ترجمة: أثير القحطاني
تؤدي كليات المجتمع دورًا مهمًّا في توظيف الأفراد ذوي التنوع العصبي في ظل نقص العمالة.
كارولين جياسون-بيسيل/ إم آي تي إس إم آر | غيتي إيماجز
أكد جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أن سوق العمل الأمريكي يعاني من نقص هيكلي في العمالة، مشيرًا إلى أن أسبابه متعددة، منها التغيرات السكانية مثل التقدم في العمر وزيادة حالات التقاعد المبكر، إضافةً إلى تداعيات جائحة كورونا التي أدت إلى فقدان أعداد كبيرة من العمال أو غيابهم المستمر، إلى جانب انخفاض غير مسبوق في معدلات الهجرة، مما أدى إلى تفاقم الأزمة بشكل لا يمكن التغاضي عنه. ففي أواخر العام الماضي، بلغ عدد الوظائف الشاغرة نحو ضعف عدد الباحثين عن عمل، مما رفع فجوة العمالة إلى نحو 10 ملايين وظيفة، وعلّق الخبير الاقتصادي نيكولاس إيبرستادت على ذلك قائلًا: “إنها أزمة عمالية بحجم الكساد العظيم”.
تشير الإحصائيات إلى أن 30% إلى 40% من البالغين ذوي التنوع العصبي يواجهون البطالة، بينما قد تصل هذه النسبة إلى 85% لدى الجامعيين المصابين بالتوحد، ويبلغ عدد الأشخاص المصنفين ضمن نطاق التنوع العصبي نحو 50 مليون شخص في الولايات المتحدة، وما بين 15% و20% من سكان العالم. كما يدعو نهج التنوع العصبي إلى تبني رؤية تركز على القدرات، بهدف فهم ودعم ودمج الأفراد ذوي التنوع المعرفي، مثل المصابين بالتوحد، وفرط الحركة وتشتت الانتباه، وعسر القراءة، وعسر الحساب، والحس المزدوج، وعسر الحركة، وغيرهم.
لذا، يواجه الكثير من الأفراد ذوي التنوع العصبي تحديات كبيرة بسبب نقص مسارات الدمج الحقيقية، وهو ما لا يقتصر على كونه قضية أخلاقية، بل يؤثر بشكل ملموس على التعليم وسوق العمل والمجتمع ككل. ومع اتساع الفجوة بين احتياجات التوظيف والكوادر المؤهلة، يصبح إيجاد حلول عملية وشاملة أمرًا حتميًّا.
التنوع المعرفي ودوره في تشكيل بيئات العمل المستقبلي
إن تسخير قدرات الأفراد ذوي التنوع العصبي يمكن أن يساعد الشركات على بناء فرق عمل أكثر جاهزية للمستقبل، فهم يتمتعون بمهارات مثل التفكير الإبداعي، والتفكير غير التقليدي، وحل المشكلات من خلال الهندسة العكسية، والقدرة على معالجة المعلومات البصرية المكانية، والتفكير المنهجي، والحدس العميق، والتركيز الشديد، والتعرف إلى الأنماط متعددة الحواس، ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تزداد الحاجة إلى هذه المهارات في بيئات العمل الحديثة.
حيث يشغل العديد من القادة ذوي التنوع العصبي مناصب رفيعة في مختلف المجالات، بما في ذلك الجيش، رغم تردد الكثيرين في الإفصاح عن هويتهم، وتشير الدراسات إلى أنهم، عند توفر بيئة عمل مناسبة، قادرون على تحقيق أداء يضاهي أو يتفوق على نظرائهم العصبيين في مختلف الوظائف.
كما كشف جيمس ماهوني، المدير المسؤول عن برنامج “التوظيف لذوي التوحد” في JPMorgan Chase، الذي أجرى دراسة يظهر فيها أن الموظفين المصابين بالتوحد قد تفوقوا في الإنتاجية على زملائهم التقليديين بنسبة تصل إلى 140% عند دمجهم بشكل صحيح في بيئة العمل.
فلكل فرد من ذوي التنوع العصبي قدرات وسمات فريدة، مما يجعل من الضروري تقدير هذا التنوع وتعزيزه. فقد أظهرت الأبحاث المتزايدة أن بعض أنماط التفكير غير التقليدية ترتبط بمهارات استثنائية، مثل الإبداع الفائق والقدرة على الابتكار.
وتشير نتائج العديد من الدراسات إلى وجود علاقة إيجابية بين التنوع العصبي وزيادة الإبداع والتفكير الابتكاري، كما تبين أن الأشخاص المصابين بالتوحد أقل عرضة للتحيزات الإدراكية، وأكثر ثباتًا في اتخاذ القرارات العقلانية مقارنة بعامة الناس. وتُعد هذه المهارات والرؤى الفريدة ذات قيمة عالية على المستوى الفردي، بالإضافة إلى دورها المهم في تعزيز التفكير المستقل والحد من الانسياق الجماعي داخل بيئات العمل.
كليات المجتمع: نقطة انطلاق لمواهب التنوع العصبي
يبدأ عدد كبير من الأفراد ذوي التنوع العصبي رحلاتهم التعليمية في كليات المجتمع، ووفقًا لدراسة أُجريت في 2015م، فإن حوالي 80% من الأشخاص المصابين بالتوحد الذين يلتحقون بالتعليم العالي يختارون هذه الكليات.
لذا، من الضروري أن تكون هذه المبادرات الرامية إلى دمج هؤلاء الأفراد في سوق العمل مرتبطة بشكل مباشر مع الكليات، أو من خلال التعاون معها؛ إذ يمكن أن تلعب هذه الخطوة دورًا كبيرًا في تأسيس مسارات وفرص عمل تدعم التنوع العصبي.
ومن المحتمل أن يكون هذا التوجه أكثر وضوحًا في ضوء القرار الأخير للمحكمة العليا الأمريكية حول التنوع في القبولات الجامعية، الذي قد يؤدي إلى تراجع التنوع في الجامعات المرموقة بشكل ملحوظ.
ولذلك، تحتاج الشركات التي تؤمن بأن التنوع هو قيمة أساسية إلى التفكير بطريقة أكثر إبداعًا لإيجاده، وهنا تأتي أهمية توسيع الفرص للطلاب في كليات المجتمع.
خلال فترة رئاستي لجمعية أمناء كليات المجتمع في إلينوي، سعينا لتشجيع التعاون بين كليات المجتمع وأرباب العمل والهيئات الاقتصادية المحلية، كما تم إطلاق أول لجنة “مستقبل العمل” على مستوى الولاية، التي تهدف إلى تسهيل الشراكات المباشرة مع الصناعات، وخلق مسارات جديدة للفرص المهنية للطلاب والمجتمعات.
بناء جسور بين التعليم والصناعة
يُعد نظام كليات المجتمع، بمقارنة العائد مع حجم الاستثمار، الوسيلة الأكثر كفاءة لإعداد مرشحين مؤهلين لتلبية احتياجات الاقتصاد التجاري، الذي يعد أكبر مستفيد من النظام التعليمي، لكن أرباب العمل لن يستطيعوا الاستفادة الكاملة من هذه المواهب إلا إذا تم تطوير مسارات فرص صديقة للتنوع العصبي من البداية والمحافظة عليها.
وتؤدي كليات المجتمع دورًا مهمًّا في تلبية احتياجات أصحاب العمل المحليين.
وفي حال قدمت الكليات دعمًا شاملًا مثل الدعم النفسي، والدروس المتخصصة، وأدوات إدارة الوقت، والتوجيه في المهارات التنفيذية، فإن الطلاب ذوي التنوع العصبي سيكونون أكثر قدرة على إتمام دراستهم والحصول على وظائف.
أصبحت التلمذة المهنية نهجًا أساسيًّا لإعداد الطلاب لسوق العمل؛ حيث تتيح برامج التدريب المهني والمدفوع والتظليل الوظيفي، فرصًا حقيقية لاكتساب الخبرة والمهارات اللازمة. على سبيل المثال، يوفر برنامج Project Hire-Ed في كلية DuPage نموذجًا متكاملًا؛ حيث يحصل الطلاب على تدريب عملي في وظائف فعلية، بينما يتولى أرباب العمل تغطية تكاليف دراستهم. تبرز أهمية هذه البرامج بشكل خاص في مجالات مثل الأمن السيبراني، الذي يشهد إقبالًا واسعًا ويحتضن فئات متنوعة، بما في ذلك الأشخاص ذوو التنوع العصبي. وتأتي هذه الجهود استجابةً للنمو السريع في وظائف محللي أمن المعلومات، التي يُتوقع أن تزداد بنسبة 32% بين عامي 2022م و2030م وفقًا لمكتب إحصاءات العمل الأمريكي. ولتلبية هذا الطلب، توفر كليات المجتمع مثل كليات مدينة شيكاغو وكلية مجتمع ناسو برامج شهادات ميسورة التكلفة، مما يمكّن الطلاب من دخول سوق العمل بسرعة. وبالإضافة إلى ذلك، يتيح التعليم القائم على الكفاءة، مثل برنامج تكنولوجيا اللحام في كلية لويس وكلارك، مسارًا مرنًا يعتمد على إتقان المهارات، مما يمنح المتعلمين فرصة الحصول على الاعتمادات الأكاديمية وتعزيز فرصهم المهنية.
من جهة أخرى، تساهم حركة التنوع العصبي في زيادة الوعي بقدرات الأشخاص ذوي التنوع العصبي؛ حيث بدأت الاستخبارات الأمريكية، مثلًا، بالاستفادة من هذه الطاقات لتعزيز الأمن السيبراني. وقد أظهرت الشركات الكبرى مثل Microsoft وJPMorgan كيف يمكن أن يساهم التنوع الفكري في تعزيز الابتكار. وتمثل هذه الجهود خارطة طريق واضحة للمستقبل؛ حيث إن الشراكات بين الشركات، وجمعيات التنمية الاقتصادية، وكليات المجتمع التي تعتمد برامج دعم متكاملة لصالح التنوع العصبي، تمثّل فرصة لتشكيل قاعدة من المواهب الجاهزة للعمل. ومن خلال هذه المبادرات، يمكننا بناء مواهب قادرة على تحدي الافتراضات القديمة وغير المنتجة حول صورة المرشح المؤهل.
في مكان العمل
لتحقيق الاستفادة المثلى من مواهب التنوع العصبي، يجب على منسقي التوظيف وأصحاب العمل اتباع منهجيات مدروسة، ويتطلب ذلك من إدارات الموارد البشرية مراجعة أساليب التوظيف، مع التركيز على الشمولية، وتعزيز استراتيجيات الدمج التي تدعم فهم كيفية التعامل مع الفرق المتنوعة عصبيًّا.
على المستوى العملي، قد يتطلب ذلك تقديم الإرشاد والتوجيه للأشخاص ذوي التنوع العصبي أثناء عملية الإدماج، مثل تحديد مقاييس واضحة للنجاح، وتجنب الغموض، وتوفير الوصول الشامل إلى أدوات مثل سماعات إلغاء الضوضاء وغيرها من الأدوات والممارسات المساندة. بالإضافة إلى ذلك، بعض الأشخاص من ذوي التنوع العصبي يكونون أكثر إنتاجية في بيئات مألوفة لديهم؛ لذا فإن إظهار الانفتاح على بروتوكولات العمل الهجين أو العمل عن بُعد قد يعكس موقفًا أكثر استجابة لاحتياجاتهم،
لكن هذه الجهود لن تحقق تأثيرًا كبيرًا إذا لم تحتضن الثقافة التنظيمية معايير السلامة النفسية والثقة، وسياسات مكافحة التنمر، والاتصال الواضح. باختصار، مهما تم توفير الموارد، لا يمكن للنمو أن يحدث في تربة سامة. فالفرص كبيرة للمنظمات التي تتطلع نحو المستقبل وتتبنى شمولية التنوع العصبي والانتماء، ولكن الجهود السطحية لن تؤدي إلى نتائج ملموسة. فمن خلال التغلب على الصور النمطية، وتوفير بيئات عمل مرنة قائمة على النتائج، وتعزيز ثقافات شاملة، يمكننا الاستفادة من الإمكانات الكاملة لقوة العمل المتنوعة عصبيًّا.
نبذة عن المؤلفة
مورين دون، حاصلة على شهادة الدكتوراه، خبيرة عالمية في مجال التنوع العصبي والرئيسة السابقة لجمعية أمناء كليات المجتمع في إلينوي، التي تُعد ثالث أكبر اتحاد كليات مجتمع في الولايات المتحدة. أيضًا مؤلفة الكتاب المنتظر حافة التنوع العصبي: الدليل الأساسي لتبني التوحد، وفرط الحركة، وعسر القراءة، واختلافات عصبية أخرى في أي منظمة (وايلي، 2024م).
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




