في العلاقات الإنسانية هناك ستارة شفافة تحجب الرأي الحقيقي في الطرف الآخر، وعندما تزاح تلك الستارة تتكشف نظرة الأصدقاء المجردة لأصدقائهم، وتتبدى المشاعر المدفونة، وتتجلى التباينات في الرؤية المختلفة للأشياء. وفي فيلم “The Banshees of Inisherin” عندما قرر “كولم” التخلي عن صداقة بادريك، اتضحت صورة كل منهما عند الآخر، فالأول موسيقي هاوٍ يتوهم بأنه قد يصنع ألحانًا يخلدها التاريخ والآخر “بادريك” شخص ثرثار وممل ولا يملك أي ميزة شخصية.
ربما لم يعد يحبك
عندما اقترب الوقت من الساعة الثانية مساءً ذهب ” بادريك” صوب منزل صديقه “كولم” لكي يصحبه إلى الحانة. كان يمشي بخطوات نشطة وبملامح مرحة ويتبادل الابتسامات والتحايا مع من يصادفهم في الطريق. ذلك الابتهاج الذي كان يغمر ” بادريك” بسبب لقائه اليومي المعتاد مع ذلك الصديق الحميم، وعندما وصل المنزل داعب الكلب كصديق، ثم طرق الباب ونادى باسم صديقه لكن لم يجبه أحد. لم ييأس لأنه كان على يقين بوجود كولم في المنزل فذهب إلى النافذة ورآه يجلس صامتًا ويدخن، عندها دُهش بادريك من صمت صديقه ولم يسأله لماذا لا يجيب ولم يسأله عن حاله بل خاطبه مباشرة: إنها الساعة الثانية! وكأن ذلك الوقت مقدس وعليهم الذهاب إلى الحانة فورا، لكن كولم ظل على صمته وهو يدخن متجاهلًا بادريك الذي ظن أن كولم يمازحه بذلك الصمت فقال: “سأراك هناك” ويعني بأنه سيذهب إلى الحانة ولكنهك لم يذهب إليها؛ إذ مشى عدة خطوات والتفت إلى منزل كولم بنظرات رجل متوجس من هذا التجاهل ثم عاد بخطوات ثقيلة وملامح حزينة وبخاطر مكسور إلى منزله. بادريك لم يقدر على الذهاب وحيدًا إلى الحانة، لقد كانت تلك أولى كذبات بادريك الصغيرة. عندما وصل إلى المنزل دُهشت أخته من وجوده وقالت له: “ماذا تفعل هنا؟”، لقد اعتادت أن تراه في ذلك الوقت مع صديقه في الحانة، وحينما أخبرها بادريك بأن كولم لم يرد على ندائه، قالت: ماذا كان يفعل؟ هل كان نائما؟ فقال: لا شيء! إنه يدخن. لقد كان بادريك خجلًا وهو يجيب على سؤال أخته عن صديقه الذي تجاهله. وعندما سألته مرة أخرى: هل تشاجرتما؟ أجابها بالنفي، ثم قالت: ربما لم يعد يحبك. لقد قالتها مازحةً وبابتسامة لئيمة، ولأنها تعرف شخصية أخيها تنبأت بالمشكلة التي سوف تخلق معاناة بادريك طوال مدة الفيلم.
لم تقل شيئًا، لم تفعل أي شيء
استغرب عامل الحانة عند دخول بادريك الحانة وحيدًا، فقد اعتاد على رؤيته مع كولم، فسأله باستغراب: أين هو؟ ألم تطرق عليه الباب؟ فأجابه بأنه قد طرق الباب ولكنه لم يجب. فقال: هل تشاجرتما؟ فأجابه بالنفي. لقد كان سؤال أخته وسؤال عامل الحانة عن المشاجرة يُقابَلُ بالاستغراب من بادريك؛ فهو لا يتصور أنه قد يتشاجر مع ذلك الصديق الذي يعده الصديق الأبدي في حياته.
وفي المرة الأخرى عندما وجد كولم في الحانة فرح وظن أنه سيحادث صديقه كالمعتاد، لكن كولم أشار إليه أن يجلس في مكان بعيدٍ عنه، فطلب من صديقه إيضاح سبب هذه الجفوة الطارئة! بل إنه قال: “إذا فعلتُ شيئًا فسوف أعتذر وإن قلت شيئًا سيئًا عنك وأنا في حالة سكر فسوف أعتذر. فقط توقف عن الهروب مني مثل تلميذ أحمق متقلب المزاج”. فأجابه كولم: “لكنك لم تقل شيئًا، لم تفعل أي شيء”. وهنا فرح بادريك وقال هذا ما توقعته، لكن كولم فاجأه بإجابة صادمة: “أنا فقط لا أحبك الآن”، فقال بادريك الذي تألم وتوجع من إجابة صديقه، قال منكسرا: “أنت تحبني. أنت أحببتني بالأمس”. صمت كولم وتركه وغادر المكان، ترك بادريك لفجيعته، للشيء الذي لم يتوقعه في حياته، أن يتخلى كولم عن صداقته.
النضال من أجل استعادة الصداقة
بادريك الرجل الذي يقترب من نهاية الأربعينيات ولم يتزوج ويعيش مع أخته شيبون،الرجل الذي يهتم بمواشيه فقط ولا يملك أي نوع من الهوايات وليس له اهتمامات في أي شيء، حتى أخبار الحرب الأهلية لا يهتم بها؛ فعندما سمع طلقات النار قال: “حظًّا سعيدًا، أيًّا كان ما تقاتل لأجله”، وعندما قرر صديقه كولم الابتعاد عنه وجد نفسه وحيدا، فهو لم يكن يتصور أن لهذه العلاقة نهاية، وأيضا لم يكن قد أوجد في حياته بدائل للوقت الذي يقضيه مع كولم؛ لهذا لم تكن أزمته في فقد كولم كشخص فقط، فقد كانت أزمته -أيضًا- في البدائل الممكنة. فلقاؤه اليومي بكولم كان يشغل ذلك الوقت الذي يمضيه في الشرب وفي الثرثرة عن تفاصيل الحياة اليومية. لهذا قرر النضال من أجل استعادة ذلك الصديق. وهذا النضال من أجل استعادة الصداقة كلف بادريك جهدا نفسيًا لا حد له. فقد تكشفت له ملامح لأشياء لم يكن يشعر بها، وأحس بمشاعر لم يكن قد فكر فيها. فلمّا جلس في المنزل وحيدا كخيار بديل عن رفقة كولم قالت أخته شيبون والتي كانت تستضيف العجوز ماكورفيك: “اذهب إلى الحانة إن كنت ستزعجنا”. وهذه إشارة إلى شخصية بادريك المملة والتي لا تحتمل. وعندما دخل الحانة وجد كولم محاطًا بالنساء وغارقًا معهن في عزف الموسيقى فقال عامل الحانة: “إن النساء يحببن كولم”. بادريك نفى بعصبية طفل هذه الحظوة النسائية لكولم وقال بصوت رجل غيور: “هذا ليس صحيحا”.
ظن بادريك أنه وجد في المراهق دومنيك شخصا قد يكون مناسبا لأن يقضي معه وقتًا في الثرثرة عن الحياة وعن الحرب الأهلية التي لا يهتم بها، لكنه رأى أن المراهق المولع بالنساء يخوض حوارات ويطرح أسئلة مستفزة، ومع هذا حاول أن يحتمله لكي -على الأقل- يسمع شكواه من كولم، فقال لدومينيك: ما خطبه هل سمع أنباء سيئة؟ فانفعلدومينيك وهو يراه يكرر الحديث عن كولم وأخبره: “سأغادر إذا كررت التذمر من هذا البدين مرة أخرى”. لقد أصبح بادريك يعيش معاناة مزدوجة؛ فقْدُ صديقه و فقْدُ التعاطف مع قضيته. لم يجد من ينصت له حتى العجوز ماكورفيك لمّحت بأنها تقف مع كولم.
تعاظم فقد الصديق في داخل بادريك إلى حد أنه أخذ مواشيه إلى الطريق الذي كان يسلكه كولم والذي عرف أن بادريك سلك هذا الطريق مع مواشيه حتى يحادثه ولم يهتم. وعندما مر شهر على القطيعة ذكرّه بادريك، كان يحاول استعطاف كولم ويذكره بأن هذه القطيعة مر عليها زمن لكن كولم لم يهتم. أصبحت حياة بادريك البائسة في الأصل مثقلةً ببؤس جديد وهو تخلي صديقه عنه، ولم يفكر في أن يستبدله وفشلت محاولات بادريك في استعادة الصداقة.
الرجل الذي يجهل نفسه
لقد اتخذت حوارات بادريك مع أخته شيبون بعدًا نفسيا ولهذا سوف أرصد بعضًا منها.وكيف كانت هذه الحوارات دورًا محوريًا في الفيلم وإضافةً في بناء شخصية بادريك؛ فهو عندما وجدها تقرأ كتاباسألها:
-كيف هو الكتاب؟
-إنه محزن.
-محزن؟ يجب أن تقرئي كتابا غير حزين وإلا ستحزني.
ثم سألته أخته: ألا تشعر بالوحدة؟ فيجيبها باستغراب: الوحدة؟ فتكرر عليه السؤال: ألا تشعر بالوحدة؟ فيتجاهل الإجابة ويقول متمتما: ما قصة الجميع؟
إن بادريك الغارق في الحزن والذي لا يقرأ الكتب يملي على أخته الكتبَ المناسبة للقراءة، ويقترح عليها أن تقرأ الكتب التي تبهج حتى لا تحزن. وأيضا يتذمر من سؤال أخته عن الوحدة وهو الذي يفيض وحدةً بعد ابتعاد كولم. وفي حوار آخر سأل أخته شيبون:
-هل تعتقدين أني ممل؟
فأجابته بالنفي قائلة: “لا، لأنك لطيف”. كان بادريك يريد هذه الإجابة تحديدا في ظل أزمة فقده لصديقه فقال بمعنوية عالية:
“هذا ما اعتقدته، أنا فتى سعيد أو كنت كذلك، حتى بدأ أفضل صديق في تمثيل مشهده الكئيب”، فقالت أخته لكي تسانده معنويًا: “ربما هو مجرد اكتئاب” فقال فرحا بإجابتها:”هذا ما كنت أفكر فيه، إنه مكتئب. إذا كان كذلك فيمكنه على الأقل الاحتفاظ بهذا لنفسه وليس دفعه إلى الآخرين”. وبقدر ما كانت إجابات أخته على أسئلته تمنحه الطمأنينة إلا أنه كان يرغب في الاستزادة من رؤيتها لكي يمنح نفسه شيئًا من الوهم اللذيذ، فعاد يسألها:
– الناس لا يسخرون مني خلف ظهري أليس كذلك؟ ألا يعتقدون أنني قاتم أو أي شيء؟
-لا. لماذا؟
-ألا يعتقدون أنني قاتم أو أي شيء!
فأجابته شيبون باندهاش
-قاتم؟
فأدرك بادريك أنها لا تريد أن تمنحه جوابًا صريحًا فقال:
-لستِ متأكدة من هذا؟
-أنا متأكدة
وعندما شعر بادريك أنه في منأى عن تهمة الملل ألصقها بالمراهق دومنيك رغبةً في تعزيز رأيه برأي أخته لما يعتقده فقال:
-دومينيك هو الشخص القاتم على الجزيرة.
فأجابته أخته باختصار تلافيا لتوريط نفسها في تفاصيل الإجابة.
– هو كذلك لأميال.
هذه الإجابة برغم اختزالها شجّعته على أن يواصل أسئلته التي يهدف منها النجاةَ من تهمة ثقيلة على نفسه، وأن يُلقي على آخرين في الجزيرة صفةَ الكآبة، فقال:
-مهلا! إذن من التالي في الكآبة؟
فقالت أخته بانفعال وقد شعرت بالملل من أسئلته:
-لا أحب أن أحكم على الناس بهذه الشروط.
عندها استوضح بادريك أخته:
-بأي شروط؟
-اللون القاتم.
كانت ردة فعل بادريك بأنه يعلم ذلك، بل أدعى أنه مثلها لا يحكم على الناس بذلك المنطق ومع ذلك طلب منها المحاولة. فعادت إلى انفعالها وقالت:
-لن أحاول، هناك ما يكفي من الذين يحكمون على غيرهم في الجزيرة. ثم منحته ما يريده من الكلام الذي يحب أن يسمعه: أنت لست قاتمًا، أنت رجل لطيف. حسنا انس الأمر.
إن هذه الحوارات التي تجمع بادريك مع أخته شيبون تكشف لنا هذه الشخصية من الداخل، كيف تفكر وكيف ترى الحياة وكيف أثر فقد الصداقة فيها.
مواجهات الأصدقاء
كان بادريك يعلم أنه لم يقل أو يفعل شيئًا يغضب صديقه، كان هاجسه أن يعرف سر هذا الموقف من كولم والذي كان دافعه الرئيسي لهذا الابتعاد عن صديقه. وعندما حدثت المواجهة الأولى بينهما، سأله كولم:
-ليس لديك ما تفعله بوقتك؟
فقال بادريك بتلك الثقة المزيفة التي يفتعلها:
-أعرف أنه ليس لدي ما أفعله لكنْ هناك أمور يمكن أن أفعلها.
فاستغرب كولم أن لدى بادريك أشياء يفعلها فقال:
-مثل ماذا؟
-القراءة.
فتهكم كولم من إجابة بادريك وقال:
القراءة! ثم أكمل قائلا بأنه خلال الأيام الماضية كتب أجزاء من لحنٍ موسيقي وأنه بحلول نهاية الأسبوع سيكون هناك لحن جديد في العالم، وأضاف كولم بأن هذا الإنجاز لم يكن سيحدث لو أنه جلس يستمع إلى ترهات صديقه بادريك الفارغة. وعندما قال له في مواجه أخرى بأننا سنتحدث في أمور أخرى، تذكر كولم بأن بادريك حدثه في إحدى المرات عن روث حماره لمدة ساعتين. لقد كان كولم في هذا الحديث يتباهى بأن لديه وقتًا يملؤه بالتأليف الموسيقي بينما ذلك الصديق فارغ من كل شيء.
مع تكرار هذه المواجهات لم تعد المواجهات ودودة بينهما، فقد أخذت منحنىً شرسًا وتصاعد فيها التحدي لإثبات وجهات النظر. كانت هذه المواجهات تكشف لنا كيف يرى كل منهما الحياة. وبرغم أنهما شخصيات بسيطة فإن تلك المواجهات تمثل صراعًا بين المفاهيم، ففي وسط الحانة قال بادريك بتأسٍ شديد وبصوت تظهر فيه الحرقة على ضياع الصداقة بينهما:
-هل تعرف ماذا كنت؟ كنت رجلًا لطيفًا، والآن هل تعرف من أنت؟ رجل غير لطيف.
كولم الرجل الذي يحاول دومًا أن يبدو هادئا، رد عليه: “اللطف لا يدوم وإن ما يدوم هي الموسيقى واللوحات والشعر” كان في إجابته ينحاز إلى الخلود الإبداعي وليس خلود المشاعر والمواقف الإنسانية، ولكي يؤكد نظريته قال لبادريك: “هل تعرف من تتذكره بلطفه في القرن السابع عشر؟ لا أحد! لكننا نتذكر جميعا موسيقى ذلك الوقت، فالكل يعرف موسيقى موزارت”. ولكن بادريك اعتبر أن عدم معرفته بشخصية موزارت تجعل نظرية كولم عن الخلود تسقط. بادريك لم يكن صادقا فهو يعرف موزارت، ولكنه كان يريد أن يكسب معركته الكلامية ضد كولم، إنها تمثل إضافة للكذبات الصغيرة التي يكذبها في سبيل استعادة ذلك الصديق. وأضاف بادريك: “لقد سقطت نظريتك، ولكن على أي حال نحن نتحدث عن اللطف وليس عن ذلك الرجل” وهو يقصدموزارت. وأضاف : “أمي كانت لطيفة وأتذكرها، أبي كان لطيفًا وأتذكره، أختي لطيفة وسأتذكرها للأبد”. هذا اللطف الذي يعول عليه بادريك هو اللطف الذي كان يريده من كولم الذي لم يتأثر بكلامه، وقال معلقا: “ومن سيتذكرها؟ لا أحد، في خمسين عاما لن يتذكرهم أحد، بينما موسيقى رجل عاش قبل قرون سيتذكرها الجميع”.
الرجل الذي قطع أصابعه
برغم أزمات بادريك النفسية إلا أنه كان رجلا سعيدا لأنه كان يجهلها أو لأنه لا يلقي لها أي أهمية، ولولا أزمته مع كولم لما تكشفت أوجاعه بذلك الوضوح. أما كولم فقد كان أكثر وعيا وبرغم عافية جسده كان واعيا بإرهاقه الروحي، لهذا كان يتردد على الكنسية ليعترف بخطاياه التي لم تكن خطايا جسدية بقدر ما كانت خطايا التفكير والإرهاق النفسي، فقد اعترف للكاهن بأنه مثقل باليأس، وأنكر على الكاهن أن يسأله عن الأفكار النجسة والخبيثة، فكولم كان يدرك ويعرف أن اليأس يجتاحه وأن الأمل بعيد عنه في جزيرة لن تمنحه الكثير. وعندما حاور”شيبون” قال لها إنه يريد السلام فقط. وحتى عندما اشتدت أزمته مع صديقه بادريك وسألته ماذا يريد من أخيها فأجابها بالصمت، فقالت وهل تريد رجلًا آخر صامتًا في الجزيرة؟
لقد ملّ كولم من تلك الجزيرة التي تبدو فيها الأيام متشابهة والوجوه مكررة، إنه المكان الذي لن يقدمه للعالم كعازف موسيقي متميز، وبالتالي ملّ من ذاته وأسقط ذلك الملل على صديقه بادريك، وجعل من صداقته هي السبب في ركوده الفني، وأن ذلك الصديق الممل يستحوذ على وقته في إنجاز أعماله الموسيقية. لكننا عندما نتأمل المشاهد التي تخص كولم سنجدهإما واقفًا وحيدا أمام النهر متأملا، أو أنه وحيد وصامت في بيته، يدخن أو يعزف الموسيقى الرديئة بحسب ذائقة المراهق دومينيك.
كولم الذي التفت إلى نفسه وإلى موهبته متأخرا والذي توهم أنه يملك موهبة موسيقية، تلك الالتفاتة لم تكن لرجل تراكمت في دواخله جذوة الإبداع ولكنها كانت التفاتة رجل يائس يفتش عن أمل يتجاوز به إرهاقه النفسي.
لقد كان كولم يهادن المكان والحياة، لكنه تطرف فجأة وقرر أن يقصي صديقه بعيدا، وعندما لم يستجب ذلك الصديق لرغبة التجافي هدده بأنه سيقطع أصابعه لو أن بارديك عاد للتواصل معه. وهذا التهديد يكشف أن “كولم” ليس جادا في رغبته بصعود المجد الموسيقي؛ فكيف يقطع أصابعه التي سيعزف بها موسيقاه؟ لقد قال بادريك: “لديك الكثير من الخيارات المفتوحة لك فكيف تكون الأصابع أول منفذ لك”. وأضاف وهو ينجح في تشريح حالة كولم: “إننا نعتقد بأنك مكتئب والأصابع تؤكد ذلك”. وقالت له شيبون: “أنت لست جادا في قطع أصابعك! هذا لن يساعدك على عزف موسيقاك المفضلة” وأضافت: “أعتقد أنك مريض”. لكن كولم الذي أحس بالألم عندما قطع إصبعه الأول، والذي قال إنه شعر بشيء من الارتياح والإثارة في تلك اللحظة، يجيب شيبون قائلا: “أسلي نفسي بينما أهرب من الحتمي”. لذا نجده عندما هدده بادريك بحرق منزله لم يعترض ولم يقاوم ولم يفكر في منع بادريك من تنفيذ تهديده. لقد كان كولم رجلًا يسلي نفسه بهذه الصدامات التي تنقذه من وحدته، فهو أيضا مثل بادريك، رجل عازب. وفي آخر الفيلم عندما سأله الكاهن: “كيف اليأس؟” أجابه كولم: “لقد عاد”.
امرأة تنجو وشاب يغرق
شيبون كانت الشخصية الوحيدة في الفيلم التي تملك الوعي ولكنه ليس الوعي الجائر الذي يجعل صاحبه يعيش أزمة التواصل مع المكان ومع الآخر، فهي تعرف أن الحياة في الجزيرة تكرر ذاتها كل يوم وأن من أساسيات التواصل اليومي النميمة والثرثرة التي كان يعيش عليها سكان الجزيرة، لقد هذبها الوعي ومنحها الأمل الواقعي الذي يناسب قدراتها بأن تنتقل إلى البر الرئيسي وأن تختار الوظيفة التي تلائمها وهي العمل في مكتبة، كانت متصالحة مع ما يحدث وكانت تجد في القراءة السلوى لكي تتحايل على رتابة الحياة، حتى وإن كان الحزن سمة محتوى بعض الكتب التي تقرؤها، لكنها لم تكن متذمرة ولا يائسة ولا مكتئبة، كانت تريد توظيف وعيها في كيفية النجاة والرحيل بعيدا عن الجزيرة، لهذا عندما تقف وتتأمل النهر كانت تفكر في الضفة الأخرى بينما كان كولم يقف وقفة الرجل الذي لا يتجاوز نظره زرقة الماء التي أمامه. كان يريد من الماء أن يبتلع يأسه وكآبته بينما شيبون كانت راغبة في النجاة ونجحت في أن تذهب إلى الضفة الأخرى، ليس لأن الضفة الاخرى هي الفردوس ولكن لأن في تلك الحياة مزايا وإن كانت بسيطة ولكنها مزايا تلائمها. لقد كتبت رسالة لأخيها بادريك: “أنا في البر الرئيسي، المكان جميل هنا، هناك نهر يمر عبر نافذتي وأنا أكتب، ويبدو الناس أقل مرارةً وجنونًا، لا أعرف لماذا ولكن أعتقد أن الكثير منهم إسبان”، وفي العبارة الأخيرة إشارة إلى جنون الإيرلنديين في الحرب الأهلية وأن الإسبان أكثر لطفا، ثم تطالب بادريك بالرحيل وترغّبه في ذلك بأنه سيجد عملًا بعد انتهاء الحرب وأن لديها سريرًا إضافيًا “لا شيء لك في الجزيرة، لا شيء سوى الكآبة والضغائن، والشعور بالوحدة والحقد وبطء مرور الوقت”. إن هذه الأشياء التي أشارت لها شيبون هي التي كانت تشعر بها عندما كانت تعيش في الجزيرة وهي التي جعلتها ترحل إلى الضفة الأخرى.
وإذا كانت شيبون تمثل النموذج الواعي والرافض لكآبة المكان فإن دومينيك الشاب المراهق يمثل الرافض المتهور، فهو يرفض أشياء كثيرة في الجزيرة ويتعرض للتعنيف والأذى الجسدي من الأب، لكنّ المفارقة ألا أحد في الجزيرة اهتم بما تعرض له دومينيك من عنف وأذى من ذلك الأب القاسي، بينما الجفوة التي حدثت بين كولم وبادريك شغلت اهتمام جميع من في الجزيرة وهي مجرد جفوة أصدقاء. لقد كان دومينيك يرفض الحرب الأهلية ويرفض موسيقى كولم التي يعتبرها موسيقى رديئة وكان يفتش عن الحنان في نساء أكبر منه في العمر، فقد توهم أن شيبون عندما تحدثت معه معجبة به، أو أنها ستحبه عندما يصبح في مثل عمرها، لكنها صدته برفق وعندها قال: “لقد تلاشى الحلم” ثم أشار إلى الضفة الأخرى، وقال: “يحسن بي الذهاب إلى هناك وفعل كل ما أردت فعله” ولكنه لم يرحل. وعندما وجد النساء في الحانة قال لبادريك لو جلسنا بجوارهن سوف نلفت انتباههن ونتحدث معهن. ومع تهوره وضياعه فإنه كان يملك قلبا رهيفا؛ فعندما أخبره بادريك بحكايته مع الشاب الذي جاء إلى القرية من أجل المشاركة الموسيقية مع كولم وأنه كذب عليه بأنْ أخبره بوفاة عمته مما جعل ذلك الشاب يغادر القرية، غضب دومينيك من بادريك وابتعد عنه قائلا: “لقد كنت أجدك أكثر لطافة منهم”. افتقد دومينيك الرعاية والاهتمام داخل الجزيرة ولم يهتم بمشكلته أحدٌ من أفراد القرية ولم يفكر هو أن يغادرها، لذا أنهى حياته غرقا. حتى إن غرقه لم ينل الاهتمام وكاد ألا يعرف لولا تلك العجوز التي أشارت للأب أن ينظر للنهر ليشاهد جثة دومينيك.
مات الحمار. هدأت الحرب
أصبحت محاولات بادريك في استعادة الصداقة محاولات عبثية فقد اقتحم منزل كولم وهو يراقص كلبه وقال له:
“كيف حالك أيها البدين؟ ترقص مع كلبك أليس كذلك؟ ومن غيره سيرقص معك؟ كلبك المسكين لا رأي له” وعندها قال كولم:
-هل جننت؟
فقال بادريك متباهيا:
“حقيقة لم أصب بالجنون، ليس لأنني لم أصب بالجنون فحسب، بل لأنني أمتلك عشرة أصابع لأبرهن أنني لم أصب بالجنون. كم أصبعا لديك لتبرهن أنك لست مجنونا؟”. وعندما سأله لماذا جاء إلى منزله، أجاب: “لقد جئت هنا لأطرق بابك وأوبخك”، لكن بادريك لم يكن يملك القدرة على توبيخ كولم ويؤكد لنفسه أنه يملك نسخة جديدة من شخصيته كما قال لدومينيك عندما برر فعلته مع رجل الموسيقى بأنه أصبح شخصا آخر، لهذا عاد إلى استعطاف كولم وسأله عن اللحن الجديد وماذا سماه وكيف سيكون، وعندما عرف أن كولم يراقص الكلب بسبب إنجازه لهذا اللحن، طلب من كولم أن يكون بديلا للكلب ويرقص معه لكن كولم رفض. بادريك ظن بمجرد حديث كولم معه في تفاصيل اللحن أنه إشارة لعودة الصداقة لذا أخبره وهو منتش بأنه سيذهب إلى الحانة لكي يحتفل باللحن الجديد.
هذا الإلحاح من بادريك جعل كولم يقطع أصابعه الأربعة لكي يؤكد مصداقية تهديده، لكن هذه الأصابع تسببت في موت الحمار جيني عندما ابتلعها. وفاة الحمار جعلت بادريك يتحول إلى رجل آخر؛ نسي اللطف ونسي الصداقة وقرر أن ينتقم لنفسه ولحماره بحرق منزل كولم، وأخبر الجميع بما سيفعله وكان هذا الفعل في منتصف النهار وبعلم كولم الذي لم يعارض ولم يمنع بادريك وكأنه يكفّر عن تسببه في موت الحمار.
بعدها شعر كولم بأنهما متعادلان في الخطأ، لكن بادريك أصبح أكثر حقدا وكراهية حيث يعني التعادل عنده أن يكون كولم في وسط منزله لحظة الاحتراق. كان يريد الموت لكولم.
وفي المشهد الأخير عندما وقفا قبالة النهر وتحدثا كغرباء أو كأصحاب ثأر أو كأعداء استنفدوا طاقتهم في العداء،قال كولم إنه من يوم أو يومين لم يعد يسمع طلقات نارية في الحرب الأهلية التي في الضفة الأخرى، لكن بادريك الرجل الذي أصبح قاسيا ومتحجرَ الصوت والملامح وحركات الجسد قال: “أظنهم سيعودون الى الحرب مرة أخرى، فبعض الأشياء لا تتوقف، وأعتقد أن ذلك أمر حسن”. وربما هي إشارة إلى أن معركته في استعادة الصداقة لم تنته بعد مع كولم، ولكن هذه المرة ستكون المعركة موجهة ضد كولم ليس كصديق وإنما كرجل كان صديقًا والآن صار في مقام العدو. صداقة بادريك وكولم كالغروب الذي يُشبه الأصدقاء الذين كانوا أصدقاء.
إشارة:
لقد تجنبت ربط أحداث فيلم “جنيات إينشيرين” بالحرب الأهلية التي تدور على الضفة الأخرى، لأنني وجدت ما حدث بين الأصدقاء في تلك الجزيرة هو ما يحدث بين الأصدقاء في كل زمان ومكان، وإن علاقة الإنسان بالإنسان هي الأكثر تعقيدا سواء عاش في جزيرة معزولة في إيرلندا أو عاش في صخب المدن.




