبقات والاستعارات الأُنطولوجية فستحول أعماله الفنية إلى جثث محنطة وجاهزة للتشريح المادي، وبذلك تعيد المعنى نفسه، ولن تقدم جديدًا. من أين إذن سنحيي الفن ونعيد إليه الحياة التي أرادها لنفسه بعيدًا عما لحقه من النقاد والمتاجرين الذين يحاصرون الفن والفنان ويمْلُون عليهما متطلباتهم. في الوقت الحاضر، أصبح الفنان بلا صوت لأن هناك العشرات من الأصواتالتي تفرضمتطلباتها، ولأنني ضقت ذرعًا بتفسيرات النقاد وتجار اللوحات ألفْتُ كتابًا عن تجربتي الفنية وعن واقع الفنان في ظل التحولات الجمالية والسوسيوثقافية والاقتصادية.

– أنت تمقت علانية نقاد الفن الذين تعدهم مجرد ثرثارين ومُسهمين في انحدار الفن وتسليعه، وقد بررت كلامك بأن الفن التشكيلي إذا كانت له قيمة معينة فهو لا يحتاج إلى من يفسره.

ما يعتقده النقاد والأكاديميون وهي فكرة منتشرة على نطاق واسع بين الرسامين أن الموضوع لا يهم طالما رُسم بشكل جيد، هذا هو جوهر الأكاديمية؛ لكنه ليس صحيحًا، يمكنك أن ترسم لوحة جيدة عن لا شيء؛ لهذا أؤكد مرة أخرى أن الذات أساسية وأن الموضوع الوحيد الجدير بالاهتمام هو التراجيدي والأبدي.

– من أنت يا مارك روثكو؟

أنا أدعى ماركوس روثكوفيتش، رسام أمريكي من أصل روسي، ولدت في عام 1903 في دفنسك بلاتفيا. هاجرتُ إلى بورتلاند في عام 1913، ودرست في جامعة ييل عام ثم درست الرسم في نيويورك 1924-1925. بدأت حياتي المهنية في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، ونظمت أول معارضي سنة 1933-1934. حصلت على الجنسية الأمريكية في عام 1938 فغيرت اسمي في عام 1940، في الخمسينيات والستينيات سيندهش العالم التشكيلي بجدارياتي ورغم شهرتي التي فاقت كل التوقعات؛ فإن صدمتي كانت كبيرة عندما اكتشفت أن لوحاتي تعامل بصفتها سلعة. وهنا وقعت في تناقض صارخ وصعب. وبعيدًا عن منطق المال وقيوده فقد لجأت إلى حساسيتي الفنية الرامية إلى إبداع فن خالص يستمد ميثولوجيته من ذات الفرد ومرجعياتها الدينية والعاطفية والمعرفية أمام واقع الفن المعاصر المحاصر بمجتمع استهلاكي يسطِّح الثقافة ويسلع الفن ويحوله إلى مصدر لجني المال.

– أنت فنان تشكيلي تعبيري تنتمي إلى ما يسميه كليمنت غرينبرغ التعبيرية التجريدية التي تعتمد على التمويه الظاهري، بينما بناؤها الداخلي إيقاعات لونية وهندسية لا محدودة. نعود مثلًا إلى متتالياتك التي بدأتها خلال سنوات الأربعينيات وأنهيتها في السبعينيات من القرن الماضي. حدثنا عن هذه المراحل الحاسمة في تجربتك الفنية.

انطلاقًا من سنة 1949 سأتخلص تدريجيًّا من إيقاعي التعبيري المرتبط بالأشكال التي تحاكي الواقع هندسيًّا ولونيًّا، لأدخل من ذاك مرحلة توحيد الأشكال وتشتيت الألوان المتأرجحة بين الأصفر والأحمر والرمادي، وفي لحظة حاسمة وهي سنة 1950 التي أفرزت سلسلة من اللوحات تلاشت فيها الأشكال الضبابية والعشوائية المتجسدة بصريًّا في اللوحة كلطخات عفوية وغامضة تشبه أعماق الإنسان العائمة بالأسرار. في هذه السنة بالذات ستدخل لوحتي مرحلة التقشف في الألوان والأشكال؛ لكن فضاء اللوحة أصبح أكبر حجمًا. كما أن الألوان أصبحت فاتحة بين الأبيض والوردي والأحمر والأصفر مع تمويهات بأشكال محدودة بين المستطيل والمربع تتداخل أفقيًّا ولا تتزحزح عن إيقاعها المتكرر والمتشابه. كثيرون يعدون فترة الخمسينيات مرحلة قطيعة في الفكرة والصباغة، لكني أرى العكس؛ لأن إرهاصات هذه المرحلة كانت راسخة في تجاربي منذ سنة 1947. وستتواصل هذه التجربة الأفقية في سنوات الخمسينيات بمتتالية بدأت تهيمن عليها الألوان الداكنة الأسود والبنفسجي والأزرق الداكن، وبين الفينة والأخرى كانت تظهر إرهاصات تجربة قادمة ملْت فيها إلى توحيد اللوحة في لون واحد تتخلله هوامش هي تدرُّج للون نفسه؛ لكن أكثر خفةً وهشاشة. وبالضبط في سنة 1954 مع لوحتي الأزرق، الأصفر، الأخضر علىالأحمر؛ لكن في سنة 1955 ستظهر تجربة جديدة ولوحات تمزج موضوعة الأرض بألوان جديدة: الأخضر، والبرتقالي التي خلقت فضاءً بصريًّا وحسيًّا. وبهذا الارتقاء الواعي للتعاقد بين اللون والفضاء كنت أسير نحو قدر حتمي لا مفر منه. إنه طموح الفنانين جميعهم في التحرر من اللون والوسائط والغوص في المطلق الجمالي. البرتقالي القرمزي الأسود؛ ثلاثة ألوان ستحيط كوني الجمالي بهالة تجريدية فاتنة ومبلبلة لا يستطيع المشاهد الفكاك منها.

وفي سنة 1959 سأخرق القاعدة وعن عمد لأرسم أول لوحة عمودية )أحمر على بني(. كانت المحاولة في البداية محتشمة؛ لكنها كانت جرأة محمولة على سند من الأمل للانزياح عن الأشكال والألوان الموحدة أو الأفقية. كانت سنوات الستينيات والسبعينيات جميعها تنويعات على تجربة سنوات الخمسينيات. وفي نهاية السبعينيات انطلقتُ في تجربة مرهقة جسديًّا وذهنيًّا بحيث شرعتُ في رسم الجداريات الجديدة التي أسفرت عن لوحات ضخمة ذات لون موحد مثل المرحلة البنفسجية والمرحلة السوداء.

– بعد هذه التجربة الهائلة هل بقي لروثكو ما يعطيه؟ وهل من أفق لتتجاوز منجزك التشكيلي الواقع في شرنقة تصورات فنية صارمة ومجازفة، ربما تتجاوز طاقتك وقدراتك؟

أعترف أن مغامرتي الأخيرة انحصرت عندما بدأت أعطي أهمية للفضاء الخارجي بدل الفضاء الداخلي للوحة، وبذلك دخلت مرحلة الفراغ المطلق، لا شيء يوجد في أعماق الإنسان غير الفراغ؛ لكن بنظرة سوداوية ومتشائمة. عندما نريد أن نعبر بطريقة عملية عن صورة تعكس الإحساس القوي، نتحدث عن عمق الشعور أو التغلغل داخل معرفتنا أو إلهامنا، وهذا معناه إماطة اللثام عن المجهول، وهو ما يعادل الإلهام في الفهم المباشر أو الكشف عما كان غامضًا. أقول إن هذه كلها وسائل للتعبير عن أحاسيس سرية أو بتعبير أعمق من أجل إقامة علاقة حقيقية بواقعنا؛ لذلك فإن لدى لوحاتي هذه المساحة الهائلة وهذا يعني أن طاقة التعبير تتجلى في محاولة جعل الغامض والماورائي واضحًا، وجعل البعيد في أعماقنا أكثر دنوًّا حتى أتمكن من نقله إلى نظامي الإدراكي والحميمي. هذه رغبات ومخاوف وتطلعات عقل حيوي. هذا العقل الحيوي الذي انطفأ بالإجهاد والممانعة والبحث عن الفن الخالص المستبصر للعقل الباطن. لم تنجح تجربة روثكو الفنية خالصة من الوقوع في الشيزوفرينيا التي لا تحتمل تناقضاتها مع الواقع ولا ترى في الغياب المتعمد غير نوع من الخلاص الاستثنائي.

– هل حقًّا كنت ترسم لوحات، وفي نيّتك أن تحولها إلى معجزات؟

إن لوحاتي تدفع المشاهد دون إدراك منه إلى أن يقول أي شيء يخطر على باله، لوحات لا تستدعي الصمت المهادن؛ بل الحوار الداخلي المشحون وكأنه يخوض حربًا لا تنتهي من التأويلات: الفن البعيد المنال، والمتمنّع على التفسير؛ يورطنا في دلالات ذاتية معتمة، ومعالم متضاربة من الطفولة والتكوين ألوان متناقضة كنسيج الحياة؛ لهذا ربما يجب أن نتوقف عند هذا الحد. فهي لا تضيف شيئًا إلا صخبًا في المشاعر والانفعالات. إن ما يمارسه التشكيل في حد ذاته مآله الصمت الأبديّ، ويبدو أن هذه هي رغبته الوحيدة؛ ولكن لم لا نكتفي سوى بمتعة رؤية الألوان وهي تتجاور وتتجاوز وتتحدى الموروث الثقافي، والسياقات المفاهيمية. إن اللوحة متعة الاكتشاف أو إعادة اكتشاف الفن القلق والمتردد والمجازف، ويحاول الفنان بكل ما أوتي من طاقة وثقافة أن يكشف بفرشاته السمة الأولى للوجود البشري، والرعب والدهشة من الأشياء. ودورات الحياة قبل وجود الكلمة والمعنى. ألا نحاول إستعادة البدائية البشرية الأكثر توغلًا في التجريب الفني والفكري.

– لكن الكثير من النقاد يصنفونك ضمن الفن التجريدي، معتبرين تجاربك استكمالًا لهذه المدرسة الفنية المتنوعة والممتدة.

أنا لست فنانًا تجريديًّا، ولست مهتمًا بالعلاقة بين اللون والشكل ولا شيء من هذا القبيل. الشيء الوحيد الذي يهمني هو التعبير عن المشاعر الإنسانية الأساسية: المأساة، والنشوة، والمصير الجنائزي، والرغبة في الخلود… حقيقة أن الكثير من الناس يجهشون بالبكاء ما أن يشاهدوا لوحاتي، ويثبت ذلك أنني قادر على التعبير عن هذا النوع من المشاعر. الناس الذين يبكون في حضور لوحاتي يقومون بالتجربة الروحية نفسها التي أقوم بها في أثناء الرسم. وإذا – كما قلت للتو – كنت متأثرًا فقط بالعلاقة بين الألوان؛ فإن الجوهريّ في لوحاتي سينفلت من بين فروج أصابعكم.

خاتمة:

في النهاية ستبقى تجربة روثكو الفنية يلفها الكثير من الأسرار والألغاز التي تجعل منه اليوم الفنان الأكثر حضورًا لدى محبي فنه وخفاياه، وأيضًا من طرف عشاق الاقتناء والمتاحف، والدليل أن أعماله بلغت 839 لوحة كلها مشرقة روحيًّا، يتسيّد بها، اليوم، عالم التشكيل حتى بعد رحيله، فهو حاضر بقوة في المتاحف الكبرى للفن الحديث، في واشنطن وسان فرانسيسكو وبازل وهيوستن وباريس وطوكيو وغيرها. تتهافت على لوحاته قاعات المزادات ويتحين المقتنون فرص الاستفراد بإحدى لوحاته الفريدة. هل تحول روثكو إلى كل ما كان يخشاه: سلعة وتجارة وإكسسوار؟

انتهت مسيرة مارك روثكو بفاجعة انتحاره في مرسمه سنة 1970، تاركًا لغزًا صادمًا يُضاف إلى ألغازه الفنية الكثيرة.

 


المرجع الأساسي:

Mark Rothko : Écrits sur l’art 1934-1969. Editions Flammarion. 304p. 2015

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق