بقلم كاتارينا زيمر
لقد أثار النحل إعجاب عالم السلوك لارس شيتكا منذ فترة طويلة، وفي مختبره بجامعة كوين ماري في لندن، أثبت النحل قدرته على العد، واستخدام الأدوات البسيطة، والتعلم من أقرانه. لكن ما يفاجئ شيتكا حقًّا هو الفروق الدقيقة في سلوك الحشرات.
عام 2008م، على سبيل المثال، بحثت دراسة من مختبر شيتكا في كيفية استجابة النحل الطنان لمحاكاة هجوم عنكبوت مزيف على زهرة. اقترب النحل الطنان من الزهور المشبوهة بحذر، وفي بعض الأحيان ترك حتى الزهور الخالية من العناكب بسرعة- “كما لو كان يرى أشباحًا”، كما يتذكر شيتكا، بينما بدا النحل أكثر تفاؤلًا بعد تلقي حلوى السكر.
يرى شيتكا أن هذه الملاحظات تتحدى وجهة النظر السائدة منذ فترة طويلة والتي ترى أن الحشرات تشبه الروبوتات، ويُتَحَكَّم فيها عن طريق برامج معرفية مثبتة. بدلًا من ذلك، يبدو أن سلوك النحل يتأثر بالتجربة الذاتية، أي إدراك ما هو “ممتع” و”غير سار”. يقول شيتكا إنه يشك أكثر فأكثر في أن “هناك عالمًا غنيًّا جدًّا داخل عقولهم”.
في بداية حياته المهنية، لم يعترض شيتكا أبدًا عندما فتح زملاؤه جماجم النحل وأدخلوا أقطابًا كهربائية لدراسة نظامه العصبي. لكنه يتساءل الآن عما إذا كانت تخلق مثل هذه الإجراءات “مشاعر مزعجة للغاية” للحشرات. مثل معظم اللافقاريات -أي حيوان ليس له هيكل عظمي داخلي- تميل الحشرات إلى أن تكون غير محمية قانونًا عند إجراء الأبحاث، إذ لا تنطبق عليها إلى حد كبير اللوائح التي تهدف إلى تقليل معاناة الفقاريات، مثل القوارض.
وقد نجحت بعض البلدان بالفعل في تحسين رعاية بعض اللافقاريات، مثل الأخطبوط، والحبار، وسرطان البحر، وجراد البحر. ولكن يوجد خلاف حول ما إذا كانت الأنواع الأخرى من اللافقاريات -وهي مجموعة متنوعة من الحيوانات- تستحق الحماية أيضًا. يعتقد بعض العلماء أن الأنواع ذات الأدمغة البسيطة نسبيًّا، مثل الحشرات، أو ربما حتى تلك التي ليس لديها جهاز عصبي مركزي على الإطلاق، تستحق أيضًا الاعتبار الأخلاقي، على الرغم من أن التفاصيل التي تتعلق بذلك لا تزال قيد المناقشة.
لم يجادل أي من الخبراء الذين تحدثوا مع مجلة Undark العلمية أن البحث في هذه الأنواع من اللافقاريات يجب أن يتوقف. لقد أدت بعض الكائنات الحية، بما في ذلك الأنواع المستخدمة على نطاق واسع من ذباب الفاكهة أو الديدان الخيطية، منذ فترة طويلة إلى تحقيق اكتشافات في علم الوراثة وتطوير الخلايا والعمليات البيولوجية الأخرى، ولعبت أدوارًا مهمة فيما يقرب من خُمس جوائز نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب التي استندت إلى الأبحاث على الحيوانات. كما يحوِّل العديد من العلماء أبحاثهم من الفقاريات إلى اللافقاريات لتجنب البيروقراطية الأخلاقية المرتبطة برعاية الحيوان.
ومع ذلك، تدفع الأبحاث الحديثة بعض العلماء إلى إعادة التفكير في أخلاقيات البحث التقليدية. وكما يقول آدم هارت، عالم الحشرات في جامعة جلوسيسترشاير: “أعتقد أننا وصلنا إلى نقطة حيث أصبح الناس على استعداد للترحيب بفكرة مفادها أن الأخلاقيات ربما لا تكون مجرد شيء عائد فقط للحيوانات التي تمتلك عمودًا فقريًّا”.
يعتمد الأساس المنطقي لحماية الحيوانات قانونيًّا في البحث العلمي عادةً على قدرتها المفترضة على الشعور بالألم والمعاناة، وهو أحد جوانب الوعي أو الشعور. الحيوانات جميعها تقريبًا قادرة على اكتشاف الإصابات جسديًّا وإظهار ردود الفعل لتجنب التهديد، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها تعاني من الألم، فهو ليس مجرد تجربة حسية، بل تجربة معرفية واعية للأذى والمعاناة.
من الصعب إثبات أن الحيوان يعاني من الألم، ولكن توجد بعض الأدلة السلوكية التي تتجاوز ردود الفعل البسيطة، بما في ذلك آليات التكيف، مثل معالجة الجروح والتعلم من الإصابات السابقة. تقول عالمة السلوك الحيواني جينيفر ماذر من جامعة ليثبريدج: “الأمر معقد نوعًا ما، لكن يمكننا الحصول على فكرة جيدة حول ما إذا كان لديها شيء يمكن أن نسميه الألم لو كان مثله موجودًا فينا”.
لقد لاحظ العلماء منذ فترة طويلة أن الفقاريات تُظهِر سلوكيات تتفق مع تجربة واعية للألم، مثل تجنب المواقف التي تعرضت فيها للأذى أو الانسحاب من النشاط الاجتماعي. يعود تاريخ التشريعات الخاصة بحماية الفقاريات إلى عام 1876م على الأقل، عندما أقر البرلمان البريطاني قانون القسوة على الحيوانات. واليوم، تنص اللوائح في العديد من البلدان على أن يكون لاستخدام الفقاريات في الأبحاث مبررًا علميًّا وأن يحد من أي معاناة محتملة. وعادةً ما تشرف اللجان الدائمة في الجامعات والمؤسسات البحثية على المقترحات البحثية وتراجعها وتحدد ما إذا كان يوجد ما يبرر اتباع نهج معين.
عُدَّت اللافقاريات تاريخيًّا غير قادرة على عيش تجارب واعية مثل الألم. وتعني ندرة القواعد التنظيمية أنه بالنسبة لمعظم أنواع اللافقاريات، لا يوجد الكثير مما يمنع العلماء -على سبيل المثال- من استخدام أعداد كبيرة من الأفراد في تجربة معينة، أو بتر الأطراف دون استخدام مخدر، أو الاحتفاظ بها في حاويات ضيقة، أو تشريحها حية. تقول ماذر: إن اللافقاريات إلى حد كبير “متاحة لتفعل بها ما تريد”.
ومع ذلك فقد شكك بعض العلماء في هذا التصنيف الثنائي. وكما جادل فيلسوفا العلوم، إيرينا ميخاليفيتش ورسل باول، في تعليق عام 2020م، فإن جمع اللافقاريات معًا يعكس تفسيرًا عفا عليه الزمن للتطور بوصفه سلمًا متزايد التعقيد؛ إذ تحتل المخلوقات عديمة العمود الفقري مرتبة أدنى. هذه الفكرة تتعارض أخلاقيًّا مع مجموعة متزايدة من الأبحاث حول القدرات المعرفية للحشرات وبعض اللافقاريات الأخرى. تقول ميخاليفيتش: إن امتلاك الحيوان لعمود فقري لا ينبغي أن يكون معيارًا لحالته، “بل قدرته على المعاناة، وتجربة الفرح، والمتعة، والألم”.
وقد اعترفت بعض الدول بذلك بالنسبة لمجموعة من اللافقاريات تسمى رأسيات الأرجل، والتي تضم الأخطبوطات والحبار والحبابير والنواتي. وتعرف رأسيات الأرجل، وهي عينات شائعة في علم الأعصاب، بذكائها وأجهزتها العصبية الكبيرة والمعقدة. وكما تقول ماذر: إنها تستوفي المعايير السلوكية التي يستخدمها بعض العلماء لتحديد الشعور، بما في ذلك الشعور بالألم. على سبيل المثال، وجدت عالمة الأعصاب التطوري روبين كروك في جامعة ولاية سان فرانسيسكو أن الأخطبوطات تحتضن ذراعها إذا أُصيبت، وتسبح باتجاه مناطق في الخزان حيث يمكنها تلقي مواد مخدرة للألم، مثل الليدوكائين إذا كانت تعاني من الألم، وتتجنب الأماكن التي تعرضت للأذى فيها من قبل. في العقود الأخيرة، منحت كندا، وأستراليا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، ونيوزيلندا، لرأسيات الأرجل حماية مماثلة للفقاريات (لا تتمتع رأسيات الأرجل بالحماية بموجب قانون الولايات المتحدة، لكن العديد من اللجان الأخلاقية بالجامعات تعاملها كالفقاريات).
وكما تقول كروك: فعلى الرغم من أن القشريات -بما في ذلك سرطان البحر وجراد البحر والسلطعون- تمتلك عمومًا أدمغة أصغر بكثير وأقل تعقيدًا من رأسيات الأرجل، إلا أنه توجد أدلة قوية مماثلة على أنها تشعر أيضًا بالألم. ولهذا السبب، قد تُدرَج بعض القشريات تحت المظلة التنظيمية. حدث هذا مؤخرًا في المملكة المتحدة بعد أن أقرت مجموعة من الباحثين أن هذه الأنواع لديها وعي، وهو الاعتراف الذي طالما طالبت به بعض المجموعات المناصرة. يمكن لبعض القشريات على وجه الخصوص قمع الألم مقابل الحصول على مكافأة، مما يشير إلى أن رد فعلها تجاه الأشياء الضارة ليس مجرد رد فعل منعكس: على سبيل المثال، يميل السرطان الناسك إلى التخلي عن صدفته ذات الجودة الرديئة عند تلقي صدمة كهربائية، لكنه سيتحمل الصدمة مقابل الحصول على صدفة جديدة جذابة.
أحصت مراجعة عام 2021م دولة واحدة فقط -النرويج- تقوم بتنظيم الأبحاث المتعلقة بالحشرات، بالتحديد نحل العسل، ويجادل شيتكا وآخرون أن الحشرات مثلها مثل رأسيات الأرجل والقشريات، تُظهِر أيضًا أحاسيس ويجب حمايتها بالمثل. على سبيل المثال، في التجارب الأخيرة التي أجراها شيتكا والتي لم تخضع لمراجعة النظراء بعد، لاحظ أن النحل الطنان يقوم بمقايضات مماثلة للسرطان الناسك؛ إذ يختار الجلوس على سطح ساخن جدًّا إذا كان يحتوي على كمية كبيرة من ماء السكر.
لا يزال علماء آخرون يعتقدون أن العديد من سلوكيات الحشرات أكثر اتساقًا مع الروبوتات. في الستينيات، أظهر باحثون بريطانيون أن الصراصير مقطوعة الرأس تحرك أرجلها لتجنب الصدمة الكهربائية. وبالمثل، سيستمر الجراد في التغذية بينما تأكله الحيوانات المفترسة، في حين لوحظ أن الصراصير تلتهم أحشاءها. تقول شيلي أدامو، عالمة وظائف الأعضاء السلوكية في جامعة دالهوزي في نوفا سكوتيا: “أعتقد أن هذا يُظهِر على أقل تقدير أن الحشرات ليس لديها شعور قوي بالذات”. وتقول: إنه على الرغم من أن أكل الحشرات لنفسها ليس أمرًا غير معتاد في عالم الحشرات، إلا أنه لا يعني بالضرورة أن الحشرات لا تتفاعل مع المنبهات المؤلمة. وتتابع قائلةً: “لكن الجوع قد يتفوق على الألم، وليس لديها الإدراك اللازم للنظر إلى نفسها والتعرف عليها والقول: هذا أنا. تقول فقط: إنه بروتين، طعام لأتناوله!” بالإضافة إلى ذلك، تشك أدامو في أن أدمغة الحشرات الصغيرة -المشابهة في الحجم والتعقيد لأدمغة القشريات- يمكن أن تدعم البنية التحتية العصبية اللازمة للتجارب الذاتية الغنية. وتضيف ماذر أن الحجم ليس مؤشرًا جيدًا بالضرورة على القدرات المعرفية لدى الحشرات.
يقول عالم الأحياء التطوري كريس فريلانس من جامعة ملبورن أنه في الوضع الحالي، قد لا يرى معظم العلماء حاجة إلى وضع اعتبارات أخلاقية فيما يتعلق بالحشرات. لكنه يرى أنه توجد مسؤولية أخلاقية تتمثل في اتخاذ نهج احترازي، أي معاملتها كما لو كانت تشعر بالألم، حتى يثبت العكس. ففي نهاية المطاف، يقول: “سنتبنى المبدأ الاحترازي بالتأكيد لو كانت الحشرات كالحيوانات اللطيفة ذات الفرو والريش”. عام 2019م، نشر فريلانس توصيات أخلاقية لباحثين آخرين في مجال الحشرات، لاعتماد إطار مستخدم على نطاق واسع في دراسات الفقاريات يسمى “المبادئ التوجيهية الثلاثة R”: استخدم أنواعًا أخرى حيثما أمكن ذلك (الاستبدال-replacement)، استخدم الأعداد الضرورية فقط (التقليل-reduction)، تجنب أو قلل من التجارب التي يمكن أن تسبب الألم (الصقل-refinement).
وحتى عالم الأعصاب ماثيو كوب من جامعة مانشستر، الذي يشكك في وعي الحشرات، يحاول من حيث المبدأ الحد من الضرر الذي يلحقه بذباب الفاكهة في تجاربه. في الماضي، كان يسمح للذباب الزائد الذي لم يُعَدَّل وراثيًّا بالخروج من النافذة بدلًا من قتله. وعندما يضطر إلى قتل الذباب، بدلًا من إغراقه في الكحول -وهو الأمر “الذي يبدو محزنًا نوعًا ما”، كما يقول- يُدخله في غيبوبة باردة في الثلاجة. ويضيف أن السماح للحيوانات بالعيش بشكل طبيعي قدر الإمكان يمكن أن يساعد في إنتاج بيانات ذات جودة أفضل.
تعد مثل هذه المآزق الأخلاقية حادة في علم الحشرات، والتي تتضمن في كثير من الأحيان اصطياد الحشرات البرية وقتلها وتشريحها من أجل التعرف عليها بشكل صحيح- في كثير من الأحيان كجزء من الدراسات التي توجه جهود الحفاظ على البيئة. يقول هارت: إن بعض علماء الحشرات بدأوا يشككون في هذا النهج. فقد قلل هارت من تدريب الطلاب على الممارسات التي تعود إلى العصر الفيكتوري المتمثلة في قتل أعداد كبيرة من الحشرات ووخزها بالدبابيس، ولا يفعل ذلك إلا عند الطلب. عام 2019م، شجع هارت وزملاؤه أيضًا استخدام إطار R الثلاثي في أبحاث الحشرات، إلى جانب استخدام المصائد غير المميتة والانتقائية لتجنب اصطياد الأنواع غير المستهدفة. كانت المبادئ التوجيهية مدفوعة جزئيًّا بما يراه اهتمامًا متزايدًا بين الجمهور -على الأقل في المملكة المتحدة- برفاهية الحشرات.
ولكن هل تهم كيفية تعامل العلم مع الحشرات عندما تقتل المبيدات الحشرية الزراعية كل يوم عددًا لا يحصى من الآفات، ويقتل الناس ذباب الفاكهة والصراصير في مطابخهم؟ يجادل كوب أنه نعم، يجب أن تخضع الأبحاث لمعايير أخلاقية أعلى، لأنه من وجهة نظره، فإن الجمهور (الذي يمول معظم الأبحاث) يهتم بشكل خاص برفاهية حيوانات المختبر. الفرق الآخر هو أن علماء الأبحاث يتعمدون إجراء تجارب على حيوانات فردية، بدلًا من رش الحقول بشكل عشوائي. وتضيف كروك أنه على عكس الزراعة، يتعامل العلماء فقط مع عدد قليل من الحيوانات في كل مرة، فيجب أن يتمكنوا من معاملتها بأكبر قدر ممكن من الإنسانية.
السؤال إذن هو ما هي تلك المعايير الأخلاقية؟ يرى بعض العلماء، بما في ذلك شيتكا، أن الحشرات يجب أن تتلقى شكلًا من أشكال الحماية التنظيمية- ولو كانت كما تضيف ماذر، ليست بالضرورة الحماية نفسها الممنوحة للفقاريات، وتقول: إن كل نوع مختلف عن الآخر ويستحق الحماية التي تناسبه بشكل أفضل.
أظهر قرار الاتحاد الأوروبي عام 2010م بتوسيع نطاق حماية الفقاريات لتشمل رأسيات الأرجل التحديات المواجهة بسبب اعتقاد وجود حل واحد يناسب الأنواع جميعها؛ إذ شجعت القوانين على استخدام المواد المخدرة لشل حركة الحيوانات والحد من آلامها- على الرغم من عدم وجود مواد تخدير معروفة لرأسيات الأرجل في ذلك الوقت. وبينما يستطيع العلماء تحديد متى تشعر فئران المختبر بالألم، لا تتضح بعد كيفية تحديد متى تشعر الحشرات بالألم (إن كانت تشعر به)، ناهيك عن كيفية تقليل معاناتها، كما يقول فريلانس: “لن توجد طريقة يمكنك من خلالها الامتثال لتلك اللوائح”.
من وجهة نظر كروك، يجب أن تكون الأنظمة حذرة ومخصصة للقدرات المعرفية لكل نوع قدر الإمكان. قد توجد طرق مناسبة لحماية اللافقاريات ذات الأجهزة العصبية الأكثر بساطة، مثل الرخويات البحرية أو الديدان. وتقول: “أعتقد أنه سيكون من الجيد التحرك نحو اعتماد عدسة موسعة للنظر في رعاية الحيوان والأخلاقيات، لتأخذ في الاعتبار أن الحيوانات ليست كل شيء أو لا شيء، وقد توجد تفاوتات في الأحاسيس”.
لكنها تعترف أن فرض المزيد من القوانين قد يكون أمرًا صعبًا في الولايات المتحدة على وجه الخصوص، الأمر الذي أدى إلى إعفاء بعض الفقاريات، مثل فئران التجارب، من هذه القوانين. كما أن هذه الفكرة لا تحظى بشعبية بين العلماء الذين تحولوا مؤخرًا إلى استخدام نماذج اللافقاريات لتجنب ما وصفه فريلانس بالبيروقراطية “الساحقة” في علوم الفقاريات. إن العبء التنظيمي الأكبر على الباحثين لن يؤدي إلا إلى خنق الابتكار العلمي، وفقًا لكيرك ليتش، المدير التنفيذي للجمعية الأوروبية لأبحاث الحيوان، التي تدافع عن البحوث الحيوانية. فبالنسبة له، يجب إعطاء الأولوية للقضية الأخلاقية لاستخدام الحيوانات في العلوم، وخاصة الفقاريات، التي يعدها عينات بحثية أكثر فائدة.
في الواقع، يمكن أن يأتي التنظيم الاحترازي بتكلفة كبيرة إذا انتهى به الأمر إلى تقييد الأعمال ذات الصلة برفاهية الإنسان، مثل الحد من الآفات المسببة للأمراض، كما تضيف أدامو، التي تتضمن أبحاثها إيجاد طرق فعالة لقتل القراد. وتقول بخصوص الآفات: “نريد أن نكون حذرين حتى لا نضع حواجز في طريق تنظيم أعداد الحشرات، لأننا إذا لم نفعل ذلك، فإن البشر سيعانون بشدة”.
ويشير فريلانس إلى إمكانية خلق المجلات العلمية مسارًا جديدًا للتقدم، إذ تشترط معظم المجلات بالفعل على مؤلفيها اتباع القوانين والمتطلبات الأخلاقية في بلدانهم، لكن بعضها تجاوز ذلك. وضعت مجلة سلوك الحيوان (Animal Behavior)، إحدى المجلات الرائدة في المجال، مبادئها الأخلاقية الخاصة -حتى بالنسبة لبعض اللافقاريات- بغض النظر عما إذا كانت المواد الدراسية محمية قانونًا أم لا. إذا تبنت المزيد من المجلات مثل هذه المعايير، فقد يشجع ذلك المزيد من العلماء على التكيف، كما قال فريلانس عبر البريد الإلكتروني: “لأن خيارات النشر الخاصة بهم ستكون محدودة للغاية إذا قرروا عدم اتباع أي معايير أخلاقية على الإطلاق عندما يتعلق الأمر بدراسة الحشرات”.
وبالمقارنة مع المُشَرِّعين، يمكن أن يكون محررو المجلات أكثر مرونة في وضع المعايير الأخلاقية، والتأكد من أنها مجدية للعلماء وقابلة للتكيف مع الفهم الجديد لوعي اللافقاريات. يوافق آرون إليسون، المحرر التنفيذي لمجلة منهجيات في علم البيئة والتطور (Methods in Ecology and Evolution) التي نشرت بحث هارت، على أنه قد يوجد دور للمجلات في رفع المعايير الأخلاقية. ومع ذلك، يضيف: “لا أعلم ما إذا كان يوجد ما يكفي من الدعم في المجتمع بعد لتكون المعايير إلزامية”.
وفي هذه الأثناء، قد تؤثر التغيرات الثقافية على الطريقة التي يتعامل بها الباحثون مع اللافقاريات، كما تقول أدامو. على الرغم من أنها لا تعتقد أن الحشرات الموجودة في مختبرها تمتلك وعيًا، إلا أنها لا تزال تُثلج يرقاتها لإجراء تجارب جراحية. وبغض النظر عن أي فوائد محتملة لليرقات، فهي تعتقد أنه من الممارسات الجيدة للباحثين المبتدئين تنمية الاحترام للحياة -مهما كانت صغيرة- في رعايتها. وتقول: “لا يهم ما تشعر به أو لا تشعر به، من المهم أن نحترمها فقط”.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة ذا أتلانتيك).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




