مقالات

ماهية الشر كما رآها تودوروف: الآخر واختلاف الثقافات

أحمد بادغيش

«أقاوم الشر عن طريق المعرفة» – تودوروف

مقدمة:

لطالما اعتقدت بأن الفيلسوف البلغاري-الفرنسي تزفيتان تودوروف -المتوفى في عام ٢٠١٧م- هو أحد أهم الفلاسفة في العصر الحديث، وأرى أن مشروع تودوروف الفكري يستحق الطرح في مجتمعاتنا المعاصرة؛ نظرًا لكون مشروعه ملامسًا لواقعنا ولتطلعاتنا في تجاربنا الحياتية المختلفة.

يحكي تودوروف عن دوافع مشروعه الفكري[1] عندما يقول بأنه تعرّف إلى الشر لأول مرة في جمهورية بلغاريا، والتي وُلد فيها عام ١٩٣٩م، إذ كانت حينها خاضعة للحكم السوفيتي، أو كما يعبّر عنها بالحكم «الستانيلي» (نسبة إلى جوزيف ستالين). لكن، وبعد انتقال تودوروف، بعمر الثالثة والعشرين، إلى الجمهورية الفرنسية، شهد نوعًا مختلفًا من الشر، وهو شر أدق من أن يربط بنظام أو شخص معين. وكان ذلك هو منطلقه الشخصي لهذا المشروع الفكري.

وقبل أن نستعرض هذا المشروع الفكري، فإنه من المهم أن نستعرض تعريفًا لمصطلح «الثقافة»، بناءً على كتابات تودرورف. فالثقافة هي «الاسم الذي يُطلق على مجموع خصائص الحياة الاجتماعية، وعلى طرق العيش والتفكير الجماعيين، وعلى أشكال تنظيم الوقت والفضاء وأساليب هذا التنظيم، والشيء الذي يتضمن اللغة والدين والبُنى الأُسرية، وطرق بناء المنازل، والأدوات، وطرق تناول الطعام وارتداء الملابس»[2] . إذن، فالثقافة مصطلحٌ جامعٌ لأساليب تعاملنا مع الحياة بمختلف حيثياتها؛ تعاملنا مع الآخرين، ومع الأرض، وجميع المخلوقات التي تشاركنا إياها، من جمادات وكائنات حية. وبذلك يوجد جانبان أساسيان للثقافة؛ أحدهما مرتكز على أفعالنا وتصرفاتنا، والآخر على الأفكار والقناعات التي تولّد هذه الأفعال وتوجهها.

خصائص الثقافة الثلاث:

ومن شأن الثقافة -إذا اتفقنا على تعريفها السابق- أن تتسم بثلاث خصال كضرورة حتمية، كما يحددها تودوروف[3] . أولى هذه الخصال هي اتصالها التاريخي، ويُقصد بذلك أننا، وكأحد الأجيال، نرث ثقافتنا من الأجيال السابقة لنا، كما نورثها للأجيال اللاحقة أيضًا، وهذا ما يُطلق عليه عادة مصطلح «الموروث الثقافي». ومن ثم هناك حتمية «التعددية الثقافية» أيضًا، سواءً من تفاعل ثقافة مع غيرها، أو تأثرها بالثقافة الأشمل في الحياة المعاصرة،  أو حتى تداخل الثقافات مع بعضها في كيان إنسان واحد. أو كما يعبّر تودوروف عن ذلك في قوله بأننا «لا نملك هوية ثقافية واحدة، بل هويات متعددة قادرة على الاندماج أو الظهور في شكل مجموعات متقاطعة». وأخيرًا، الثقافة متغيرة بالضرورة، جميع الثقافات تتغير وتتحول، مع تباينها في مستوى استعدادها واستجابتها لهذا التغير، وهكذا يكون الموروث الثقافي متضمنًا لجميع التغييرات التي أضافتها الأجيال المتلاحقة، «غير أن الثقافة التي لا تتغير، هي على وجه التحديد، ثقافة ميتة». ويضرب تودوروف على ذلك مثالًا باللغة اللاتينية، لأنها عجزت عن مواكبة العصر، أو كما يقول: «ليس هناك ما هو أكثر بداهة وأكثر شيوعًا من اختفاء حالة سابقة للثقافة، وتعويضها بحالة جديدة».

أولًا: الموروث الثقافي

الحقيقة أن الموروث الثقافي، سواءً كان من الأسرة أو المجتمع أو التجربة البشرية ككل، ومساهمته في صناعة ذكرياتنا وتجاربنا الشخصية هو أحد المميزات الأهم بالنسبة للإنسان، والتي تميزه عن بقية المخلوقات الحية على كوكبنا هذا. أو كما يقول الفيلسوف الإيطالي أمبيرتو إيكو[4]، نحن «عبارة عن ذكرياتنا»، و«الذاكرة المشتركة بين مجموعة من الأشخاص هو ما يشكّل هوياتهم».

وبذلك يكون تناقل هذه الذاكرة المشتركة من جيل إلى آخر هو الصفة الأساسية الأولى لتشكيل الثقافة، وتكوين انتماءاتنا تباعًا. فلا يمكننا، كعرب مثلًا، أن نستعرض هويتنا الحالية، دون أن نصلها بالموروث الثقافي عبر التاريخ، وبالأخص الدين الإسلامي، كما لا يدعو للاستغراب أن يتداول غير المسلمين من العرب، بعض الكلمات ذات الصبغة الإسلامية في أحاديثهم اليومية.

وعودة إلى إيكو، فإن المكتبات تمثل، بالنسبة إليه، حالة من الذاكرة الثقافية للتجربة الإنسانية. وقد أتفق معه بالكلية إذا تم تعميم فكرة المكتبات، بالشكل الذي ابتدأ من مكتبة الإسكندرية قبل الميلاد بحوالي قرنين من الزمان، لتشمل جميع الوسائل التي يستعملها الإنسان في التوريث الثقافي؛ فالكتابة لم تعد الوسيلة الوحيدة، والكتب ليست الأداة الوحيدة، بسبب التقدم التقني الذي نشهده في أيامنا، والذي غير شكل المكتبات ووسائط المعرفة، فلم تعد الكتب هي الوسيلة الوحيدة لنقل المعرفة، ولم يعد دور المكتبات محصورًا على عرض الكتب أيضًا وحفظها؛ فالأدوات المعرفية مختلفة اليوم.

ثانيًا: التعددية الثقافية

فلكل إنسان ثقافاته المتعددة بتعدد مصادر معرفته واطلاعه، ويمكن أن نعتبر أبسط مثال هو موقف جميع الثقافات الأخرى من الثقافة الأمريكية وعولمتها؛ فبعض مظاهر الثقافة الأمريكية بالماضي، أصبحت اليوم ظواهر عالمية، ولا يعد هذا الاتصال مضادًا لمعرفة بقية البشر بثقافاتهم المحلية.

ولا يمكن الإنكار بأن التعددية الثقافية، في عصرنا الراهن، قد أضحت ضرورةً حتمية وواقعًا لا يمكن تفاديه مقارنة بالحالة العالمية قبل قرنين من الزمان مثلًا؛ وذلك إثر اتساع المصادر والأدوات التي تشارك في صناعتها وتشكيلها، على المستوى الفردي والمجتمعي، على حد سواء ، وكنتيجة للعولمة والتطور التقني الذي نشهده في العصر الحالي؛ من وفرة المعلومات والتقدّم في وسائل التواصل أو سهولة التنقل بين المدن المتباعدة، وغيرها.

بل وربما تكون أحد أهم مظاهر التعددية الثقافية هو اختلاف التشكيل الثقافي والهوية الفردية بين أي فردين، مهما تعددت القواسم المشتركة بينهما، أو تشاركوا من ظروف للنشأة؛ كالأشقاء مثلًا. فيمكن أن نقول بأن التركيبة النهائية لهوية كل فرد ستكون مختلفة كل الاختلاف عن الآخر، وكأنها بصمة ثقافية خاصة تشكلت إثر تجربة فريدة؛ خصوصًا بعد الانفتاح المعلوماتي بين مختلف الثقافات والحضارات، والذي سهّل بدوره أن يتصل الشخص بحضارة أو ثقافة أخرى ويغوص في تفاصيلها وفنونها وآثارها. فالهوية الفردية تتكون من عدة هويات وانتماءات، سواءً من ناحية الهوية اللغوية أو الدينية أو حتى الهوية الاجتماعية وغيرها، ولا يعد هذا التعدد تعارضًا أو جمعًا بين الأضداد بطبيعة الحال.

أو كما عبّر عن ذلك إدوارد سعيد في سيرته الذاتية، حين ذكر بأنه بالنسبة للعرب «إدوارد» الغربي، بينما بالنسبة للعالم الغربي هو «ابن سعيد» الشرقي[5]. لكن، وفي نفس الوقت؛ فما زالت تجمعنا العديد من المفاهيم الإنسانية، على نطاق الأسرة والمدينة أو المنطقة الجغرافية والجنسية السياسية وغيرها من الأمور التي تشكّل هوياتنا الشخصية على عدة مستويات. والجدير بالذكر، أن تعدد هذه الهويات، لا يعني بالضرورة تعارضها، وأعتقد بأن هذا أمر بديهي.

ثالثًا: التطوّر الثقافي

النقطة الثالثة والأخيرة هي: شرط التطوّر الثقافي، ومفاده: البحث الدائم عن الحلول الأمثل للمشاكل التي تواجهنا كأشخاص أو مجتمعات. فالهويات ليست جامدة صلدة، بل تتكيف وتتغير حسب الظروف والتحديات التي تواجهها. ومن البديهي جدًا أن تكون لكلٍ منها معطياتها المختلفة، الأمر الذي يستدعي بالضرورة استخدام أدوات مختلفة في كل مرة، وهذا ما يجعل الثقافات فريدة ومميزة بغض النظر عن قيمتها الاقتصادية.

ومن دوافع التطور الثقافي أيضًا اتصال الثقافة بأخرى، بل وإن الناظر إلى التجربة البشرية ككل، سيجد بأن مختلف الحضارات والثقافات قد ساهمت بشكل أو بآخر في صناعة هذه التجربة البشرية العامة، والعظيمة برأيي. مثلما ساهمت مختلف الحضارات في تطور بعضها بعضًا، فالعلاقة بين الحضارات والثقافات المختلفة عادة ما تكون علاقة تبادل معرفي يساهم في تطويرها وتحسينها وتهيئتها لظروف الحياة. ولدراسة هذه التغييرات والتبادل المعرفي بين الثقافات أدوات مختلفة، أحد أبرز هذه الأدوات هو تتبع هذا التأثير لغويًا مثلًا، باسترداد أصول المفردات اللغوية ومعانيها الأصلية، أو بغيرها من الأدوات العلمية في دراسة المجتمعات والشعوب.

مشروع تودوروف الفكري

يختصر جان سينيه[6] هذا المشروع الفكري في مقولته: «يشتغل تزفيتان تودوروف منذ عدة سنوات على قضية الغيرية، وعلى العلاقة بين [نحن-و-هم]. ويتبع في عمله منظورًا ثلاثيًا؛ [١] تفكيك خطاب صراع الحضارات، والذي يغذيه الخوف من البربرية، [٢] وتحديد جينيالوجيا الأفكار التي تغذي هذا الخطاب وتطعمه، [٣] وتقديم العلاج لهذه المعضلة بعد ذلك» [بتصرف].

ثنائية «نحن والآخرون»:

تبدأ المشكلة الثقافية الأساسية في العصر الراهن، حسب مشروع تودوروف الفكري، مع مصطلح «البربرية». وأعتقد بأنه من المهم جدًا هنا أن نضيف التعريف لهذا المصطلح؛ فالبربرية عند تودوروف تعني الإنسان الذي يُنظر إليه بأنه بدائي أو غير متحضر، كوسيلة تهكمية على ثقافةٍ ما، بأنها أقل تحضرًا وتنظيمًا.

فهو مصطلح قائم، يعود إلى الفكر الإغريقي، في أحد التفسيرات، والذي كان ينظر إلى الآخرين بفوقية شديدة وعنصرية مقيتة. فيقول تودوروف: «إذا قمنا بتعريف البربرية على أنها رفض اعتبار الآخرين بشرًا مثلنا، فيجب أن نعتبر هذا العالم الذي تحكمه سلطة أحادية قائمة على النفوذ الاقتصادي تجسيدًا تامًا للبربرية»، فيتم ربط التحضر بالتقدم التقني مغالطةً. بل ويصل تودوروف إلى اعتبار بعض العلوم الإنسانية المعاصرة، مثل علم الاجتماع تحديدًا، قائمة على هذا المبدأ وعلى التعامل مع الثقافات الأخرى بشيء من الفوقية، أو على أسس استكشاف الحضارات الأخرى من وجهة نظر الإنسان الغربي، بدلًا من ترك كل حضارة لتعبر عن ذاتها بشكل مناسب لها.

يقول باستيان إنجلبيش[7]: «يكمن المعنى النسبي، في اعتبار أن البربري هو الذي لا يتحدث ذات اللغة التي أتحدثها، وبالتالي سيبقى بعيدًا عن البُنية العقلية لديّ. […] ولا ينفي تودوروف وجود شكل من أشكال الهمجية، كما لا ينفي وجود شكل من أشكال التحضر، بين الثقافات المختلفة، ولكنه يرفض أن يتم ربط التحضر بالتقدم التكنولوجي والازدهار الفني. بل ويشدد تودوروف على أن فكرة الحضارة تكمن أولًا في القدرة على الاعتراف بإنسانية الآخر، عن طريق تشاركنا في الوحدة الإنسانية عامة، مع تعدد أشكال وتجلّيات تكويننا الثقافي».

هل البنية العقلية وليدة اللغة؟

لا يخفى على الكثير بأن للغة دورها الأساسي في تشكيل البنية العقلية للفرد، فالمصطلحات اللغوية تعتبر سببًا رئيسًا في القدرة على تمييز الدلالة والمقصود منها، وإيصال هذه الدلالة كرسالة إلى شخص آخر ليعي المقصود عينه من الجملة. لكن قد يكون الأمر أصعب خاصة إذا ما كان المستقبِل للعبارة اللغوية من ثقافة لغوية أخرى، خاصة إذا ما كانت لغته الأم لا تحتوي على مرادفات لتلك المفردات مثلًا.

هذا الفراغ بين الشخصين المكونين للحوار الافتراضي السابق يضحي وسيلة للتفرقة ولتمييز كل لغة عن الأخرى، لكنه لا يقتضي التفرقة العنصرية بالضرورة. أقصد أن القدرة على تحديد الاختلافات لا تعني بأن أحدها أفضل من الآخر، كما أن التقدم التقني لا يعني التقدم الثقافي والتحضر بالضرورة أيضًا.

فاللغة بمفهومها البسيط، مكونة من ثلاث مستويات أساسية؛ فهي أولًا مجموعة من الأصوات، والأشكال أو الرموز التي تحيل لهذه الأصوات، أو ما يُعرف بمصطلح »الحروف«. تكوين عدد من الحروف بطريقة معينة، وتشكيلها يفضي إلى الكلمات والمصطلحات، التي ترمز هي الأخرى إلى عدد من الأشخاص أو الأشياء أو الأفعال، على المستوى الثاني. وعلى المستوى الأخير، فإن ترتيب هذه الكلمات، وفق قواعد نحوية ولغوية معينة، يفضي إلى تكوين الجمل، التي تكوّن المعاني، وتفضي إلى المقاصد.

وكل لغة ستصف الأدوات والجمادات التي انفتحت عليها، والتي وجدتها في محيطها بطبيعة الحال، ومن طبيعة اللغات أيضًا أن تموت بعض أجزائها وتولد لها أجزاء أخرى، في تعاملها مع الحياة وظروفها؛ فالكلمات تموت وتولد مثلما تتبنى اللغة مفردات من لغات أخرى. ومن الغريب جدًا، أن يتم استخدام هذا المفهوم لبث التفرقة، خصوصًا وأنه، وكما يقول الفيلسوف برتراند راسل[8] بأن الهدف منها، أولًا وأخيرًا، هو التواصل فيما بيننا، والتعامل الصادق بناءً على ذلك. ويضرب على ذلك مثالًا؛ فإذا تم تعليم طفلٍ ما، معاني هذه الكلمات بشكل مغلوط وكاذب، سينتفي الهدف من وجود اللغة، بل وقد تتشكل لغة اعتباطية مختلفة تمامًا.

تجربة العرب كآخر:

وبالعودة إلى مشروع تودوروف الفكري ومحاربته لثنائية [نحن-و-هم]، تجدر الإشارة إلى أنه انتقد، بل وداوم على موقفه، ضد استخدام هذه الثنائية في المجتمع الغربي، لاكتساب شرعيته الثقافية وكسب تعاطف العامة؛ بداية من الحرب ضد السكان الأصليين، ومن ثم هناك الحرب الباردة ومكافحة الشيوعية في مطلع القرن الميلادي الماضي، والذي كان أحد قادتها جوزيف مكارثي في الولايات المتحدة الأمريكية، ونُسبت لذلك الحركة إليه، ومن جهة أخرى هناك الحرب على النازية وكل ما هو ألماني أو آسيوي أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية؛ فلطالما اعتمدت الهوية الغربية في تعريفها لذاتها على كونها الضد من الآخر. فالقاسم المشترك بين جميع الأيدلوجيات المذكورة أعلاه، والتي تم التعامل معها كآخر، ابتداءً من تعامل (مكارثي) أو غيره من السياسيين الغربيين ضد كل من يختلف مع توجهاتهم السياسية وإن لم يكن بالضرورة شيوعيًا، هو وقوعهم في ثنائية [نحن-و-الآخرين] بل وشيطنة الآخر في الخطاب المتبع من الطرفين.

وفي بداية القرن الواحد والعشرين، وكما قرأت عن تودوروف بعد ذلك بفترة مقولته عن حالة الحرب على الإرهاب، وربطها بثقافات الآخرين (العرب والمسلمين) من قبل السياسيين الغربيين: «سيسود الشعور لدى الغالبية العظمى من السكان العرب والمسلمين، أو ببساطة السكان غير الغربيين، على أن هذه الحرب هي بمثابة إهانة وإذلال. والحالة هذه، فالإهانة، كمعاناة أو تصوّر، هي أمّ النعرة العصبية، ولا شيء يغذي بشكل كبير الإرهاب من التقارب بين القدرة على التضحية بالنفس وتكنولوجيا التدمير التي أصبحت متاحة للجميع». وهذا الشعور بالإهانة بالضبط هو ما تم استغلاله من قبل المنظمات الإرهابية للتجنيد، وهو أيضًا نفس الخطاب المستخدم في أي فكر راديكالي؛ [نحن-و-الآخرين].

وكما وقفت الدول والمنظمات العربية والإسلامية ضد تلك المنظمات الإرهابية، التي تهاجم المدنيين المسالمين في حياتهم المدنية، فإن تودوروف على الجهة الأخرى، وحسب منظومته القيمية، قد وقف ضد استخدام هذه الثنائية في الخطاب الغربي أيضًا؛ «أدركت منذ مدة أن استعمالًا معينًا للحرية قد يشكّل خطرًا على الديموقراطية»، يقول تودوروف في أحد كتاباته، «إن التهديدات التي تخيّم بثقلها على الديموقراطية لا تأتي من الخارج، بل بالأحرى من الداخل». وقوله أيضًا: «إن الشرط المسبق هو أن تتوقف النخب الغربية عن اعتبار نفسها المجسِّد المطلق للحق والفضيلة والنظام الكوني، كما يجب أن تكف عن التعالي وازدراء قوانين الآخرين وأحكامهم».

تقبل الآخر، أم حماية الهوية الثقافية؟

بالرغم من بشاعة كل ما سبق، من انعكاسات لهذه الثنائية على المشهد البشري ككل والأحداث البشعة التي نشهدها على صعيد شخصي أو كأخبار عالمية؛ لا يزال القارئ للمشهد الثقافي يجد بأن هذه الثنائية لا تزال قائمة في مختلف محاور حياتنا، بل ويمكن القول بأنها تغلب على الآراء التي نشهدها في مختلف وسائل التواصل الرقمية والتقليدية، ومن كامل أطياف البشر؛ باختلاف مستوياتهم الاقتصادية وانتماءاتهم الثقافية وجنسياتهم. بل يكاد المرء ليقول بأنها الغالب على التفكير في المشهد الثقافي البشري ككل؛ بدليل انتخاب رؤساء لدول ديموقراطية مختلفة، على أساس انتهاجهم لذات الثنائية استنادًا على أسس قومية، وتبريرها بأنها حماية للمجتمعات ولهوياتهم وانتماءاتهم، وهذا ما ينقلنا للنقطة التالية.

فأيهما الأولى لأبناء ثقافة ما؛ حماية هذه الثقافة أم التعايش مع الآخر؟ وللإجابة على هذا السؤال، والذي يُقرأ مؤخرًا وبشكل متكرر، يمكن الاستشهاد برأي تودوروف فيه، والذي يصم هذه الثنائية بالمغالطة المنهجية. فإن حيرة سؤال الهوية الثقافية في العصور الحديثة، حسب تودوروف هو نتيجة عاملين أساسيين: [١] «تسارع وتيرة العولمة»، والذي يمثل كانفجار في التواصل بين الهويات أمام الهوية الثقافية التي تحاول الحفاظ على تماسكها، [٢] ،«صعود الفردانية وتناميها» مما يتمثل في الرغبة العارمة باختيار الفرد لهويته الشخصية، بغض النظر عن الهوية المشتركة.

وبطبيعة الحال، لا أريد أن نصِم هذين العاملين بالشر أو بالخير، فهما نتيجة حتمية للوضع الراهن، كما ذكرنا مسبقًا. لكن وكنتيجة للعامل الثاني على وجه الخصوص؛ يقول مونييك هيبرارد[9]: «يشعر تودوروف أيضًا بالقلق إزاء ضعف السلطة داخل الأسر والعائلات؛ مما يؤدي إلى تضخم هاجس السلطة والقمع فيها».

ولأجل مواجهة هذه المشكلة ينبغي ابتداءً توفير بيئة «تسمح بتحقيق التوازن بين الفرد والجماعة، بين الأهداف الاقتصادية والتطلعات الروحية، وبين الرغبة في الاستقلال والحاجة إلى الانتماء إلى جماعة»، ومن ثم العمل على «التخلص من التعارض العقيم بين المجتمع البطركي القمعي والمجتمع الليبرالي المتطرف والمتوحش»، كما ينقل (هيبرارد)[10]. أو بمعنى آخر وأكثر تبسيطًا؛ فإن تودوروف يقصد حالة متوازنة للمجتمع، بين النظام الذي يحاول تعطيل مشاركة المرأة المجتمعية، والنظام الذي يسعى إلى الانحلال الأخلاقي، إن صح الوصف، ويُقاس ذلك على بقية جوانب الحياة المشتركة.

كيف يمكن مواجهة هذه الأزمة؟

يقول إنجلبيش: «لا يمكن لحضارةٍ ما، أن تقتصر على ثقافة واحدة». ويكمل بعد ذلك في موضعٍ آخر: «وبالمقابل، فإن الهمجية هي الموقف الذي ننبذ بواسطته شخصًا خارج الدائرة الإنسانية، من خلال النفي التام لاختلافه أو لما يكوّن سماته المختلفة. إجمالًا، فإن الحضارة هي تعبيرٌ عن إنسانية مشتركة وواعية بوحدتها العميقة، وقادرة على الترابط والتلاحم في خِضم هذا التنوع من أشكال التعبير الثقافي».

و«إن التوق للهوية، وللانتماء إلى ثقافةٍ ما، يوفران الشرط الضروري لبناء شخصية إنسانية متكاملة. ولكن الانفتاح على الآخر، هو ما يوفر الأفق العالمي، ويحقق معنى الحضارة، ويمدّنا بالشرط الكافي للتحقيق هذا المقصد»، كما يعبّر إنجلبيش عن ذلك، في شرحه لمشروع تودوروف، في المقالة المشار إليها مسبقًا.

هل التخلص من الأعداء أولوية؟

أحد أبرز الممارسات المغلوطة في بناء الهوية عادة، هو تحديد مواقفها على أساس أن تكون نقيض الآخر (وهو بالمناسبة ذات المنطق الذي يجعل ممن يخالفون رأيًا سائدًا في بيئة معينة مثلًا، يتبنون الرأي المضاد بالكامل). بينما يقول تودوروف[11]«ليحدد المرء هويته، ومن جهة أخرى يعيش، فسيكون من اللازم على كل كائن بشري أن يحدد موقعه بالنسبة إلى الآخرين، دون أن يختزل هذه العلاقة في حالة من الحرب؛ بل دعوة إلى المحبة والاحترام وطلب الاعتراف».

وكما يقول في موضع آخر من ذات المقالة: «بل علينا أن نتخلى عن الفكر المانوي نفسه، القائم على عقيدة الصراع بين النور والظلام، أو الخير والشر. يتوجب علينا أيضًا أن نحوّل تركيزنا من الفاعل إلى تحليل الفعل نفسه؛ فبدلًا من تجميد الهويات الجماعية، وحَجرها في ماهية ثابتة وسكونية، علينا أن نثابر لتحليل الأوضاع والمواقف المختلفة والمتسِمة دومًا بخصوصية معينة [لكل منها]». أو كما يختصر تودوروف ذلك في ختام مقالته: «ليست الهويات المعادية، هي المتسبب في الصراعات. بل إن الصراعات هي المتسبب في صنع الهويات المعادية».

يضع تودوروف في مشروعه الفكري شرطين أساسيين للحضارة في تكوينها، يمكنان من بناء هذه الحضارة وتطويرها بآلية تستوعب كل الثقافات المختلفة فيها، تلك التي ينتمي إليها الأكثرية أو الأقليات أيضًا.

الشرط الأول[12]:

«إن الشرط الأول لجميع سكان بلد ما؛ سواءً الذين ولدوا فيه أم هاجروا إليه من مكان آخر، هو احترام قوانينه ومؤسساته»، يقول تودوروف، «وبالتالي، الالتزام بالانخراط في عقد اجتماعي كقاعدة أساسية». وكما أن التعددية الثقافية هي حتمية ضرورية في أي مجتمع، «ففي المقابل، ليس هناك ما يدعو لممارسة دور الرقابة على الهوية الثقافية لبعضنا بعضًا. وبشكل عام، ستبقى ثقافة المهاجرين مختلفة عن ثقافة الأغلبية، وبالتالي فهي منذورة للانضمام إلى جوقة الأصوات المتعددة من قبل، والتي تشكل ثقافة بلد ما».

يعقب بعد ذلك تودوروف على شرطه الأول، بالتساؤل الأكثر شيوعًا على رأيه: «ومع ذلك، تتعارض بعض العادات ومقومات التقاليد الثقافية مع قوانين البلد الذي يعيش فيه الأشخاص الذين يمارسون هذه الأعراف. فما العمل؟ الجواب المبدئي واضح وجلي، حتى لو كان من الصعب تطبيقه دومًا؛ يتغلب القانون على العادات والأعراف». أو كما يعبر عن ذلك في مقالة أخرى، نشرها في «مجلة العلوم الإنسانية» عام ٢٠٠٩: «إن الاعتدال هو العمل على تنظيم الفضاء العمومي الذي تتم فيه مراعاة التنوع البشري. فلا نستسلم أمام العنف، وعلى النقيض من ذلك، لا يجب التنازل عن هوياتنا أيضًا».

الشرط الثاني:

«يقتضي المبدأ الثاني للتعايش السلمي بين المجتمعات من أصول مختلفة في ظل الوطن الواحد؛ أن تمتلك هذه المجتمعات، بصرف النظر عن التقاليد الخاصة بها، قاعدة ثقافية مشتركة، ومجموعة من المعارف بصدد الأنظمة المعمول بها في هذا المجتمع». وهذا هو أحد المبادئ التي يبرز فيها دور المجتمع وتعاملاته، أكثر من الدور القانوني. «هنا يكمن دور التربية؛ بالمعنى الذي يتضمّن المدرسة ثم يتجاوزها. فلا تتعلق هذه الأنظمة بالقيم الأخلاقية والسياسية، والتي تبقى قيمًا متعددة، بل بالمقومات الثقافية التي تضمن اندماجنا في الفضاء نفسه».

ويقترح بعد ذلك أن يتم تطوير مادة «التربية الوطنية» في المرحلة الابتدائية عن طريق الأمثلة والقصص وسرد المواقف التاريخية للبلاد، والتي تهدف بدورها إلى تعزيز فكرة وحيدة، وهي أننا نشترك في المواطنة، «مهما تعددت هوياتنا الثقافية واختلفت». ويتم تأكيد ذلك في المرحلة الإعدادية، أو المتوسطة، بدراسة تاريخ البلاد، «دون أن نسقط في النقد المنهجي».

وصية تودوروف الأخيرة:

يختتم تودوروف مقالته «التعايش مع الثقافات المختلفة» بتأكيده على أن «الديانات الكبرى ، في الماضي والحاضر، توصي المرء بأداء واجبات الضيافة، ومساعدة الفقراء والمساكين، وحب القريب». وهذه وصية لا تتعلق بالقانون، بقدر ما ترتبط بالتكوين الاجتماعي. «ففي عالم اليوم، والذي يتميز بالتطور السريع لوسائل الاتصالات والتكنولوجيا، كما يتميز بتوحيد الاقتصاد، أصبحت الشعوب في مختلف الدول أكثر قربًا واعتمادًا على بعضها. فاللقاء مع الأجانب هو نتيجة حتمية وضرورية. ومن مسؤوليتنا الاستفادة بشكل أفضل من هذه اللقاءات، في ديارهم كما في ديارنا، فما يحدث هناك بالتعاون يجب أن يكلل هنا بالاندماج. وتدفعنا نقاط القوة في مصلحتنا ومعتقداتنا إلى السير في الاتجاه نفسه».

ويبدو جليًا في هذه ختام هذه المقالة، ماهية الشر الذي اكتشفه تودووروف في مرحله نضوجه الفكري: «ففي ظل حاجة بعضنا إلى الآخر، يبدو بأن البعض لا يمنحون ما يمنحونه عن طيب خاطر، وبهذا ينشأ الشر. فهذا التمركز الأنوي، يصبح خطيرًا إذا ما كان حالة جماعية. إن أفظع الجرائم التي ارتكبت، تاريخيًا، تسببها الغريزة في النجاة والحماية لأنفسنا ولذوينا، وبهذه النزعة المانوية القاتلة، تتطابق جميع الثنائيات [نحن-و-الآخرين]، [الصديق-و-العدو]، أو في حالة أسوأ، [الخير-و-الشر]».


[1]  نحن والآخرون، تزفيتان تودوروف. ترجمة ربى حمود

[2] نفس المصدر السابق

[3] مقالة “التعايش مع الثقافات الأخرى”، تزفيتان تودوروف. ترجمة محمد الجرطي

[4] لقاء أمبيرتو إيكو: هنا

[5]  خارج المكان، إدوارد سعيد. ترجمة فواز طرابلسي

[6]  مقالة “الديموقراطية؛ مسوخها ومستقبلها”، جان سينيه. ترجمة محمد الجرطي. [مجلة فوندبول ٢٠١٢]

[7] مقالة “دفاع تودوروف عن الحضارة”، باستيان إنجلبيش. ترجمة محمد الجرطي. [٢٠٠٨]

[8]  ما وراء المعنى والحقيقة، برتراند راسل. ترجمة محمد عمارة.

[9]  مقالة “تودوروف والديموقراطية الملغومة”، مونييك هيبرارد. ترجمة محمد الجرطي. [سفير نيوز ٢٠١٢]

[10] نفس المصدر السابق

[11]  مقالة “التخلص من الأعداء”، تزفيتان تودوروف. ترجمة محمد الجرطي.

[12] مقالة “التعايش مع الثقافات الأخرى”، تزفيتان تودوروف. ترجمة محمد الجرطي

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق