إنّ إدانةَ الجنسِ البشريّ سلعةٌ رائِجةٌ هذه الأيام. ونظرًا للأزمة البيئيّة العالميّة، وصُعود أيديولوجيّات اليمين المُتطرِّف، وتداعي المُساواة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وغيرها من المفاسدِ، فقد عبّر كثيرٌ من الناس عن احتجاجهم على حال الإنسانيّة. ففي بعض الأحيان تكون أقاويلهم مُجرّد أقاويل، أو تعبيرات عن الاستياء من رذائلنا الخُلقيّة الجمعيّة. ومع ذلك ففي أحيان أخرى تكون ثَمَّ روحٌ أكثر عمليّة، ويكون هناك – في الجهة الأكثر تطرُّفًا – أولئك الذين يُعجِّلون من نهاية نَوْعِنا؛ كاللاإنجابيين؛ ومنهم: حركة الانقراض الطَّوْعِي التي تقولُ: إن الإنسانيةَ ينبغي عليها أن تكف عن التناسلِ. وتتضمّن المواقف الأكثر اعتدالًا أولئك المُطالبين بالتحوُّل الراديكاليّ للإنسانيّة، ربّما نحو أساليب أصغر وأبسط من العيش. إن انهيارَ نمطِ حياتنا الصّناعيّ الاستهلاكيّ قد يتبعه نمطٌ مختلف من الحياة، لعلّه الأفضل – وهو ما يؤمله مثلا الفيلسوف والناشط البيئيّ “روبرت ريد” (Rupert Read) في كتابه الأخير: «لقد انتهت الحضارة» (٢٠١٩).
واللفظةُ المُلائمةُ لهذه المُمارسات التي تدينُ البشريّةَ أخلاقيًّا هي “بُغْضُ البشريّة”.
إن مُبغض البشريّة – في معناه الجاري – يُشير إلى الشخص الذي يكره، أو ينفر، أو يمقت البشر ويُحاول تجنُّبهم. إن الشخص الرئيس في مسرحية “موليير” – مُبْغِض البشريّة (١٦٦٦) “ألسيست” – يُعلِن أنه «يكره جميع البشر»؛ فبعضهم «خُبثاء»، والآخرون مُتواطِئون معهم في «شرِّهم». وعند نهاية المسرحية يُعلن مُبْغِضُ البشر عن رغبته في الهرب من فساده، وفساد مُجتمعه.
ورغم أن المصطلح قد وقع في سوء الاستعمال فإنه ما زال يحتفظُ بمعناه؛ فمُبْغِضُ البشريّة هو مَنْ يناصِبُ البشريّة العداءَ ويودّ لو يُفارقُها، أو لو يُمارِس عُنفًا تجاهها. تُنبِّهنا الفيلسوف “جوديث شكلار” من خطورة مُبْغِض البشريّة؛ ذلك أن بمقدوره «جعلنا تعساء ووحيدين، وردّنا إلى حالٍ من الغثيان الرّوحيّ، وتَجريدنا من اللّذات كلّها إلا أرذلها« (رذائل عادية، ١٩٨٤). إن العداوة والعنف – على حد قولها – كليهما أساسٌ هشٌّ لحياة طيّبة. وإذا كان بُغْضُ البشرِيّة ينطوي بالضّرورة على ذلك فلا بُدّ من تجنُّبه. ولِحُسنِ الطّالِعِ فإن الأمر ليس كذلك.
إن تعريف بُغْضِ البشرِيّة – بوصفه «كراهيةً أو نُفورًا من بني الإنسان، أو البشريّة» – تعريفٌ ضيقٌ للغاية؛ ذلك أنّ ثَمَّ أشكالًا عدة من بُغْضِ البشريّة يتضمَّنُ بعضها الكراهيةَ فقط. إننا حينما نواجه تلك النواقص فقد نشعر بالغضبِ، أو السّخطِ، أو خيبة الأمل، أو بامتثال تَعِس، أو قد نشعر – على نحوٍ أكثر تفاؤلًا – بأملٍ ثابتٍ في قُدرتنا على التحسُّن. وفي الواقع فإن بعض مُبغضي البشريّة المُتفلسفين قد رفضوا الكراهيةَ صراحةً كرَدٍ على عَيْبِنا الخُلُقيّ الجمعيّ.
ونتيجة لهذه «التعدُّدية الباغضة للبشر» فإنه بوسعنا إدراك فظاعة البشر الخلقيّة بدون الرّضوخ إلى الكراهية، أو العنف، أو اليأس؛ ولهذا – وبالرغم من ذلك – يلزمنا فَهْمٌ أفضل لطبيعة مُبْغِض البشريّة.
تعريفُ بُغْضِ البشريّة
من المُستغربِ أن الكتابات الفلسفيّة حول بُغْضِ البشرِيّة شحيحةٌ؛ ذلك أن المفهومَ غير مُتداولٍ لدى فلاسفة الأخلاق.
وفي بعض الأحيان يجيء مُرتبطًا بالنّزعةِ التشاؤميّةِ أو العدميّةِ؛ إذ إن كلتيهما تُعبِّر عن رؤًى قاتمة للوجود الإنسانيّ. ربّما كان “أرتور شوبنهاور” (١٧٨٨–١٨٦٠) مُتشائِمًا فلسفيًّا بامتياز، ومبغضًا للبشر إلى حدّ بعيد أيضًا. بيد أن التشاؤمَ وبُغْضَ البشريّة لا يُشيران إلى المفهوم نفسه؛ فالمُتشائم الفلسفيّ يعتقد بوجود خصائص في العالَم عمومًا تقف دون تحقيق السّعادة أو الازدهار الإنسانيين؛ كالعبث، والخواء من المعنى، والمعاناة… أمّا باغِض البشريّة المُتفلسف – على النقيض من ذلك – فهو يُركِّز على رذائلنا ونواقصنا الخلقيّة. صحيح أن كلا النزعتَينِ مُرتبطتان بعضهما ببعض للغاية، لكنهما لا تعنيان الأمرَ نفسه؛ إذ بوسعي الاعتقاد بأن الوجود الإنسانيّ يفتقرُ إلى المعنى – من الجهة الكونيّة – بدون النظر إليه باعتباره بَشِعًا من الجهة الخلقيّة. بوسعنا أن نكونَ عديمي المعنى، وأن نبقى محطَّ إعجابٍ عُمومًا من الناحية الخلقيّة.
نعثر على دفاع حديث عن بُغض البشريّة الفلسفيّ في كتاب “ديفيد إ. كوبر” (David E. Cooper): الحيوانات وبُغض البشريّة (٢٠١٨). إن حجته مفادها، كما يقترح العنوان: أن تقييمًا أمينًا لطريقة تعامُلنا مع الحيوانات يُؤيد إدانةَ مُبغضِ البشر بصددِ حال الإنسانيّة الآن؛ إذ تعرِضُ محنةُ مئات المليارات من الحيوانات غير البشريّة مجموعةً كاملةً من الرّذائل والنّواقص الخلقيّة: الكِبْر، والجشع، والوحشيّة، والقسوة، والطّمع، والغرور، والطّيش، والجهل المُتعمَّد، والتجبُّر… والقائمة طويلة ومُحبطة. يُركِّز كوبر على الحيوانات بالرّغم من أنه يُمكننا العثور على ذلك في مجالات أخرى من الحياة الإنسانيّة أيضًا. إن ما نجده – على حد قول مُبغضِ البشريّة الفلسفيّ – هو أن الوجود الإنسانيّ مُشبَّعٌ بالنّواقص والرّذائل، بما في ذلك التجبُّر (مرة أخرى)، والغلظة، والدوغمائية، والطّمع، والنفاق، وعدم الحساسية تجاه الجمال، وقصر النظرة، والتراخي الأخلاقيّ، والأنانيّة، وعدم المبالاة بمُعاناة الآخرين، والعنف، والإسراف، ورذائل أخرى لا شك أننا لا نعرف أسماءها.
وبالنظر إلى كل ذلك يكون من اليسير أن نفهم نقدَ بُغْضِ البشريّة. ومع ذلك فإن سردًا لنواقص الإنسانيّة لا يكفي لتثبيت تهمة بُغْضِ البشريّة. تخيّل ناقدًا يقبلُ بأن لدينا نواقص، لكنه يصرّ على أنها تافهة نسبيًا، وعَرَضيّة، ومحلية؛ قد يجادل أحدهم بأن تلك الرذائل إنما تقتصر على المواقف المُتطرفة – كالحرب، أو الإطاحة السياسيّة؛ أي تلك الشروط التي تضطرنا إلى أن نغدو أنانيين وعنيفين – ضد طبيعتنا الفُضلَى، أو تقتصر على الأشخاص المُتطرفين؛ كالسيكوباتيين، والمُسوخ الأخلاقيين الذين بالكاد ينوبون أخلاقيًّا عن البشريّة جمعاء.
إنّما ذلك النوع من التجمُّلِ الأخلاقيّ هو ما يرفضه مُبغِض البشريّة؛ لأنه لا يعتقد بأن ثَمَّ شيئًا غريبًا، أو عارِضًا بالنسبة لنواقصنا؛ ذلك أنّها راسخةٌ في أسلوب حياتنا بأكمله، ومُنتشرةٌ فيه. ولكي يدلل مبغض البشرية على ذلك سيشير إلى أننا لسنا بحاجة إلى التفكير طويلًا أو مليًا لكي نعثر على نماذج لرذائل الإنسان ونواقصه، فلا يتطلّب الأمر – في بعض الأحيان – سوى الاطلاع على الأنباء، أو النّظر إلى خارج النافذة، أو في المرآة. صحيحٌ أن مُعظم سلوكنا الفاسد قد يكون بسيطًا بدرجة ما – كأن يكون أفعالًا صغيرة من القسوة، أو تيّارًا مُتدفقًا من الأباطيل الصّغيرة. يُسمى “مونتين” هذه السلوكيات بالـ«الرذائل العاديّة»؛ حيث تدخل في نسيج عاداتنا، ونشاطاتنا، وأساليب حديثنا العادية واليومية. الحق أننا إذا اعتقدنا بأن رذائلنا إنّما تُحسب في صورِها المُتطرفة فحسب، فإننا بذلك نصنع معروفًا لأنفسنا.
يصرّ مبغِضُ البشريّة الفلسفيّ إذًا على أن لرذائلنا ونواقصنا الخلقيّة خصائِصَ تحصِّن مزاعمه ضد الرّد المُحِب للبشر (philanthropic). ثلاث من الخصائص التي تُميّز نواقصنا: أنها راسِخة، ومُعلَنة، ومُتغلغلة؛ إنها ترسخُ بصورة عميقة في نشاطاتنا، ومشاريعنا، وأساليب حياتنا المؤسسيّة. إنها غالبًا ما تكون واضِحةً؛ مثلما يظهر في حديثنا عن «القسوة العارية»، أو «الأنانيّة الصّارخة»، وهي تتخللُ العالَمَ كله، ربّما باستثناء بعض الأماكن المعزولة. ويتَوجّب على مُبغض البشريّة توضيح تلك النقاط الثلاث؛ لأنه إن لم يفعل ذلك يخفق في إدانة البشريّة أخلاقيًّا.
ومن الأمثلة الجيّدة على أولئك الذين يوضّحون تلك النّقاط: «مبغضو الجنس البشريّ الإيكولوجيُّون» الذين ينظرون إلى النّزعة التدميريّة، واللّامبالاة إزاء الطبيعة، والإسراف، بوصفها جميعا راسخةً تمامًا في أساليب حياتنا حتى جذورها. مثال آخر على ذلك: النّسويات المُجادلات بأن الدوغمائيّة، والظُّلم، والاستغلال، تدخل كلّها في تكوين الأنظمة الأبويّة [البطرياركيّة] بحيث إذا ما أزيلت هذه الرذائل فإن النّظام الأبويّ سيتداعى؛ يتضح من ذلك أننا نشهد عدّة صور من بُغْضِ البشريّة الفلسفيّ، إلا أن اللُّبَ المُشتركَ لها كلّها هو أنها تَدينُ الجنس البشريّ إدانةً خلقيّةً، لكن ذلك قد تتسبب فيه عدة أنواع مُختلفة من القلق؛ من بلاء الحيوانات، مرورًا بتدمير الطبيعة، حتى قمع المرأة… يأتي بعد ذلك تنويع آخر؛ يتمثل في المواقف المختلفة التي من الممكن أن يتخذها مبغض البشريّة، تبعًا لهدف معين؛ منها: الغضب السّاخط، أو النشاط الحقوقيّ المُتفائل، أو حتّى الرّضوخ القانط.
يجدر بنا كذلك توضيح أن تلك الإدانة لا تنال أناسًا فرديين، بل إنها تروم إلى شيء جمعيّ: البشريّة، أو الحضارة الإنسانيّة، أو أساليب عيش الإنسان؛ فمُبغض البشريّة بوسعه الإعجاب ببعض الأفراد، وتقديرهم، بل حتى الوقوع في حبهم – بصورة بارزة، وبوسعه أن يحب أولئك الأقلاء المتحررين نسبيًّا من نواقصنا الجمعيّة. وهكذا فإن مبغض البشريّة سينظر إلى بعض الأفراد باعتبارهم يُجسِّدون – بصورة خاصّة – تلك النواقص الجمعيّة. فنجد – على سبيل المثال – أن النُّقاد غالبًا ما يصفون “دونالد ترامب” بأنه رمزٌ لكل ما يُعانيه بنو الإنسان من خطأ – باعتباره تجسيدًا حيًّا لرذائلَ؛ كالجشع، والعجرفة، والغرور.
يتخذُ بُغْضُ البشرِيّة إذًا صُورًا عدّة، إلا أن هذه التعدُّدية تخلق مجموعة مُراوغة من الإشكالات الخُلْقيّة والعمليّة، والتي تأتلف في سؤال صعب؛ إذ كيف ينبغي أن يحيا المرء بعد تبنيه رؤية باغضة للبشر؟ من الواضح أن نظرةً نقديّةً لوضع الإنسانية الخُلْقيّ المُزري ليست مُجرّد مَذهبٍ مُجرَّدٍ جامِدٍ يخلو من النتائج التي تمس سلوكنا وحياتنا؛ إذ إن قبول هذه الرؤية يعني إحداث تغيير في الطريقة التي نحيا، ونشعر، ونفكر بها.
من خلال تاريخ الفلسفة الغربيّة والشرقيّة أعتقد أنه يمكن تبيّن على الأقل أربعة مواقف أساسية باغضة للبشر؛ يتألَّف الموقف ههنا من عاطفةٍ مُهيمنةٍ، أو وجهة من النّظر تُصاحبها فئةٌ من الممارسات أو الالتزامات؛ إنها طريقةٌ لتعقُّل العالَم، أو مُحاولة استكشافه بأفضل السُّبل؛ طريقة يتخارجُ بها مُبْغِضُ البشرِيّة الذي يسكنُ المرءَ، إذا جاز القول. ومن المُؤكَّد أن ثَمَّ طرائق أخرى لوجود مُبغض البشريّة، لكن تظل هذه المواقف أكثرها انتشارًا.
فلنبدأ بموقفين وصفهما أحد أبرز فلاسفة الغرب الخُلْقيينَ، “إيمانويل كانط”.
المُعادِي والهَارِب
ربّما كان “إيمانويل كانط” أحد أبرز الفلاسفة القلائل الذين وجّهوا عناية خاصّة لِبُغْضِ البشرِيّة، على الأقل في التقليد الفلسفيّ الغربيّ. وهو يُميّز في بُغْضِ البشريّة موقفَينِ إشكاليَينِ على الأقل؛ أولهما: موقف «مُعادِي الجنس البشريّ»؛ وهو من تغلبه مشاعرُ الضّغينة والكراهية إزاء نواقص الإنسانيّة، فتقوده هذه إلى ارتكاب أفعال عنيفة، قد تكون هذه الأفعال – في بعض الأحيان – اعتداءً جسديًّا حرفيًّا (ربّما من النوع الذي يهدف إلى زعزعة الحياة الاجتماعيّة، أو ببساطة: إلحاق الضرر بالآخرين). بينما قد يغدو العنف – في بعض الحالات الأخرى – أكثر رمزيّةً؛ كما في التحديات الخلافيّة التي تتضمّن أفكارًا مثاليّة. أمّا بعض مُبْغِضي الجنس البشريّ من الإيكولوجيينَ فيدخلون في هذه الفئة؛ أعني فئة الناس التي تُريد «مَحْو الحضارة»، أو «تدميرها بالكامل»، أو التي ترتقبُ انقراضَ الجنس البشريّ عمومًا بطمأنينة راضية.
يتمثّل الموقف الآخر المُبْغِض للبشر فيما يُسميه “كانط” بموقف «الهَارِب من البشريّة». وعلى العكس من الهاربين من العدالة فإن الهاربين الخُلْقيين يفرُّون بدافع الخوف وليس الذّنب؛ إذ يُهيمن عليهم الخوفُ (منّا، ومن الأذى الذي نُسبِّبه، والآثار المُفسدة من الجهة الخُلقيّة التي تُصاحِبُ الوجود بيننا). من المؤكّد أن الكثير من مُبغضي البشريّة الهاربين لديهم نصيبهم الخاصّ من النواقص الخُلقيّة، بيد أنهم يسعون إلى تجنُّب المزيد من الفساد الخُلْقيّ بواسطة الهروب؛ قد يعني ذلك هُروبًا حرفيًّا إلى جزيرةٍ مهجورةٍ، أو العيش في مناطق تخلو من المرافق الحياتيّة، أو كما في حال الأجيال السّابقة: الانزواء والانضمام إلى جماعة دينيّة مُنعزلة، أو إلى مكان آخر معزول نسبيًّا عن النواقص التي تحيق بالعالَم الواسع. وحينما أعلن “بوذا” رِفعةَ الحياةِ الرهبانيّة كان ذلك لِخلوها من تلك التأثيرات الفاسدة التي تؤجِّجُ الرذيلةَ فينا؛ كالرّغبة الماديّة، والإغواء الحِسّيّ.
ويرفضُ “كانط” كلًا من هذين الموقفين؛ ذلك أنه يرفضُ البَغْضاءَ، ليس لأنها ستجعل منّا أُناسًا بائسين ووحيدين، بل لأنه بالأحرى يعتقد أنه يتوجّبُ علينا أن نحترمَ كرامةَ شركائنا الخُلْقيّةَ، حتى لو كانوا يُخفقون باستمرار؛ فالبَغْضاء لا تتوافق مع الاحترام، ليس هذا فحسب، بل إنها تُدمِّره. لهذا يسمي “كانط” موقف مُعادي الجنس البشريّ موقفًا «وضيعًا». وهو يرفضُ بالمثل موقفَ مُبغِض البشريّة الهارب. صحيحٌ أن ذلك الموقف يخلو من الكراهية، أو من دوافع العنف، إلا أنه لا يوجد كذلك خير إنسانيّ حقيقيّ خارج الجماعة الإنسانيّة. ويؤكد “كانط” – على الرّغم من سُمعته بصفته مُفكرًا زاهدًا – على كوننا مخلوقات أخلاقيّة واجتماعيّة. ولا يمكنُ أن يرتقي الهاربُ في العيش بالضّبط بسبب هروبه من الآخرين. ربّما بوسعه العيش مُنزويًا وحيدًا، لكن لن يسعه أن يحيا حياة طيّبة.
لقد وُجِدَ هذان الموقفان قبل “كانط” بزمان بعيد؛ فإننا إذا ما عدنا إلى العصر الكلاسيكيّ سنجد أُناسًا قد أعربوا عن كراهية قاطعة أو خوف من البشريّة؛ فلقد أعلن “بلوتارخ” أن «من يكره الرّذائِل يكره الإنسانيّة»، وهو شعار مُعادِي البشريّة إلى حدّ بعيد. وقد وافق أيضًا “هيراقليطس” “أفسس” – «الفيلسوف الباكي» – على رذائلَ وحماقاتِ أقرانه من بني البشر، وفَرَّ في النهاية – بحسب الأسطورة – وقضى حياته في الجبال. ربّما كان هذا مُبالغًا فيه، لكنه يمثّل رغبةً مفهومةً في هَجْرِ عالَم البشر، بيد أن مشاعر الكره والخوف يصعب تسويغها. ربّما كان بُغض البشريّة أكثر قبولًا إذا ما كان مغروسًا في عواطف أو تصوُّرات أخرى، ويمكن أن نعثر على هذه المواقف الأخرى التي تبغض البشريّة بالنّظر إلى الشّرق.
النّاشِط والمُستَكِين
إن التقييم المنهجيّ لِحالِنا وإمكاناتِنا الخُلْقيّة يضربُ بجذوره في التقاليد الفلسفيّة الهنديّة والصينيّة منذ ريعانها. وبالنظر إلى المدارس الفلسفيّة الهنديّة نجد أن الصورة قاتمة؛ إذ إن البشر يَعلقون في دوائر الـ”دوكخا” (dukkha) (دوائر «المُعاناة»، أو «الاختلال»، أو «السّقم»)، والبعث. وداخل «عجلة المُعاناة»، تسوقهم رذائلهم ونواقصهم. تلك هي «الأسس الفاسدة» –لا سيّما بالنسبة إلى البوذيّ– التي تتمثّل في الكراهية، والوَهْم، والطّمع. تتشاركُ المدارس الصينيّة الكلاسيكيّة كلّها صورةً كئيبةً لحال البشريّة أيضًا؛ فهي ترى عالَمًا مليئًا بالقسوة، والطّمع، والتّضليل، والأثرة، والاضطراب، والمواهب المُهدرة، وعنف لا يعرف لينًا.
وقد شكى الكونفشيوسيُّون من أن طقوسَ وتعاليمَ مُلوك الساجا [الحُكماء] قد اندثرت. أما بالنسبة إلى الطّاويين فإن البشر لم تعد تتبع طريقَ السماءِ. أمّا في نظر الموهيين (Mohists) والشرعويين (Legalists) فإن وضعنا اللاأخلاقيّ لن يتغيّر إلى الأفضل بدون الانضباط الذاتيّ الخُلقيّ الصّارم، وتطبيق أنظمة حازمة من الجزاء والعِقاب. صحيحٌ أن المدارس الهنديّة والصينيّة تراعي كثيرًا من الأمور الجيّدة أيضًا؛ كالفضيلة، والحكمة، والتّعاطف، والتّأمل، والسُّلوك الطّقسيّ، والتّنوير، والمَسْلَك.
غير أن حقيقةَ أنهم مُلزمون بتعليم هذه الأشياء هي بحدّ ذاتها علامةٌ على وجود اضطراب؛ فالوَعْظُ الأخلاقيُّ بحدّ ذاته علامة تدل على انحطاطٍ، وعلى عالَمٍ يبتعدُ عن جادة الصّواب. عندما يكون العالَمُ في حالةٍ أخلاقيّةٍ جيّدة – كما يتنبأ “لاوتسي” – فلا حاجة عندئذ لا إلى الساجا، ولا إلى الشّعائر، ولا إلى تعاليم الفضيلة.
رفضت المدارس الهنديّة والصينيّة البغضاءَ بصفة عامّة باعتبارها موقفًا إزاء البشريّة؛ فعلى سبيل المثال: عدَّ البوذيون الكراهيةَ من الرّذائل، أمّا الكونفشيوسيُّون والطاويُّون فقد اتفقوا – على ما بينهم من اختلافات – على أن حكمةَ المُلوك الحقّةَ ليست بالباغِضةِ ولا العنيفة.
وهذا أقل وضوحًا عمّا كان عليه الحال في موقف الهارب الأخلاقيّ الخائف. علَّم “بوذا” أن الحياةَ الرهبانيّةَ المعزولةَ هي الحياةُ الرفيعةُ، وكان الطاويُّون أيضًا مُرتابين إزاء مَفاسد «المَكْرِ» الذي يطبعُ حياة المدينة. لكن المدارس الصينيّة الأخرى قد رفضت الرّوح الهارِب؛ فقد أرادتِ الكونفوشيوسيّة، والموهيّة، والشرعويّة، إعادةَ تنظيم العالَم الاجتماعيّ، وليس هجره. وقد عبّر “كونفوشيوس” في بعض الأحيان عن استيائه، وأفصح عن رغبته في أن يُبحر إلى أراض بعيدة، ولكنه هدأ بعد ذلك، وعاد ليتابع مهمته الأخلاقيّة. لهذا فإن التقاليد الهنديّة والصينيّة تعرض لنا مواقف مُختلفة من بُغْضِ البشريّةِ.
بوسعنا أن نُسميَ أوّل هذين الموقفين بالموقف النّاشط الأخلاقيّ (Activist). إن مُبغضي البشريّة من ذلك النّوع يُحرِّكهم الأملُ. إنهم يبصرون النواقِصَ الأخلاقيّةَ المُتأصلةَ في العالَمِ، ويتصدون لتغيير ذلك بالتزام شديد، ويتبدى شعورهم بالأمل في جهودهم الطامحة الواسعة التي تهدف إلى إعادة بناء وضعنا الجمعيّ. قد يتضمّن ذلك التّهذيبَ الخُلْقيّ، أو الوَعظ الدينيّ، أو النّشاط الاجتماعيّ السياسيّ، أو توليفة من كلّ هذه.
يعد “كونفوشيوس” (حوالي ٥٥١– ٤٧٩ ق.م) مِثالًا جيدًا على النّاشط الأخلاقيّ؛ فقد اتّبع عددًا من الاستراتيجيّات الأخلاقيّة في خلال حياته العَصيبة؛ بُغية إصلاح البنية الخلقيّة التحتيّة؛ منها: أنه كوّن جماعةً من التابعين، وهي جماعة أخذت تنتشرُ حول العالَمِ لتقومُ بأعمالٍ خيّرة، وتقدّمُ المشورةَ للحكّام – في حال استماعهم لَها، وتتصرف كنماذج حيّة يُشهد لَها بالفضيلة من أجل إلهام الآخرين. واستعادة الشّعائر، واحترام التقاليد.
يعد النّاشط الأخلاقيّ الآمِل – بالنسبة إلى الحساسيّة الأخلاقيّة الحديثة – نموذجًا أكثر جاذبيّة من مُبغضي البشريّة عند “كانط”؛ إذ هو أقرب بالتأكيد إلى الأجيال التي ألهمتها حركات العدالة الاجتماعيّة، والحراك المناخيّ، والجهود العديدة العازمة على الحفاظ على الكوكب. إلا أنه لا ينبغي التسرُّع وتبني ذلك الموقف بدون نقد؛ فبعض مُبغضي البشريّة الأخرين يحثُّون على توخي الحذر من النّشاط الأخلاقيّ الحماسيّ الهادف إلى تغيير العالَم. لقد كان “بوذا” – على سبيل المثال – مُناهضًا للمشروعات الناشطة الأخلاقيّة الطّموحة. فهو من ناحية يرى أن الأسباب البعيدة للبشاعة الخُلْقيّة خواصٌ أصيلةٌ في نسيج الواقع – الدوكخا، وعَرَضيّة في كلّ الموجودات «المَشْرُوطة». ويمكن العيش مع مثل هذه الأسباب عن طريق الممارسة الخلقيّة: الشّخصيّة والرّوحيّة، لكن لا يمكن تغييرها بواسطة العمل الاجتماعيّ والسياسيّ. من ناحية أخرى يتعارض النشاط الأخلاقيّ مع فضائل البوذيّة التي تتمثّل في التّواضع، والسّكينة، وضبط النّفس، وهُدُوء الطَبْع؛ لهذا فإنه يضطرنا إلى الحديث عن موقف آخر.
يتمثّل الموقفُ الأساسيُّ الرابعُ المُبْغِضُ للبشريّة في السّكينة (Quietism). تعكِسُ السّكينةُ – كسائر المواقف الفلسفيّة الباغِضة للبشريّة – تقييمًا نقديًّا سلبيًّا لِوضع البشريّة الخُلْقيّ، إلا أن ما يميّزُ المُستكينَ هو روحُ الاعتزالِ [الزُّهد]. والرّأي عند المستكينين أنه لا يمكنُ للمرءِ القيام إلا بأمورٍ ضئيلةٍ في سبيل إصلاح حال البشريّة. قد يرون أن قَدْرَ نواقصنا يفوق ما يمكن إصلاحه. ربّما يخشون النتائج العكسيّة لأيّ جهود مضنية تسعى إلى التّغيير، وهي جهود قد تتيح أرضًا خصبةً جديدةً تُغذي شعورنا بالعظمة، والغطرسة، وقدراتنا على التّضليل الذاتيّ، فيكون الأفضل الاستجابة بطرائقَ أكثر تواضُعًا. يعثرُ المستكين المُبْغِض للبشريّة إذًا على أساليبَ للتكيُّف مع نواقصنا الخُلْقيّة الجمعيّة، ويتحاشى المستكينون الدخول في مجالات الحياة الإنسانيّة التي تزخرُ بالفساد؛ حيث تحتدم إغواءات الطُّموح، والسُّلطة وتكون في أوجها، فيسعون بدلًا من ذلك إلى أساليبَ – من العيش – أبسط وأكثر عادية، بمعزلٍ عن مجرى الحياة المُتسارع العامر بالانشغالات. إنهم يُبقون رؤوسهم مُنكسة؛ حيث يكونون بمأمن من أي نزاعات، ويسعون سعيًا حثيثًا إلى تعزيز فضائلَ مثل الانفصال، والتواضع.
من الأمثلة الجيدة على ذلك: “تشوانغ تسي” (Zhuangzi) (حوالي ٣٦٩-٢٨٦ ق.م)، وهو الفيلسوف الطاوي المشهور بـ«حلم الفراشة». يُعرف “تشوانع تسي” في الأوساط الغربية الحديثة بصفته رومانتيكيًّا، بل فوضويًّا باعتباره شخصًا مُبهجًا، طويلَ الشّعر، حافي القدمين، يحطّ من قدر تعاليم المُلوك الحكماء، ويمقتُ الشكلياتِ الطقسيّةَ الكونفوشيوسيّةَ. وفي الواقع فإن الأمر يبدو أكثر تعقيدًا من كل ذلك؛ لأن رؤية “تشوانع تسي” للحياة الإنسانية كانت قاتمة؛ فقد كان يرى أن أغلب الناس مغتربون، مرتبكون، يتقلبون بألمٍ، «من القلق إلى التعاسة»، بينما تركض حياتهم كحصان جامح، بعد أن ضلّ الطريق (الطاو).
كانت حياة “تشوانغ تسي” الخاصّة إحدى أكثر الحيوات المُتواضعة التي عرفها العالَم؛ حيث يُبيّن “كتاب تشوانغ تسي” (The Book of Zhuangzi) أنه كان يمقتُ المنصبَ السياسيَّ، ويتجنّب خلافات المُفكرين المُتنازعين، ولا يرافِقُ سوى عددٍ قليلٍ من الأصدقاء من ذوي الثقة، وقد طوّر تعلُّقًا تلقائيًّا بالطيور والحيوانات. إن مثل هذه الاستراتيجيات المُتواضعة قد أتاحت له العيش في عالَم الإنسان بإحدى طريقتين: إمّا التكيُّف معه، أو تجنُّب مفاسده وإغواءاته.
مأزقُ بُغْضِ البشريّة
يمكنُ تقديمُ قائمة طويلة من المفكرين المُعادين، والهَارِبين، والنُّشطاء، والمُستَكينين. إن هذه المواقف الأربعة الباغِضة للبشريّة تتكرّر على امتداد عالَم التقاليد الفلسفيّة مرارًا وتكرارًا، كما أن كلًا منها يُبيّن لنا أسلوبًا معيّنًا لمحاولة تحقيق الرّؤية المُبغضة للبشريّة. صحيحٌ أنّ علينا التوسع في تفاصيلها أكثر في ضوء بعض التساؤلات الطريفة التي لم أتعرض لها ههنا؛ ومن أمثلة هذه التساؤلات: ما علاقة بُغْضِ البشريّة بالدين؟ وهل من المعقول أو العادل إدانة البشريّة بدلًا من إدانة فئات معيّنة من البشر؟ وماذا إذا كانت دعوى مبغض البشر مُبالغًا فيها؟ وحتى إذا كانت صحيحة فهل يجوز لنا أن نذيع مَساوئ الإنسانيّة؟
إن كلّ هذه تساؤلات مهمة، لكن من المرجّح أننا لا نريد خوض غمارها إلا إذا كنا نسلّم بأهميّة الطّرح الفلسفيّ المُبغض للبشريّة؛ يعني هذا استبعاد التعريف المعجميّ لبغض البشرية بوصفه «كره بني الإنسان». وثَمَّ طرق عديدة – لكي تكون مبغِضًا فلسفيًّا للبشريّة – لا يعدُّ الكره إلا أحدها. وفي الواقع فإن مبغض البشر ذاته قد لا يستقر على موقف واحد. وبالنظر في كتابات العديد من مبغضي البشريّة، رأيت في معظمها تذبذبًا محيّرًا بين مواقف مختلفة؛ رأيت لحظات من الكره الغاضب، يعقبها هدوء مُستسلم، يؤول في النهاية إلى أمل مُشرق، وهكذا دواليك. لطالما أراد “كونفوشيوس” أن يستكين، لكن أمله في الإنسانية ظل يرده دومًا عن ذلك. لكنه في سنيه الأخيرة مهد نشاطُه الأخلاقيّ الطريقَ لاستكانةٍ مُستسلمةٍ. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن المهمة الفلسفيّة الحقّة لا تتمثل في العيش وفق موقف مبغض للبشرية بعينه، بل إنه يكمن في التعامل مع حال التأرجح العاطفيّ والأخلاقيّ الصّعب بين تلك المواقف المُختلفة. إن التعايش مع ذلك هو جوهر مأزق بُغْضِ البشريّة.




