بقلم: شياو جينغ نينغ
يمثل مفهوم “الذكاء العاطفي” اختراقًا جديدًا في فهم الإنسان لعالمه النفسي؛ إذ يعوّض قصور المفهوم التقليدي للذكاء وينفي السلطة المطلقة لتقييمات الذكاء السائدة منذ زمن طويل. تكشف التطورات الحديثة في قسم علوم الأعصاب أن الذكاء العاطفي نوع من الذكاء غير المنطقي المرتبط بالفص الأيمن من الدماغ. يشير هذا الفهم إلى أن التكامل بين الذكاء العاطفي والذكاء التقليدي هو مفتاح كشف أسرار النجاح.
خلال التسعينيات، تسلل بهدوء مفهوم في علم النفس باسم “الذكاء العاطفي” في الولايات المتحدة، وانتشر بسرعة تحت مصطلح “الذكاء العاطفي”، ليصبح موضوعًا دوليًّا بارزًا في تطوير الموارد البشرية وإدارتها، كما حظي باهتمام واسع عالميًّا وفي الصين مؤخرًا. لقد كسر الذكاء العاطفي قيود المفهوم التقليدي للذكاء، وأدخل لأول مرة القدرات المتعلقة بفهم المشاعر وتنظيمها ضمن نطاق الذكاء، ما شكّل ثورة مفاهيمية. تهدف هذه الورقة إلى تحليل الأسس النظرية لهذا التحول من أجل تعزيز فهم الذكاء العاطفي، والاستفادة منه في تحقيق النجاح الشخصي، والإسهام في تقدم المجتمع.
من السلطة المطلقة لمعدل الذكاء إلى التركيز على الإنجاز الشامل للفرد
لطالما أولى البشر أهمية كبيرة للذكاء. منذ أوائل القرن العشرين، أصبح معدل الذكاء (Intelligence Quotient – IQ) معيارًا لقياس وتقييم القدرات الذهنية للأفراد، كما استُخدم على نطاق واسع كمعيار لاختيار المواهب، وظل شائعًا لما يقارب قرنًا من الزمان. في الغرب، يكاد لا يوجد شخص لم يمر باختبارات الذكاء هذه خلال حياته، ومع ذلك، ورغم البحث المكثف والتطبيق الواسع لهذه الاختبارات، لم يتمكن علماء النفس من تقديم إجابة مرضية لسؤال: ما الذكاء؟ كما ظلوا في حيرة من أمرهم بشأن مدى قدرة معدل الذكاء على التنبؤ بنجاح الفرد في المستقبل. أثبتت كثير من الوقائع أن أصحاب الذكاء العالي لا يضمنون بالضرورة طريقًا ممهدًا نحو النجاح، في حين أن كثيرين ممن لديهم معدل ذكاء متوسط تمكنوا من تحقيق إنجازات استثنائية. ونتيجة لذلك، بدأ عدد متزايد من علماء النفس يشككون في السلطة المطلقة لاختبارات الذكاء ويطرحون تحديات جديدة لمفهومها.
من المعروف أن اختبارات الذكاء التقليدية تقيس بشكل أساسي القدرة اللفظية والقدرة على التفكير المنطقي الرياضي، وهي مهارات ضرورية بلا شك لتحقيق النجاح، لكنها ليست كافية وحدها. عند النظر إلى الإنجازات الحياتية بشمولية، يتضح أن هناك عوامل أخرى أكثر ارتباطًا بالنجاح لم تؤخذ في الحُسبان، ومن خلال البحث الطويل في عالم الإنسان النفسي الغني والمتنوع، سعى علماء النفس إلى استعادة تلك العوامل المستبعدة من مفهوم الذكاء التقليدي، ما أدى في النهاية إلى ظهور مفهوم جديد في علم النفس.
تنمية وتطوير الذكاء العاطفي
في مواجهة التحديات التي طالت المفهوم التقليدي للذكاء، لا بد من الإشارة أولًا إلى دراسة عالم النفس والتربية الأمريكي غاردنر في “البحث في الذكاءات المتعددة” [1] (ص 43)؛ ففي أوائل الثمانينيات، أطلق برنامجًا تعليميًّا للأطفال قائمًا على مبدأ تعدد الذكاءات، حيث انتقد بشدة ما سماه “نموذج التفكير (IQ)” بسبب جموده وعيوبه، وصرح محذرًا أنه من الآن، من الضروري علينا دراسة مفهوم الذكاء من منظور أوسع. عام 1983م، أوضح غاردنر في كتابه “أُطر العقل” أن ذكاء الإنسان وقدراته متنوعة، ويمكن تصنيفها على الأقل إلى سبع فئات رئيسة، وهي: القدرة اللغوية، والقدرة الرياضية-المنطقية، وهما الشكلان التقليديان للذكاء الأكاديمي؛ والقدرة على الإدراك المكاني، والمهارات الحركية، والموهبة الموسيقية. أما آخر نوعين، فأطلق عليهما “الذكاء الشخصي”، والذي يتمثل في وجهين مترابطين: الأول هو القدرة على التعامل مع الآخرين، والثاني هو ما يُعرف بـ“القدرة الداخلية على التأمل الذاتي”. [1] (ص 42)
يرتبط الذكاء الشخصي ارتباطًا وثيقًا بأسلوب الفرد في التعامل مع الآخرين؛ إذ يتمكن الشخص الذي يفهم مشاعره الحقيقية ويضبط النفس من إدراك مشاعر الآخرين ودوافعهم ورغباتهم، ما يساعده على الاستجابة معهم استجابةً مناسبة وبناء علاقات جيدة. يعتقد غاردنر أن المهمة الأساسية للتعليم يجب أن تكون مساعدة الأطفال على تنمية إمكاناتهم الخاصة، والتوجه نحو المجالات التي تناسب تطورهم، ليحصلوا على الإحساس بالإنجاز والرضا، لكنه يعتقد أن التعليم الحديث قد انحرف كثيرًا عن هذا الهدف. من خلال دراسة القدرات المطلوبة لتحقيق الإنجاز الشامل للفرد، أشار غاردنر بوضوح إلى أن طرق النجاح متعددة، والقدرات التي تقود إليه متنوعة. من ثم، فإن نظريته في الذكاءات المتعددة، ولا سيما مفهوم “الذكاء الشخصي”، مثلت تحولًا ثوريًّا في بنية مفهوم الذكاء، كما أنها حملت في طياتها البذور الفكرية لفكرة الذكاء العاطفي.
أساس نظرية الذكاء العاطفي
استند عالما النفس الأمريكيان سيلوفي وماير، إلى نظرية الذكاءات المتعددة لغاردنر، وطبّقا أفكاره الأساسية في الذكاء الشخصي تطبيقًا إبداعيًّا؛ إذ اخترعا عام 1990م مصطلح (الذكاء العاطفي)، (يُترجم أيضًا إلى الذكاء الشعوري) [2] (الطبعة السادسة). استُخدم هذا المصطلح لوصف القدرات المتعلقة بتقييم وتعبير والتحكم في مشاعر الذاتية ومشاعر الآخرين، ما أوضح تضمين القدرات العاطفية والشعورية ضمن نطاق الذكاء ورفع مفهومه إلى مستويات ذروة الذكاء. فتح هذا الابتكار آفاقًا جديدة في دراسة الذكاء العاطفي وحقق تقدمًا ملحوظًا في البحث النفسي، وتجدر الإشارة إلى أن إسهاماتهما في هذا المجال لم تكن متطابقة، حيث فصَّل سيلوفي القدرات الشاملة للذكاء العاطفي في خمسة جوانب:
- القدرة على التعرف إلى المشاعر الذاتية. وهي جوهر الذكاء العاطفي، أي امتلاك القدرة الأساسية على فهم الذات والحدس النفسي. وهذا ما يُسميه علماء التحليل النفسي “الذات المركزة”.
- القدرة على إدارة المشاعر الذاتية والتحكّم فيها. إذ يُبنى ذلك على القدرة السابقة للتعرف إلى المشاعر، بحيث تتمّ إدارة المشاعر وتنظيمها بشكل مناسب وجعلها متكيفة بفاعلية مع الظروف المتغيرة.
- القدرة على التحفيز الذاتي. أي الدافع الداخلي المستمر لوضع أهداف شخصية والحفاظ على تركيز المشاعر.
- القدرة على فهم مشاعر الآخرين. يشير إلى التوجه العاطفي إلى فهم وإدراك المشاعر العاطفية للآخرين.
- القدرة على الحفاظ على علاقات إنسانية جيدة، أي امتلاك الموهبة في التعامل مع الآخرين، وهي نوع خاص من المواهب العاطفية أو الفنون.
وجد ماير أن أسلوب اهتمام الأفراد بمشاعرهم ومعالجتها يختلف، ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع رئيسة [1] (ص 51):
النمط الواعي بالذات، أي عدّ الإدراك الواضح لمشاعره الذاتية سمةً من سمات شخصيته. يُعد النمط الإيجابي القادر على إدارة مشاعره بفعالية، والنمط الغارق؛ إذ ينغمس الفرد في مشاعر سلبية متكررة دون إدراك، أو القدرة على التخليص عنها، ويُعرف أيضًا بالنمط الأعمى. أما النمط القابل للاعتراف، الذي يستطيع التعرف إلى تغيرات مشاعره، ولكنه يفتقر إلى القدرة على تنظيم المشاعر السلبية، فهو نوع من الشخصية السلبية. يجب الإشارة إلى أن القدرات الخمس المذكورة مترابطة ترابطًا وثيقًا بالقدرات الشاملة؛ إذ تتركز القدرات الثلاث الأولى على معرفة وإدارة مشاعر الذات، في حين تهدف القدرة الرابعة إلى إدراك مشاعر الآخرين، وتسهم القدرة الخامسة في إقامة علاقات إنسانية جيدة في ظل حالة من التعاطف المتبادل بين الذات والطرف الآخر. من الواضح أن سيلوفي وماير لم يدافعا فقط عن الذكاء العاطفي، هذا المفهوم الجديد، لأول مرة فحسب، بل وضعا أيضًا الأساس النظري المتين لهذا المفهوم من خلال شرح الجوانب الخمسة والأنواع الثلاثة الرئيسة.
- الضجة التي أحدثها إصدار كتاب “الذكاء العاطفي” وانتشار معدل الذكاء العاطفي
أصبح مفهوم “الذكاء العاطفي”، المفهوم النفسي الجديد، جزءًا من الحوارات اليومية لدى الأمريكيين، ومُستخدمًا في مختلف المجالات، وذلك بفضل نشر كتاب الذكاء العاطفي لغولمان؛ غولمان هو كاتب عمود علمي في “نيويورك تايمز” وحاصل على درجة الدكتوراه في علم النفس في جامعة هارفارد، ويتمتع بموهبة تمكين القراء غير المتخصصين من فهم أعمق للنظريات العلمية، وقد أعلن على غلاف الكتاب〔3〕: أن هدفه هو إعادة تعريف معنى أن تكون ذكيًّا. منذ صدوره عام 1995م، أحدث كتاب “الذكاء العاطفي” ضجة كبيرة في جميع أنحاء أمريكا، وظل يتصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعًا لمدة طويلة، وسرعان ما تُرجم إلى عدة لغات، ما جعل الذكاء العاطفي أحد أهم الموضوعات شيوعًا في العالم.
يقف كتاب “الذكاء العاطفي” لغولمان على قمة العصر؛ إذ يتصدى للمشكلات الحادة في الصحة العاطفية التي يواجهها المجتمع الأمريكي، وخاصةً المراهقين الذين يعيشون في ظل أزمات متزايدة، وصرَّح محذرًا بضرورة رفع مستوى الذكاء العاطفي كأولوية ملحّة، مقدّمًا بذلك أفكارًا ومسارات جديدة لتربية المراهقين في المدارس والعائلات والمجتمع. وليس هذا فحسب، فقد أثار الذكاء العاطفي اهتمام قطاعات الأعمال والمجتمع عمومًا، ما وفر إطارًا نظريًّا جديدًا وإلهامًا لعلم الإدارة.
هذا الكتاب فريد من نوعه؛ إذ يعرض عالم العواطف الإنسانية بطرائق غنية وحية من خلال أمثلة متنوعة، كما يلخص الدراسات المتعلقة بالسمات الداخلية للعواطف وصلتها بالذكاء البشري وبقدرة الإنسان على البقاء. يُذكر في مقدمة الكتاب: “سيأخذ هذا الكتاب القارئ في رحلة إلى عالم الروح، ليفحص العواطف بنظرة علمية، ويفهم بعمق الألغاز الكثيرة التي تحيط بأنفسنا والعالم الذي نعيش فيه. عند نهاية الرحلة، سيتبين للقارئ كيف تُدمَج الحكمة في العاطفة، ويدرك معنى اتحاد العاطفة والحكمة.” [1] (صفحة 4)
بهذا الشكل، سحب غولمان رحلته الروحية ممهدًا بذلك لإرشادنا إلى المحطات الخمس لرحلته: 1. يستشهد غولمان بالاكتشافات الجديدة في أبحاث بنية العواطف في علم الأعصاب، موضحًا علميًّا كيف أن الدوافع العاطفية قد تطغى على العقل وتسيطر على العقلانية، ما يؤدي إلى ضياع الاتجاه الصحيح للسلوك الاجتماعي. 2. اعتمادًا على إطار نظرية “الذكاء الشخصي” التي وضعها العلماء الذين سبقوه، يعرض غولمان المفهوم الكامل لنظرية الذكاء العاطفي، ويفرق بين الذكاء العاطفي والذكاء التقليدي، مؤكدًا أن الذكاء العاطفي له أهمية كبيرة في تطور شخصية الفرد، حيث إن جوهره الأساسي يكمن في الوعي الذاتي، والذي يتطور لاحقًا إلى الوعي بالآخرين؛ أي القدرة على التعاطف، وهي الأساس الذي يقوم عليه التواصل الاجتماعي وتحديد النجاح في الحياة، وتعد هذه المرحلة الجزء الأهم من الكتاب. 3. يناقش غولمان ويستعرض تطبيقات نظرية الذكاء العاطفي في الحياة الواقعية. 4. يشير غولمان إلى أن مرحلة الطفولة والمراهقة هي الفترة الحاسمة في تشكيل الذكاء العاطفي. 5. يقدم غولمان مزيدًا من المبادئ والأساليب التعليمية لتطوير الذكاء العاطفي، مثل إدراج مقررات “تنمية المهارات الاجتماعية”.
باختصار، فإن التأثير الكبير الذي أحدثه كتاب “الذكاء العاطفي” لغولمان لم يكن مصادفة؛ إذ إن الرؤى الثاقبة الواردة فيه تؤثر في جميع جوانب الحياة الاجتماعية وتستحق الدراسة المتعمقة. يجدر الذكر أيضًا أن الكتاب لم يذكر مصطلح معدل الذكاء العاطفي في أي مكان، ومع ذلك انتشر بسرعة وبشكل واسع بطريقة غير متوقعة، ويرجع ذلك إلى أن مجلة “تايم” الأمريكية قدمت الكتاب باستخدام مصطلح “معدل الذكاء العاطفي” (المعروف أيضًا بالذكاء الشعوري أو معدل العواطف، الذي يختصر بـ EQ)، على الرغم من أن المصطلح ليس بتلك العلمية، فإنه يسهل فهمه وقبوله لدى الجمهور، بسبب العلاقة البدهية بين معدل الذكاء والذكاء العاطفي، ما أسهم في انتشار فكرة الذكاء العاطفي، وقد وافق غولمان على استخدام هذا المصطلح في بعض الترجمات والمقالات النقدية. أما فيما يتعلق بكيفية تقييم وقياس EQ، فهو أمر معقد جدًّا، وبعد كثير من الدراسات، تمكنوا من قياس بعض مكوناته، مثل القدرة على التعاطف والمرونة النفسية. إلا أن غولمان يرى أنه حتى الآن لا يوجد اختبار ورقي يمكن عدُّه مقياسًا لمعدل الذكاء العاطفي.
- عقلانية الذكاء العاطفي من منظور الثورة الدماغية اليمنى
ما ذُكر أعلاه يستعرض مسار نشوء الذكاء العاطفي، وفي الواقع يرتبط هذا المفهوم بطريقة جوهرية بما أُطلق عليه “الثورة الدماغية اليمنى”(Right-brain revolution)التي انطلقت في الثمانينيات من القرن العشرين. إن مناقشة هذا الارتباط يمكن أن يساعد على استكشاف هذه العلاقة وتعزيز فهمنا لعقلانية الذكاء العاطفي. وقد أجرى المؤلف في وقت سابق ثورة الدماغ اليمنى في دراسة متخصصة [5]، وسيكتفي هنا بتوضيح بعض النقاط الأساسية:
- الانطلاقة العلمية للثورة الدماغية اليمنى
يعتمد المفهوم الجديد للثورة الدماغية اليمنى على أُسس متينة نابعة من الإنجازات التاريخية في علوم الأعصاب؛ فمن المعروف أن الدماغ يتكوّن من نصفين، أي اليسار واليمين، ومع ذلك ظل الناس في حيرة من “النظام المزدوج” لتركيبة الدماغ؛ فمنذ اكتشاف القدرة اللغوية عام 1861م، وبحثهم عن موقع القدرة اللغوية في النصف الأيسر، تشكّل الاعتقاد التقليدي الراسخ بأن النصف الأيسر هو النصف المهيمن، واستمر هذا الاعتقاد لأكثر من قرن. مع بزوغ وتطور الحواسيب بسرعة في منتصف القرن العشرين، توسعت وظائف النصف الأيسر توسعًا كبيرًا، حتى أصبح الناس ينسون تمامًا النصف الأيمن، وكأنهم يعيشون في “مجتمع الأدمغة اليسرى”.
عام 1981م، كشف العالم الأمريكي سبيري، الحائز على جائزة نوبل في الفيزيولوجيا والطب، من خلال أبحاثه في “الانقسام الدماغي”، عن صورة جديدة للتخصص الوظيفي لنصفي الدماغ، حيث اكتشف لأول مرة أن للنصف الأيمن عديدًا من الوظائف المتقدمة المختلفة عن النصف الأيسر، ما صحّح الاعتقاد التقليدي الذي دام أكثر من قرن بشأن هيمنة النصف الأيسر.
لقد أدّى اكتشاف وظائف النصف الأيمن إلى تقديم تفسير منطقي “للنظام المزدوج” في الدماغ؛ إذ يشبه نصفا الدماغ نظامي معالجة معلومات منفصلين، كل منهما له تخصصه ومزاياه، ويتعاونان تعاونًا وثيقًا ويتناسقان معًا. وعمومًا، يتميز النصف الأيسر بالقدرات اللغوية، والتحليل المنطقي، والحساب الرياضي، والتفكير الاستنتاجي، أي يركز على التفكير المجرد، في حين يتفوق النصف الأيمن في المهام غير اللفظية وغير المنطقية المتعلقة بالعلاقات المكانية، والإدراك، والحس العاطفي الحدسي، والخيال الفني، أي يركز على التفكير البصري.
إن المفهوم الجديد لتخصص وظائف نصفي الدماغ يحوي في جوهره فكرة الثورة الدماغية اليمنى. ففي عام 1983م، نشر الباحث ورجل الأعمال والمخترع الأمريكي بليكسيلي كتابه “الدماغ الأيمن والإبداع”، الذي قدم شرحًا وافيًا للثورة الدماغية اليمنى، متحديًا بذلك النموذج النفسي الأحادي الذي كان يتجاهل وظائف النصف الأيمن. كان بليكسيلي يشير في البداية إلى أن الثورة الدماغية اليمنى هي “ثورة تعليمية ترتكز على النصف الأيمن” [6] (صفحة 43)، ومن ثم إلى ثورة في طريقة التفكير تحفّز القدرات الإبداعية لدى الإنسان. من الضروري تأكيد أن الثورة الدماغية اليمنى لا تنكر وظائف النصف الأيسر؛ إذ إن “أعظم إنجازات الإنسانية كانت نتيجة الاستخدام المشترك لقدرات شقي الدماغ كلها”. [6] (صفحة 60)
- الثورة الدماغية اليمنى والذكاء العاطفي، مساران مختلفان لغاية واحدة
ينبثق مفهوم الذكاء العاطفي ومفهوم الثورة الدماغية اليمنى من خلفيات بحثية مختلفة، وكلاهما يشتركان في الوقت نفسه من حيث الغاية والمضمون في التركيز على إنجاز الفرد وإطلاق إمكاناته الإبداعية، والتخلي عن الفكرة التي تركز فقط على تفوق النصف الأيسر من الدماغ في المنطق اللغوي، وكذلك عن عدِّ اختبارات الذكاء المعيار الوحيد لهذا التفوق، ويسعيان لاستعادة العناصر الحيوية التي هُمِّشت خارج هذا النطاق. على الرغم من عدم ظهور حوار مباشر بين مؤيدي الذكاء العاطفي والثورة الدماغية اليمنى، فإن التداخل والتأثير بين تخصصات دراسة الإنسان أمر لا مفر منه، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج متشابهة.
من حيث الخلفية العلمية للثورة الدماغية اليمنى والذكاء العاطفي، يرتكز كلا المفهومين على الأرض الخصبة لعلوم الأعصاب، ويرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالتقدم في مجالات مختلفة داخل علم الأعصاب. أسهم غولمان في تقديم رؤى جديدة للمشاعر، هذه الأرض البكر التي لم تُكتشف بعد، داخل مملكة العلوم النفسية، عندما يجيب عن: “لماذا الآن ندرس هذه القضية؟” [1] (صفحة 3) يعتقد أن الأدبيات العلمية في علوم الأعصاب قد وضعت هذه القضية على جدول الأعمال.
أعطى غولمان تقديرًا خاصًّا للعمل الإبداعي لعالم الأعصاب جوزيف ليدو، “الذي كان أول من اكتشف الدور المحوري للوزة الدماغية في العواطف”، “مؤكدًا أن التفاعل بين اللوزة الدماغية والقشرة المخية يشكل جوهر الذكاء العاطفي”، واستند غولمان إلى ذلك في طرحه لتفسيرات مقنعة بشأن نشاط العواطف، ونوبات الانفجار العاطفي، وتناغم العقل والعاطفة. وفيما يتعلق بإهمال علم النفس للجوانب العاطفية، وجدت آراء كلا المؤيدين تشابهًا لافتًا؛ فقد انتقد غولمان “الثورة المعرفية” التي انطلقت في أواخر الستينيات من القرن الماضي لتركيزها على معالجة المعلومات الباردة داخل الدماغ، ما أدى إلى استبعاد العاطفة، وكأن الحكمة لا تحتمل وجود العاطفة. [1] (صفحة 45) في سياق مماثل، أشار بليكسيلي في مقدمة النسخة المترجمة، إلى أن هدر الإمكانات البشرية يعود إلى النظر إلى العقل بشكل أحادي؛ إذ إن التفكير والمعرفة والعواطف غير اللفظية تتمتع بفعالية كبيرة، ولكنها نادرًا ما تحظى بالتقدير.
لهذا، اضطر بليكسيلي إلى الدفاع دفاعًا مبالغًا فيه عن الثورة الدماغية اليمنى لاستغلال القدرات المتكاملة لنصفي الدماغ. ليس هذا فقط، فقد أشار غولمان في مناقشته لعقولنا المزدوجة إلى أن: “ليس لكل إنسان دماغ عاطفي وآخر عقلي فقط، بل كل فكرة وكل تفكير وكل إحساس هو نتيجة للتفاعل المشترك بينهما”. [1]
أدت الثورة الدماغية اليمنى إلى تحرير نظرة الناس إلى قدراتهم الذهنية من هيمنة النصف الأيسر، وأدت إلى إدراك متزايد أن عناصر مثل اللاوعي، والحدس العاطفي، واللحظات، والاستنارة، والإدراك التصوري، هي تجليات لوظائف النصف الأيمن، وهي نوع من الحكمة غير اللفظية وغير المنطقية، وتُعد أساسية في إطلاق الإمكانات الإبداعية وتحقيق الإنجازات الحياتية، وكل القدرات الخمس للذكاء العاطفي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهذه الوظائف.
من المعقول أن نفترض أن الذكاء العاطفي للدماغ الأيمن ينتمي إلى فئة الذكاء غير المنطقي [7]؛ فهو يعزز فهمنا للذكاء غير المنطقي للجانب الأيمن ويضيف دليلًا جديدًا على عقلانية الذكاء العاطفي. في الواقع، هذه القضية ليست الوحيدة، فنجد في الكتب الرسمية لكل من بليكسيلي وغولمان فصولًا مخصصة لـ “علم النفس اللاواعي” و”استكشاف اللاوعي”. كما استفاد غولمان من نتائج أبحاث تخصص وظائف نصفي الدماغ، مؤكدًا: “عادةً تُعالَج العواطف السلبية لدى الأفراد ذوي اليد اليمنى في المركز العصبي الموجود في النصف الأيمن من الدماغ، في حين يقع المركز العصبي المسؤول عن اللغة في النصف الأيسر” [1] (صفحة 84). ألقت هذه العبارة الضوء بشكل جلي على العلاقة بين الذكاء العاطفي ونصف الدماغ الأيمن.
الشيء اللافت، أن مؤيدي الثورة الدماغية اليمنى ينتقدون النظام التعليمي لأنه يتجاهل بشكل متزايد القدرات غير اللغوية للنصف الأيمن، ما يؤدي إلى تخريج أعداد كبيرة من “الأشخاص ذوي النمط اليساري”؛ إذ تصبح العلاقة بين أداء طلاب الجامعة الأكاديميين وإبداعهم في الحياة العملية ضئيلة أو حتى معدومة. في المقابل، يشير مؤيدو الذكاء العاطفي بحدة إلى أن بعض الأفراد ذوي المعدلات العالية للذكاء، حتى وإن كانوا من الطلاب المتميزين، قد لا يحققون النجاح في حياتهم العملية، وأن بعض العباقرة قد يفقدون مواهبهم في وقت مبكر، نتيجة لافتقارهم إلى القدرات الاجتماعية المضمنة في الذكاء العاطفي، والتي تعرقل وتعيق تطور الذكاء. يتضح من ذلك أن الهدف من تنمية الإمكانات الإبداعية للنصف الأيمن وزيادة الذكاء العاطفي هو ذاته، وهو مهمة مشتركة في مجالات التربية وعلم النفس وتنمية المواهب وإدارة الأعمال.
- دور الذكاء العاطفي في تحقيق النجاح
هناك معادلة تُستخدم لوصف النجاح في الحياة: النجاح = الفرص + القدرات [8] (ص 4). لا يتعلق الأمر هنا بمسألة الفرص في الوقت الحالي؛ فالبعض يُجمل القدرة في عاملين: العوامل المرتبطة بالذكاء والعوامل غير المرتبطة بالذكاء. تشمل العوامل غير المعرفية عناصر، مثل: العواطف، والشخصية، والدوافع، والاهتمامات، والإرادة وغيرها، ولكن في نهاية المطاف جميعها لديها ألوان مختلفة، مصحوبة بمشاعر عاطفية وردود أفعال عاطفية وحالات مزاجية، ومن ثم تندرج ضمن المفهوم الواسع للعاطفة. إن مفهوم الذكاء العاطفي الذي نُوقِش لا يقتصر فقط على تجاوز الاعتقاد التقليدي القائل إن “الـ (IQ) يحدد كل شيء”، بل يتجاوز الحدود الضيقة للعوامل غير المعرفية؛ إذ يضم إلى نطاق الذكاء القدرات المتعلقة بإدراك المشاعر، والتعبير عنها، وتنظيمها، والتي كانت مستبعدة من نطاق الذكاء، ما يجعله جزءًا لا يتجزأ من القدرات الضرورية للنجاح. لهذا، لا يحمل الذكاء العاطفي أهمية نظرية فقط في إعادة تعريف مفهوم الذكاء، بل يتمتع أيضًا بقيمة عملية كبيرة في مساعدة الأفراد على تشكيل النجاح في حياتهم. لفهم الدور الحقيقي للذكاء العاطفي في النجاح، من الضروري تحليل مكوناته الجوهرية بالتفصيل، والوظائف الأساسية التي يؤديها، وعلاقته التكاملية مع الذكاء التقليدي (IQ). في هذا الصدد، سنعتمد اعتمادًا أساسيًّا على الرؤى العميقة التي قدمها غولمان في كتابه “الذكاء العاطفي” لمناقشة هذه الجوانب.
- “القدرة الوسيطة” — الوظيفة الأساسية للذكاء العاطفي
من خلال دراسة القدرات العاطفية، يرى غولمان أن الذكاء العاطفي هو عامل أكثر أهمية من الذكاء الذي تقيسه اختبارات المدارس التقليدية؛ ففي مقدمة النسخة اليابانية المترجمة من كتابه “الذكاء العاطفي” كتب: “إن الوعي بالعواطف الذاتية والتعامل السليم مع العلاقات الشخصية، يُعد جزءًا أساسيًّا من الذكاء، بل إنه الذكاء الحاسم الذي يحدد الاتجاه الذي ستسير فيه الحياة”. [9] (ص 34) وصف بعض الباحثين الذكاء العاطفي الذي تحدث عنه غولمان بـ“الاتجاه الذي ستسير فيه الحياة” بأنه “مؤشر شخصي مهم بقدر أهمية معدل الذكاء” [4]، وهو طرح منطقي، وأحد أشهر الأمثلة التي توضح ذلك هو “اختبار المارشميلو”، الذي أُجرِي على الأطفال بعمر 4 سنوات. [3]
كانت هذه تجربة بسيطة وهادئة، حيث قال الباحثون للأطفال: “يمكنكم الحصول على قطعة حلوى الآن، لكن إذا انتظرتم حتى أعود بعد إنجاز عملي، فستحصلون على قطعتين من الحلوى”، ثم غادر الباحث الغرفة. جاءت النتائج على النحو التالي: بعض الأطفال التقطوا قطعة الحلوى فورًا، وبعضهم انتظر لبضع دقائق قبل أن يستسلم ويأكلها. في المقابل، قرر بعض الأطفال الآخرين الانتظار حتى عودة الباحث، فحاولوا تشتيت انتباههم بطرائق مختلفة، مثل الغناء بصوت منخفض، أو اللعب، أو حتى إغماض أعينهم، ليتمكنوا بصعوبة من الصمود حتى النهاية والحصول على مكافأة الحلوى. بالنسبة إلى طفل في الرابعة من عمره، كان هذا اختبارًا نفسيًّا صعبًا؛ إذ مرّ الأطفال بصراع بين الاندفاع وضبط النفس، وبين الإشباع اللحظي والإشباع المتأخر. لكن الأثر الحقيقي لهذه التجربة ظهر لاحقًا عند تتبع هؤلاء الأطفال حتى بلوغهم مرحلة الثانوية. كانت النتائج لافتة للنظر: الأطفال الذين لم يتمكنوا من مقاومة إغراء الحلوى فورًا كانوا أكثر عرضة للشعور بالوحدة، وأقل قدرة على تحمل الإحباط، كما كانوا يفتقرون إلى الصبر. أما الأطفال الذين تمكنوا من تأجيل الإشباع، فكانوا أكثر قدرة على التكيف مع بيئتهم، وأكثر جرأة وثقة بالنفس، كما كانوا أكثر مصداقية ويمكن الاعتماد عليهم، كما كشفت الاختبارات أن قدرتهم على التعلم كانت أفضل بشكل ملحوظ مقارنة بالمجموعة الأولى. هكذا، يتضح أن الفروق في الحالة العاطفية تؤثر بعمق في مستقبل الأفراد ومسار حياتهم.
فيما يتعلق بالدور الاستثنائي للذكاء العاطفي في حياة الفرد، فقد أشار غولمان بوضوح إلى أن: “في مفهومنا الموسع للذكاء أو الحكمة، تمثل العاطفة مفتاح القدرة على البقاء؛ [1] (ص 5) لأن الذكاء العاطفي يشير في نهاية المطاف إلى قدرة الإنسان على مواجهة التحديات، والقدرة على التكيف مع الأزمات، والتحكم في مشاعره عند مواجهة المواقف الصعبة. على الرغم من أننا لا نستطيع في الوقت الحالي تحديد مدى تأثير هذا الاختلاف في مسار الحياة بدقة، فإن البيانات المتاحة تؤكد تأثيره القوي، بل وقدرته على توجيه مصير الأفراد. الأشخاص ذوو الذكاء العاطفي العالي يمكنهم فهم مشاعرهم والتحكم فيها بوعي، كما أنهم قادرون على إدراك مشاعر الآخرين والتفاعل معها بفعالية، ما يساعدهم على بناء علاقات اجتماعية جيدة والحفاظ عليها، ومن ثم، يتمتعون بميزة كبيرة في مختلف جوانب حياتهم، ويحققون نتائج إيجابية في نموهم وتطورهم الشخصي. على العكس من ذلك، فإن الأشخاص ذوي الذكاء العاطفي المنخفض، غالبًا ما يعانون تأثير المشاعر السلبية، ما يعوق قدرتهم على استخدام ذكائهم الفعلي بفاعلية، ويجعلهم غير قادرين على تحمل الإحباطات والفشل، ويصبحون أكثر عزلة وعنادًا، ما يعرقل علاقاتهم الاجتماعية، ويجعلهم يواجهون العقبات في كل جانب من جوانب حياتهم، ما يصعّب عليهم تحقيق النجاح. بذلك يتضح أن الذكاء العاطفي ليس مجرد قدرة معرفية، بل هو قدرة اجتماعية متميزة تؤثر تأثيرًا مباشرًا في النجاح أو الفشل في الحياة الواقعية.
إذًا، لماذا يتمتع الذكاء العاطفي بهذا التأثير الكبير؟ ينطوي هذا على سؤال ماهية الوظيفة الأساسية للذكاء العاطفي نفسه. قدم غولمان تفسيرًا فريدًا لهذه المسألة، حيث قال: “يمكن عدُّ الإمكانات العاطفية نوعًا من ‘القدرة الوسيطة’، وهي التي تقرر كيف يمكننا تفعيل ما لدينا من قدرات مختلفة على أكمل وجه، بما في ذلك قدراتنا الذهنية الفطرية” [1] (ص 40)، وهذا يعني أن القدرة على إدراك العواطف والتعبير عنها وتنظيمها، ألا وهو الذكاء العاطفي، تؤدي دورًا حاسمًا كـ “كوسيط” أو “وساطة” بين مختلف القدرات التي نمتلكها؛ فجميع القدرات الأخرى تحتاج إلى المرور عبر هذه “الوساطة” كي تُفعَّل وتُستَخدم بشكل مناسب. فالذكاء العاطفي هو الذي يتحكم في ماهية الدور الذي ستؤديه، وكيفية استخدام ذلك الدور، وإلى أي مدى سيُفعَّل لتحقيق الأداء الأمثل. بسبب هذه الوظيفة الوسيطة الأساسية، فإن الذكاء العاطفي يؤثر في جميع جوانب القدرات البشرية، ما يمنحه دورًا شاملًا وحاسمًا في تحقيق الإنجاز الشخصي. وجد بعض علماء النفس الأمريكيين أن معدل الذكاء (IQ) لا يسهم إلا بنسبة 20٪ في نجاح الفرد [2]. تُوُصِّل إلى هذه النتيجة المذهلة من خلال التتبع والمراقبة في دراسة استمرت 30 عامًا، شملت أكثر من ألف طفل موهوب يتمتعون بمعدل ذكاء يفوق 130، وكشفت النتائج أن الوضع الاجتماعي والنجاح المهني للأفراد لا يقرر بشكل أساسي على معدل الذكاء، بل على مجموعة القدرات التي لم تأخذها اختبارات الذكاء التقليدية في الحُسبان، وهي تلك التي تُعرف اليوم باسم الذكاء العاطفي، بالإضافة إلى عوامل البيئة والفرص، والتي تمثل 80٪ من أسباب النجاح، ونظرًا لأن الذكاء العاطفي يُعد مهارة رئيسة في التكيف مع البيئة واغتنام الفرص، فإنه يُعد بالفعل مؤشرًا لقدرات الفرد، والعامل الأكثر بروزًا في تحقيق النجاح.
- “الإدراك الذاتي” جوهر الذكاء العاطفي
كما ذكرنا سابقًا، وضع سالوفي الأساس لنظرية الذكاء العاطفي من خلال تحديده خمسة أبعاد لهذا المفهوم. في كتابه “الذكاء العاطفي”، قدم غولمان شرحًا دقيقًا وواضحًا للنظرية من زوايا متعددة، وقد أشار بعض الباحثين إلى أن: “في تحليل غولمان، قد يكون الوعي الذاتي هو القدرة الأكثر أهمية، لأنه يتيح لنا ممارسة نوع من ضبط النفس”. [3] يجسد هذا المنظور أهم الآثار المترتبة على النظرية وهو نقطة البداية لفهم كيف يمكن للذكاء العاطفي أن يساعدك على النجاح. فيما يشرح غولمان بوضوح القدرة الأكثر أهمية، وهي الوعي الذاتي والإدراك الذاتي في أعماله. بينما كان يستكمل غولمان إسهامات سالوفي وماير في تطوير مفهوم الذكاء العاطفي، فقد نحت بوضوح “الإدراك الذاتي” كخط محوري لهذه النظرية؛ إذ أوضح قائلًا: “الإدراك الذاتي هو القدرة على ملاحظة العواطف فور ظهورها وهو جوهر الذكاء العاطفي”. [1] (ص 47)
لأن قدرة الإنسان على مراقبة تغيرات مشاعره في كل لحظة تشكل الأساس لفهم الذات والبصيرة النفسية، فإذا كان الشخص غير قادر على التعرف إلى مشاعره الحقيقية، فسيصبح أسيرًا لعواطفه، فضلًا عن عجزه في التحكم فيها، ولا يمكنه ممارسة السيطرة العاطفية أو الاستفادة من القدرات الأخرى للذكاء العاطفي، مثل التعرف إلى مشاعر الآخرين، وإدارة العلاقات الاجتماعية بفعالية، واتخاذ قرارات أدق بشأن مسيرته المهنية وحياته الشخصية، ما يوجهه نحو تحقيق النجاح في الحياة.
لتأكيد الإدراك الذاتي، استعان غولمان باقتباس شهير للفيلسوف سقراط “اعرف نفسك”، وجعل منه عنوانًا لفصل كامل في كتابه، حيث عرض هذا الموضوع على نحو تام، مؤكدًا من زوايا متعددة أن الوعي بالمشاعر هو الأساس الجوهري للقدرات العاطفية، وأنه من دون هذا الإدراك، من المستحيل تحقيق التحكم في العواطف، بل وحتى تطوير القدرات الأخرى للذكاء العاطفي. بالإضافة إلى ذلك، قدم غولمان شرحًا علميًّا لنشاط منطقة اللغة في القشرة الدماغية في تحقيق الوعي الذاتي، كما ناقش العلاقة بين الإدراك الذاتي وعلم النفس اللاواعي، وشدد على ضرورة البدء بتعليم الأطفال إدراك مشاعرهم الذاتية منذ سن مبكرة كجزء أساسي من التربية العاطفية. وفيما يلي، سنناقش أهمية الإدراك الذاتي ودوره من خلال مستويين مختلفين:
أولًا: أهمية الإدراك الذاتي على المستوى الشخصي من منظور الفرد ذاته، فإن القدرة على إدراك المشاعر، والشعور بها، وتقييمها، وإعطاء الحكم عليها، وتمييزها، وتحفيز نفسه ذاتيًّا، تعد مستوى عاليًا من الذكاء أو القدرة. على هذا الأساس، يستطيع الإنسان أن يفهم تغيرات عواطفه بوضوح، وينظمها تنظيمًا مناسبًا، ويتحكم فيها بفاعلية، ما يساعده على التخلص من التأثيرات السلبية بسرعة، والتعامل مع العثرات دون خوف، وتجنب الاندفاع، كما يمنحه قدرة عالية على ضبط النفس والثقة بها. الشخص الذي يتمتع بوعي ذاتي قوي يمتلك رؤية واضحة لذاته، ما يمكنه من اختيار أهدافه بناءً على إمكاناته وظروفه الخاصة، والسعي إلى تحقيقها بإصرار، حتى لو تطلب ذلك التضحية ببعض الإشباعات اللحظية. مثل هذا الشخص يتمتع بميزة تؤهله للنجاح. لكن ضبط النفس لا يعني كبت العواطف عشوائيًّا، بل يشير إلى ما سماه أرسطو بـ “التحدي قوة الإرادة” [3]، حيث قال: “يمكن لأي شخص أن يغضب، وهذا أمر سهل. ولكن أن تغضب في الوقت المناسب، وللسبب المناسب، وللهدف المناسب، وبالطريقة المناسبة، وللشخص المناسب، فهذا هو التحدي الحقيقي”. إن “الوضعية الدبلوماسية” التي مارسها رئيس الوزراء الصيني تشوان لاي كانت مثالًا بارزًا على الذكاء العاطفي الفائق، حيث أظهر قدرة استثنائية بذكائه العاطفي حتى في لحظات الغضب.
ثانيًا، من منظور التفاعل بين الأشخاص، فإن وعي الذات لدى الفرد يرتبط ارتباطًا أساسيًّا بإدراك العلاقة بين الذات والآخرين؛ فمن خلال فهم الوعي الذاتي يمكن للمرء أن يسقط هذا الفهم على الآخرين، ما يتيح له التعرف الصحيح إلى مشاعرهم وفهمها. على أساس هذه القدرة الجيدة على التعاطف، يمكن للفرد أن يبني ويطور مهاراته في التواصل الاجتماعي والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، ما يضفي على نجاحه قوة إضافية، كما لو أن نمرًا نما له جناحان. فالتفاعل الاجتماعي هو فن بحد ذاته، حيث تُتَبادَل المشاعر بين الناس بنسبة تصل إلى 90٪ تقريبًا من خلال وسائل غير لفظية دقيقة.
متى ما كان بإمكان الشخص التقاط المعلومات غير اللفظية بذكاء، فهذا قد يؤثر حتى في نجاح المدير أو فشله. ففي عالم اليوم، الذي دخل عصر العولمة الاقتصادية وتكامل الشبكات المعلوماتية، تمر بلادنا بمرحلة انتقالية من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي، حيث تظهر المشكلات باستمرار دون انقطاع، وتشتد حدة المنافسة الاجتماعية. وفي ظل هذه الظروف، يواجه الأفراد ضغوطًا نفسية وأزمات عاطفية متزايدة، كما أصبحت العلاقات بين الأشخاص أكثر تعقيدًا واتساعًا من أي وقت مضى، بحيث لم يعد من الممكن تجنبها أو التغاضي عنها.
من منظور الجانبين الإيجابي والسلبي، خصوصًا في ظل تأكيد متزايد اليوم لروح التعاون وروح الفريق، أصبح التواصل بين الأشخاص أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ فالأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عاطفي عالٍ، قادرون على الحفاظ على وعي ذاتي حاد في المواقف المعقدة، وإدراك دورهم ومكانتهم الاجتماعية بوضوح، ما يمكنهم من بناء علاقات جيدة مع الآخرين، وهذا بدوره يكسبهم ثقة الآخرين ودعمهم من مختلف الجهات، ما يتيح لهم فرصًا جديدة، ويوفر لهم المعلومات، ويمنحهم دعمًا معنويًّا، ومعرفة تقنية، بل ودعمًا ماديًّا كذلك.
في بيئة التعاون المشترك، عندما يتعاون الجميع تعاونًا وثيقًا وبتناغم وتواصل فكري وروحي، كيف لا تصبح أقرب للنجاح أكثر من أي وقت مضى. على العكس من ذلك، فإن من يفتقرون إلى الذكاء العاطفي لا يعانون بالضرورة نقصًا في المعرفة أو المهارات التقنية، ولا يعني ذلك أنهم يفتقدون للمبادرة، بل تكمن مشكلتهم في ضعف قدراتهم العاطفية وكثرة عيوبهم الشعورية؛ فهم يتسمون بالتعصب، والتسلط، والشك المفرط، والغيرة، والبرود العاطفي، ما يجعل من الصعب على الآخرين التعامل معهم. وبسبب أنهم لا يستطيعون فهم أنفسهم فهمًا صحيحًا، فإنهم من ثم، يعجزون عن إدراك الآخرين، ما يؤدي إلى خلق حواجز في علاقاتهم الاجتماعية، وينتج عنه صراعات متكررة تعرقل سير العمل الطبيعي، وتبعدهم تدريجيًّا عن النجاح.
ليس من النادر أن نجد “مديرًا منحرفًا عن المسار” يتمتع بمعدل ذكاء 160، يعمل تحت إدارة شخص لا يتجاوز معدل ذكائه 100، فقط لأن الأخير يمتلك ذكاءً عاطفيًّا أعلى. إن نظرية الذكاء العاطفي لها تطبيقات واسعة تمتد عبر مختلف المجالات، من الشركات والمؤسسات المهنية إلى الدوائر الحكومية والمدارس، وحتى الفرق الرياضية، فعندما تُحسَّن العلاقات الإنسانية، تُحفَّز تحفيز دافعية الأفراد، ما يجعل اللحظة الحاسمة للنجاح أقرب من أي وقت مضى.
يمكن توضيح دور الذكاء العاطفي في تحقيق النجاح من خلال العلاقات بين الأشخاص، كما يظهر بوضوح في إنجازات وانغ جونشيا وتألقها الأولمبي [11]. عمومًا، يُعد الوعي الذاتي العنصر الأكثر أهمية في نظرية الذكاء العاطفي، فهو ليس فقط نقطة الانطلاق لمختلف القدرات العاطفية، ولكنه أيضًا الهدف النهائي الذي يستمر في التأثير طوال المسيرة. فمن إدراك الذات، إلى فهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم، وصولًا إلى بناء علاقات اجتماعية قوية، يظل التحكّم في الذات هو المفتاح الأساسي.
- تكامل الذكاء العاطفي والذكاء العقلي: مفتاح النجاح
أصبحت فلسفة التكامل واحدة من أكثر الأدوات الفكرية شيوعًا في العصر الحديث لفهم العلاقات المعقدة بين مختلف الظواهر، ومجال الذكاء ليس استثناء؛ حيث أدى تطور المفاهيم التقليدية عن الذكاء إلى إدراك شامل بأن الذكاء العاطفي يشكل عنصرًا حاسمًا في مسار حياة الإنسان. من هنا، تبرز تساؤلات جوهرية عن العلاقة بين الذكاء العاطفي والذكاء العقلي، أو بعبارة أخرى أكثر شيوعًا، العلاقة بين الذكاء العاطفي (EQ) والذكاء العقلي (IQ)، وبالتوسع أكثر فإنه يتضمن في الواقع مسألة: ما العلاقة التكاملية بين العاطفة والعقل، والعقل العاطفي والعقل العقلاني؟ يقدم مفهوم التكامل تفسيرًا منطقيًّا ومقنعًا لهذه العلاقة. على سبيل المثال، أشار بعض الباحثين إلى أن “الذكاء العاطفي ليس نقيضًا للذكاء العقلي”، “وأن التحدي الحقيقي أمام الباحثين هو فهم كيفية تكاملهما” [3]. عند مناقشة العلاقة بين الاثنين، قد أوضح غولمان أن “الذكاء العقلي (IQ) والذكاء العاطفي (EQ) مجالان مستقلان، وليسا في حالة تعارض” [1] (ص. ٤٩)، مستندًا إلى أحدث إنجازات علم الأعصاب لتفسير كيفية ارتباط هذين المجالين رغم استقلالهما. لقد انتقد بعمق الفكرة التقليدية التي تفترض تعارضًا بين العاطفة والمنطق، وبدلاً من ذلك، قدم رؤية ديناميكية تدعو إلى تحقيق توازن متغير بين العاطفة والعقل، أشبه بـ”حالة من الحرب والسلام المستمرة”. من خلال هذه الرؤية، وفّر أساسًا علميًّا لفهم التكامل بين الذكاء العاطفي والعقلي، بوصفه عاملًا رئيسًا في تحقيق النجاح. فيما يلي، سنناقش بمزيد من التفصيل كيف يمكن أن يكمل كل من EQ وIQ بعضهما بعضًا لتحقيق الأداء الأمثل.
أولًا، من منظور البنية الفكرية الواقعية للإنسان، فإن الذكاء العاطفي (EQ) والذكاء العقلي (IQ) ليسا في حالة تعارض؛ فهناك أشخاص محظوظون يتمتعون بمستوى عالٍ من كلا النوعين من الذكاء، ما يشكل بنية معرفية مثالية، في حين أن آخرين يعانون انخفاضًا في كل منهما. أما الغالبية العظمى، فهم مزيج من درجات متفاوتة من الذكاء العاطفي والعقلي، ما يدل على أنهما مجالان مستقلان، ولكنهما مرتبطان إلى حد ما. أما الحالات التي يكون فيها الذكاء العقلي مرتفعًا جدًّا، في حين يكون الذكاء العاطفي منخفضًا للغاية، أو العكس، فهي نادرة في الحياة الواقعية. على سبيل المثال، يُنظر إلى الشخص الذي يتمتع بمعدل ذكاء عالٍ جدًّا، ولكنه يفتقر إلى الذكاء العاطفي، على أنه صورة كاريكاتورية مبالغ فيها للمثقف المنعزل، حيث يكون عملاقًا في المعرفة النظرية لكنه ضعيف في التفاعل الاجتماعي. بما أن الإنسان يمتلك هذين النوعين من الذكاء معًا، فلا بد أن تكون العلاقة بينهما تكاملية، ومن منظور الطبيعة البشرية، فإن الذكاء العاطفي يسهم إسهامًا أكبر في تحقيق اكتمال الشخصية الإنسانية.
بعد ذلك، فيما يتعلق بالإنجاز الشخصي الشامل، فإن الذكاء العاطفي (EQ) والذكاء العقلي (IQ) يكمل كل منهما الآخر، ومن الصعب على أي شخص تحقيق النجاح إذا كان يعاني نقصًا في أحدهما أو كليهما. الاعتقاد المطلق بأهمية الذكاء العقلي فقط، أو التقديس الأعمى للذكاء العاطفي، كلاهما نهج أحادي وخاطئ. تمامًا كما أكدت “الثورة الدماغية اليمنى” في النهاية أهمية التكامل بين نصفي الدماغ الأيمن والأيسر، فإن الهدف من تطوير المفاهيم التقليدية للذكاء هو تحقيق التوازن بين الذكاء العاطفي والعقلي، بحيث يكون كل منهما داعمًا للآخر، ما يعزز النجاح في الحياة والمهنة.
لا يمكن حشد طاقة الفرد الكاملة، إلا على أساس جميع الأنشطة النفسية، ما يعزز بفعالية الممارسات العملية. بالنظر إلى التأثير المتأصل لمفهوم تفوق الدماغ الأيسر والاعتقاد السائد بأن الذكاء العقلي هو العامل الحاسم لكل شيء، فمن البدهي أن يحظى الذكاء العقلي باهتمام أكبر. مع ذلك، يجب أن ندرك أن الذكاء العقلي IQ لا يمكنه سوى التنبؤ المباشر بإمكانية النجاح الأكاديمي أو الأداء في الفصل الدراسي، ولكن مع ابتعاد الإنسان عن المجال الدراسي إلى مسارات الحياة المختلفة، تتضاءل قدرة الذكاء العقلي IQ على التنبؤ بالنجاح بشكل كبير. نظرًا لأن نظام التعليم القائم على الاختبارات التقليدية قد أدى منذ مدة طويلة إلى خنق القدرات العاطفية الحية لدى الإنسان وخنق إبداعه، فقد أصبح من الضروري الآن المناشدة بتعزيز الوعي بالذكاء العاطفي، والبدء بتطويره من خلال التعليم، مع التركيز على تنمية الذكاء العاطفي بشكل كبير. هذا من شأنه أن يعزز قدرة الأفراد على التكيف الاجتماعي والقدرة على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية، ما يؤدي إلى إنشاء نموذج تكاملي يحقق التوازن بين أدوار الذكاء العاطفي والذكاء العقلي.
في الواقع، كل قرار يتخذه الإنسان يخضع في الوقت نفسه لتوجيه كل من العاطفة والعقل، مع كون العاطفة أكثر مباشرة ووضوحًا وقوة في تأثيرها. الجميع يختبر شخصيًّا كيف يمكن للمشاعر أن تعوق التفكير العقلاني أو تعززه؛ فالمشاعر الإيجابية تحفّز الإنسان وتدفعه إلى الأمام، في حين تؤدي المشاعر السلبية إلى الإحباط، ما قد يحدث فرقًا كبيرًا في نجاح أو فشل كفاءة العمل. “وعندما تخرج العواطف تمامًا عن السيطرة، مثل حصان جامح انفلت من لجامه، عندها فقط سيدرك الإنسان مدى أهمية وإلحاح تصحيح العقل ورفضه لبعض القرارات”. يسهم الذكاء العاطفي في تحقيق الإنجازات العقلية وتعزيز العوامل الفكرية، في حين يؤدي الارتقاء بالثقافة والتكوين المعرفي إلى تحسين ضبط الذكاء العاطفي وتطويره. فقط عندما يتطور كل من الذكاء العاطفي (EQ) والذكاء العقلي (IQ)، أو العاطفة والعقل، بتزامُن وفي حالة من التوازن الديناميكي، يصبح الإنسان أكثر ذكاءً، وأكثر قبولًا واحترامًا من قبل الآخرين، ما يمكنه من تحقيق دور اجتماعي ناجح.
مرة أخرى، فإن الاستخدام الفعّال للذكاء العاطفي هو المفتاح لتحقيق التكامل بين الذكاء العاطفي EQ والذكاء العقلي IQ، فالعاطفة هي عملية نفسية معقدة ووظيفة من وظائف الدماغ، ومن منظور تطوري، ترتبط المشاعر ارتباطًا غريزيًّا ببقاء الفرد والتكاثر، حيث تخضع لسيطرة الجهاز الحوفي، الذي ينتمي إلى القشرة المخية القديمة من الناحية التطورية، حيث تؤدي اللوزة الدماغية دورًا محوريًّا في تنظيم المشاعر، في حين يقع المركز الأعلى للتحكم العاطفي في الفص الجبهي للقشرة الدماغية. غالبًا ما تكون السيطرة على العواطف أمرًا صعبًا، وعندما يحدث صراع بين العقل والعاطفة، فإن العاطفة هي التي تتغلب في كثير من الأحيان. لقد أثبت العلم أن المراكز المسؤولة عن التحكم في العواطف تتغلب في كثير من الأحيان على التفكير العقلاني، وهو ما يُعرف بـ”القصور العاطفي”. يشير هذا المصطلح إلى أن المعلومات العاطفية تصل إلى اللوزة الدماغية عبر المهاد قبل أن يدرك مركز التفكير الموجود في القشرة المخية الحديثة طبيعة الموقف، ما يعني أن اللوزة تستجيب للعواطف استجابةً مستقلة عن التفكير العقلاني. هذا النوع من الاستجابة الفورية، المعتمد على الحدس العاطفي، كان له أهمية كبيرة في نضال البشر من أجل البقاء.
فهم خصائص هذه الشبكة العاطفية يتطلب وعيًا متزايدًا بالذكاء العاطفي EQ، مع القدرة على إيقاف “القصور العاطفي” في الوقت المناسب وبفعالية، حتى لا تؤدي إلى انفعالات عاطفية غير قابلة للسيطرة، والتي قد تدفع الإنسان إلى هاوية من الندم طيلة حياته. لهذا السبب، فإن القدرة على إدارة العواطف تُعد ذات أهمية خاصة، وتستحق بجدارة أن تُصنّف ضمن أنواع الذكاء التي يجب تعزيزها بقوة. إن التكامل بين الذكاء العاطفي EQ والذكاء العقلي IQ يضع الإنسان في حالة ذهنية متوازنة وبيئة إيجابية، ما يرفع كفاءة العمل بشكل كبير. إن قدرة الفرد على التعامل مع الضغوط والإحباطات، والتمسك بأهدافه رغم النكسات، تعد من أبرز سمات الذكاء العاطفي العالي؛ فالذكاء العاطفي لا يؤثر فقط في توظيف القدرات العقلية في الوقت الحاضر، بل يشير أيضًا إلى إمكانات التطور المستقبلي. إن المشاعر الإيجابية هي الأساس الذي يدفع الناس لاستكشاف الحقيقة والانخراط في البحث العلمي، حيث تحتاج الأنشطة الذهنية المعقدة والشاقة إلى دعم العواطف الإيجابية. يؤدي الذكاء العاطفي دورًا حاسمًا في تحفيز الذكاء، وتوجيهه، وتعزيزه، وإثرائه، ما يجعل الأذكياء أكثر ذكاءً، وهذا هو سر النجاح.
أخيرًا، من المهم إدراك الفروقات بين التأثيرات الوراثية في الذكاء والذكاء العاطفي، وتعزيز الوعي بالذكاء العاطفي EQ، والعمل على تحقيق التكامل بينهما. عمومًا، يتأثر معدل اختبار الذكاء التقليدي (IQ) تأثرًا كبيرًا بالعوامل الوراثية، في حين أن الذكاء العاطفي، رغم خضوعه لبعض من قيود العوامل الوراثية، يمكن تطويره بشكل كبير واختراق تلك العوامل من خلال التعلم والتجارب المكتسبة. هناك أدلة تثبت أن بعض القدرات العاطفية، مثل التحكم في الاندفاع وفهم المواقف المناسبة، يمكن اكتسابها من خلال الممارسة والتعلم المستمر. يُعد المركز الأعلى في الفص الجبهي، المسؤول عن إدارة المشاعر والانفعالات، أحد المراكز العصبية التي تواصل تطورها حتى سن 16-18 عامًا، ما يترك مساحة كبيرة لإمكانية تحسين القدرات العاطفية.
تُعد مرحلة الطفولة الفترة الذهبية لتعليم الذكاء العاطفي، وحتى في مرحلة البلوغ، لا يزال بإمكاننا تنميته. إضافة إلى ذلك، يُعد الذكاء العاطفي قدرة اجتماعية ذات خلفية ثقافية واجتماعية متميزة؛ إذ تختلف ردود الأفعال العاطفية للأفراد تبعًا لمستويات التعليم، والذوق الجمالي، وتوجههم القيمي، واختلاف المستوى الأخلاقي؛ فالأشخاص ذوو الوعي العالي يتجنبون التطرف والاندفاع الأعمى، وهذا يعكس كيف يمكن للذكاء العقلي أن يعزز الذكاء العاطفي. في الأوساط التجارية الغربية، تنتشر مقولة شائعة: “الذكاء العقلي يجعلك تحصل على الوظيفة، أما الذكاء العاطفي فيجعلك تحصل على الترقية” [3]، ما يوضح أن التكامل بين الذكاء العقلي والعاطفي عملية تستمر مدى الحياة.
في ظل التغيرات التي يشهدها نموذج العمل في الغرب اليوم، لم يعد حتى الذكاء العقلي يضمن الحصول على وظيفة؛ إذ لم تعد الجامعات المرموقة، والدرجات العلمية العليا، والإنجازات الأكاديمية كافية بمفردها لدخول سوق العمل. الإصلاحات الجارية في نظام التوظيف في بلادنا تعكس هذا الاتجاه أيضًا، حيث أدى إدخال آليات التنافس إلى إنهاء مفهوم المنصب الدائم، وأصبحت مقابلات التوظيف تشمل تقييمًا شاملًا يجمع بين الذكاء العقلي والذكاء العاطفي، مع تركيز متزايد على الانطباع الأول الذي يتركه الذكاء العاطفي. إن السعي المستمر لتعزيز الذكاء العاطفي ودمجه بفعالية مع الذكاء العقلي لتحقيق التكامل بينهما، هو قرار حكيم يستمر مدى الحياة، ويمثل حاجة أساسية لمواجهة التحديات والسير نحو النجاح.
باختصار، يمثل طرح نظرية الذكاء العاطفي اختراقًا ثوريًّا وتجديدًا جوهريًّا في المفاهيم التقليدية للذكاء، ما أتاح للإنسان فهمًا أعمق وأكثر شمولًا لنشاطه الذهني. لم تقتصر هذه النظرية على تقديم قضايا جديرة بالتأمل من الناحية النظرية فحسب، بل أثبتت أيضًا أهميتها الكبيرة على المستوى العملي. في المستقبل، ستكون المنافسة في جوهرها منافسة بين المواهب البشرية. إن عصر الاهتمام المتزايد بالكفاءة الشاملة للإنسان قد أقبل مناديًا بالذكاء العاطفي!
[المراجع]
[1] الأمريكي جولمان. الذكاء العاطفي [M]، ترجمة قنغ ونشيو وآخرين، شنغهاي: دار شنغهاي للعلوم والتكنولوجيا للنشر، 1997م.
[2] الفرنسي فرانسواز أروى-مونان. لا ذكاء بدون عاطفة [N]، أخبار المراجع، 16 يونيو 1997م.
[3] الأمريكي جيبس. عوامل الذكاء العاطفي [J]، ترجمة لي ون، ملخص الفلسفة والعلوم الاجتماعية الأجنبية الحديثة، 1996م، (9).
[4] البريطاني دريسكول. الشخص الذي يضع العاطفة قبل الذكاء [J]، ترجمة لي ون، ملخص الفلسفة والعلوم الاجتماعية الأجنبية الحديثة، 1996م، (9).
[5] شياو جينغنينغ. مراجعة الثورة الدماغية اليمنى [J]، أبحاث الديالكتيك الطبيعي، 1995م، (8).
[6] الأمريكي بلاكسلي. الدماغ الأيمن والإبداع [M]، ترجمة فو شيشيا وآخرين، بكين: دار نشر جامعة بكين، 1993م.
[7] شياو جينغنينغ. الذكاء العاطفي – الحكمة غير المنطقية [J]، التفكير والحكمة، 1997م، (5).
[8] وانغ تشي تشيانغ. معرفة الذكاء العاطفي [M]، بكين: دار النشر الديمقراطية والبناء، 1998م.
[9] شو غوانغشينغ. قياس وتدريب الذكاء العاطفي [M]، شنغهاي: دار شنغهاي للعلوم والتكنولوجيا للنشر، 1999م.
[10] شياو جينغنينغ. التواصل غير اللفظي اللافت للنظر [J]، المعرفة الموسوعية، 1994م، (8).
[11] شياو جينغنينغ. الهالة الأولمبية لوانغ جونشيا والذكاء العاطفي [J]، أبحاث تعليم الرياضة في الجامعات، 1997م، (4).
شياو جينغ نينغ: أستاذة في كلية الفلسفة بجامعة ووهان، متخصصة في أبحاث علوم الدماغ، ونظرية المعرفة، ومنهجية العلوم.
————————————–
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة Aisixiang).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




