مقالات

لأي غرض وُجدت المرايا؟ – أيرينا سيمونز

ترجمة: أروى الغامدي

تَصوّر عالمًا بلا مرايا؛ حيث لا وجود لأسطح لامعة، ولا يحتوي شيئًا فيه خاصية انعكاسية. ما المفقود من عالم لا يملك خاصية انعكاس الصور؟ هل يمكننا تصور عالم الإنسان بلا مرايا؟ لا أنوي تقديم تفسيرات قطعية عن علاقتنا بالمرايا من حولنا في هذه المقالة الموجزة، ولكنني أنوي إيضاح مدى تعقّد هذه العلاقة، كما أرغب في حثّك على التفكير في أن المرايا ليست مجرد وسيلة عملية في الحياة اليومية، وأن هذا ليس غرضها الأساس؛ بل هي أداة تُظهر ماهية الإنسان، وما معنى أن يكون شخصًا استثنائيًا. بعبارة أخرى، أود منكم أن تفكروا في المرايا كوسيلة روحية.

سأجادل في هذه المقالة أن القدرة على إدراك الصورة المنعكسة -أي، إدراك مفهوم تأمل النفس والحاجة إلى التأملات- يجب أن تسبق محاولة صنع أشياء لها هذه الخاصية. فليس من قبيل المصادفة أن لنا مرايا؛ إذْ إننا لا ننظر في المرايا لأنها صَدف وأن وجدت في مجال نظرنا فحسب. ومما هو متعارف عليه أن عالم الحيوانات يفتقر إلى المرايا، ولا يعود ذلك بسبب عدم وجود أسطح لامعة في عالمها؛ بل لأن الحيوانات -مع بعض الاستثناءات- لا تدرك صورتها المنعكسة. فهي لا ترى صورتها المنعكسة لأنها غير واعية بأن لها ذوات، ولا تعنيها أسئلة الهوية؛ أسئلة من قبيل: من أنا؟ وما عساني أكون؟ وما معنى وجودي؟ إذن، ما الذي يجعل المرايا ممكنة؟ وماهي دواعي الحاجة للمرايا؟

بنظرة تخمينية عجلى في تاريخ المرايا، قد نخلص منها إلى أن المرايا الأولى كانت عبارة عن برك من المياه الساكنة والعميقة[1]. ولكن ألا يسعنا القول إنّ الإنسان قد رأى انعكاسه لأول مره في عينيّ إنسانٍ آخر؟ أن ترى عينَيْن موجَّهتيْن إليك يعني أن ترى نفسك منظورًا إليها. وثمة فلاسفة وعلماء يقولون إنّ فكرة الذات؛ أي، إدراك كون المرء شخصًا، تظهر إلى الوجود بمقابلة شخص آخر[2]. دعونا نعود إلى برك المياه العميقة، ماذا رأى أول شخص لاحظ انعكاسه في الماء لأول مرة؟ لقد رأى صورة مُبهمة لوجه ينظر إليه. ففي أول جزء من الثانية من اللقاء، ربما لم يتم التعرف على الصورة باعتبارها انعكاسًا لصورة المرء ذاته؛ بل مجرد أنها ولّدت الحاجة إلى التأمل في الذات.

أول المرايا صُنعًا التي نعرفها يعود تاريخها إلى ٢٩٠٠ قبل الميلاد، وقد كانت ذات شكل دائري وذات ذراع مُصممة للحمل أو التثبيت، وكانت كبيرة بما يكفي لتعكس وجه الإنسان. فيما بعد تم تصنيعها لتكون كبيرة بما يكفي لتعكس هيئة الإنسان بأكمله عندما تطورت أساليب الصناعة.

يشهد المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجيا أن الاستخدام الشخصي سَلف استخدامها الزخرفي والمعماري، وكذلك الغرض العملي في عكس الأشياء غير الواضحة وغير المرئية بشكل مباشر.

 

الرسام السابوروفي (The Sabouroff Painter) ٤٧٠-٤٦٠ قبل الميلاد أثينا -اليونان، المتحف الأثري الوطني.

هل المرايا نافذةُ تُطِلُ على الحقيقي الذي يتعذر الوصول إليه بطريقة أخرى؟ أم أنها تقدم لنا محاكاة (simulacra) وصور خادعة ليس إلا؟ إنّ أصل كلمة مرآة في الإنجليزية (mirror) في كل من اللغة اليونانية واللاتينية يشير إلى علاقتنا المعقدة معها، وذلك يشمل مفاهيم: الانبهار والإذعان والشك والحذر.

الكلمة اللاتينية «mirare» -التي جاءت الكلمة الإنجليزية «mirror» منها-  تعني «النظر إلى» وكانت اشتقاقًا من كلمة «mirari» ، والتي تعني »التفكر في شيء ما« و«التقدير»[3].  فقد كانت الكلمة اللاتينية لمرآة هي «speculum»، وتشير إلى معنى «العاكس» أو «زجاج النظر»، كما أنها تعني أيضًا «نسخة» أو «تقليد»[4]. إنّ كلمة «speculum» مشتقة من «specere» التي تعني «النظر إلى»، ومن اشتقاقات هذه الكلمة «الفحص» و«التشكك»، كما أنها تعني كذلك «ازدراء» و«بارز». وفي نفس العائلة التأثيلية نجد كذلك كلمة «speculari» التي تعني «التجسس على» أو «التحقق من»[5]. وكما هو ظاهر من نطق الكلمة [القريب نطقها من نطق كلمة speculate في الإنجليزية] فمن مشتقات الكلمة الواضحة معنى «التفكير التأملي التخميني» (to speculate). إنّ التفكير التأملي التخميني هو ذلك الضرب من التفكير الذي يجعل النظريات تتقدم ولكن دون دليل جازم.

تمنحنا المرايا التأملات؛ فالإنسان بطبيعته تأمّلي، على عكس تفكير الحيوان الذي يمكننا القول إنها -إلى حد بعيد- ذات تفكيري غريزي. إنّ التفكير التأملي يحرر الإنسان من الطبيعة، ففي التفكير التأمّلي يتحقق المرء من محتوى أفكاره؛ إذْ يهدف التأمل إلى صناعة عالم فكري مكتفٍ ذاتيًا ومُنفصلاً عن عالم الحواس التجريبي، وهو عالم ذو معنى خالص، ولا يرتكز على المادة؛ بل على العلاقة المنطقية بين المفاهيم. لقد جادل الفلاسفة أحيانًا أن هذا الواقع التأملي المثالي لا يتطلب وجودُه وجودَ الواقع المادي؛ فعالم من التفكر التأملي المحض يحتوي الحقائق الأساسية التي تصح في جميع العوالم الممكنة.

هل انعكاس المرآة مشابه لواقع التفكير التأملي؟ هل انعكاسات المرايا أكثر من مجرد صور منسوخة لأجزاء مادية؟ هل انعكاسات المرايا أكثر من مجرد مقتطفات لحظية ثابتة للعالم المادي والأجساد؟ هل يسعنا أن نرى في المرايا ماهيات مستقلة عن الأسطح المادية لوجودنا؟ هل تمتلك الانعكاسات قدرة الانفتاح على عالم روحي أعمق للذات؟ لو قادنا التفكير التأملي إلى جوهر وجودنا العقلاني، أتستطيع المرايا أن تُظهر لنا جوهر وجودنا الروحي؟ أتستطيع المرايا أن تُظهر لنا ماهية ما وراء الأقنعة التي نضعها على وجوهنا -بصرف النظر عن أسباب ذلك-؟ أتستطيع أن تُظهر لنا جوهر نفس المرء؛ تلك النفس المستترة وراء الهويات التي يتبناها المرء لغيره؟ هل تحررنا المرايا من أقنعتنا الاجتماعية، وتأخذنا بيدنا ثم تُرجعنا إلى أنفسنا؟

تصوّر أنك تمشي بقرابة حائط من المرايا دون أن تدرك أنها مرايا، وأن تستشعر وجود شكل يتبعك الى آخر هذا الحائط. وعندما تلتفت، ستكتشف أنها نفسك التي كانت ترافقك منذ البداية. لقد كان وجود نفسك -وقد خبرته وكأنه حضور غريب- يطاردك. إنّ المرايا تذكرنا على الدوام أننا لسنا شيئًا واحدًا مع أنفسنا؛ أي أننا قد نجهل أنفسنا. هذه الأمثلة تذكرنا أننا لا نساوي دائمًا أنفسنا، وأننا قد نسير بالتوازي معها. فالنظر في المرآة محاولة في النظر إلى عيني المرء نفسه وكأنه ينظر في عينيّ إنسان غيره -شخص مجهول- نظرةً غير متحيزة بالكامل.

تصوّر موقفًا آخر: أنك تلمح نفسك لمحة مُفاجئة عند الالتفاف والنظر للمرآة حيث لم تكن تتوقع وجود مرآة، ولجزء من الثانية، لا تدرك أنها مرآة؛ حيث ترى شخصًا دون أن تدرك أنه أنت. من ترى؟ من هو ذلك الشخص؟ ما الذي يبدو عليه هذا الغريب بالنسبة لك؟ ما رأيك فيه؟ إن التفتيش عن انعكاسنا في المرآة ليس إلا رجاءً أن تُفصح الذات عن قصتها الحقيقية.

قد يكون الأمر أنه كلما قلل المرء من محاولة بناء صورة للآخر؛ تحسَّن تصالحه مع نفسه، وزاد شعوره بالسلام والسيطرة على نفسه. أقول هذا لأنه يجب على المرء أن يجعل الصور التي يتصورها عن نفسه أساسًا يبني عليه مواجهته الآخرين، وذلك إنْ أراد لهذه التصورات أن تكون ناجعة، وتواجه ما يرونه توقعات الآخرين عنهم. فكلما حاولنا تلبية توقعات الغرباء؛ زاد احتمال أن ننسى أنفسنا.

تمنحنا المرايا انعكاسات لحظية أو هيكلية لما هو خارج نطاق منظورنا، وذلك نظرًا لتركيبة أجسادنا. لكن هل هذا حقًا ما يهمنا أولاً عندما ننظر لأنفسنا في المرايا؟ أم أننا بالأحرى نتطلع للحصول على لمحة عن الجوهر غير المادي لأنفسنا، وما يختبئ وراء كل هذا الجسد، وخلف ستار التعبيرات، وهي الأمور التي يستحيل أن تظهر في أي صورة؟ نظر المرء إلى نفسه بدون مرايا أشبه بمحاولة النظر إلى ورائه. النظر الى الوراء يعني النظر باتجاه شيء هو موجود هناك سلفًا، ولا يسعنا إلا الحصول على نظرة جزئية عنه. أن النظر إلى الوراء يعني النظر إلى توقعات ومُثل المرء الجاهزة عن نفسه، حيث يسقط -إسقاطًا منقوصًا- ما يريد المرء أن يراه، وينفتح -انفتاحًا منقوصًا- على إمكانية أن يُفاجأ، ويمني النفس بتوكيد ما يحوزه مسبقًا.

في مقابل ذلك، تمنحنا كلٌّ من المرايا وعيون الآخر إمكانية النظر إلى أنفسنا مباشرة في الوجه، وتجنب الالتفاتة الدائرية. هل تستطيع المرايا أن تُظهر لنا ما لسنا متأهبين لرؤيته؟ أم يمكنها فقط أن تُظهر لنا إسقاط توقعاتنا؟ هل يمكن أن تظهر لنا المرايا شيئًا لم نسقطه عليها؟

تقوم حاجة الإنسان للنظر في المرايا على البحث النبيل عن عالم أوسع وأعمق من الذي يمكننا رؤيته ولمسه مباشرة، ومع ذلك، على سبيل المثال، أسطورة نرجس [أو: نرسيس] تُعلمنا أن المرء قد يغرق بسبب انبهاره بالمظهر الخارجي لوجوده؛ بمعنى أن المرء قد يغرق فيما قد يسقطه في السطح العاكس عن نفسه.

لوحة «نرجس» لكارافاجيو (1597 – 1599)، المتحف الوطني للفن القديم- روما -إيطاليا

لا ينبغي لوم المرايا على فشلها في عكس حقيقة أعمق، كما أنها لا تستحق التمجيد إنْ فعلت ذلك. في حال عدم انتباه شخص ما لوجود المرايا؛ فإنها تصبح مجرد شيء لا حول له ولا قوة. والمرايا لا تصبح أدوات تأملية إلا حين يلاحظها المرء الذي له قدرة التأمل؛ وعليه، فإن قدرة المرآة على عكس الصور تتوسع بتوسع موقف المرء الذي يستعملها. في نهاية المطاف، أداء كل أداة يعتمد على براعة مستعملها.

في العديد من اللغات نجد صيغًا مختلفة لهذه العبارة: «العيون هي مرآة الروح» ولعل المقصود بهذه العبارة أنه إذا أردنا معرفة روح شخص ما؛ فإن أعينهم هي كل ما نحتاج إلى النظر إليه. لكن كيف يمكن للمرء أن يرى أرواحهم؟ ما الذي تنظر إليه عندما تنظر إلى انعكاسك في المرآة؟ هل تنظر مباشرة إلى عينيك؟ أم أنك تتجنب عينيك بالاهتمام والانغماس بمظهر وجهك؟ ماذا ترى عندما تنظر إلى عينيك المرآويتين؟ هل تستطيع أن ترى نفسك تنظر إلى نفسك بالمقابل؟ إلى اي حد يمكنك أن تحدّق في نفسك؟

 


 

[1]  https://en.wikipedia.org/wiki/Mirror

[2]  أشهر اكتشافات علم الأعصاب وعلم النفس الذي يدعم فكرة أن وعي المرء بنفسه يعتمد على التفاعلات مع الآخرين هو اكتشاف الخلايا العصبية المرآتية، هناك أيضًا كتابات فلسفية وفيرة تسهب في ما يلزم عن هذا الاكتشاف العصبي. ومع ذلك، قبل هذه الاكتشافات التجريبية، وبصرف النظر عن علاقتها في تشكيل مفهوم الذات بناءً على لقاء الآخر، لدينا على سبيل المثال: أعمال إدموند هوسرل في الفينومينولوجيا وعلى وجه التحديد، ما يتعلق بفكرة المابين ذاتية (intersubjectivity).

[3]  http://www.etymonline.com/word/mirror

[4] http://www.etymonline.com/word/speculum

[5] http://www.merriam-webster.com/dictionary/speculate

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق