إن فكرة الحرية، في مجال الثقافة الأوروبية، هي إحدى المشاكل الأساسية للوجود الإنساني، والإنسان هو الكائن الوحيد على كوكب الأرض القادر على أن يكون حراً، وهو الكائن الوحيد الذي يصنع الثقافة، والوجود الإنساني هو الوجود في الثقافة، وقد عاش الإنسان في الثقافة منذ البداية، منذ ظهور الجنس البشري، فالثقافة هي التي تشكل صفاته الإنسانية وترفعه فوق الطبيعة؛ أما الفلسفة فتسمى بالوعي الذاتي بالثقافة، لكن الفلسفة بشكل عام لم تفهم جوهر الثقافة ومعناها ودورها ومكانتها في حياة الإنسان والمجتمع إلا مؤخرا فقط؛ ومنذ بضعة قرون فحسب، وخلال عصر التنوير، دخل مفهوم الثقافة ذاته حيز الاستخدام، وصار الوعي بأن النشاط الإنتاجي الإبداعي للإنسان، الذي يهدف إلى تشكيل عالم الثقافة، يتغلغل بشكل متزايد في الفلسفة، التي كانت مشبعة بأفكار عصر النهضة والإصلاح ومفكري القرن السابع عشر؛ وكما بين في. إم. ميجوييف (V. M. Mezhuev)([1]) بشكل مقنع عند تطوير هذا الموضوع، كل هذا كان تحضيرا لـ “الاكتشاف الفلسفي للثقافة”، وكان يتلخص بـ «اكتشاف نوع خاص من الكائنات، ليس إلهيا أو طبيعيا، ولكنه في الواقع إنساني، وهو يمتلك استقلالا وحرية نسبيين فيما يتعلق بالنوعين الأولين؛ والثقافة في تعريفها الأساسي هي كل ما يوجد بفضل حرية الإنسان وكنتيجة لها، وهي تجسيد موضوعي لها، وقد أصبح اكتشاف الحرية في العالم الطبيعي وأية ضرورة أخرى سببا لاكتساب الثقافة لاحقا في أذهان الناس لأراضيها وحدودها»[1]([2]).
وبذلك يتم التأكيد على عدم انفصال الحرية عن الثقافة، والثقافة باعتبارها التجسيد الموضوعي للحرية هي فكرة رائعة وعميقة، وفي نهاية المطاف، أسس الإبداع البشري تكمن إما في الإله أو في الطبيعة.
كانت العصور الوسطى تعرف خالقا واحدا فقط، وهو الله، ومنه جاء كل ما يخلقه الإنسان، ولذا يتضح أولا وقبل كل شيء، لماذا «ظلت الفنون الجميلة في العصور الوسطى مجهولة النسب إلى حد كبير»[2]، لكن عصر النهضة انطلق من حقيقة أنّ الإنسان قادر على الخلق لأنه شخص وفرد مخلوق على صورة الله ومثاله([3])، وأصبح الاعتراف بالتأليف الشخصي هو القاعدة، إلا أن الاتصال بالأسس الإلهية للإبداع بقي.
وفي هذا السؤال ثمة خط آخر وهو يرى أن الإبداع يكمن في الطبيعة نفسها، فهي تولّد أشكالا جديدة، والإنسان، كمنتَج للطبيعة، يقلد الطبيعة، ويواصل هذه العملية، والفرق هو أن الطبيعة تخلق دون وعي، والإنسان يخلق بوعي؛ وهناك بعض الحقيقة في هذا البيان، لأن الإنسان كائن طبيعي، ولكن يبدو أن مشكلة الثقافة، وخصوصيتها، وارتباطها بالحرية قد أزيلت مع هذا النهج، فهو لا يفتح آفاق تفسير مناسب لعملية خلق الإنسان للثقافة، ولا لمشكلة الحرية الإبداعية.
ولذلك فإن فكرة عالم الثقافة الإنسانية، باعتباره نتاج الإبداع الحر للذات المتحررة من الحتميتين الطبيعية والإلهية، تضع كل شيء في مكانه.
إن النشاط الإبداعي الثقافي لا ينفصل عن الحرية، والاعتراف بالأهمية الاجتماعية لمبدأ الحرية الإبداعية يعني إدراجه في الأنظمة القانونية لجميع الدول الديمقراطية، فلكي نبدع، يجب أن يتمتع الإنسان بالحرية.
ومشكلة “الاكتشاف الفلسفي للثقافة” كوحدة عضوية بين الحرية والثقافة، التي طرحها بوضوح وطورها مفاهيميا في. إم. ميجوييف، لها، كما يبدو لي، أهمية خاصة لفلسفة الثقافة، وأنا أعتبرها نقطة البداية؛ ولكن بعد ذلك تتباعد مساراتنا، فهو يحل مسألة ما الذي يوفره إنشاء علاقة بين الحرية والثقافة لمعرفة وفهم الثقافة والإنسان، بينما هذه المقالة مخصصة لكيفية ظهور التنوع الهيكلي للثقافة في المقاربات المختلفة لمفهوم الحرية.
الفرعان الروحي والفكري للثقافة
تنظر الفلسفة إلى الثقافة الإنسانية كشيء موحّد، وكنوع من التكامل، وتتحدث عن الثقافة على هذا النحو؛ لكن هذه الوحدة الثقافية تمثل وحدة التنوع ليس فقط من حيث المحتوى، ولكن أيضا من حيث البنية، ولها العديد من التدرّجات الداخلية بناء على الخصائص القومية والاجتماعية وأشكال وأنواع الثقافة وغيرها؛ وقد اهتممت مؤخرا بواحد فقط من هذه الاختلافات الداخلية، وهو التمييز بين الفرعين الفكري والروحي للثقافة [3]، وهذا الموضوع ليس من قبيل الصدفة.
في أدبنا الفلسفي، ولفترة طويلة، تم تفسير مفهوم الروحاني على نطاق واسع، استنادا إلى تقسيم ماركس للإنتاج إلى مادي وروحي؛ وتم تعريف الأخير ببساطة على أنه إنتاج منتـَج غير ملموس، وهو الوعي؛ ولم تكن الأنشطة في مجال الدين والفن والفلسفة فحسب، تعتبر بمثابة إنتاج روحي، بل أيضا في مجال العلوم، على الرغم من أن هذه الأنشطة كانت تفسر أحيانا بمعنى أضيق، على أنها إنتاج للإيديولوجية[4]؛ ولكن، على أية حال، ظلت معالم ووظائف المجال الروحي غامضة وغير محددة؛ إلا أنه في الوقت الحاضر، ولأسباب عديدة، اكتسب هذا الموضوع معنى جديدا، وفي الرأي العام، أصبح المبدأ الروحي مرتبطا بشكل لا لبس فيه بالدين؛ وفي هذه الظروف يجب على الفلسفة أن تحدد مفاهيم الروحانية والثقافة الروحية، لكن المفاهيم نفسها، بتفسير معين أو سواه لها، ليست هي الغاية بحد ذاتها، وفي روسيا أحدثت التغيرات الاجتماعية العميقة تغيرات كبيرة في وعي هذا المجتمع وحياته الروحية، والكثير من الناس يربطون مستقبل البلاد في المقام الأول بإحيائها الروحي، ويعولون على الروحانية الروسية التقليدية.
وفي الوقت نفسه تغير الموقف تجاه العلم والنشاط العلمي والعقلانية العلمية، وإذا كان في العهد السوفييتي قد تم وضع العلم والمنهجية العلمية في المقام الأول واعتبارهما أساسا ليس فقط للتطور التكنولوجي، بل أيضا للإدارة الاجتماعية، فالآن تنخفض هيبة العلم، وتتآكل العقلانية العلمية، وتتزايد المشاعر المناهضة للعلماء إلخ؛ وهكذا يتم التأكيد على أنه حتى الآن كان يُنظر إلى العلم على أنه “الحاكم الأعلى”، القادر على الإجابة على جميع الأسئلة وحل جميع المشكلات، لكن الآن تقترب إملاءات العلم والعقلانية العلمية من نهايتها، ويجب أن يأخذ العلم مكانه الصحيح والمتواضع بين أنواع المعرفة والثقافة الأخرى، لأنه ليس سوى وسيلة واحدة من طرق عديدة للمعرفة، وعلاوة على ذلك، فإن الصورة التي يرسمها العلم الطبيعي للعالم هي “مدمرة فيما يتعلق بالثقافة”، فالعلوم الطبيعية موجهة نحو الهندسة وتخدم “الخطاب التكنوقراطي”، الذي أصبح يشكل تهديدا متزايدا للبشرية، كما أن العلوم الإنسانية تدمج كل شيء في منهج علموي ليس له آفاق. إن القرن الحادي والعشرين لن يكون قرن العلم [5].
ولكن ما العمل إذن بـ “مجتمع المعرفة”، الناقل الرئيس لتطور الحضارة الحديثة؟ التي يعتمد اقتصادها على التقنيات العالية التي يولدها العلم ولا يمكن تشكيلها إلا في مجتمع يتمتع بنظام تعليمي حديث وموظفين مؤهلين، أي بإمكانات فكرية متطورة بما فيه الكفاية؛ وهكذا يتضح أن هناك تناقضا، وأن تمجيد الثقافة الروحية على حساب التقليل من أهمية العلم والإمكانات الفكرية للمجتمع هو هراء نظري وعملي.
وحتى لو تجاهلنا تطور الثقافة الأوروبية باعتبارها ثقافة عقلانية بحتة، فإن تجربة التحديث الناجح لـ “نمور” الشرق الأقصى والإنجازات المبهرة التي حققتها الصين في الاقتصاد وفي المجال العلمي والتكنولوجي تدل على أنه قد تبين أن الثقافة الكونفوشيوسية التقليدية القديمة وتطور التقنيات الحديثة يمكن أن يتم دمجهما دون تعارض مع بعضهما، بل حتى أن بعض المؤلفين الصينيين يجدون أن الكونفوشيوسية تتوافق مع واقع مجتمع ما بعد الصناعة، وهذا لا ينبغي أن يكون مدهشا؛ وبعد كل شيء، فقد تجاوز عصر المسيحية أيضا عتبة ألفي عام، ولم لا يكون ممكنا أن تصبح الثقافة الروحية في روسيا أساساً جيداً لمرحلة ما بعد الحداثة، إذا أخذنا في الاعتبار تقدمها الاقتصادي والتكنولوجي؟ فما الداعي إلى وضع الأمرين في حالة من التناقض؟
إن الثقافة الروحية لمختلف الشعوب ليست غير مبالية بالتقدم العلمي والتكنولوجي، لكن موقفها تجاهه متباين؛ وهي يمكن أن تساعد في إنشاء مناخ اجتماعي ونفسي مناسب له وتقلل المخاطر المرتبطة به على الطبيعة والبشر؛ لكن التناقضات تنشأ أيضا بين الثقافة الروحية والتقدم العلمي والتكنولوجي؛ ومع ذلك، فإن الثقافة الروحية والنشاط الفكري (intellectual) النشط ليسا متعارضين في جميع الحالات، لذا فإن السؤال حول خصوصيتهما وارتباطهما ليس بلا جدوى، بل يمكن أن يكتسب تماما محتوى محددا ومعنى حقيقيا، فدعونا ننظر في هذا الموضوع من منظور نظري عام.
تميز اللغة بين الحقيقة والقيمة، والمعرفة والإيمان، والعلم والأيديولوجية، وما إلى ذلك، ويبدو لي أن اختلافاتهم تمثل في جوهرها أشكالا خاصة متنوعة للتعبير عن تعارض المبدئين الروحي والفكري للثقافة، المتفاعلين مع بعضها البعض، ويمتد نطاق تفاعلاتهما الواسع جدا من الانسجام إلى العداء.
ولنلاحظ أيضا أن الروحانية لا ترتبط بالدين فقط؛ فالروحانية هي المبدأ الإنساني في الإنسان، وعدم الروحانية يعني انحطاط الإنسان؛ وليست الروحانية الدينية هي الممكنة فقط ولكن أيضا الروحانية العلمانية.
إنّ تطور الوعي “من الأسطورة إلى المنطق (logos)” بمعنى فصل المنطق عن الوعي الأسطوري، وظهور الفلسفة اليونانية القديمة، التي طورت أساليب عقلانية لطرح وحل المشكلات النظرية باستخدام نظام الأدلة، وما إلى ذلك، عني تأكيد استقلال المكون الفكري في الثقافة.
والعلم والمعرفة العلمية والعقلانية العلمية هي التعبير الرئيس والمهم عند الناس عن المكوّن الفكري لثقافة العصر الجديد، التي، على عكس الثقافة الروحية، يتم تشكيلها في إطار العلاقة بين الذات والموضوع، مع التوجه نحو المعرفة الموضوعية للعالم وللإنسان نفسه والتطبيق العملي للمعرفة المكتسبة.
لكن المبدأ الفكري في الثقافة أوسع من مجال العلم، ومنه تنطلق “الموجات” إلى مجالات الوعي والثقافة الأخرى على شكل معرفة علمية، ومنهجية علمية في التفكير، وأساليب علمية؛ والعلم هو مصدر للتقنية والتكنولوجيا الجديدة، ويتم دمجه في حياة المجتمع على نطاق متزايد، وقد أصبحت مجالات الإدارة والحياة اليومية والترفيه “متعلـّمة” أكثر وأكثر، كما أن الوعي العادي بحسه السليم لا يخلو من مبدأ عقلاني، لكن على هذا المستوى من الثقافة، تكون الحدود بين تشكيلاتها البنيوية أقل وضوحا.
وإذا قبلنا وجهة النظر القائلة بأن العلم هو جوهر الثقافة الفكرية الحديثة، فهذه الثقافة في نظام الثقافة الكلي ستمثل أحد مكونـَيها، وسيكون العنصر الآخر هو الثقافة الروحية، وهذه الأخيرة لا تستبعد المعرفة والعقلانية والذكاء، فالحقيقة هي أيضا قيمة؛ وتـَقدُّم المعرفة له تأثير على المجال الروحي، وذلك فقط لأن حل العديد من مشاكل المعنى في الحياة يعتمد على مستوى وحجم المعرفة في عصر معين، ولكن في المجال الروحي، المعارف ليست ذات قيمة بحد ذاتها، والحاجة إليها تكون في بعض الأحيان غير موجودة، بينما في أحيان أخرى، على سبيل المثال، في المعرفة الفنية للعالم الداخلي للإنسان، هي مهمة للغاية، لكن بشكل عام، عند تلبية احتياجات الثقافة الروحية، فالمعارف لا تلعب دورا مستقلا.
إن ديناميكيات المجال الروحي ضعيفة الصلة بتقدم عملية المعرفة، حيث توجد فعليا أحاجٍ عالمية مثل أصل الحياة أو ظهور الإنسان، ولكن التطور يحدث بسبب صياغة وحل مسائل جديدة باستمرار؛ أما في مجال الروح، فعلى العكس من ذلك، فهنا تسود المسائل الأبدية، وفقط تفسيراتها هي التي تتغير؛ وعلاقة الجديد بالتقاليد الروحية وإدراج الجديد في نظام المعرفة القائم بعيدان كل البعد عن أن يكونا عمليات متطابقة، وهذا الوضع يجب التأكيد عليه، لأنه أصبح من المألوف اليوم محو التمييز بين العلوم وأشكال الوعي القيمية، وكذلك طرق دراستها.
وهكذا، وبعد أن اكتشفنا الفرق بين فرعي الثقافة الفكري والروحي، نكون قد وصلنا إلى المشكلة الرئيسة لهذا النص المتمثلة بما إذا كان هذا التمييز يمكن أن يجلب شيئا خاصا به إلى التحليل الفلسفي للحرية.
مشكلة الحرية في فلسفة كانط وهيغل
تركت لنا الفلسفة الكلاسيكية إرثا من خطين، أو فكرتين عظيمتين في تفسير الحرية.
تم وضع إحداهما بواسطة كانط، الذي انطلق من حقيقة أن جميع الظواهر في الطبيعة تخضع لقانون السببية، والإنسان الذي ينتمي إليها، كفرد إمبريقي (تجريبي)، يدخل في السلسلة العامة للتبعيات السببية، وأفعاله، حتى وإن كانت مبنية على قوانين الطبيعة، وتتوافق معها، فهي أيضا محددة سببيا، وإرادته ليست حرة.
لكن كانط لم يفكر حتى في إنكار الحرية، ولم يكن بعيدا عن هذا الفكر فحسب، بل على العكس من ذلك، أدرك الأهمية الكبرى للحرية في حياة الإنسان؛ فكيف يمكننا “إنقاذها” إذا لم تكن هناك حرية في الواقع التجريبي؟ إن فلسفة كانط النقدية هي الجواب على هذا السؤال، ومنطلقاتها معروفة جيدا، لكنني مضطر إلى تقديمها بإيجاز، مع تسليط الضوء على تلك اللحظات في الهياكل المفاهيمية لفلسفة كانط التي ترتبط مباشرة بالموضوع الذي ندرسه.
انتقادات كانط موجهة ضد الميتافيزيقا السابقة، التي اعترفت بإمكانية معرفة ليس فقط الواقع الحسي، ولكن أيضا الكيانات ما فوق الحسية الموجودة خارج التجربة؛ وقد كسر كانط هذا التقليد وطوّر نظاما من وجهات النظر تتطابق بموجبه الطبيعة مع عالم المعرفة التجريبية، وهذا العالم تتم صياغته من قبل الذات (subject) من خلال تركيب المعطيات الحسية المقدمة عبر التأمل وأشكال المعرفة القبلية المتأصلة (a priori forms) في العقل؛ والأشكال القبلية الخالصة للتأمل الحسي هي المكان والزمان، والإنسان قادر على إدراك ما يظهر في هذه الأشكال فقط، لكن الأحكام العامة والضرورية لا يمكن استخلاصها من البيانات الحسية، فالصيغ القبلية للعقل هي التي تتمتع بهذه الخاصية، ودمجها مع البيانات التجريبية يُدخل العمومية والضرورة في التجربة؛ وكانط يسمي الأشكال القبلية المرتبطة بالمعرفة بالمتعالية (transcendental).
وبالتالي، فالمعرفة الفعّالة لها أصل تجريبي، والإنسان يدرك الظواهر، أما العقل النظري فعندما يطرح سؤالا حول التجربة بكليتها، فهو يقع في التناقضات، لأن الأطروحة (thesis) ونقيضها (antithesis) تظهران بنفس قوة الإثبات، وهذا يعني أن المعرفة قد وصلت إلى حدها، وهذا ما تؤكده تناقضات أو مفارقات العقل النظري.
لكن الفلسفة النقدية تتجاوز حدود العالم القابل للمعرفة وتنتقل إلى مجال آخر هو المجال المتعالي غير القابل للمعرفة، حيث يسود ليس العقل النظري بل العقل العملي، الذي يهدف أساسا ليس إلى المعرفة بل إلى الحرية فـ «العملي هو كل ما يمكن أن يكون ممكنا بفضل الحرية»؛ والعقل العملي هو الإرادة، إذا ما تم تحديدها بدوافع عقلانية، أي أن الإرادة تكون حرة بقدر ما تحدد نفسها بنفسها، والحرية هي الشرط المسبق والأساس للأخلاق.
الإنسان، ككائن عقلاني، وكحامل للعقل العملي، يرتبط أيضا بعالم الأشياء في ذاتها القابل للإدراك العقلي، وهو ليس محكوما بقوانين الطبيعة، بل بقوانين الأخلاق، التي تصبح “دوافع ذاتية” لأفعال الإنسان، وتظهر على شكل مبادئ عليا، ويكون الامتثال لتوجيهاتها هو واجب الإنسان؛ والقانون الأخلاقي المشترك بين البشرية جمعاء، والذي يوحد ويحمي الجنس البشري، يُلزم كل فرد بالتصرف تجاه الآخر بطريقة تجعل مبدأ إرادته بمثابة مبدأ للتشريع العالمي، وفيما يتعلق بالذات، يعتبر هذا القانون بمثابة ضرورة قطعية[7]؛ وإرادة الإنسان الذي ينفذ متطلبات القانون الأخلاقي تكون حرة.
وهكذا، يدفع كانط مفهوم الحرية إلى ما هو أبعد من حدود المعرفة، ووفقا له «يمكن أن تُعتبر الطبيعة وحدها عالما يمكن إدراكه بالحواس، بينما يمكن أن يُفهم كنظام للحرية أي عالم يمكن إدراكه بالعقل، أيّ عالم أخلاقي (regnum gratiae)» [8].
وهذا، باختصار، هو تفسير الحرية في فلسفة كانط، وأهم ما في ذلك أنه فصل بشكل قاطع المعرفة عن الحرية، والطبيعة عن العالم القابل للإدراك للأخلاق وقوانينها التي تحمل بالنسبة للإنسان معنى حتميا، وتعتبر متطلباتها واجبا عليه الالتزام به لكي يبقى إنسانا؛ وعالم الأخلاق هذا هو أيضا عالم من الجوهريات الروحية، وهو مفتوح أمام الإنسان لفهم مشاكله الروحية وحلها؛ وهكذا يقدّم كانط مبررا أخلاقيا للاعتراف بوجود الله وخلود النفس، وهو يثق أخلاقيا بوجودهما، فيقول: «بما أن القاعدة الأخلاقية هي في الوقت نفسه مبدأ أعلى يتطلبه عقلي، فسوف أؤمن حتماً بوجود الله والحياة الآخرة، وأنا على يقين أن لا شيء يمكنه أن يزعزع هذا الإيمان، لأن ذلك من شأنه أن يقلب مبادئي الأخلاقية ذاتها، التي لا أستطيع أن أتخلى عنها دون أن أستحق الازدراء بنظر عيني الخاصتين«[9].
أعتقد أن فصل العالم الروحي عن عالم المعرفة، الذي يميز فلسفة كانط النقدية، هو أول تمييز واضح في تاريخ الفلسفة بين الثقافة الفكرية والثقافة الروحية، وقد تم بالطبع بشكل تاريخي معين؛ ويبدو لي أن هذا الاستنتاج هو نتيجة واعدة أخرى لأفكار كانط، التي حددت مكانته ودوره في تاريخ الفلسفة الحديثة.
في فلسفة هيغل، يتم تناول مشكلة الحرية بشكل جوهري مختلف، إذ يعيد هيغل إلى الحياة إمكانية معرفة الواقع الموضوعي التي رفضها كانط، ويعترف هيغل بالمثالي والكلي والمطلق كواقع حقيقي، والمفاهيم الرئيسة التي تحدد نهجه في التعامل مع هذا الواقع هي التطور والمعرفة والحرية.
عند هيغل، الأساس المنطقي لكل ما هو موجود هو الفكرة التي تتواجد في حالة تطور، وتطور الفكرة يكمن في معرفتها لذاتها، ولذلك فهو يعتبر الدعوة إلى “معرفة نفسك” وصية مطلقة، وينسبها ليس فقط إلى العالم الداخلي للفرد، ولكن أيضا إلى كل العالم وأساسه المثالي؛ وفيما يتعلق بالمعرفة، يقدم هيجل مفهوم الروح كفكرة عارفة، وعارفة لنفسها، فـ «النظر في الروح لا يكون فلسفيا حقًا إلا عندما يتم التعرف على مفهومها في تطورها الحي وتحققها، أي على وجه التحديد عندما تُفهم الروح على أنها انعكاس للفكرة الأبدية»[10]؛ وبالنسبة لهيجل، الروح هي مبدأ فاعل وفعال، و«كل نشاط للروح هو… فقط من أجل فهمها لذاتها، وهدف أي علم حقيقي هو فقط أن تعرف الروح نفسها في كل ما في السماء وما على الأرض» [11]؛ وفي العالم لا يوجد شيء غير قابل للمعرفة، والمعرفة هي بالضبط من تكشف للإنسان أن أساس العالم هو البداية التي تعرف نفسها، ومن هنا القول المشهور “من نظر إلى العالم بعقل، نظر إليه العالم بعقل“؛ فـ «…العقل يشكل الطبيعة الجوهرية للروح؛ إنه مجرد تعبير آخر عن الحقيقة، أو الفكرة، التي تشكل جوهر الروح؛ لكن الروح وحدها تعلم أن طبيعتها هي العقل والحقيقة»[12]؛ والخلاصة المنطقية لنظام هيغل الفلسفي هي الفكرة المطلقة، المطلقة بمعنى أنها جسدت وحدة الذاتي والموضوعي وحققت تحقيقها الذاتي، وانتقلت من الأشكال المجردة إلى الأشكال الملموسة بشكل متزايد مستوعبة ثروة التطور السابق.
وبالنسبة لهيغل يعتبر مفهوم الحرية مثل مفهوم الروح أساسيا؛ والحرية هي خاصية للروح وللعقل، تماما كما أن الثقل هو خاصية للمادة، و«الحرية هي جوهر الروح الحقيقي وهي وجودها الفعلي كذلك»[13]، وموضوعة الحرية تظهر في جميع أقسام فلسفة هيغل، حيث يتم تحليل مفهوم الحرية نفسه، وعلاقته بالمفاهيم الأخرى، وتفسيراته، وظهور الحرية والانحراف عنها يخضعان لتحليل دقيق وشامل.
ومن خلال الجمع بين الحرية والمعرفة، حل هيغل جدليا مسألة التوازن بين الحرية والضرورة، فالحرية تتعارض مع الضرورة وترتبط بها جدليا، ووجود الضرورة، أي الحتمية لا يستبعد حرية الإنسان، فالحتمية المفهومة جدليا كضرورة موضوعية، لا تضع حدودا للحرية فحسب، بل تجعلها أيضا ممكنة، و»الضرورة بحد ذاتها هي في الحقيقة ليست حرية بعد، ولكن الحرية تتضمن الضرورة كشرط أساسي وتحتوي عليها في داخلها كعنصر ملغى([4])«[14].
ينظر هيجل إلى التاريخ باعتباره عملية منتظمة، فــ» تاريخ العالم هو تقدم في وعي الحرية، تقدم يجب أن نعرفه في ضرورته«[15]، وهذا التعريف الشهير يعني أن كل مرحلة جديدة من مراحل الفكرة المطلقة تنشأ تاريخيا عن سابقتها بالضرورة، ومن خلال فهم ذلك، يبني الناس حياتهم الاجتماعية، وينشئون المؤسسات التي تلبي متطلبات هذه المرحلة من تطور الفكرة، وفي سياق هذا التطور تتسع الفرص وتتسع حدود حرية الإنسان؛ وصحيح أن هيجل يُدخل العناية الإلهية في فهم التاريخ، ويُخضع تطوره للغاية النهائية باعتبارها البداية النشطة للتاريخ، لكن هذا موضوع آخر.
الإرادة الحرة لا تشكل أية مشكلة بالنسبة لهيغل على الإطلاق، فالإرادة حرة”بحكم التعريف”، إذا جاز التعبير، ومع ذلك، فثمة نقطة واحدة مهمة يجب مراعاتها هنا، فهيجل يربط الإرادة بالروح الموضوعية، أي أن الإرادة موجودة في عمليات النشاط، وهي تكون حرة عندما يكون محتواها عاما، ويختلف عنها العسف الذاتي، كشيء عرَضي وخاص، وهذه الفكرة لهيجل لا تزال عملية حتى الآن، حيث تختلط الحرية بالفوضى ويتم في الممارسة العملية استبدالها بالعسف والمراد الخاصين.
وعلى عكس كانط، فالشيء في ذاته يصبح عند هيجل شيئا لذاته، فهو موضوعي ومرتبط عضويا بالمعرفة، وعلاقة “الفكر بالموضوعية” هي علاقة معرفية فقط، ولا يعترف هيجل بأي شيء آخر، وحتى الإيمان يتم لديه تعريفه كأحد أشكال المعرفة؛ المعرفة تنتصر، وفي سياق عملية المعرفة، يتم تحقيق التماهي بين التفكير والوجود، وعملية إدراك الواقع الموضوعي هي بالضبط “طريق الحرية”؛ وأعتقد أنه بشكل عام يمكن تسمية فلسفة هيغل، ودون مبالغة، بفلسفة الحرية.
لم يكن هيجل وحده من طور فكرة دور المعرفة في اكتساب الحرية، فقد واصل هذا الجدلي العظيم خط العقلانية الممتد من سقراط (معرفة فكرة الخير كركيزة صلبة للفضيلة)، وعلى الرغم من اختلافات ديكارت، وسبينوزا، وفلاسفة التنوير الفرنسيين وكلاسيكيي الفلسفة الألمانية في تفسير الحرية، واعترافهم أو عدم اعترافهم بحرية الإرادة، إلا أن الرابط بين الحرية والمعرفة ظل قائما لديهم، ولدى هيجل تم تطوير هذا الموضوع بدقة.
يلتقي هيغل مع كانط في فكرة أن الإنسان حر ككائن عاقل، لكن هيجل يربط الإرادة الحرة بالإنسان باعتباره ذاتا مفكرة، فيما يربطها كانط بالإنسان باعتباره ذاتا أخلاقية.
وبالنسبة لهيغل، تعتبر فلسفة كانط مرحلة في تطور الفلسفة يتم من خلالها فهم الفكرة في تعريفاتها الصورية (formal)، وهو يتفق مع كانط في أن المعرفة بمساعدة الرشد (Verstand بالألمانية) ومقولاته تعطي معرفة بالظواهر، ولكن الرشد لا يمكنه الوصول إلى الحقيقة؛ إلا أن هيغل لا يرضى بقيام كانط بالحد من العقل (Vernunft بالألمانية)([5])، ومنحه فقط القدرة على المعرفة القبلية والوظيفة التي بواسطتها يحدد العقل الحدود الصورية للمعرفة والشروط التي تجعلها ممكنة؛ وبالنسبة لهيغل، على العكس من ذلك، فإن العقل هو الوحيد القادر على معرفة الحقيقة، والمطلق، أما المعرفة الرشدية فهي معرفة المحدود؛ وهيجل أيضا لا يقبل تضادّات (antinomies) كانط وعدم موافقتها بين الأطروحة والنقيض، ويقيّمها على أنها انفصال بسيط عن بعضها البعض للمواقف التي تتحد في تركيب جدلي.
لكن موقف هيغل من مفهوم كانط الأخلاقي أكثر إيجابية، وهو يقول في “فلسفة الحق”: « إن الشيء الأساسي في الإرادة بالنسبة لي هو الواجب… ويجب أن أرغب بالقيام بواجبي لأجله هو بذاته، وما أقوم به كواجب هو ذاتيتي الخاصة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة؛ وفي أدائي لواجبي، أكون عند ذاتي عينها وأكون حرا. إنّ طرح معنى الواجب هذا يشكل فضيلة وسمو وجهة نظر فلسفة كانط العملية»[16].
ولكن هذا لا يلغي الفرق الجوهري بين مواقف الفيلسوفين ليس فقط في مجال العقل النظري، ولكن أيضا في مجال العقل العملي، فإنْ كان كانط يأخذ الحرية إلى خارج حدود المعرفة، ويخصص لها مكانا في العالم الأخلاقي القابل للإدراك العقلي، فإنّ هيجل يرفض هذه الصياغة ذاتها للسؤال، ويحدد الحرية باعتبارها خاصية متكاملة للروح النشطة التي تعرف نفسها.
وفي الختام، أود التأكيد على أنه على الرغم من أن الشكل التاريخي الذي يعبر فيه الفلاسفة أنفسهم عن آرائهم هو أمر مثير للاهتمام، إلا أنه لا يمثل أهمية بالنسبة للمشكلة المطروحة في المقال، فالمهم هنا هو موقفهم، ومعناه الأساسي، والمسار الفكري العام الذي رسموه، ومن خلال فصل جوهر المسألة عن الشكل التاريخي، يمكننا تقييم مساهمتهم بشكل أفضل وحل المشكلات الفلسفية الراهنة بمساعدتهم؛ وثمة أيضا بضع كلمات أخرى عن الماركسية، فقد تبنت الماركسية حل هيجل لمشكلة الحرية، وبعد أن أدركت الماركسية أنه لا يمكن للمرء أن يتحرر من المجتمع أو من الضرورة الطبيعية للطبيعة، أكدت بأن الإنسان يمكن أن يكون حرا فيما يتعلق بالواقع إذا تصرف وفقًا للضرورة المعروفة، وتصرف “بمعرفة الأمر”؛ ولا تنكر الماركسية أن الإنسان لديه عالمه الداخلي الخاص وأن لديه إرادة حرة نسبية، لكنها ترفض ما وضعه كانط من تضاد بين المعرفة والحرية.
فرعا الثقافة ومشكلة الحرية
وهكذا، طورت الكلاسيكيات الفلسفية نهجين لحل مشكلة الحرية، أولهما هو أن الحرية هي حالة العالم الداخلي للإنسان ككائن عقلاني، وهي لا ترتبط بالمعرفة، بل بوعي استقلال الإرادة الإنسانية وأخلاقها وتقريرها لمصيرها، (وهذا نهج كانط)، وثانيهما هو أن الحرية هي معرفة الضرورة (كما هو الحال لدى هيغل) والنشاط المبني على هذه المعرفة (كما هو الأمر في الماركسية).
فأيهما هو الأصح؟
يبدو لي أن هذا السؤال غير مناسب هنا، حيث أن هناك كل الأسباب للاعتراف بكلا هذين النهجين كضرورتين، والاعتراف بإمكانية وجودهما في الفلسفة بحقوق متساوية تماما، وأن تفضيل أحدهما ليس أمرا مبدئيا، بل ظرفيا فقط، فكلا الموقفين متساويان، أي لديهما حق متساو في الوجود.
ومعضلة إما انتزاع الإنسان من عالم الروابط السببية من أجل تحرير إرادته، أو قبول وجهة النظر القائلة بأن الحرية تكتسب بطريق معرفة الضرورة، لا تعني أنّ موقفاً واحداً هو الصحيح وأنّ الآخر هو خاطئ.
وفي التخصصات الفلسفية المختلفة، تمت مرارا معالجة مشكلة الحرية بأشكال مختلفة؛ فبالنسبة للأخلاق، هي مسألة حرية الإرادة؛ وبالنسبة لنظرية المعرفة، هي المعرفة والحرية؛ وبالنسبة لفلسفة الثقافة، هي حرية الإبداع؛ وبالنسبة للفلسفة السياسية وفلسفة القانون، هي الحرية والقواعد القانونية، والحرية الشخصية، وحرية التعبير والصحافة، وما إلى ذلك.
فكيف ترتبط الأبعاد البارزة لحرية الإنسان بالثقافة التي يعيش فيها الإنسان والتي ينتجها؟ وهل يمكننا القول أنّ هذه الأبعاد مطبوعة بطريقة أو بأخرى بالثقافة؟ أعتقد أنه ينبغي الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب، وسيصبح هذا الاستنتاج واضحا إذا ما نظرنا إلى الحلول المختلفة لمشكلة الحرية باعتبارها انعكاسا لخصوصيات فرعَي الثقافة، الفكري والروحي.
تحل فكرة الحرية باعتبارها “ضرورة مدرَكة” ببراعة المشكلة الفلسفية القديمة المتمثلة في الجمع بين الحرية والحتمية، ولا يُنظر إلى الأخيرة على أنها مجرد نفي (أو تقييد) للحرية، بل يُنظر إليه أيضا على أنها شرط وأرضية لازمة لها، وإذا لم تكن هناك سببية وانتظام في العالم، فسيكون النشاط البشري الواعي مستحيلا، وبالتالي ستكون الحرية مستحيلة.
وأعتقد أن التآزر (Synergetics)، الذي يؤدي إلى ظهور مناهج جديدة لتفسير قوانين الطبيعة ودور الصدفة، لا يتطلب مراجعة أساسية لهذا الموقف.
فالإنسان يفهم العالم، ويغير الطبيعة والحياة الاجتماعية، ويخلق شيئا لم يكن موجودا في الطبيعة، ولكن ليس لأنه مستقل عنها، بل لأنه يتبع قوانينها؛ وهو يعكس الواقع، ويسعى إلى معرفته الحقيقية، ويرتقي فوقها في تفكيره ونشاطه الإبداعي المبني على المعرفة؛ أما انتهاك القوانين الموضوعية فيحكم على النشاط البشري بالفشل، وعلى الإنسان بالهزيمة؛ وهكذا فالحرية المبنية على المعرفة تتحقق في النشاط الإبداعي الفاعل، لأنها تخضع لمقتضيات الثقافة الفكرية.
لكن هذا النهج لا يحل المشاكل الأخلاقية لاختيار أسلوب السلوك، والاختيار بين الخير والشر، التي تضعها حياة الإنسان أمامه في جميع أبعادها، ولا المشاكل التي تنشأ في عمليات النشاط والتواصل، وكل هذه المشاكل هي مشاكل الثقافة الروحية.
ووفقًا لخصائص حرية الإرادة، يتم تشكيل منهجية النظر فيها، وتحليل العلاقة بين الحرية والأخلاق، والحرية الإيجابية والسلبية، والحرية والمسؤولية وما إلى ذلك؛ وفي مجال الثقافة الروحية، يتم تفسير الحرية على أنها استقلال الإنسان عن الحقائق الموضوعية؛ ووفقا لكانط، فإن حرية الإرادة تتحقق في تقريرها الأخلاقي لمصيرها، وهذا ما يستدعي وعي الواجب، وهذا القرار يعبر عن خصوصية البداية الأخلاقية ويلبي احتياجات الثقافة الروحية، فيولد فيها وعي الحرية الداخلية الجد ضروري للإبداع البشري.
أما القواعد القانونية فتؤكد هي أيضا على الحرية وتضع حدودا للإرادة، فالحرية هي العمل على أساس القانون، ونظام قوانين دولة القانون هو بالضبط من يخلق مساحة حرية التصرف ويشكل أساس حرية الفرد.
وهكذا، فإن الاختلاف في فهم الحرية المنبثق عن هيجل وكانط ليس بلا أساس، ويجب البحث عن أصوله في الأبعاد المختلفة للثقافة نفسها، وفي خصوصية كل منها، ولكن في تاريخ الفلسفة، تم فصلهما ومواجهتهما لبعضهما البعض؛ لكن انتماؤهما إلى الثقافة يشير إلى أنهما لا يستبعدان بعضهما البعض، بل يكملان بعضهما، ولا يوجد بينهما تناقض؛ وعلاوة على ذلك، فإن النشاط الإبداعي البناء يجمع بين هذين النهجين، فالذات الفاعلة تحتاج إلى المعرفة وإلى وعي حريتها على حد سواء.
حواشي المؤلف:
[1] ميجوييف ف. إم. فكرة الثقافية، موسكو، 2006. ص. 44 – 45.
[2]جورفيتش أ.يا. مقولات ثقافة العصور الوسطى، موسكو ،1972،ص 36.
[3] انظر مزيدا من التفاصيل: كيلي ف. ج. المكونات الروحية والفكرية للثقافة // قضايا الفلسفة،2005 ، عدد 10، ص 38-54.
[4] إليكم أحد التفسيرات: “يمكن تعريف الإنتاج الروحي على أنه إنتاج الوعي في شكل اجتماعي خاص، والذي تقوم به مجموعات محددة خصيصا ومنظمة داخليا من الناس أو طبقات أيديولوجية من المجتمع”(الإنتاج الروحي، موسكو، 1981. ص 142).
[5] أنظر على سبيل المثال”صحيفة العلم المستقلة” (NG-NAUKA)، عدد 2، 16/02/2000.
[6] كانط إ. نقد العقل المحض // كانط إ. نصوص، الجزء 3، موسكو، 1964، ص 658.
[7] أحد أحدث النصوص التي تحتوي على ملخص موجز لتاريخ “القاعدة الذهبية للأخلاق” وتحليل للصعوبات والتناقضات المرتبطة بالوفاء بمتطلبات الحتمية القاطعة؛ انظر: سولوفييف إ. يو، الحتمية القاطعة للأخلاق والقانون، موسكو، 2005، ص 51-88.
[8] كانط إ. نصوص، ج 3، موسكو، 1964، ص 669.
[9] المرجع السابق ص 677-678.
[10] هيجل ج. و. ف. موسوعة العلوم الفلسفية، الجزء الثالث: فلسفة الروح // هيجل ج. ف. ف. نصوص، ج 3، موسكو، 1956، ص 25.
[11] المرجع السابق، ص. 25.
[12] المرجع السابق، ص. 55-56.
[13]المرجع السابق، ص. 291-292.
[14] هيجل ج. و. ف. موسوعة العلوم الفلسفية، الجزء الأول: المنطق // هيجل ج. ف. ف. نصوص، ج1، موسكو ولينينغراد، 1929، ص 261.
[15] هيجل ج. و. ف. موسوعة العلوم الفلسفية، الجزء الأول: المنطق // هيجل ج. ف. ف. نصوص، ج8. موسكو ولينينغراد، 1935، ص 19.
[16] هيغل ج. ف. ف. فلسفة القانون، موسكو ولينينغراد، 1934، ص 153.
المصدر:
نادي إنتلروس الصحفي، المجلة الفلسفية، العدد 1، 2008
http://www.intelros.ru/readroom/fg/fg_1/5384-kultura-i-svoboda.html
[1] – فاديم ميخائيلوفيتش ميجويف (Vadim Mikhailovich Mezhuev) (17 ديسمبر 1933 – 9 أبريل 2019)، هو فيلسوف سوفيتي وروسي، وعالم ثقافي؛ ودكتور في الفلسفة، متخصص في مجال فلسفة الثقافة والفلسفة الاجتماعية، وقد ألف أكثر من 250 ورقة علمية، وشغل العديد من المناصب العلمية الرفيعة، من بينها كبير الأساتذة الباحثين في معهد الفلسفة التابع لأكاديمية العلوم الروسية.
[2] – تجدر الإشارة إلى أن الحواشي المشار إليها بأقواس مربعة [] هي من وضع مؤلف المقالة، أما الحواشي المشار إليها بأقواس منحنية () فهي من وضع المترجم.
[3] – هنا المؤلف يقتبس من الكتاب المقدس الذي يرد فيه أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله، إذ تقول الآية (1: 27) من سفر التكوين: «فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه…».
[4] – بالعودة إلى النص الألماني الأصلي، نجد أن هيغل استخدم كلمة “aufgehoben” بالألمانية، وبمفهوم هيغل فهذا يعني إلتغاء القضية عند رفعها إلى ىمستوى جديد يزول فيه التناقض بينها وبينها نقيضها، ويتم تجاوزه عبر اندماجهما في تركيب جديد.
[5] – هنا يستخدم المؤلف مصطلحي “рассудок” (rassudok) و”разум” ( razum) الروسيين، وهما في هذه المقالة يقابلان على التوالي مصطلحي “Verstand” و””Vernunft بالألمانية وفقا لمفهوم هيغل؛ وفي اللغة الروسية يمكن لمصطلح “рассудок” (راسّودَك) أن يعني “الرشد، أو الصواب، أو المحاكمة الفكرية”، فيما يدل مصطلح “разум” (رازُم) على “العقل” بمعناه الأوسع والأعلى.




