تُعدّ المشاكل التشغيلية الأخيرة في شركة تيسلا، صانعة السيارات الكهربائية المستقبلية التي تتخذ من كاليفورنيا مقرًّا لها، تذكيرًا بأن الاستراتيجية العظيمة لا تكتسب قيمتها إلا إذا كانت الشركة قادرة على تنفيذها، وتعتمد قدرة الشركة على تنفيذ استراتيجيتها إلى حد كبير على ما إذا كانت مصممة للقيام بذلك أم لا. وبعبارة أخرى، يعتمد الأمر على هندسة الأعمال؛ أي الطريقة التي يتفاعل بها الأشخاص والعمليات والأنظمة والبيانات داخل الشركة لتقديم السلع والخدمات للعملاء.
مع شروع الشركات الآن في تطوير استراتيجيات رقمية، فإنها غالبًا ما تَعِد بحلول متكاملة للعملاء، وستكون هذه الاستراتيجيات صعبة التنفيذ بشكل خاص؛ لأن العديد من العناصر التنظيمية يجب أن تتزامن لتقديم حل متكامل. وليس عدد العناصر التنظيمية هو ما يجعل تنفيذ الاستراتيجية الرقمية صعبًا فحسب، بل إن السرعة مهمة أيضًا. ولمواكبة متطلبات العملاء وتحركات المنافسين، يجب أن تكون الشركات قادرة على تجربة عرض محتمل بسرعة، وأن تعزز هذا العرض وتوسعه باستمرار وفقًا لاستجابة العملاء، أو تتخلى عنه وتنتقل إلى التجربة التالية.
بعبارة أخرى، أصبحت هندسة الأعمال أكثر أهمية، وأكثر صعوبة. ففي الاقتصاد ما قبل الرقمي، كانت هندسة الأعمال تركز غالبًا على الكفاءة التشغيلية؛ أي تصميم عمليات أعمال متكاملة وسلسة من البداية إلى النهاية، ولكن لم يعد ذلك كافيًا؛ ففي الاقتصاد الرقمي، يجب أن تركز هندسة الأعمال أيضًا على المرونة agility؛ أي تصميم إعادة الاستخدام السريع للمكونات الفردية للأعمال.
لن تحدث المرونة التنظيمية بالمُصادفة، يجب أن تُصمَّم بعناية.
الابتكار بسرعة يعني الاستفادة من الفرق المُمكَّنة.
لتسهيل السرعة، يجب على الشركات أن تصمم نفسها لتقليل العقبات أمام إنجاز العمل، ويتطلب ذلك تمكين من يحلون المشكلات ودعمهم.
ولهذا الغرض، يقوم عدد متزايد من الشركات بإنشاء فرق صغيرة متعددة التخصصات ومرنة، كل فريق مسؤول عن تقديم عرض رقمي أو مجموعة من الخدمات التي تُسهم في عرض معين، وعادةً، يحدد كل فريق أهدافه الخاصة ويحدد مقاييس النجاح بنفسه.
تُعد شركة سبوتيفاي، التي تقدم خدمة الموسيقا الرقمية، نموذجًا تحتذي به عديد من الشركات في مجال الفرق المُمكَّنة؛ إذ تعتمد الشركة التي تتخذ من ستوكهولم مقرًّا لها على فرق صغيرة تُسمى “فرق العمل” (Squads) لتقديم ميزات المنتجات والمكونات التجارية ذات الصلة، وتُجمّع فرق العمل في “قبائل” (Tribes) تقدم عروضًا وقدرات رئيسة مثل عروض الموسيقا عبر الإنترنت أو الخدمات الداعمة للفنانين أو المعلنين.
يعد مفهوم الإطلاق المستمر أمرًا أساسيًّا لفعالية الفرق المُمكَّنة. ففي سبوتيفاي، تقوم فرق العمل بإطلاق ميزات وعروض رقمية جديدة بمجرد أن تصبح قابلة للتطبيق بدلًا من الالتزام بمواعيد إصدار مجدولة، وتعتمد الابتكارات السريعة على قدرة الفرق على التعلم بسرعة مما ينجح وما لا ينجح. فالفرق المُمكَّنة تجري تجارب، وأفضل الفرق تتعلم كيف تستجيب بسرعة لنتائج تجاربها.
هذه الفرق لا تخاف الفشل، ففي الواقع، من الأمور الأساسية في مفهوم الفرق المُمكَّنة أنه عندما تفشل التجارب، لا يتحمل مديرو الشركة مسؤولية فرض كيفية إصلاح الأمور، وبدلًا من ذلك، يعملون بوصفهم مدربين، يطرحون الأسئلة ويستخرجون الفرضيات والنتائج المتوقعة.
التجارب الفاشلة ضرورية للتعلم، إذا عُدّ تصور كامل فاشلًا، يمكن حل الفريق وإعادة تعيين أعضائه لمبادرة جديدة، ويساعد ذلك على إبقاء تشكيل الفرق مرنًا. وعلى عكس الهياكل التنظيمية التقليدية، فإن التصميم القائم على الفرق المُمكَّنة يكون في حالة تغير مستمر.
الدور الحاسم للاصطفاف والتنظيم
تُسهِم الفرق المُمكَّنة بلا شك في الابتكار، وتضخ طاقة عالية في الشركات، ويكمن التحدي في ضمان توافق جهود الفرق الفردية لتحقيق الأهداف على مستوى الشركة ككل. وقد حدد بحثنا في مركز أبحاث نظم المعلومات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ثلاث آليات لتحقيق الاصطفاف: (1) المهام الواضحة، (2) مكونات الأعمال المشتركة، (3) تبادل المعرفة المثمر.
توفر المهام التوجيه، سواء على مستوى المؤسسة أو على مستوى الفريق الفردي، فعلى مستوى المؤسسة، تحدد رسالة أو رؤية واضحة أولويات المؤسسة بأكملها؛ فهي توجه جهود الابتكار لدى الفرق من خلال توضيح أهداف استثمارات الشركة في الموارد، وعلى مستوى الفريق، تحدّد بيانات المهمة كيف سيُسهم الفريق في تحقيق أهداف الشركة.
في سبوتيفاي، أخبرنا المديرون أن الشركة تحدد مجموعة صغيرة من “الرهانات الكبيرة” التي تحدد أولويات المؤسسة بناءً على قناعات يستخلصها المديرون من بياناتهم، وبعد ذلك، تحدد الفرق الفردية مهمات للمساعدة في تحقيق هذه الرهانات الكبيرة. على سبيل المثال، تتمثل مهمة قبيلة توصيل الموسيقا في “توفير وصول سريع وموثوق إلى جميع موسيقا العالم”، ومهمة قبيلة البنية التحتية هي “تمكين سرعة تطوير المنتجات مع الحفاظ على خدمة عالية التوافر”، إذ ستوجه المهمة الواضحة اختيار الفريق للمقاييس، بحيث يمكن للفريق بسهولة تتبع تقدمه في الإسهام في مهمة المؤسسة.
وللاستجابة للتغيرات في احتياجات العملاء أو ظروف السوق، يمكن للشركات إعادة تعريف المهمّات على مستوى المؤسسة أو الفريق الفردي. وإن إعادة صياغة المهمة تتيح للشركة تعديل أولوياتها دون الحاجة بالضرورة إلى تغييرات في الهياكل التنظيمية. ولضمان التوافق بين الفرق، تحتاج الشركات إلى تبني إعادة الاستخدام، إذ تسهّل المكونات التجارية القابلة لإعادة الاستخدام، مثل عمليات الانضمام، ولوحات المعلومات، وأنظمة الدفع، التكامل والسرعة، وتبني القدرات التجارية الجديدة على القدرات القائمة وتوفر الاتساق عبر العروض.
على سبيل المثال، تقوم شركة الإلكترونيات الهولندية فيليبس ببناء عروض رقمية لتمكين رعاية صحية سلسة لعملائها من المستشفيات وفقًا لرؤية “بناء غدٍ أكثر صحة”. ولدعم هذا الجهد، يقوم فريق منصة داخلي بمراجعة المقترحات جميعها للعروض الرقمية الجديدة لتمييز الاحتياجات التجارية الفريدة عن الاحتياجات الشائعة، ثم يضع الفريق خارطة طريق لضمان توفر المكونات التجارية الشائعة عند الحاجة.
المعايير التقنية ضرورية لإعادة استخدام المكونات التجارية؛ فالمعايير الخاصة بتطوير واجهات برمجة التطبيقات (API)، على سبيل المثال، تضمن أن تتعامل الفرق مع تطوير مكوناتها التجارية بحيث تكون مُمكّنة للواجهات البرمجية ومتاحة من خلال كتالوج الشركة لخدماتها الداخلية.
أخيرًا، تعتمد الفرق المُمكّنة على تبادل المعرفة لتنسيق أنشطتها ومشاركة خبراتها، ويبدو أنه عندما يتعلق الأمر بتبادل المعرفة، كلما استخدمت الشركة آليات أكثر، كان ذلك أفضل.
تعتمد سبوتيفاي على ما تسميه الفصول، والنقابات، والمدربين الرشيقين agile coaches، إذ يُعيَّن كل عضو في فريق سبوتيفاي في فصل، وعادةً ما يُنظم الفصل حول كفاءة واحدة مثل التصميم الجرافيكي أو تطوير الواجهات الخلفية back-end development. يلتقي أعضاء الفصل لمناقشة القضايا والأفكار المتعلقة بأدوارهم، مما يؤدي إلى قرارات تقنية أكثر اتساقًا، بينما تجمع النقابات الأشخاص ذوي الاهتمامات المشتركة لمشاركة أحدث الاكتشافات في مجالهم وتطوير مهارات متخصصة، ويمكن للمدربين الرشيقين الذين يسهلون ديناميكيات الفريق، أن يوصوا للفرق الأخرى بأفضل الممارسات التي لوحظت في أحد الأفرقة داخل الشركة.
تعتمد شركات أخرى على اجتماعات أسبوعية سريعة حيث تُبلغ الفرق بعضها -وأشخاصًا آخرين في الشركة- عن نتائج أعمالها وما تعلمته، وتوفر عديد من الشركات أدوات تعاون للتواصل داخل الشركات وعبرها، وقد صُمِّمت هذه الأدوات لتوفير الشفافية والابتعاد عن أساليب القيادة والسيطرة التي تحاول توزيع المعلومات فقط على أساس الحاجة إلى المعرفة. وعلى الرغم من أن المحاولات الأولية لتوفير الشفافية قد تؤدي إلى مخاوف بشأن فرط المعلومات، فإن الأشخاص في الفرق المُمكّنة يتعلمون في النهاية من هم الأشخاص والأدوات الأكثر قيمة، وبالتالي، إلى من وماذا يجب أن يوجهوا انتباههم أكثر.
تعلم كيفية هندسة عملك
لا تزال معظم الشركات تتعلم كيفية الهندسة لتحقيق الكفاءة، وللقيام بذلك، يجب عليها تصميم الأشخاص والعمليات والأنظمة والبيانات التي تفرض الانضباط على عملياتها الأساسية.
ومع تعلمها للهندسة من أجل الكفاءة، يجب على الشركات أيضًا أن تبدأ بتعلم كيفية الهندسة من أجل المرونة، وهذا يعني تصميم فرق مُمكّنة، إضافة إلى الأنظمة والبيانات والعمليات التي تضمن تزامن جهود الفرق الفردية، إذ ستسمح هذه الجهود في هندسة الأعمال في نهاية المطاف بالتسليم السريع لحلول العملاء المتكاملة.
عن المؤلف
جين روس هي باحثة رئيسة في مركز أبحاث نظم المعلومات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




