مقالات

ما معنى أن نفكّر في اليأس؟ – فتحي المسكيني

أدورنو ضدّ كانط

قال أدورنو في كتابه الجدل السالب: “أن نفكّر هو أن نحدّد هويّة شيء ما”[1]، بحيث أنّنا لا نفهم “العالم” الذي نعيش فيه إلاّ بقدر ما نبني “مفهومًا” مناسبًا عنه. لكنّ ذلك يعني أنّ ثمّة دومًا مسافة فاصلة بين “المفهوم” (وكل تفكير هو عمل مفهومي أو لا يكون) وبين ما هو “غير مفهومي” أو يوجد “خارج المفهوم” (أي موضوع التفكير). والخطأ القاتل الذي يهدّد كلّ تفكير هو أن يخدعه “ادّعاء الهوية[2] الذي يسكن” داخله ويميل إلى معاملة نفسه بوصفه “كلّية”(Totalität) لا تحتاج إلى العالم الذي تفكّر فيه. ولذلك فإنّ الفلسفة لا تتخلّص من “عدم تناسبها مع الواقع” إلاّ عندما تتخلّى عن وهم القدرة على “استقطاب (monopolisiert) الكلّ الذي تتّخذه موضوعًا، وأن تعترف إلى أيّ حدّ هي في تركيبتها الداخلية، في حقيقتها المحايثة، متوقّفة عليه”.[3] إنّ العالم يوجد خارج مقولاتنا وعلينا أن ننطلق من أنّه شيء “غير مفهومي” بالنسبة إلينا. لكنّ ذلك يعني بنفس القدر أنّ العالم لا “هوية” له أو ليس له هوية جاهزة عليه أن يرتديها من أجلنا. ومن ثمّ أنّ كل علاقة معه هي “جدل” لا مفرّ منه لأنّه نابع من “نقص” أو “ذنب” كامن في طبيعة التفكير نفسه. يقول أدورنو:” إنّ الجدل هو الوعي المتّسق مع نفسه باللاّهوية (Nichtidentität). فهو لا يتعلّق مسبقًا بوجهة نظر ما. والفكر مدفوع إلى الجدل بسبب نقصه الذي لا مناص منه، بسبب ذنبه تجاه ما يفكّر فيه”[4].

لا يمكن أن “ننقد” العالم إلاّ بقدر ما ننجح في الاحتفاظ بمسافة “غير مفهومية” معه هي بمثابة ذنب نائم في كل تفكير. وذلك يعني أنّ كل تفكير في عالم بلا هوية جاهزة أو بدون وجهة نظر مسبقة حوله هو في سرّه لا يعدو أن يكون نوعا صعبًا من “سياسة اللاّهوية”[5]. نحن لا نفكّر في العالم الذي نعاصره إلاّ بقدر “عدم التماهي” مع ما يقوله عن نفسه، وبهذا المعنى فقط يكون هذا التفكير موقفا “نقديًّا”. علينا أن نفهم “اللاهوية بوصفها نقدًا للسياسة”[6] التي تقود العالم. وفي تفكير أدورنو لا يعني ذلك سوى نقد “العالم المعاصر” الذي انجرّ عن مشروع التنوير، أي ما يسمّيه “العالم الإدارة” أو الذي ينتصب مثل إدارة[7]، والذي يوهمنا بأنّ له “روحا”. وهذا الوهم هو أحد اختراعات عصر التنوير والذي منحته فلسفة التاريخ منذ هيغل رؤية ميتافيزيقية مرعبة، إلى حد حوّل “الذهن البشري، المريض بصحّته”[8] إلى نوع من “اللعب برؤى العالم”[9] من طرف “روح كوني” لا يرانا. وهو وضع روحي لا يمكننا أن نقاومه (كل تفكير هو مقاومة حسب أدورنو) إلاّ بتبنّي أطروحة والتر بنيامين، في تصدير كتابه أصل المسرح التراجيدي الألماني، القائلة ضدّ هيغل بأنّ “أصغر خليّة من الواقع المنظور هي تعادل في وزنها كل بقية العالم”[10].

قال أدورنو:” إنّ روح العالم يوجد، ولكن ليس بما هو كذلك، إنّه ليس روحًا، وإنّما على وجه الدقّة هو العنصر السالب (das Negative) الذي تنصّل منه هيغل وألقى به على أولئك الذين ينبغي عليهم أن يطيعوه والذين من شأن هزيمتهم أن تضاعف الحكم القاضي بأنّ اختلافهم عن الموضوعية سوف يكون ما هو غير حقيقي وما هو سيّئ.”[11] إنّ افتراض “روح للعالم” يخاطب شعبًا دون غيره أو حضارة دون غيرها هو تأليه أفلاطوني لا-راهن لعلاقة هيمنة تعتبر ما يختلف معها “غير حقيقي” و”شرّيرًا”. لكنّ خطر “روح العالم” هذا هو كونه مجرّد “مفهوم” أنتجه نوع من الإنسان يزعم أنّه يمتلك “أنا” متعالية مستقلة بذاتها ترفع “اليقين” أو “التفكّر” الذي تؤسس نفسها عليه إلى براديغم للحقيقة حول العالم بوصفه مجرّد “موضوع” لمقولاتها، ومن ثمّ تعتبر، كما كرّس ذلك فيشته خاصة، كلّ “لا-أنا” وكلّ “آخر” وكل ما يذكّر بالطبيعة شيئًا “دونيًّا”[12]. وبالتالي فإنّ هذه “المثالية” المهووسة ببناء “نسق مطلق” يعبّر عن مبدأ الأنا الحديث الذي لم يعد يرى غير “نفسه” المعلمنة المنتصبة كبديل عن الإله التقليدي، قد صارت، كما يصفها أدورنو نوعًا من “داء الكلب” الذي أصاب روح العالم. قال:” إنّ النسق هو البطن الذي صار روحًا، وإنّ الكلَب هو توقيع كلّ مثالية”.[13] كان التنوير نوعًا من “الكلَب المعقلن تجاه ما هو غير هووي” الذي يحرّكه ادّعاء إنسانوي شعاره هو “ألا يترك شيئًا دون أن يضعه موضع سؤال”[14].

كانت المثالية تريد أن تبني “كلاّ” روحيّا مستقلاًّ بنفسه ومتألّهًا أو “ملغّزًا” (mystifiziert) تسمّيه “روح العالم”، لكنّ “روح العالم مفهوم تفكّري وهو لا يهتمّ بالأحياء الذين يحتاج إليهم ذلك الكلّ”[15]. وبمجرّد أن يدخل في عمى مثالي تجاه الأحياء فإنّ “مجرى العالم” سوف يبقى بالنسبة إلينا ميدانا حيث يتحوّل “اللامعقول” إلى ظاهرة “صنميّة” (fetischistisch): ذلك أنّ “التاريخ لم يكن له إلى اليوم أيّ ذات كاملة قد يمكننا بناؤها بأيّ طريقة كانت”[16]. ما وقع مع “روح العالم” الذي تدّعيه الحداثة هو أنّه لا يعدو أن يكون مجرّد “علمنة” لمبدأ القدرة الإلهية، بحيث أنّ “جدل التنوير” الحقيقي ليس التحديث العلمي بل سياسة العالم على نحو يحكم على “الروح المنزوع السحر والمحتفظ به بأن يتطابق مع الأسطورة أو أن يتقهقر إلى رجفة أمام شيء هو في نفس الوقت فائق القدرة ولكن بلا صفات”[17].

وجد الإنسان الحديث نفسه مدعوًّا مع التنوير إلى بناء “عالم مشيّء”( verdinglichte Welt ) لا يمكن إنقاذه إلاّ بوصفه “موضوعًا” لا معنى له إلاّ المقولة “الذاتية” التي يستند إليها. لكنّ ما وقع، كما نرى ذلك في إشكالية كانط، هو أنّ “التشيّؤ” و”الذاتية” قد صارا ظاهرتين لا تنفصلان وتستدعي إحداهما الأخرى: بقدر ما يتذوّت الشيء يتحوّل إلى موضوع ميّت.[18] لكنّ ما يظلّ محجوبًا في هذا الإشكال هو قرار “العلمنة” الذي يتوارى وراء التنوير: ” لأنّ علمنة المحتوى اللاهوتي، الذي كان يُعتبَر يومًا ما واجبًا موضوعيًا، هي أمر لا يمكن دحضه، فإنّه ينبغي على المدافع عنه أن يحاول إنقاذه بواسطة الذاتية”.[19] وهي خطة تمتد حسب أدورنو من الإصلاح الديني إلى كانط ومنه إلى “تقوى الكينونة” لدى هيدغر. وهذا الأخير يثير مشكلًا كبيرًا في تأويل أدورنو: فهو من جهة قد “بلغ إلى عتبة الإبصار الجدلي باللاّهوية في صلب الهوية. لكنّ التناقض في صلب مفهوم الكينونة هو أمر لم يتحمّله. لقد كبته”[20].

لكنّ أدورنو يعتبر أنّ الفكر لا يكون حقيقيًا حتى يستطيع أن يفكّر ضدّ نفسه أيضًا ولاسيّما بعد أن تحصل كارثة تهدم كل خطاب أخلاقي مثل ما وقع من إنتاج عقلاني للجثث في أوشفيتز[21]، ويمكننا القول بأنّ العصور القادمة لن تخلو من شهوة مماثلة للجثث.  ولهذا فإنّ الأمر الأخلاقي الجديد لم يعد له مضمون تقويّ: بل هو قد صار متعلقًا بعلاقة الثقافة بالموت. ومن ثمّ فإنّ المطلوب الأقصى هو هذا: لا يجب إدماج الموت في الثقافة[22]. ومن يصرّ على الإبقاء على “ثقافة مذنبة” يتحوّل إلى “مشارك” فيها، ومن “يحافظ على رعبه (Unwesen) بوصفه تراثًا” يحوّل الثقافة إلى “بربرية إدارية للموظفين”[23]، ويؤسّس بذلك إلى ضرب معلمن من “لاهوت الأزمة” (Theologie der Krise)، ذلك اللاهوت الذي ارتبط باسم كارل بارط، وحيث تكون “الأزمة” كامنة في المحنة المضنية للبشر ما بين الزمن والأبدية، بين العالم والله[24] .-  يقول أدورنو:”إنّ لاهوت الأزمة قد سجّل ما كان يتمرّد ضدّه بطريقة مجرّدة وبالتالي بلا طائل: أنّ الميتافيزيقا قد انصهرت مع الثقافة.”[25]

هذا النوع من التشخيص حيث يعمل “النقد” بوصفه “جدلًا سالبًا” على بيّنة حادة بحجم “اليأس” الذي يحرّك التفكير بعد الكارثة، هو موقف من شأنه أن يضع موضع سؤال كلّ بحث تقليدي عن “المعنى”. إذ يفترض أدورنو أنّ “الموت” بعد انهيار مؤسسات العزاء القديمة التي كانت توفّرها الأديان الموضوعية الكبرى هو قد أصبح “غريبًا”.[26] لقد صار للموت توقيع لم يعرفه الناس من قبل حيث تحوّل معنى التاريخ إلى تاريخ للموتى. لكنّ خاصية الموتى هنا هي أنّهم بالتحديد “أفراد” بالمعنى الحديث: إنّهم يموتون بوصفهم أفرادًا. وخطورة ذلك تتمثّل في أنّ “انهيار الفرد يجرّ معه كلّ بناء الكيان البورجوازي”[27] للحداثة. ومن ثمّ فإنّ الموت لم يعد يتمّ في نطاق سردية تقليدية تحميه من العبث. إنّه موت عار من أيّ معنى.- يقول أورنو:” إنّه لرعبٌ جديد قد اكتنف بالموت في المعتقلات: منذ أوشفيتز صار الموت يعني أن نخاف، أن نخاف من شيء أسوأ من الموت”.[28] – وهو نوع من الموت أخذ اليوم مع فيروس كورونا تطوّرًا مرعبًا، لأنّه لم يعد موتًا سياسيًّا نتيجة استعمال سيّء لمنطق الدولة الكليانية. إنّه موت ما بعد حديث يتمّ بشكل ديمقراطي تمامًا وهو أعدل الموتات توزيعًا بين الناس لأنّه يتعلّق بمستقبل طبيعتنا البشرية بما هي مجرد “استعمال للأجسام” الحية في بيئة لم تعد جاهزة للدفاع عنها. لقد فقدت صلاحيتها الدينية بحيث لم يعد العالم “مسخّرًا” من أجلنا، بل صار مجرّد مساحة لملاقاة الموت خارج قواعده التقليدية.

وعلينا أن نسأل: إلى أيّ مدى يمكن للحياة أن تحافظ على معنى العالم الذي تسكنه إذا كان الموت قد غيّر من حقيقته؟ لقد صار الأفراد يواجهون موتهم من دون أيّ حماية ميتافيزيقية. ذلك أنّ العلمنة قد حوّلت كل تساؤل ميتافيزيقي إلى تفكير شاحب وبلا جدوى. ولأنّ “المثالية” لم تعد ممكنة فإنّ الفلسفة قد انخرطت في “العدمية” محاولة الفصل بين “القيمة” (المنحطة) و”المعنى” (الذي يمكن يبرّر وجودنا في العالم). يقول أدورنو:” إنّ المقولات الميتافيزيقية هي تواصِل البقاء حيّة في ما يسمّى، بالنسبة إلى حاجة عاميّة تمامًا، السؤال عن معنى الحياة”[29]. ويبدو أنّ بين السؤال عن المعنى وبين الشعور باليأس صلة متوارية علينا مساءلتها. إذْ يعتبر أدورنو أنّ “اليأس هو آخر إيديولوجيا”[30]، وبعبارة أخرى إنّ اليأس قد أصبح بمثابة سياسة للمعنى. ولكن من حيث أنّ المعنى هو أمر “تتمّ صناعته فهو قد صار قصّة (Fiktion)”[31] حيث ينبغي على “الذات” أن تساهم في تشكّلها وذلك أن تمتلك “ملكة النظر فيما أبعد من نفسها”[32]. إنّ المفارقة هي أن ندعو الناس إلى منح حياتهم معنى هو يوجد خارجها. ذلك أنّ “الحياة التي امتلكت معنى ما هي لن تسأل عن هذا الأمر؛ فهو سوف يهرب من أمام السؤال”[33]. إنّ اليأس يأتي كي يجرّد الحياة من أيّ مؤسسة معنى جاهزة ومنغلقة على ذاتها. – لكنّ اليأس ليس عدميّا بالضرورة. بل على العكس من ذلك ينبّه أدورنو إلى أنّ العدميّ ربما هو لم يكن عدميًّا بما فيه الكفاية؛ إذْ تدّعي العدمية أنّ انعدام القيم سوف يجعلنا في وضعية حيث لا نستطيع أن “نتعلق بأيّ شيء”؛ ويجيب أدورنو بأنّ ذلك ربما سيكون ولأوّل مرة “الوضعية التي تسمح للتفكير بأن يتصرّف أخيرًا بوصفه تفكيرًا مستقلاًّ بقدر ما تطالبه الفلسفة بذلك”.[34] كل النقاش حول عدمية القيم ينهار من نفسه عندما نبدأ، كما فعل بكيت (Beckett)، في افتراض “الكينونة” في العالم بوصفها تشبه “معتقلًا”[35]. وعندئذ فقط يكفّ “اليأس” عن أن يكون مجرّد لفظ ويصبح من المبرر عندئذ أن نتساءل: “ألم يكن من الأفضل ألاّ يكون أيّ شيء بدلًا من أن يكون شيء ما”[36]. وفجأة سوف يغيّر “الأمل”، من دلالته. إذْ حين تكون الكينونة نفسها مذنبة أو معتقلة فإنّ “الأمل الوحيد الذي سيبزغ في الأفق هو أنّه لم يعد هناك أيّ شيء”[37]. لكنّ هذا النوع من “العدمية” هو أبعد ما يكون عن التماهي مع مذهب “العدم”: ألاّ “يكون” أيّ شيء ليس “عدمًا”. إنّ المطلوب هو بالتحديد ألاّ يبقى العالم كما هو؛ هذا العالم هو الذي يجب ألاّ يكون كما هو. وكلّ “تصالح” مع عالم تحوّل إلى ضرب من إدارة اليأس التي لا ترى غير ذوات “متخلّية” عن حياتها، هو تصالح مع قرار الموت. ومن ثمّ “إنّ شرف الفكر هو في الدفاع عمّا يُجدَّف عليه باعتباره عدمية”[38].  ومنذ الآن فإنّ تصنيف الفلسفات لن يتمّ بحسب موقفها من عدمية القيم أو سؤال المعنى، بل بحسب قدرتها على “التفكير في اليأس”. قال أدورنو معلّقًا على طريقة كانط في بناء “خلود النفس”: “إنّ سر فلسفته هو  في عدم إمكانية التفكير في اليأس”[39]. كان التفلسف يعني بالنسبة إليه أنّه لا يستطيع التفكير في اليأس؛ أنّ اليأس شيء غير قابل للفهم، شيء لا مفهوم له. كانت فكرة “خلود النفس” هي الحل الأخلاقي الوحيد لاحتمال معنى الموت. كان كانط يتمتع بترف ميتافيزيقي يسمح له بتحاشي مفهوم اليأس بواسطة المصادرة على الخلود. كان ينصحنا بأن نفكّر “وكأنّ” الحياة “بعد الموت” ممكنة؛ ولكن ماذا لو افترضنا العكس: أنّ الحياة نفسها قبل الموت لم تعد ممكنة. أنّ اليأس وليس تجربة الموت هو الذي يمكنه أن يمنحنا شكلًا جديدًا من “الأمل”. قال ولتر بنيامين: “إنّه فقط من أجل اليائسين نحن قد مُنحنا الأمل”.[40]ليس الأمل وصفة رجاء جاهزة لمن صادروا على خلودهم بطرق أخرى. لا يأمل إلاّ من يفكّر؛ نعني، من يعامل التفكير بوصفه سياسة إنقاذ لشكل من الحياة الذي لم يعد ممكنًا. كانت “رغبة الإنقاذ”[41] لدى كانط ملتبسة لأنّه في اللحظة التي حرص على منع التفكير من القفز نحو أيّ نوع من “المطلق”، ومن ثمّ أنّه لا يوجد أيّ طريقة داخل العالم لإقامة “العدل تجاه الموتى”، هو قد اضطر في النهاية إلى “تقييد” العقل ومن ثمّ إلى أن يختار “الأمل ضدّ العقل”[42]. إلاّ أنّه كان أملًا غير جاهز لما يقوم بإنقاذه: كان يعتبر اليأس شيئًا لا يقبل أن نفكّر فيه. لذلك هو قد جهد نفسه من أجل “تخليص العلم من أيّ شبهة”[43] والانخراط في التركيز البورجوازي على نتائجه الباهرة. كان “الأمل” نوعًا من سياسة الحدود، بحيث أنّ “منظومة كانط هي منظومة علامات الوقوف” [44] التي وضعها المجتمع البورجوازي لعقول الأفراد حتى يظلّ الأمل في التقدّم ممكنًا. كان كانط يلبّي للمجتمع البورجوازي مطلبه بضرورة أن يحصر مهمة العقل في إنتاج “العلم” الذي يحتاجه، ومن ثمّ يفرض عليه أن يحوّل “سلطة” الحقيقة إلى قرار “إرهابي” (terroristisch) بمنع “التفكير في المطلق”، وبالتالي ينتهي إلى “منع حرية التفكير” نفسها[45]. لقد صارت الحقيقة نفسها ورشة يعمل فيها “العقل على تشويه نفسه” كنوع من “طقوس” الدخول إلى نطاق “العلميّة”[46]بطريقة أخلاقية. وحين صارت “دائرة المعقول” فارغة صار يمكن المصادرة على وجود الله أو خلود النفس داخلها، نعني صار يمكن أن “نأمل ضد العقل”. ربّ أمل يبدو ساحبًا من الداخل لأنّه لا يملك أيّ قدرة تحديد “معنى” المأمول فيه. ذلك أنّ مفهوم المعقول هنا لا هو مفهوم “واقعي” ولا هو “خيالي” بل هو “معضلي” (aporetisch)، ويعني ذلك حسب أدورنو أنّ “الدفاع” عنه لا يمكّننا من “إنقاذ” أي شيء[47]دون أن نلحق به ضررًا جوهريًّا أو نغيّره. قال:” لا شيء يمكن إنقاذه دون أن يصيبه تحوّل ما، لا شيء، لم يتخطّ باب موته. وإذا كان الإنقاذ هو الدافع الباطني الأشدّ في كلّ روح، فإنّه لا يوجد أيّ أمل إلاّ في إهدار بلا تحفّظ: للمنقذ كما للروح الذي يأمل. إنّ إيماءة الأمل هي تلك التي لا تتعلق بأيّ شيء تريد الذات أن تتعلق به، بأيّ شيء ممّا تعد نفسها بأنّه سيدوم.”[48] – بذلك فقط سوف يكون أملًا حرًّا.

 

 

 


[1] – Th. Adorno, Negative Dialektik (Frankfurt am Main : Suhrkamp Verlag, 1966), p. 15: „Denken ist Identifizieren.“

[2] – Ibid. „ …der Schein von  Identität“

[3] – Ibid. p. 14.

[4] – Ibid. p. 15.

[5] – Frank Müller, „Auch eine Politik der Nichtidentität“, in: Trajectoires [En ligne], Hors série n°4 | 2020, mis en ligne le 20 janvier 2020, consulté le 27 mars 2020. URL : http://journals.openedition.org/trajectoires/4555

[6] – Ibid. p. 5 : « Nichtidentität als Kritik der Politik ».

[7] – Th. Adorno, Negative Dialektik, op. cit. p. 29 : “…die verwaltete Welt”

[8] – Ibid. p. 293

[9] – Ibid. p. 294-295 : «… weltanschauliche Spielart.. »

[10] – Ibid. p. 296.

[11] – Ibid.

[12] – Ibid. p. 31

[13] – Ibid. P. 32.

[14] – Ibid.

[15] – Ibid. p. 297.

[16] – Ibid. p. 297 : « Geschichte hat bis heute kein wie immer konstruierbares Gesamtsubjekt. »

[17] – Ibid. p. 298.

[18] – Ibid. p.  96 :  „Darin schlagt durch, dass Subjektivierung und  Verdinglichung nicht bloss divergieren, sondern Korrelate sind. „

[19] – Ibid. p. 103 : « “Weil die Säkularisation des einst als objektiv verpflichtend betrachteten theologischen  Gehalts nicht sich widerrufen lasst, muss dessen Apologet ihn zu retten trachten durch Subjektivität hindurch. »

[20] – Ibid. p. 108.

[21] – Ibid. p. 356.

[22] – Ibid. p. 357.

[23] – Ibid. P. 358.

[24] – Cf. J. Gresham Machen, « Karl Barth and ‘The Theology of Crisis’”, in: Westminster Theological Journal 53 (Fall 1991), p. 197.

[25] – Th. Adorno, Negative Dialektik, op. cit. p. 358 : „ Die Theologie der Krise registrierte, wogegen sie abstrakt und darum vergebens aufbegehrte: dass Metaphysik fusioniert ist mit Kultur.“

[26] – Ibid. p. 361.

[27] – Ibid.

[28] – Ibid. p. 362: „ Neues Grauen hat der Tod in den Lagern: seit Auschwitz heißt den Tod furchten,  chlimmeres furchten als den Tod. „

[29] – Ibid. p. 367 : „Die metaphysischen Kategorien leben, säkularisiert, fort in dem, was dem vulgären höheren Drang die Frage nach dem Sinn des Lebens heißt.“

[30] – Ibid. p. 364 :   „Ebenso ist Verzweiflung die letzte Ideologie…“

[31] – Ibid. p. 367.

[32] – Ibid.

[33] – Ibid. p. 367 : « Leben das Sinn hatte, fragte nicht danach; vor der Frage fluchtet er.“

[34] – Ibid. p. 371.

[35] – Ibid. p. 371 : « Was ist, sei wie das Konzentrationslager.“

[36] – Ibid. p. 371 : « …ob es besser wäre, dass gar nichts sei als etwas.“

[37] – Ibid. p. 371 : « Als einzige Hoffnung dämmert, dass nichts mehr sei. »

[38] – Ibid. p. 372 : « Der Gedanke hat seine Ehre daran, zu verteidigen, was Nihilismus gescholten wird.“

[39] – Ibid. p. 376 : « Das Geheimnis seiner Philosophie ist die Unausdenkbarkeit der Verzweiflung. »

[40] – Ibid. p. 369 : „Nur um der Hoffnungslosen willen ist uns die Hoffnung gegeben“

[41] – Ibid. p. 376.

[42] – Ibid. p. 376 : « …bewegt die Kantische Vernunft dazu, gegen Vernunft zu hoffen.“.

[43] – Ibid. p. 377

[44] – Ibid. p. 378 :  „ Kants System ist eines von Haltesignalen.“

[45] – Ibid. p. 379 : „ Die Autorität des Kantischen Wahrheitsbegriffs wurde terroristisch mit dem Verbot, das Absolute zu denken. Unaufhaltsam treibt es zum Denkverbot schlechthin.“

[46] – Ibid.

[47]– Ibid. p. 382

[48] – P. 382 : „ Nichts kann unverwandelt gerettet werden, nichts, das nicht das Tor seines Todes durchschritten

hatte. Ist Rettung der innerste Impuls jeglichen Geistes, so ist  keine Hoffnung als die der vorbehaltlosen  Preisgabe: des zu Rettenden wie des Geistes, der hofft. Der Gestus der Hoffnung ist der, nichts zu halten von dem, woran das Subjekt sich halten will, wovon es sich verspricht, dass es dauere.“

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق