كتبه: ديريك سكوت | ترجمة أسماء عسيري
ما يجب معرفته
يصعب على كثير من الناس حب أنفسهم، ولعلك منهم، فتشعر بالخجل أو الندم على ما فعلت أو تشعر بأنك محطم أو سيئ أو فاسد، ماذا لو أخبرتك أن معدنك طيب ولطيف ومحب ولا حرج عليك؟ قد ترد سرًا: “إنه لا يعرفني” أو “لا يعرف ما فعلت”؛ ولأنني معالج نفسي فقد اعتدت على هذه الردود وعرفت بعد سنوات من الخبرة أن معادن الناس طيبة مع أن بعض جوانبهم قد تجنح، وهذه الجنوحات تدلنا على العلاج الذي نحتاجه وبمقدورنا فعله.
أمارس علاج النظم الأسرية الداخلية (IFS) وهو نهج طوره المعالج النفسي الأمريكي ريتشارد شوارتز الذي يرى بأن أجزاءنا الداخلية المختلفة تعمل بطريقة تشبه التفاعل الأسري، فتارة يختلفون وتارة يتحدون وتارة أخرى يحمون بعضهم، وقد فطن شوارتز لهذا بعد استماعه حق الاستماع لعملائه، فوجد أنهم مثلك يقولون: “جزء مني يحب/يكره كذا” وتساءل ماذا سيحدث لو اعترفنا بحقيقة هذه الأجزاء.
لك أجزاء مختلفة ونفس واحدة
ينص علاج النظم الأسرية الداخلية (IFS) على أن:
- شخصيتك تتكون من أجزاء مختلفة.
- وجوهرك الحقيقي المحب بطبيعته حاضر في داخلك.
لعلك تستغرب هذا في أول الأمر لكنك لو تأملت مليًا لعرفت أننا نتحدث عن أجزائنا المختلفة طوال الوقت، فلو سألك صديقك إن كنت تريد أن تجرب مطعمًا جديدًا لغداء يوم الجمعة فربما ترد: بعضي يريد وبعضي الآخر لا يريد، ولعل بعضك الموافق يحب تجربة الأماكن الجديدة، وبعضك الرافض يريد أن يدع يوم الجمعة بلا خطط لأنه يوم إجازتك.
النظم الأسرية الداخلية (IFS) تتعامل مع هذه الأجزاء على أنها حقيقية ولها علاقات تربطها ببعضها؛ فتارة تحمي بعضها وتارة تختلف مع بعضها وتارة أخرى تتحالف مع بعضها. لا بد أنك تعرف ذلك الصوت الناقد في رأسك الذي يؤنبك على ما فعلت وعلى ما تركت، وهو صوت قاسٍ لكنه بعض منك.
وترى النظم الأسرية الداخلية IFS أن أجزاءنا هذه ما هي إلا كائنات صغيرة داخلنا، لها أفكارها ومشاعرها وتجاربها الخاصة بها، وحين تنسجم معنا وتسيطر على نظامنا كله نشعر بأن هذه الأجزاء هي ماهيتنا، فمثلًا لو كنت غاضبًا منك فأنا غاضب منك، وحين أبكي وأنا أشاهد فيلمًا فأنا حزين، لكن النظم الأسرية الداخلية IFS ترى بأن غضبي وحزني جزءان منفصلان عني، لأنني لست غاضبًا أو حزينًا طوال الوقت، لكن ما أجزائي الحاضرة حين أكون آمنًا وهادئًا؟ حبي أم لطفي أم شجاعتي أم إبداعي أم فضولي؟ حين استمع شوارتز إلى عملائه وهم يتكلمون عن هذه الأجزاء المحبة منهم كانوا يقولون: هذا يشبهني، ومع الوقت فطن إلى أن هذا هو جوهر الذات وله سمات معينة تنسجم مع الأجزاء المختلفة.
تعرف على بعض مصطلحات النظم الأسرية الداخلية
قبل أن أعرج على كيفية عمل النظم الأسرية الداخلية دعني أعرفك ببعض المصطلحات والمفاهيم الأساسية:
جوهر الذات: وهي سماتك كالتعاطف والفضول والهدوء والثقة والتواصل والوضوح والإبداع والشجاعة.
الأجزاء الحامية: الأجزاء الاستباقية منها هم مديروك الذين يحبون إدارة حياتك، ويكررون “ينبغي” داخل رأسك. ومن هؤلاء المديرين ناقدك الداخلي الذي ينتقدك لأخطائك أو عيوبك المفترضة.
الأجزاء الضعيفة: وهذه الأجزاء الحساسة هم المنفيون، وهي أجزاؤك التي تحمل مشاعر و/أو معتقدات مؤلمة، فمن الشائع مثلًا أن تظن بعض أجزائك بأنها سيئة، وتحمل عبء العار، وهذه الأجزاء غالبًا من طفولتك وعالقة في الماضي؛ فمثلًا لو قيل لطفل مرارًا وتكرارًا إنه مخيب للآمال وهو في الثامنة من عمره فإنه يعلق في هذا العمر، وقد يقرر المديرون أن خير سبيل لحماية هذا الطفل هو أن يكون مثاليًا حتى لا ينتقد ثانية.
الأجزاء الحامية: الأجزاء التفاعلية منها رجال الإطفاء، مثلًا لو أشعرك شريكك بالعار لشيء فعلته وثار المنفي بداخلك فإن رجل الإطفاء بداخلك يغضب أو يتعاطى المخدرات أو الكحول أو المواد الإباحية وغيرها ليصرفك عن الألم العاطفي خشية أن يبتلعك شعورك بالعار، لكن رجال الإطفاء لا يظهروننا بمظهر حسن في الغالب لذا يتولى المديرون مهمتهم، هب أن رجل الإطفاء ثمل ليخفي جزءًا مُحرَجًا اجتماعيًا أي بعض منفييك، حينها تسمع في داخلك صوت رجل الإطفاء والمدير يتجادلان: لا يسعني تصديق أنك ثملت الليلة الماضية! فيرد عليه: لم أكثر الشرب، كنت محتاجًا للاسترخاء، فيقول له: لقد صرت أحمقًا ..الخ
الإصغاء إلى أجزائك يحسّن معرفتك بهم ويشفيك:
إن كل أجزائك تنوي خيرًا وتسعى لمساعدتك، فلو استأجر صديقك مثلًا حوض سباحة لإقامة حفلة ودعاك إليها وقال إن سمتها العامة “ملابس السباحة: بيكيني وسبيدوس”، فلو كان جسدك يربك بعض أجزائك ستسمع نقاشًا داخليًا يقول:
أظنني لن أذهب فلن أكون مرتاحًا.
علي الذهاب فهو صديقي، ولربما ظن أني أتجاهله.
لمَ لا ألبس لباسًا ساترًا؟
لا تكن سخيفًا فهذا يلفت الانتباه إليك.
لا يزال أمامي شهران لعلي أتبع نظامًا غذائيًا وأواظب على الذهاب للنادي الرياضي.
لن يجدي هذا نفعًا وقد سئمت من تجويع نفسي.
ما الذي يحدث هنا؟ من منظور النظم الأسرية الداخلية هؤلاء مُديروك يتحدثون، أتسمع صوت “ينبغي” القلق على مظهرك أمام الآخرين؟ كلهم نواياهم حسنة لكنهم لا يتفقون بالضرورة كما ترى، وهذا يسبب توترًا نفسيًا يسمى في بعض التقاليد البوذية بعقل القرد، وهؤلاء المديرون يحاولون التأكد من أن المنفيين الذين يحملون الضغوط والأعباء (كالتي تشعر بالخجل من جسدك) لن يستثاروا ويتولوا زمام الأمر، وهؤلاء المديرون استباقيون في حبس حاملي الألم في أماكنهم.
هب أن المديرين المهتمين بآراء الناس تعاونوا مع مدير الحمية الغذائية وتغلبوا على المؤيدين لعدم الذهاب ووجدت نفسك في الحفلة، وأنت على المائدة تفكر في تناول قطعة شهية من كعكة الجبن اللذيذة ينحني إليك أحد الضيوف قائلًا: ما أشجعك! لم أطق النظر حتى في هذه الكعكة، ربما تشعر حينها بطعنة العار ثم تغضب و/أو تغادر الحفلة أو تحتاج فجأة إلى غفوة أو ترغب في التدخين أو الشرب (أي أن رجل الإطفاء هو من يتولى زمام الأمور الآن).
هب أن رجل الإطفاء الغاضب يصرخ بالضيف الآخر: كيف تجرؤ على التعليق على طعامي؟ بأي حق؟ وتغادر الحفلة غاضبًا، وأنت عائد للمنزل وتبتعد عما أثارك قد تسمع في رأسك اشتباكًا بين رجل الإطفاء والمدير:
ما خطبك؟ لا يسعني تصديق ما فعلته أمام الجميع!
هذا من حقي، فما كان ينبغي له أن يقول ما قاله.
لكن كلهم الآن يتحدثون عنك أفلا ضبطت نفسك؟
إنه يستحق ذلك.
لعلك مررت بمواقف مشابهة، لا يلزم أن تكون في حفلة، فربما كانت في العمل أو في اجتماع الأصدقاء أو في المنزل أو أي مكان حيث ينتهي الأمر بصراع بين أجزائك لحمايتك، ماذا لو تعاملت مع هذه المواقف المختلفة تعاملًا مغايرًا؟ تمهد لك النظم الأسرية الداخلية طريقًا للشفاء والتسامح والقبول، فجوهر الناس يتسم بالتعاطف والفضول والهدوء والإبداع والشجاعة والتواصل والثقة والوضوح، وهذا هو طبعك المحب لكن أجزاءك تحجبه، ولو اتبعت مبادئ النظم الأسرية الداخلية في مثال الحفلة لشكرت رجل الإطفاء لإخراجه إياك من مأزق، ولقدرت محاولات مديرك في ألا يتكرر هذا، ومع الوقت سيتعرف جوهرك على المنفي المؤلم الذي يحمل عبء العار الجسدي، ويعينه على التخفف من هذا العبء، ومن ثم يسترخي حراسك الذين يتصرفون تجاوبًا مع بؤس المنفي.
أول خطوات هذا العلاج هو إثارة فضولك تجاه أجزائك المختلفة، وفي هذا الدليل سأبين لك سبلًا عديدة لاستكشاف أجزائك المتنوعة والاعتراف بوظائفها وحاجاتها المختلفة، فمعرفتك بأجزائك والاستماع إليها عملية شفاء بحد ذاتها.
- ماذا تفعل؟
كلما وثقت أجزاؤك بك (بجوهرك) تحسنت صحتك العاطفية، ولبناء هذه الثقة تعرّف على أجزائك المختلفة واستمع إليها، وهنا تمارين متنوعة تعينك على ذلك.
التدوين
التدوين يعينك على التعرف على أجزائك لا سيما إذا كنت قد اعتدت عليه، ولعلك تعود لدفتر يومياتك وتبحث عن أصوات الأجزاء المختلفة التي كتبتها وأنت في حالة مزاجية معينة، ولعل بعض أجزائك يريد أن يُعرَف بطريقة معينة كأن تسميه المخطط أو الساقط، وربما لا، فللأجزاء المختلفة احتياجات مختلفة، فأنصت لما تفشيه أجزاؤك.
لنجرب هذا على حالة معينة، هب أنك تريد أن تتخذ قرارًا كأن تعمل في وظيفة جديدة عرضت عليك، وبعض أجزائك يريد هذه الوظيفة وبعضها لا يريدها، اقسم الصفحة إلى نصفين واكتب في النصف الأيسر واترك ما يقابله من النصف الأيمن فارغًا والعكس، اكتب بلونين مختلفين أو اكتب في أسفل الصفحة ليتبين الفرق بينهما هكذا:
| أريد الوظيفة فراتبها مجزٍ، أي أننا سنعيش في بيت أحسن وللأطفال غرفهم. | |
| انتقالنا قد يربك تعليم أطفالنا وسيلزم شريكي أن يجد وظيفة جديدة وهذا غير مضمون. | |
| هذه مهنتي وهي خطوة لصالحي، لا أريد أن أعلق في وظيفتي القديمة للأبد. | |
| ماذا لو كره الأطفال مدرستهم الجديدة؟ ثم إن عليهم أن يودعوا أصدقاءهم ويكونوا صداقات جديدة وهو ليس بالأمر الهين في عمرهم، فالأطفال أحزاب متعصبون. | |
| يلزمني معرفة قدرتي على إعالة أهلي، فالوضع الاقتصادي سيئ ولا أريد العيش كفافًا للأبد. | |
| لكننا نحب هذه المدينة ولنا ذكريات فيها، أنبدأ من جديد؟ كم هو مخيف! |
تعرض هذه الأجزاء المختلفة نقاطًا جيدة وكلها تنفعك، حتى إذا ما انتهى النقاش بينهما أغلق الدفتر، ثم عد إليه حين ينتابك الهدوء والفضول حيال آرائهم (بدلًا من التماهي مع أقطابهم)، حينها أخبرهم بأنك تسمع مخاوفهم وآراءهم وذلك بالاعتراف بها في داخلك، لعلك تستغرب هذا في أول الأمر لكن أجزاءك ستقدر نيتك، وقد تطيل استكشاف أحد أجزائك قبل الانتقال للجزء الآخر، من أين يأتي القلق على المال؟ هل من مزيد؟ وماذا عن الأطفال الذين يجدون صعوبة في تكوين صداقات؟ أهي جزء من قصتك؟ أيكشف عن قلق هذا الجزء؟ وفي النهاية لا بد أن تتخذ قرارك، فإذا أشعرت أجزاءك هذه بإصغائك لها واحترامك إياها خفت حدة الرد اللازمة “ألم أقل لك!” التي نسمعها داخلنا حينما لا تسير الأمور على ما يرام مهما يكن الطريق الذي سلكناه.
استخدم البريد الإلكتروني أو الفيديو
إذا أعجبتك الفكرة فأنشئ بريدًا إلكترونيًا أو أكثر من بريد لأجزائك للكتابة إليها، فمثلًا لو اختلفت مع إنسان فقد يريد بعضك أن يخبره بما تفكر فيه، وقد يساعد هذا الجزء بالتنفيس عن هذا في رسالة بريد إلكتروني، ويضغط على زر الإرسال وهو منشرح البال.
أنشئ حسابًا لهذا الغرض مثلًا righteous @ hotmail.com واستمع إلى جزئك الصالح ودعه يكتب ما يريد قوله في رسالة وابعثها إلى عنوان خاص لا يصل إليه سواك، وفي نهاية اليوم أو في اليوم التالي حين تخف حدة شعورك، وجوهرك حاضر (أي أنك تشعر بالهدوء والفضول) افتح الرسالة واقرأها وليعلم هذا الجزء بأنك عرفته في داخلك.
كانت إحدى عميلاتي الغاضبة من شريكها توجه رجل الإطفاء في داخلها بهذه الطريقة، وكان البريد الإلكتروني متنفسًا لها، وفي أثناء العلاج تأملنا رسائل البريد الإلكتروني هذه وأخبرت رجل الإطفاء بأنها أصغت إليه، هذا النهج أمهلنا لاستكشاف الجزء المنفي منها المتألم من شريكها، في حين حافظت على انسجامها مع العالم الخارجي.
وبوسعك أيضًا التواصل مع أجزائك وسماع وجهة نظرهم بتسجيل مقاطع فيديو وأجزاؤك تتحدث، ولعلك تبدأ بالأجزاء الشائعة كالناقد أو المثقف أو الساعي لإرضاء الناس أو المثالي، (إذا لم تعرف أي من هذه الأجزاء فاختر جزءًا من أجزائك ترغب بمعرفته)، ثم اطلب من جزئك الذي اخترته أن يسجل ما يحبه فيه، ولا تعجل عليه، هل تفهم وجهة نظره حين تشاهده؟ تذكر أن هذه التمارين مصممة لمساعدتك على تمييز أجزائك المختلفة ومعرفتها حق المعرفة.
ثمة طريقة أخرى لاستعمال الفيديو؛ هب أنك غاضب من أحدهم ورجل الإطفاء الغاضب حاضر بداخلك، حين تخلو بنفسك في مكان آمن سجل فيديو على هاتفك وتخيل أنك تتحدث مع من أغضب رجل الإطفاء، واترك لرجل الإطفاء الحرية ودعه يخبر من أغضبك ما رأيك فيه وماذا تود أن تفعل به، وبُح بكل شيء، في نهاية اليوم أو حين تشعر بالهدوء والفضول تجاه جزئك الغاضب عد إلى الفيديو وشاهده، وتذكر وأنت تشاهده أن جزءك الغاضب كان يحميك أو يحمي جزءًا منك، وغالبًا ما تلين هذه الأجزاء الغاضبة حين تسمع صدق ردك. قد لا تحب بعض أجزائك (غالبًا المديرين) رجل الإطفاء أو قد تحكم عليه فاعترف بها أيضًا وقدّرها قدر استطاعتك، حين تشد انتباهك الأجزاء التي لا تحب رجل الإطفاء دوّنها على الورق لتعود إليها فيما بعد.
ارسم خريطة أجزائك المختلفة وكيف ترتبط ببعضها
يحب بعض الناس رسم خريطة أجزائهم وثمة طرائق متعددة لها كاستعمال البطاقات الورقية.
قد تستعمل الملصقات على البطاقات أو تستعمل الكلمات عوضًا عن الرسم، حسب ما يناسبك، ابدأ حيثما ناسبك واسترشد مشاعرك وحدسك، فلا خطأ ولا صواب فيها، حين تحدد الأجزاء التي تضعها على البطاقة ستفهم أن هذه هي الأجزاء التي تود معرفتها، وإذا أفرطت في التفكير في هذا التمرين فقد ربحت، تهانينا! لقد اكتشفت جزء الاكتشاف فيك، فضعه على بطاقة وحيّه.
ما إن دونت طالبتي هذه الأجزاء حتى لاحظت بعض العلاقات بينها، فاجتمعت أجزاء “الطفل العاجز” و”القلق” و”الخائف” و”التافه” و”المكتئب” في مجموعة، واجتمعت المرأة الحديدية مع المبهجة، وأشعل الجزء “الكاره” الغضب الذي أفضى بـ”القاضي المعتد بنفسه” للرغبة في ترك العلاقة، وحين تصاعدت كل هذه الأجزاء تدخل الجزء “الفاصل” لينأى بها عن كل هذه المشاعر المربكة.
حين أصغت تلميذتي لأجزائها بهذه الطريقة وأبلغتهم بأنها إنسانة راشدة وأنها تقدّر ما يفعلونه بدأت الأمور تتغير، وقد شاركت الخريطة مع شريكها ما أدى إلى نقاش مثمر عن كيفية تحفيزهم أجزاء بعضهم والتعهد بالوعي بها، فهي وشريكها يحبان بعضهما (اتصال ذات بذات) لكن حين تتولى الأجزاء الحامية زمام الأمر يخفت الحب أو يتلاشى، ففي النهاية أجزاؤها الحامية معنية بنظمها هي لا بنظم شريكها.
حين ترسم خريطة أجزائك هكذا يمكنك الاحتفاظ بها لنفسك فلربما أثارت شريكك الذي سيرد وفقًا لأجزائه الحامية، أما إن كان شريكك متقبلًا فشاركه خريطتك واسأله عن أجزائه.
استعمل طبق الرمل
ومن الطرائق الممتعة للتعرف على أجزائك (في ثلاثة أبعاد) استعمال طبق رمل، وأنصح باستعمال قاعدة حوض نباتات واسعة وبعض رمل الأحواض المائية من متجر الحيوانات الأليفة لنعومته، ثم توجه إلى متجر التخفيضات واشتر ألعابًا/تماثيل تعجبك وتمثل أجزاءك المختلفة، اختر ما يلفت انتباهك وانتبه لأي مدير بداخلك يحاول ألا يظهرك إلا بمظهر حسن، اصدق نفسك، فقد يكون بداخلك “أحمق”، وفي كل الأحوال لا بد أن تعود مرة أخرى للمتجر ما إن يظهر بداخلك رجل الإطفاء الثمل/المدمن/النهم.
حين تعود إلى المنزل رتبها وابدأ اللعب بأجزائك والأماكن التي يرغبون في الذهاب إليها، ألديك جزء “ملكي” يريد أن يتسنم قمة الرمل؟ ماذا عن الجزء “اللعوب” الذي يحب الاختباء؟ لعله يريد أن يغطى بمنديل أو ألا يظهر إلا بعضه، هل في طاقم أجزائك “تنين”؟ وماذا عن المماطل؟ هل يريد حبيس الذنب أن يظهر؟ هل تربط هذه الأجزاء ببعضها علاقة؟ هل تعرف بعضها؟
بعد فراغك من المهمة اجلس مع أجزائك وطمئنها أنك موجود واشكرها على كل ما تفعله سرًا أو جهرًا، هؤلاء هم فريقك الذي يكدح لأجلك. وبعد إنهاء هذا التمرين ستتبين لك العلاقات بين أجزائك وحين تجلس معها تعرفها وتعيها، ولربما انتابها الفضول تجاهك، تقبّل أي حاجات جديدة تظهر وأي طريقة تعبّر بها أجزاؤك لك.
استعمل خريطة الجسد لتفهم الجانب الجسدي من أجزائك
تود أجزاؤنا لفت انتباهنا بصريًا أو حدسيًا أو سمعيًا أو جسديًا أي عبر الجسد، وإذا نقلت أجزاؤك لك المعلومات عبر جسدك كأن تقول “أشعر بها في أحشائي” أو رقبتي متشنجة” أو كان الألم المزمن جزءًا من قصتك فاستعمل خريطة الجسد، لكن عليك استشارة طبيب مختص عن مخاوفك الصحية.
وخريطة الجسد في النظم الأسرية الداخلية هي مخطط لجسدك، إما أن ترسمها أو تطبعها من الإنترنت، لتوعيك بأجزائك.
إذا لاحظت تشنجًا في رقبتك مثلًا فأظهره على خريطة جسدك إما بالألوان أو التظليل أو الكلمات، ولعلك ستشعر حينها بفراشات في معدتك، جد طريقة لتمثيلها بعد أن تسأل نفسك سرًا: هل أنت جزء مني؟ وانتظر الرد، واصل حتى تشعر أن الخريطة اكتملت (حين تصل لهذه النقطة ستعرفها بدهيًا).
كن فضوليًا تجاهها، وإن كان عندك ألم مزمن فدوّنه على الخريطة واستهدف الأجزاء المرتبطة به، وغالبًا ما يكون أول جزء يظهر مرتبطًا بالألم هو الجزء الذي يكرهه، دوّنه وتساءل: هل هناك أجزاء أخرى مرتبطة بالألم؟
حين أكملت إحدى طالباتي خريطة جسدها وهي تستمع إلى أجزائها سرًا فوجئت بأن الانقباض المعوي المعتاد مرتبط بطفولتها، فأخبرها هذا الجزء أنه اكتشف أن آلام بطنها وسيلة لتحظى باهتمام من والديها المهملين، وقالت طالبتي إنها حين أصغت لهذا الطفل المنفي بداخلها خف شعوره بالوحدة.
فائدة التواصل المعتاد
قد يسهل عليك التواصل مع أجزائك تواصلًا عفويًا وتلقائيًا بعيدًا عن كل الوسائل المذكورة أعلاه، أقول كثيرًا وأنا أمشي مع كلبي: دور مَن الآن؟ وأدعو أجزائي لإخباري بما يريدون، فأجزاؤك لك وأجزائي لي، وذاتك في جوهرها تحب هذه الأجزاء حتى وإن كانت هذه الأجزاء لا تحب نفسها ولا تحب بعضها، وهنا تكمن أهمية فهم النظم الأسرية الداخلية.
ربما تعرفك على أجزائك والاعتراف بها هي الخطوة الأولى للشفاء وحب الذات، فحين تتعرف على أجزائك ويطمئنون لحضورك حضور البالغ الهادئ والمحب في جوهرك (حينما لا تحجبه الأجزاء الأخرى) سيثقون بك لأنهم يعرفون عنايتك بالنظام، ولعل هذا لن يكون ردهم الأول عليك، فبعض الأجزاء قد ترغب في معرفة أين كنت وكيف لم تساعدها حين ساءت الأمور؟ قد تغضب منك أو لا تصدق بقاءك، طمئنهم بأن ردودهم كلها صحيحة ومرحب بها، وأنك متأسف لغيابك عنهم حين احتاجوا العون (إن كنت محقًّا في ذلك) وأنك الآن معهم.
قد تستغرب التمارين في هذا الدليل في أول الأمر، وإذا شعرت بهذا فابدأ بالاعتراف بالجزء أو الأجزاء التي تجدها غريبة، وفكر هل تستطيع ذلك؟ لعل بعضك متشكك، فرحب به، أو لعل ثمة جزءًا يعتقد أنك تختلق كل هذا، فرحب به أيضًا، وبعد التعرف عليهم ابدأ رحلة العلاج.
نقاط رئيسة: كيف تعرف نفسك حق المعرفة
- لك أجزاء مختلفة ونفس واحدة يرى علاج النظم الأسرية الداخلية أن للإنسان أجزاء منوعة تربطها ببعضها علاقات تمامًا كالعائلة.
- تعرف على بعض مصطلحات النظم الأسرية الداخلية IFS فمثلًا بداخلك مدير يريدك أن تظهر بأحسن صورة ومنفيون يحملون حزنًا من ماضيك ورجل إطفاء يحمي هؤلاء المنفيين حين يثورون.
- الإصغاء إلى أجزائك يحسن معرفتك بهم ويشفيك: تحاول كل أجزائك مساعدتك، وفضولك تجاههم والإصغاء إليهم علاج في حد ذاته.
- التدوين يعينك على التعرف إلى أجزائك لا سيما إذا كنت قد اعتدت عليه.
- استخدم البريد الإلكتروني أو الفيديو وهذه وسيلة لتعطي أجزاءك صوتًا، وحين تكون هادئًا وفضوليًا عد لقراءتها أو مشاهدتها لتشعر بأن صوتها مسموع.
- ارسم خريطة أجزائك المختلفة وكيف ترتبط ببعضها استخدم البطاقات الورقية لتمثيل أجزائك، وابدأ حيثما ناسبك واسترشد مشاعرك وحدسك.
- استخدم طبق الرمل من الطرائق الممتعة للتعرف على أجزائك (في ثلاثة أبعاد) استعمال طبق رمل، حين تعود إلى المنزل وترتب الأشياء ابدأ اللعب بأجزائك والأماكن التي يرغبون في الذهاب إليها.
- استخدم خريطة الجسد لتفهم الجانب الجسدي من أجزائك كما تحاول أجزاؤك لفت انتباهك بصريًا وحدسيًا وسمعيًا، فإنها تتحدث إليك جسديًا عبر جسدك، ورسم خريطة لجسدك تعينك على الإنصات لهم.
- فائدة التواصل المعتاد تواصلك مع أجزائك تواصلًا عفويًا بعيدًا عن كل هذه التمارين مفيد كأن تسألهم وأنت تمشي: دور من الآن؟
- تعلم أكثر
التغلب على الشعور بالعار بعلاج النظم الأسرية الداخلية IFS
قد يستعمل علاج النظم الأسرية الداخلية للتعامل مع مشاعر صعبة كالشعور الدائم بالعار، ولتعرف هذا جد مكانًا ووقتًا تكون فيه هادئًا وبمفردك لا يشتتك شيء، ثم أغمض عينيك واسأل نفسك هل تود التعرف إلى جزء منك يشعر بالعار، وانظر ما يحدث، ربما تطرأ عليك أفكار مشتتة أو تشعر بغبائك أو ربما فكرة تقول: هذا غريب أو لن يجدي نفعًا أو غيرها من أصوات أجزائك و/أو مشاعرهم التي يعبرون بها عن أنفسهم، اعترف بأجزائك التي تحمل هذه الأفكار و/أو المشاعر وهي حق لهم، وانظر إذا ما كانوا يرغبون في التخفف أو الذهاب لغرفة الانتظار، إذا لم يبدوا رغبتهم في ذلك فاذهب إليهم بفضولك لتعرف ما الذي أقلقهم في تعرفك على جزء لا يشعر بالرضا عن نفسه.
اسأل الأجزاء التي تحمل مخاوف عن عمرك، ولعلك تستغرب هذا، لكن الأجزاء الحامية تؤدي دورها في صغرنا، فمثلًا ربما جزء إرضاء الناس بدأ دوره وأنت في الخامسة من عمرك ليجنبك نقد والديك ولعله يظن أنك ما زلت في الخامسة، تأنّ في إعلام هذه الأجزاء بمستجداتك وأخبرهم بعمرك بأي وسيلة تراها مناسبة، وهذا ما يلزمك الآن.
إن أكثر ما يشغل الأجزاء الحامية هو أنك حين تنشغل بجزء ضعيف يعاني الخجل قد ترتبك لأن الأجزاء التي تشعر بالعار من صغرك غالبًا ما يربكها البؤس الذي تحمله وحين تتعرف إليها قد تغمر نظامك كله، إذا كنت تعاني هذا وكان شعورك بالعار شديدًا فأنصحك بأن تستكشف أجزاءك المنفية مع معالج عارف بالنظم الأسرية الداخلية.
أما إن سارت الأمور على ما يرام فتأكد من فضولك تجاه معرفة الجزء الحامل للعار، من أين التقط هذا العار؟ فأنت لم تولد به، ومتى حدث هذا؟ حين تظهر هذه الأسئلة قد يظهر معها الجزء المكتشف بداخلك، فيتدخل ويقول مثلًا: حسنًا، لقد أزعجني لئام الأطفال لبدانتي حين كنت في الثانية عشرة من عمري ولعل ذلك حدث حينها. اعتاد هذا الجزء على المساعدة بهذه الطريقة، ولعله محق، فإن كنت تسمعه اشكره على التدخل واطلب منه التراجع لتسأل الجزء الحامل للعار مباشرة.
ولعله يلزمك محاولات عدة لتسمع قصة الجزء المنفي، لكن لا بأس. حين ننظر لما حدث بعين الرحمة ونرى كيف اعتقد هذا الجزء أنه تافه مثلًا سيتخفف من هذا العبء، وكأن إنسانًا راشدًا عطوفًا كان بالقرب منه حينها وساعده أن يفهم أن ما أشعره بالعار ليس صحيحًا.
حين تطلق سراح العار الذي حجب ضوءك تتراجع الأجزاء الحامية وحينها تظهر ماهيتك وكيفيتك في هذا العالم بكل أجزائك الرائعة.
فلا حرج عليك ولا علي ولا علينا.
- روابط ومراجع
تجدون في موقعي مراجع مجانية عن IFS: مقالات وشروحات وغيرها تحت أيقونة مراجع.
كتاب Introduction to the Internal Family Systems Model 2001 لريتشارد شوارتز وهو مؤسس الأنظمة الأسرية الداخلية مقدمة ممتازة لIFS.
في قناتي على اليوتيوب موارد مجانية ومنها ‘Exploring your Own System’ (2010); وهو مقدمة موجزة أنشأته في 2011م عن فهم نظام الشخصية (وفقًا لعلاج الأنظمة الأسرية الداخلية)، وجلسة IFS كاملة مع معالج بالأنظمة الأسرية الداخلية سجلته في 2021م وفيه تخفف المنفي من أعبائه، وسلسلة فيديوهات من 2019م تأخذك لتأمل موجه للتخفف من العار في نظامك.
وهنا دليل للمعالجين العارفين بIFS في الولايات المتحدة وكندا، وهنا للمملكة المتحدة. وهنا لأستراليا.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سايكي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




