يكثر الإسقاط على هذين المفهومين في بيئات العمل في الآونة الأخيرة، والسبب أن استلطاف تصرّف زميلٍ نكنّ له الودّ يدعونا لنعت تصرّفهِ عن حسن ظنٍّ بـ “الذكاء الإجتماعي”، وعلى العكس، حين لا نستلطف ذات التصرّف لزميلٍ آخر لا نكنّ له الودّ فنراه تملّقًا. وكأن هذين المفهومين أصبحَا أداتي مكافأةٍ وانتقام بحسب الشخص لا الموقف. ومن هنا جاءت الحاجة للتفريق بينهما بدايةً عبر تعريف كلا المصطلحين. ومن ثَمّ تقصّي هذين المفهومين في بيئة العمل خاصّة، وما علاقة أحدهما بالآخر وهل يمكن أن يكونا شيئًا واحدًا حال غياب الشفافية والعدالة؟
من حيث التعريف: تملّق للشخص أي “تودّد إليه وليَّن كلامَه وتذلّل وأبدى له من الودّ ما ليس في قلبه، تضرّع له فوق ما ينبغي، داهنه” معجم المعاني الجامع.
وبحسب مؤسس مفهوم الذكاء الإجتماعي إدوارد ثورندايك هو: “القدرة على فهم وإدارة الرجال والنساء والصبيان والفتيات، والتصرف بحكمة في العلاقات الإنسانية” مجلّة هاربر.
هذا من جهة التعريف، والتعريف لا يمكن تجاوزه في المقارنة بين مفهومٍ وآخر. ومن حيث تعريف الذكاء الإجتماعي فهو (فهم) في بداية الأمر، ثم تصرّف بحكمة. والحكمة هنا في التمييز بين الخطأ والصواب. لكن، ما الذي يحدد خطأ التصرّفِ من صوابه في العلاقات الإنسانية؟ وهل ما نراه خطأً هو بالضرورةِ خطأ عند الطرف الآخر؟ إذاً، ما الحدّ الفاصل بين التملّق، الذي نُجمع على خطئه، والذكاء الإجتماعي الذي يقبل – بحسب الظروف المحيطة – الصوابَ والخطأ؟
لأن التملّق عملية مخادعة يُرجى منها منفعة سريعة، الذكاء الإجتماعي على العكس؛ عملية بناء الثقة مع الآخر وهذا يتطلّب وقتًا أطول ويستمر إلى وقت أطول بكثير من الأول. قد تتشابه الأساليب أو تختلف ولكن الفيصل في الأمر محلّه النيّة من هذا الفعل أو ذاك والنيّة أمر دقيق وخفيّ فلا يُعوّل عليها لإثبات الأمر أو نفيه. وهذا ما يفسّر تباين الآراء تجاه موقف شخصٍ ما بحسب مشاعر الناظر إليه لا بحسب نيّته منه. فالابتسامة قد تكون تملّقًا وقد تكون ذكاءً إجتماعيًا بحسب نيّة الفرد، ولكن المحيط يضع هذا الفعل بحسب مشاعر أفراده تجاه الفاعل. إذن المسألة لا يمكن البتّ فيها لأن الحقيقة تقع في نيّة الفرد والنيّة أمرٌ خفيّ، ومن جانب، التقييم العام لهذا السلوك أو ذاك رهين مشاعر الآخرين تجاه الفاعل لا النيّة من الفعل بحد ذاتها. ومن هنا جاء الإشكال.. أمر خفي وآخر نسبيّ يحرّكان المشهد، فكانت النتيجة ألا يُعوّل على المفهوم ولا على نيّة الشخص، ولكن على مشاعرنا تجاه الشخص قبل وبعد الفعل. فإن كان ممن نكن لهم الودّ، وصفنا ما قام به بـ الذكاء الإجتماعي، وإن كان ممن نبغضهم لأي سبب، قلنا متملّق بغيض.
**
وهذا يقودنا للشقّ الآخر من الموضوع. فإذا كان التملّق فعل بغيض لأنه عملية مخادعةٍ يُرجى منها منفعة سريعة وهذا أمرٌ أناني، ماذا عن الذكاء الإجتماعي هل يمكن وصفه في بيئات العمل خاصةً بالأنانيّةِ؟
لم تكن غاية مفهوم الذكاء الإجتماعي الوصول بالنّاس إلى علاقات معصومة عن الخطأ، بل في التقليل من حدة المواقف العرضية في العلاقات الإنسانيّة وزرع الثقة بين الأفراد الذين تجمعهم مصلحة عامّة أو خاصّة.
وقد راج استعماله مؤخرًا في بيئات العمل بشكل خاصٍ لما لهذه البيئات من سمات تتطلّب أمرًا كهذا. فهؤلاء العاملون لا تجمعهم بالضرورة علاقة قبل أن يصبحوا جزءًا من هذا الصرح أو ذاك. ولأن أكثرهم يتنافسون على فرص قليلة وحضوةٍ لا تتسع للكثير من الموظفين؛ نشأت الحاجة للذكاء الإجتماعي بشكل أكبر في هكذا ظروف. فهم في الغالب مجموعة أشخاص لا تجمعهم صداقة، أو تجاور في مسكن، وليسوا من عرقيّة واحدة أو من قبيلة واحدة وليسوا من فئة عمرية واحدة. فلا يجمع أواصرهم جامع ولا لأحدٍ على الآخر مزيد فضلٍ حتى يردّ له الجميل ويحفظ له الود. يجمعهم مبنى وتفرّقهم الأهواء، والأهداف، والطموحات، وأساليب العيش، والأمزجة… إلخ. ولو أن المنشآت حاولت خلق هوية واضحة ودفع هؤلاء الموظفين إلى إذاعتها وتبنّيها لتلم الشمل وتألف بين المتضادين؛ إلا أنهم لأجل لقمة العيشِ ولأجل ألا تتعثر عملية الترقّي في السلالم الوظيفية، أظهروا الإنتماء وآثروا – في أحيان كثيرة – خلف الذكاء الإجتماعي الإختباء.
في مقالةٍ بديعة عن التواطؤ واقتصاد المجاملة يقول بدر مصطفى:
“يبدأ الأمر بابتسامة مجاملة، أو تعليق متساهل مع ما تعرف أنه غير صحيح، ثم يتسع ليشمل الصمت حين يلزم الكلام، أو المشاركة في طقوس اجتماعية تعرف أنها بلا معنى وبلا مردود حقيقي. بمرور الوقت، يصبح التظاهر هو القاعدة، وتتحول شجاعة قول الحقيقة إلى فعل يحتاج إلى حسابات خاصة. في هذه الحالة، لا يكون الزيف مجرد كذب أو مناورة، بل يصبح بيئة مشتركة، ومساحة رمادية يتشاركها الجميع بوعي أو بلا وعي. وهنا، تفقد الكلمات وزنها، وتغدو التصرفات مكررة إلى درجة لا تستوقفنا. وكلما زاد عدد المشاركين، ترسخ الإحساس بأن اللعبة حقيقية، وأن الحفاظ على إيقاعها جزء من مسؤولية الجماعة.”
في بيئات العمل يكثُر المتواطئون على شرعنة التملّق بـ “آليات الذكاء الإجتماعي”، والدعوة للمحافظة على هذا الإيقاع كجزء من مسؤولية الجماعة أو الشركة أو ما شابه. ففي غياب الشفافية والعدالة، تتحرك المفاهيم يمنةً ويسرة، وتأتي على الحسن والقبيح فتألف بينهما، وربّما مالت كفّة القبيح وتغطّت بغطاء الحسن، فتترك النّاس حيارى تجاه هذا المفهوم أو ذاك. هل كان ذلك تملّقا يُستنكر أم ذكاءً إجتماعيّا يُثنى عليه؟
وبسبب الحيرة تجاه الأمرين تقنّع أهل الأهواء بقناع الذكاء الإجتماعي لممارسة التملّق جِهارًا والدعوة إليه ليلًا ونهارًا.
والذي يدعون إليه تحت هذا المسمى الجديد هو ملاطفة النّاس والمدراء بشكلٍ خاص، والتودد لهم، والتصرف بعقلانية، لنحضى بما نريد كـ أفراد مستلقين لا كجماعات. وكثيرًا ما يُفهم الذكاء الإجتماعي على أنه صمت عن قول الحقيقة حين يجب الكلام عنها، وحديث في الباطل حين لا يجب تبرير الباطل ولا السكوتِ عنه، لتجنّب الصدام مع الرؤساء والمسؤولين.
فما تراه صوابًا وقد يضرّ بك؛ من الذكاء الإجتماعي تجاهله أو التملّص منه عند من هم أعلى منك رتبةً. فليس من الذكاء – بحسب ما نفهم هذه الأيام – أن تدلي برأيك الصريح في حضرة المدير، وأن تخالفه أو تخطّئه ما لم يضعك في مواجهة مع من هو أعلى منه رتبةً وأقدر منه على الإضرار بك.
والفرد داخل المنشأة راح يمارس هذه الآليات – أيا كان اسمها – لتحسين جودة حياته كموظف، والإرتقاء في السلّم الوظيفي، وحين يتم له هذا الأمر؛ يتوقّع ممن هم دونه أن يمارسوا تلك الآليّات المتواطئ عليها معه. وبهذا التواطؤ المسلّم به؛ من البديهي ألا تتحسن جودة ثقافة المنشأة في سبيل تحقيق طموحاتها، بل على العكس. فماذا يفيد المنشأة حين يتواطؤ أفرادها على إبداء خلاف ما يعتقدونه في تحسين بيئة العمل وتحقيق مستهدفاتها، لأجل إرضاء المسؤولين المباشرين؟
وبذلك حُمّل الذكاء الإجتماعي أكثر مما يحتمل، ودُسَّ في المفهوم تملّقًا قاد الأفراد للتكسب الشخصي، والمنشآت إلى سراب تحسبه المنشآت ماءً.
والحاصل أن نيّة الفرد هي الحاسمة وهذا أمر غيبيّ وأمره إلى الله، إلا أن المصطلح حين يُترك بلا ضابطٍ يردّه إلى معناه، يُستغل من أهل الأهواء لتمرير الفعل المذموم تحت غطاء المسمّى المحمود. وفي قصّة شجرةِ الخلد حين نفذ بالمسمى إبليسَ الرجيم إلى عقل أبونا آدم أكبر عبرةٍ وخيرُ دليل.
————————————–
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




