ترجمة: سمية القحطاني
يعد التقدم في العلوم والتقنية فرصة لحل المشكلات المعقدة، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز النمو الاقتصادي، ومع ذلك، فإنه يثير تساؤلات أخلاقية، وقد يؤدي تطبيق التقنيات دون دراسة كافية إلى عواقب غير متوقعة يصعب على الشركات التعامل معها.
على سبيل المثال، مكّنت تقنيات تعديل الحمض النووي البشري من تطوير علاجات طبية جديدة، لكنها تحمل مخاطر غير محسوبة. ففي عام 2018م، أقدم باحث صيني على تعديل المادة الوراثية لأجنة بشرية لمنحها مقاومة لفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، متجاهلًا القوانين والمعايير الأخلاقية، وما زال تأثير هذه التعديلات على الأجيال القادمة غير معروف.
فعدم دراسة العواقب المحتملة عند تطوير التقنية يؤدي إلى نتائج سلبية تؤثر على الشركات والعملاء والمجتمع؛ ففي عام 2024م، أطلقت شركة إير كندا روبوت محادثة يعتمد على الذكاء الاصطناعي لخدمة العملاء، لكنه قدّم معلومات خاطئة عن سياسة الشركة الخاصة بالحجوزات الطارئة، وعندما التزم العميل بهذه المعلومات وطُلب منه دفع تكاليف إضافية، رفضت الشركة تعويضه، ما أدى إلى رفع دعوى قضائية فاز بها العميل، ما أثر سلبًا على سمعة الشركة.
غالبًا ما يكون المبتكرون أسرع من الجهات التنظيمية في تطوير التقنيات الجديدة، ما يجعل من الصعب وضع قوانين واضحة لضبط استخدامها، وهنا يبرز التساؤل: كيف يمكنهم تحديد الوقت المناسب لإطلاق التقنية الجديدة إلى العالم ومتى يجب عليهم الانتظار؟
سألنا عددًا من المسؤولين التنفيذيين والمديرين العاملين في مجال استكشاف التقنية وتبنيها وتسويقها عن مدى اهتمامهم بتقييم الآثار السلبية المحتملة لابتكارات شركاتهم على صحة الإنسان ورفاهيته، وكذلك على البيئة والمجتمع.
وجدنا أن هناك نقصًا في وجود آليات واضحة ومنهجية لمعالجة هذه القضايا. ورغم أن بعض الممارسات تساعد الفرق على التفكير في الجوانب الأخلاقية عند تسويق التقنيات الجديدة، إلا أننا لاحظنا أن بعض السلوكات والأولويات داخل الشركات قد تجعل من الصعب التعرف إلى المخاطر المحتملة واتخاذ التدابير اللازمة للحد منها.
لماذا لا يتم تخصيص وقت كافٍ لدراسة المخاطر والعواقب؟
كشف بحثنا عن مشكلات شائعة في ثقافة الشركات وطرق عملها، والتي غالبًا ما تحد من قدرتها على دراسة كيفية تطوير التقنيات الجديدة ونشرها بشكل مسؤول.
من أبرز هذه المشكلات هي أن الأولويات التجارية تحظى بالاهتمام الأكبر؛ ففي المراحل الأولى من تطوير تقنية جديدة، تركز الشركات بشكل أساسي على كيفية استخدامها لتحقيق أهدافها السوقية والداخلية، مع مراعاة القيود المرتبطة بنموذج أعمالها. وعندما تصل إلى المراحل المتقدمة، يصبح التركيز منصبًّا على الامتثال للقوانين واللوائح التنظيمية، بدلًا من التفكير في المخاطر المحتملة التي قد لا تكون القوانين قد عالجتها بعد. كما أن الشركات نادرًا ما تفكر مسبقًا في الاستخدامات غير الأخلاقية لهذه التقنيات وتأثيراتها على المجتمع أو كيفية التعامل معها.
علاوة على ذلك، لم يذكر أي من المديرين الذين شملهم الاستطلاع وجود نهج واضح أو منهجي يُطلب منهم اتباعه لدراسة تأثيرات التقنية الجديدة قبل طرحها في السوق، وأوضحوا أنهم لا يحصلون على توجيه أو تشجيع كافٍ للنظر في الجوانب الأخلاقية للمنتجات التي يعملون على تطويرها.
أوضح المشاركون في الدراسة أنهم يواجهون صعوبات في الموازنة بين الامتثال للقوانين، وتحقيق الأرباح المالية، والحفاظ على سمعة الشركة، إلى جانب التزاماتهم الأخلاقية الشخصية، دون وجود توجيه رسمي واضح يساعدهم في اتخاذ القرارات. كما أشار المهندسون ومديرو المنتجات إلى شعورهم بضغط كبير للاستمرار في تنفيذ مشاريعهم بسرعة، إذ نادرًا ما تتاح لهم فرصة التوقف والتفكير بعد بدء عمليات التسويق التجاري.
في الواقع، الأشخاص الذين شعروا بالقدرة على التعبير عن مخاوفهم بشأن طريقة تعامل شركاتهم مع التكنولوجيا، أو معايير الصناعة المتعلقة بتسويقها، كانوا غالبًا يعملون في مراحل مبكرة مثل استكشاف التقنية أو الاستثمار، عندما تكون الشركة لا تزال تقيّم خياراتها.
وأحد الذين تحدثنا معهم كان مديرًا سابقًا لتطوير المنتجات في شركة طاقة تعمل على تطوير مصدر للطاقة النووية، وأوضح أنه كلما تعمق في دراسة التكاليف البيئية لاستخراج اليورانيوم لتشغيل المفاعلات النووية والتخلص من النفايات النووية، أدرك أن الطاقة النووية ليست صديقة للبيئة كما كان يعتقد.
ومع ذلك، كانت الشركة تروج للمشروع على أنه جزء من برنامج للطاقة النظيفة، لكنها تجاهلت إدراج تأثيرات تعدين اليورانيوم ضمن تقاريرها عن الاستدامة. شعر هذا المدير بأن الشركة كانت تضلل الجمهور، لكنه لم يرَ أن من مسؤوليته إثارة هذه القضية، وقال: “لم يكن هذا جزءًا من عملي.”
بسبب غياب نهج منهجي لتقييم التقنية الجديدة، نادرًا ما يتم إشراك وجهات نظر الأطراف الخارجية. وأشار بعض المشاركين إلى ألا يُنظر لغير المتخصصين على امتلاك المعرفة الكافية حول الجوانب العلمية أو التقنية، فيما قد يتعمد بعض قادة الأعمال تجنب مثل هذه المشاورات.
أعرب أحد المستثمرين الجريئين عن تعرض شركته الواقعة في أوروبا لانتقادات من منظمة غير ربحية بسبب عملها في مجال الأغذية المعدلة وراثيًّا، وأوضح أنّ لدى المستهلكين الأوروبيين والجهات التنظيمية باعًا طويلًا في معارضة هذا النوع من التقنيات.
وخوفًا من الدخول في جدل سياسي قد يعرقل تقدمهم، قرر مديرو الشركة عدم التواصل مع المنظمة خلال مرحلة تطوير المنتج، وبدلًا من ذلك، طرحوا المنتج مباشرة في السوق، لكنهم واجهوا اعتراضات واسعة من الجمهور، ما أجبرهم في النهاية على سحبه من الأسواق.
لا يعني ذلك أن الشركات لا تفكر في المخاطر، ولكنها غالبًا ما تركز أكثر على تحويل المسؤولية إلى أطراف أخرى بدلًا من العمل على تجنب الأضرار تمامًا. على سبيل المثال، قامت إحدى الشركات التي درسناها بتقليل مخاطرها عبر إنشاء شركات فرعية منفصلة تكون مسؤولة عن تطوير التقنيات الجديدة، بينما فضّلت شركات أخرى أن يكون لها دور مراقب في مجالس إدارة الشركات الناشئة، ما يمنحها القدرة على التأثير في القرارات دون أن تتحمل مسؤولية قانونية عن أي مشكلات غير متوقعة قد تنشأ.
في بعض الحالات، تُشكل الشركات لجانًا لتقديم المشورة بشأن قيود المنتجات الجديدة وكيفية استقبالها في السوق، لكن وفقًا للمشاركين في دراستنا، تركز هذه اللجان غالبًا على إدارة المخاطر، مثل ضمان الامتثال للوائح، والتأكد من ملاءمة الحملات التسويقية، والحفاظ على انسجام المنتجات مع رؤية الشركة وأهدافها.
ورغم أن هذه الأساليب تساعد في تطوير المنتجات وتحقيق الأرباح، فإنها لا تحمي الشركات من المشكلات غير المتوقعة التي لم يتم التفكير فيها مسبقًا. ففي كثير من الأحيان، تُترك القرارات الأخلاقية المتعلقة باستخدام التقنية الجديدة للأفراد دون وجود توجيهات واضحة، لكن في النهاية، إذا تسببت هذه القرارات في ضرر واسع النطاق، فإن الشركة نفسها ستكون المتضرر الأكبر.
إطار عمل للابتكار المسؤول
يمكن للشركات تحقيق الأرباح من الابتكار وفي الوقت نفسه نشر التقنيات الجديدة بشكل مسؤول، وذلك إذا اعتمد قادة الأعمال نهجًا ثابتًا لتقييم التطبيقات المقترحة. لقد أنشأنا هيكلًا لهذا الغرض مستندًا إلى إطار البحث والابتكار المسؤول (RRI)، وهو مجموعة من المبادئ التي تهدف إلى مواءمة عملية البحث العلمي ونتائجها مع القيم والاحتياجات والتوقعات المجتمعية.
ظهر هذا الإطار نتيجة مناقشات بين علماء الاجتماع حول المخاوف الأخلاقية المتعلقة بالأبحاث الجينية في بداية القرن، ويهدف إلى الحد من المخاطر الاجتماعية المرتبطة بالتقدم العلمي والتقني.
يرتكز إطار البحث والابتكار المسؤول (RRI) على أربعة مبادئ أساسية، هي: التوقع، والتأمل الذاتي، والشمولية، والاستجابة. ولكي نجعل هذا الإطار أكثر ملاءمة للأنشطة التجارية، قمنا بتطوير إطار الابتكار والتسويق المسؤول (RIC)، إذ أعدنا تعريف هذه المبادئ بحيث تتماشى مع الممارسات التجارية، كما قمنا بتوضيح الإجراءات والنتائج التي تدعم كل مبدأ، إلى جانب معالجة أوجه القصور في ممارسات الأعمال الحالية.
تعكس توصياتنا تجارب المسؤولين التنفيذيين والمديرين الذين قابلناهم، بالإضافة إلى رؤاهم حول التحسينات التي يرغبون في إدخالها على عمليات الابتكار في شركاتهم. دعونا نستعرض هذه المبادئ في إطار الابتكار والتسويق المسؤول (RIC) وكيفية تطبيقها بمزيد من التفصيل.
التوقع
هو عملية التفكير في النتائج المستقبلية المحتملة عند تطوير التقنيات الجديدة، وهو عنصر أساسي يساعد الشركات على إدارة المخاطر والتحديات الأخلاقية بشكل استباقي. فعندما يتم تطبيقه بشكل منظم، فإنه يوفر قائمة شاملة بالاستخدامات المحتملة لأي تقنية، مع تحليل العواقب الإيجابية والسلبية لكل منها، بالإضافة إلى طرق تقليل المخاطر أو منعها تمامًا.
هذا النهج يمنح قادة الأعمال رؤية أوضح حول ما إذا كان الاستثمار في تقنية ناشئة يستحق المخاطرة، كما يساعدهم في إدارة علاقتهم مع الشركاء والمستثمرين في مجال الابتكار.
يعتمد التوقع على الحوار مع خبراء موثوقين لديهم معرفة واسعة في مجالاتهم، وهنا يأتي دور مستكشفي التقنية ومديري رأس المال الاستثماري للشركات (CVC)، الذين غالبًا ما تكون لديهم خبرات متخصصة لم يتم استغلالها بالشكل الكافي. إذ أظهرت مقابلاتنا مع بعضهم أنهم يتمتعون بفضول علمي عالٍ وخبرات عميقة، بما في ذلك درجات أستاذية في مجالاتهم، ما يساعدهم في تقييم المخاطر المحتملة بدقة أكبر.
على سبيل المثال، تحدث أحد مديري رأس المال الاستثماري للشركات (CVC) عن مشروع كان يدرسه للاستثمار في شركة ناشئة طورت ميكروب قادرًا على إزالة المواد الكيميائية السامة من البيئة، لكن بعض أعضاء الفريق العلمي أثاروا أسئلة مهمة: ماذا لو انتشر هذا الميكروب عن طريق الخطأ؟ هل يمكن أن يؤثر سلبًا على التوازن البيئي ويسيطر على المستعمرات الميكروبية الطبيعية؟
بسبب هذه المخاوف، قررت الشركة عدم الاستثمار في المشروع، لأنها لم تكن مقتنعة بأنه يمكن توظيف التقنية بأمان دون مخاطر بيئية.
يمكن للمديرين اتخاذ قرارات أكثر وعيًا من خلال الاسترشاد بأهداف وقيم مؤسساتهم؛ على سبيل المثال، ذكر أحد المستثمرين الجريئين للشركات (CVC) موقفًا واجهه عندما اكتشف شركة ناشئة تمتلك تقنية مبتكرة، لكنها تضمنت بعض الاستخدامات التي قد تكون محل جدل أخلاقي.
ولمعالجة الأمر، لجأ إلى لجنة الأخلاقيات في شركته، والتي تعد مصدرًا مهمًّا للاستشارة والتوجيه، فقامت اللجنة بتوضيح المجالات التي ترغب الشركة في الاستثمار فيها، والمجالات التي تعدّها غير مناسبة.
ناقشوا معًا الجوانب غير الواضحة، وطرحوا تساؤلات حول مهمة الشركة الناشئة وكيفية تأثير الشراكة معها على سمعة الشركة ومدى توافقها مع مبادئها الأخلاقية. وفي النهاية، قررت لجنة الأخلاقيات أن الاستثمار يمكن أن يكون مقبولًا ضمن شروط محددة، وأوصت المدير بمتابعة هذه الشروط باستمرار أثناء تقييمه للفرصة الاستثمارية.
خطوات تطبيق التوقع (Anticipation) بشكل فعال:
- تحليل جميع الاستخدامات المحتملة للتقنية:
- التفكير بشكل شامل في جميع الطرق التي يمكن استخدام التقنية بها، سواء أكانت إيجابية أم سلبية.
- تقييم تأثير كل استخدام على الأطراف المعنية والمجتمع، وتحديد العواقب المحتملة لكل منها.
- الاستعانة بالخبراء والمستشارين:
- تحديد المتخصصين الذين يمكنهم تقديم رؤية واضحة حول المخاطر المحتملة لاستخدام التقنية.
- التأكد من مدى قدرة الشركة على التحكم في مسار تطوير التقنية والتأثير عليه بشكل إيجابي.
- تقييم مستقبل التقنية ومدى توافقها مع أهداف الشركة:
- جمع وتحليل المعلومات حول مسار تطور التقنية في المستقبل.
- قياس مدى توافقها مع رؤية الشركة وقيمها وأهدافها الاستراتيجية.
- وضع ضوابط مبكرة واتخاذ قرار سريع بالاستمرار أو الانسحاب لتفادي المخاطر المستقبلية.
التأمل الذاتي: فهم التحيزات والافتراضات الشخصية
عندما يبدأ المديرون في التساؤل عن المعلومات التي يعتمدون عليها وكيفية حصولهم عليها، يدركون أن وجهات نظرهم حول المخاطر والقرارات الأخلاقية قد تكون محدودة، فكل مجال عمل أو مهنة أو مؤسسة لديها معتقدات وقيم تؤثر في طريقة اتخاذ القرارات.
تساعد عمليات التأمل الذاتي (Reflexivity) الموظفين والمديرين على مراجعة هذه المعايير والتساؤل عنها بحرّيّة، دون خوف من العواقب السلبية على وظائفهم أو مستقبلهم المهني، ما يعزز بيئة أكثر وعيًا ومسؤولية في صنع القرار.
يساعد هذا النهج في خلق بيئة عمل تتيح للجميع فرصة التعبير عن مخاوفهم، ومناقشة النتائج المحتملة، والتأكد من أن المشاريع تتماشى مع أهداف الشركة وتخدم المجتمع. ومن خلال هذا التفكير النقدي، يمكن تعديل الممارسات الحالية أو اكتشاف أن بعض المعايير الصناعية لا تتوافق مع قيم الشركة وطموحاتها.
على سبيل المثال، كان أحد المستثمرين الجريئين للشركات في شركة كيميائية عالمية يعتقد أنه وجد حلًّا لمشكلة تحلل البلاستيك في المحيطات، إذ طورت شركة ناشئة مادة مضافة للبلاستيك تلبي المعايير الصناعية، ولكن تبين أن هذه المعايير تسمح بترك 30% من النفايات البلاستيكية في قاع المحيط دون أن تتحلل، ما يثير تساؤلات حول فاعليتها الحقيقية في حماية البيئة.
قرر المدير رفض هذه الفرصة الاستثمارية، موضحًا: “كيف سيؤثر ذلك على سمعتنا إذا تسببنا في الإضرار بالمحيط ونحن على دراية بذلك؟”. توقفه للتساؤل حول معايير الصناعة بدلًا من قبولها كما هي، ومقارنتها بالقيم الأخلاقية لشركته، ساعد في اتخاذ قرار أكثر مسؤولية.
في حالة أخرى، حيث لم يكن نطاق التقنية الجديدة واضحًا تمامًا، تم تشكيل لجنة استشارية ضمت خبراء من الموظفين بالإضافة إلى مختص في الأخلاقيات، لتكون بمنزلة مرجع لاتخاذ القرار. ركزت اللجنة على إدارة المخاطر، وضمان الامتثال للّوائح، وتقييم مدى تقبل الجمهور للتقنية، مع تذكير المديرين بأهداف الشركة الأساسية.
يمكن للجان الاستشارية مثل هذه أن توفر آلية دعم داخل المنظمة، حيث تساعد المديرين في اتخاذ قرارات صعبة بشأن دعم تقنيات جديدة، ومدى توافقها مع قيم الشركة ورسالتها.
خطوات تطبيق التأمل الذاتي (Reflexivity):
- تعزيز وعي الفريق برسالة الشركة وأهدافها:
- تأكد من أن الجميع يدرك رؤية الشركة وأهدافها لضمان أن القرارات المتعلقة بتسويق التقنية الجديدة تتماشى معها.
- عند مناقشة التقنية ونموذج العمل، حدد كيف سيتم قياس تأثيرها، مثل تحسين جودة الحياة، أو تقليل التكاليف، أو الحد من النفايات.
- توفير بيئة آمنة للنقاش واتخاذ القرارات:
- تأكد من أن ثقافة الشركة تسمح للموظفين بالتعبير عن مخاوفهم بحرية وتحمل المسؤولية عند مناقشة تأثير المشروع على الشركة أو المجتمع.
- قم بإشراك الموظفين في المناقشات التي تؤدي إلى اتخاذ قرارات بشأن الاستمرار في المشروع أو إيقافه.
- إذا لم تكن بيئة العمل داعمة لطرح الأسئلة والتحديات الداخلية، وفر آلية آمنة تتيح للفريق التعبير عن مخاوفهم.
- التأكد من عدم وجود تحيزات في التقييم:
- يجب على الفريق والإدارة مراجعة المعايير الصناعية والمهنية والسياسات الداخلية التي قد تؤثر على تقييمهم للتقنية.
- تدريب المسؤولين على اتخاذ القرارات:
- قم بتدريب أعضاء لجان الحوكمة والمديرين المسؤولين عن اتخاذ القرارات على المبادئ الأخلاقية وأولويات الشركة.
- تأكد من أنهم مجهزون بالأدوات والمعرفة لاتخاذ قرارات مسؤولة تتماشى مع قيم الشركة.
الإدماج: ما رأي أصحاب المصلحة؟
إشراك أصحاب المصلحة في عملية اتخاذ القرار أمر ضروري لتجنب الاعتماد على افتراضات قادة الأعمال وحدهم حول التقنية واستخداماتها.
يسهم هذا النهج في تعزيز الشفافية والثقة داخل المؤسسة، كما يساعد في بناء علاقات قوية تدعم قبول المجتمع لأنشطة الشركة، ومع ذلك، لا تعني الشمولية ضرورة تحقيق إجماع بين جميع الأطراف، بل تهدف إلى ضمان النظر في القرارات من زوايا متعددة.
ليس من الضروري استشارة جميع الأشخاص ذوي الرأي، بل يجب التركيز على الفئات الأكثر ارتباطًا بالتقنية المعنية، وقد يشمل ذلك العلماء، والمنظمات غير الربحية، والجمعيات المهنية، والمتطوعين، والسلطات المحلية، والمنافسين، والمستخدمين النهائيين، والموردين، والخبراء في المجالات ذات الصلة.
تساعد هذه المناقشات على تحقيق فهم أعمق للتقنية، بما في ذلك المشكلات التي يمكن أن تحلها، والمخاطر المحتملة التي قد تنشأ عن استخدامها.
عند تطبيق الشمولية بشكل صحيح، تستطيع الشركات فهم التأثيرات المحتملة لتقنياتها على مختلف الأطراف المعنية، ما يمنحها القدرة على تعديل استراتيجياتها التجارية عند الحاجة.
على سبيل المثال، في السابق، قررت مجموعة من المستثمرين الجريئين للشركات (CVC) عدم إشراك المنظمات المدافعة عن القضايا العامة في مناقشاتها حول الأغذية المعدلة وراثيًّا، لكنها أدركت لاحقًا أهمية التواصل مع هذه الجهات، وأصبحت تتعاون معها بانتظام لفهم المخاوف المرتبطة بالتقنيات الناشئة، والتحقق من صحتها علميًّا، ومشاركة نتائج أبحاثها بشفافية.
ساعد هذا النهج الشركة على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا واستدامة، وأوضح أحد المصادر أن هذا الأسلوب، رغم أنه مكلف ويستغرق وقتًا طويلًا، وقد يثير جدلًا سياسيًّا، فإنه كشف عن مشكلات تقنية دفعت الشركة إلى التخلي عن بعض المنتجات وإعادة توجيه جهودها نحو خيارات أفضل.
علاوة على ذلك، أدى هذا النهج إلى تقليل النزاعات المحتملة التي قد تضر بثقة الجمهور، ما ساعد الشركة في الحفاظ على سمعتها وتعزيز استقرارها في السوق.
خطوات تحقيق الشمولية:
- تحديد الأطراف المعنية بالتأثيرات المحتملة:
- حدد جميع الجهات التي قد تتأثر بتسويق التقنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
- راجع القائمة لضمان شمولها لمجموعة متنوعة من أصحاب المصلحة.
- إشراك ممثلين من كل فئة معنية:
- قم بدعوة ممثلين من المجموعات المحددة للمشاركة في مناقشات حول التأثيرات المحتملة للتقنية والسيناريوهات البديلة.
- الهدف هو ضمان فهم شامل للعواقب التي قد تواجهها هذه الأطراف.
- بناء وتعزيز ثقة الجمهور
- قم بقياس مستوى ثقة الجمهور بالشركة خلال مراحل تطوير التقنية.
- فكر في إنشاء لجنة استشارية تضم ممثلين عن الأطراف الخارجية للمساعدة في بناء الثقة وتعزيزها مع تقدم عملية اتخاذ القرار.
تحمل المسؤولية والاستجابة للعواقب
حتى مع اتباع نهج استباقي يعتمد على التوقع والتأمل الذاتي والشمولية، قد تواجه الشركات عواقب غير متوقعة عند طرح تقنيات جديدة؛ لذلك، من الضروري أن يكون صناع القرار مستعدين لتحمل المسؤولية عن تأثيرات التقنية، واتخاذ إجراءات فورية لحل أي مشكلات قد تظهر عند استخدامها فعليًّا.
في بعض الحالات، تقوم الشركات بإجراء تجارب صغيرة قبل إطلاق التقنية، لاختبار أي آثار غير متوقعة قد تحدث.
على سبيل المثال، طورت إحدى الشركات تقنية المواد النانوية لاستخدامها في تعديل الأسطح، وكان أحد تطبيقاتها الأولية عبارة عن رذاذ لتنظيف الأسطح.
نظرًا لوجود تقارير إعلامية تحذر من مخاطر محتملة لاستنشاق جزيئات النانو، قررت الشركة التحقق من صحة هذه الادعاءات من خلال مراجعة الأبحاث العلمية، وأظهرت النتائج الأولية أن الاستنشاق قد يشكل خطرًا حقيقيًّا، ما دفع الشركة إلى إعادة النظر في استخدام التقنية والتوجه نحو تطبيقات أخرى أكثر أمانًا.
عند مواجهة تحديات غير متوقعة، يتطلب الأمر إجراء تعديلات أو إعادة توجيه استراتيجية العمل، وهو ما يستدعي التعلم من التجارب السابقة، والتكيف مع المتغيرات، والاستفادة من آراء أصحاب المصلحة.
يمكن للمديرين مناقشة أفضل السبل للتكيف من خلال تحليل المخاطر والفرص علميًّا، ثم التشاور مع أصحاب المصلحة لمعرفة مدى تقبل المجتمع للتقنية الجديدة والتحديات المحتملة المرتبطة بها.
يعزز هذا النهج تطوير حلول أكثر استدامة تضمن أن يكون المنتج النهائي مفيدًا لجميع الأطراف المعنية، وفي بعض الحالات، فإن التوازن المبكر بين الفوائد والمخاطر قد يؤدي إلى وضع معايير تنظيمية جديدة، بل وقد يمنح الشركة ميزة تنافسية من خلال تبني هذه المعايير كسابقة في السوق.
تُظهر الشركات التي تستجيب بسرعة وشفافية عند حدوث مشكلات غير متوقعة قدرة عالية على بناء ثقة الجمهور، ما يسهم في الحفاظ على ولاء العملاء وجذب المزيد من المستخدمين على المدى الطويل.
في المقابل، تعاني بعض المؤسسات من ضعف في نقل المعرفة بين المشاريع، ما يحدّ من قدرة الفرق على التكيف مع التغيّرات. وفي مثل هذه الحالات، يصبح التخلص من الممارسات القديمة ضروريًّا لتعزيز المرونة ودعم التطوير المستمر.
وقد عبّر أحد المشاركين في المقابلات عن هذه الإشكالية بقوله:
“ليتنا نمتلك منهجية واضحة لا تقتصر على التعلم فحسب، بل تشمل أيضًا التخلي عن العادات والممارسات غير الفاعلة. نحن بارعون في اكتساب المعرفة ونشاركها بدرجة معينة، لكننا ما زلنا بعيدين عن تطبيق مفهوم التعلم المستمر. نعقد عروضًا دورية كل أسبوعين، واجتماعات شهرية، ونوثق الدروس المستفادة، لكن لا يوجد نظام يلزمنا بالعودة لتلك الدروس وتوظيفها مستقبلًا.”
تؤثر القدرة على الاستجابة بشكل مباشر على كيفية توزيع الموارد وإعادة تخصيصها، إذ تتطلب تحقيق توازن بين تحقيق الأرباح قصيرة المدى والتعامل مع العواقب المحتملة على بعض الأطراف المعنية.
على سبيل المثال، ذكر أحد المديرين أنهم كانوا يعملون على دمج تقنية جديدة في منصة إلكترونية لخدمة العملاء، ورغم إدراك الفريق لوجود مشكلة تقنية في النظام، فإن الضغط للالتزام بالجدول الزمني وتحقيق الأهداف المالية جعل من الصعب تأجيل الإطلاق لمعالجة المشكلة.
أدرك الفريق أن قراره كان تنازليًّا بين المضي قدمًا وتحمل العواقب المستقبلية، أو تأخير الإطلاق لإصلاح الخطأ مسبقًا، ومع ذلك، كانوا على دراية بأن المضي قدمًا دون إصلاح الخلل قد يؤدي إلى تكلفة أعلى في المستقبل مقارنة بمعالجته في الوقت المناسب.
بالإضافة إلى ذلك، أقر العديد من المستثمرين الجريئين بأن شركاتهم مسؤولة عن العواقب السلبية التي قد تنتج عن التقنيات التي يطرحونها، حتى لو لم تكن المسؤولية القانونية تقع عليهم مباشرة.
وكما عبر أحد المديرين عن ذلك بقوله:
“نحن من يتحمل المخاطر، وليس مطور التقنية.”
“المسؤولية تقع علينا بالكامل، وعلينا أن نتحمل تبعاتها.”
خطوات تطبيق مبدأ الاستجابة
اختبار السوق قبل إطلاق المنتج:
- قم بإجراء اختبارات أولية مع شرائح محددة من الجمهور لاكتشاف أي آثار سلبية محتملة قبل الإطلاق الرسمي.
- إذا كانت هناك مخاطر واضحة على بعض الفئات، اتخذ تدابير استباقية لمعالجتها قبل أن تتحول إلى مشكلة.
مراقبة المشكلات والتعامل معها مبكرًا:
- ضع أنظمة مراقبة للكشف عن أي عواقب غير متوقعة بمجرد ظهورها.
- استفد من أصحاب المصلحة الذين تم إشراكهم مسبقًا ليكونوا بمنزلة مراقبين، إذ يمكنهم تنبيه الإدارة لأي مخاطر محتملة تتعلق باستخدام التقنية.
- ضع إرشادات واضحة تحدد الحد الأقصى للمخاطر أو العواقب غير المقصودة التي يمكن للشركة قبولها.
مشاركة الدروس المستفادة:
- أنشئ آليات لمشاركة التجارب السابقة بين الفرق المختلفة لضمان التعلم من النجاحات والأخطاء السابقة.
- اعتمد نهجًا يساعد على التخلص من الممارسات القديمة غير الفعالة واستبدالها بطرق أكثر كفاءة.
تحمل المسؤولية والاستعداد لمواجهة المخاطر:
- اعترف بأن الشركة تتحمل المسؤولية عن أي عواقب سلبية قد تنجم عن التقنية.
- ضع خططًا بديلة وميزانية للطوارئ، بما في ذلك خيار إيقاف المنتج وسحبه من السوق إذا لزم الأمر، لضمان عدم تفاقم أي مشكلة قد تؤثر على المستخدمين أو سمعة الشركة.
تنفيذ الابتكار المسؤول في الواقع العملي:
مبادئ التوقع، والتأمل الذاتي، والشمولية، والاستجابة؛ ليست خطوات متتابعة في عملية تطوير المنتج، بل يمكن أن تظهر في أي مرحلة عند اكتشاف معلومات جديدة حول التقنية أو الابتكار. ولضمان دمج هذه المبادئ بشكل فعال في عملية الابتكار، يجب أن تكون الشركات مستعدة للتكيف والتغيير، وأحيانًا إبطاء سير العمل لمواجهة الأسئلة الصعبة واتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
لكن هناك بعض التحديات التي قد تعيق تبني إطار الابتكار المسؤول (RIC)، ومنها:
- الضغوط التنافسية التي تدفع الشركات إلى التركيز على تحقيق الأرباح بسرعة على حساب المسؤولية الاجتماعية.
- عدم وضوح رؤية الشركة وقيمها، ما قد يؤدي إلى خلافات حول المبادئ الأخلاقية.
- نقص الموارد اللازمة لدعم الابتكار المسؤول على مستوى المؤسسة بالكامل.
ورغم أن الالتزام بهذه المبادئ يجب أن يأتي من القيادة العليا، فإنه يمكن لأي مدير في أي مستوى أن يبدأ بتطبيق إطار RIC داخل فريقه، حتى لو كان من الصعب اعتماده على نطاق أوسع داخل الشركة.
عندما يستخدم المديرون الأسئلة الواردة سابقًا لتقييم المشاريع وفتح النقاش حول تأثيراتها، فإنهم يساعدون في نشر ثقافة الابتكار المسؤول داخل المؤسسة، ومع مرور الوقت، ومع تحقيق نتائج ملموسة، قد تتوسع هذه المبادئ لتصبح جزءًا من سياسات الشركة الرسمية.
في الواقع، أحد المديرين الذين قابلناهم تمت ترقيته لاحقًا إلى منصب قيادي، حيث بدأ في تطبيق مبادئ الابتكار المسؤول على نطاق أوسع داخل منظمته، ما يعكس تأثير هذه المبادئ في تطوير بيئة أعمال أكثر وعيًا ومسؤولية.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




