كريستا هـ. س. بومان، وكاثلين فولر، وأمريتا س. ناين
في السنوات الأخيرة، قلما حظي موضوع في عالم الأعمال بمثل ما حظيت به الاندماجات والاستحواذات من اهتمام بحثي وإعلامي، ولعل ذلك يعود إلى ضخامة حجم نشاط الاندماج والاستحواذ؛ إذ بلغت قيمة نشاطات الاندماج في الولايات المتحدة نحو ستة عشر في المئة من الناتج المحلي الإجمالي سنة تسع وتسعين وتسعمئة وألف (بنجت هولمستروم وستيفن كابلان، ٢٠٠١م)، وبلغت قيمة الاندماجات والاستحواذات حول العالم ذروتها بثلاثة تريليونات وخمسمئة مليار دولار سنة ألفين (الإيكونوميست، ٢٧ يناير ٢٠٠١م).
وخلال الأربعين سنة الماضية، قدمت النظرية الاقتصادية عللًا شتى، إيجابية وسلبية، لِمَ تختار الشركات الانخراط في الاندماجات والاستحواذات؛ فمن ذلك أن يكون المستحوذون يسعون لتحسين الكفاءة أو خلق قوة سوقية، أو استجابة لرفع القيود التنظيمية؛ وفي حالات أخرى، قد يكون الهدف التنويع أو بناء إمبراطورية، وربما كان الدافع غرور الإدارة. وقد أظهر البحث التجريبي أن جل هذه النظريات تفسر بعض أنواع نشاطات الاندماج، وإن كانت بعض النظريات ألصق بفترات زمنية معينة؛ فقد اتسم عقد الستينيات باندماجات التنويع، وسمي عقد الثمانينيات الآن بعقد الانضباط السوقي، وغلب على التسعينيات رفع القيود التنظيمية.
وقد ركز كثير من البحث الأكاديمي والروايات الشفهية على هذا السؤال الجوهري: هل تخلق الاندماجات والاستحواذات قيمة؟ ومن الطريف أن الجواب ليس جليًّا؛ فخلق الاندماج للقيمة يتوقف على عوامل عدة: كطريقة قياس التحسن في القيمة (أكان عبر أداء الأسهم في الأمد القصير أو الطويل، أم عبر مقاييس المحاسبة كالأرباح والكفاءة وسواها)، والطرف الذي يُبحث أمره (المزايد، أو الهدف، أو الكيان المدمج)، ونوع الصفقة (عرض الشراء مقابل الاندماج، أو التنويع مقابل تعزيز التركيز)، وطريقة الدفع (نقدًا أو أسهمًا أو مزيجًا)، ونوع الهدف (شركة عامة، أو خاصة، أو فرع)، وتقييم المزايد أو الهدف أو السوق.
مقاييس خلق القيمة
ثمة ثلاث طرائق شائعة لقياس هل كانت الاندماجات تخلق قيمة. أولاها: أداء الأسهم في الأمد القصير للمزايد أو الهدف أو الكيان المدمج حول إعلان الاستحواذ، وهي الطريقة الأوسع انتشارًا في الدراسات. ويرى كثيرون أن أداء الأسهم في الأمد القصير هو الدليل الأوثق على خلق القيمة، إذ إن السوق المالية الكفء تعدّل الأسعار سريعًا لاحتواء كل معلومة جديدة وكل تغيير متوقع في القيمة جراء الاستحواذ. ولا تلتفت هذه الدراسات إلى العائد الفعلي للأسهم في بضعة أيام، بل تركز على العائد غير الطبيعي، أي ما زاد على ما كان يمكن أن يحققه المستثمر لو استثمر في السوق عامة.
أما المقياس الثاني لخلق القيمة فهو أداء أسهم الشركة المستحوذة في الأمد الطويل، أي خلال ثلاث إلى خمس سنوات بعد إعلان الاستحواذ. وقد أظهرت الدراسات أن بعض المستحوذين يقصرون عن نظرائهم في الأمد الطويل، ما يثير الشك في الحكمة السائدة بأن أسعار الأسهم تتعدل سريعًا وكليًّا عند مدة الإعلان. وتركز دراسات الأمد الطويل أيضًا على الأداء غير الطبيعي، لا يُنظر في التقييم إلى السوق بوجه عام، بل تُجرى المقارنة بين الشركة المستحوِذة ونظيراتها من الشركات غير المندمجة التي تماثلها في الحجم ونسبة القيمة السوقية إلى الدفترية. ويُقاس الأداء غير الطبيعي باحتساب الفارق بين عائد سهم الشركة المستحوِذة وعائد سهم شركة مماثلة لم تشارك في أي عملية اندماج.
وثالث طرائق قياس خلق القيمة: فحص مقاييس المحاسبة للربحية، كالعائد على حقوق الملكية أو الأصول، وأداء التدفقات النقدية. فإن كانت الاندماجات تخلق قيمة للمساهمين، وجب أن تنعكس هذه المكاسب في أداء الشركة وربحيتها. وكما في مقياس أداء الأسهم في الأمد الطويل، تبحث هذه الدراسات فيما إذا كان المستحوذون قد تفوقوا على نظرائهم، حيث يُعرف النظراء بأنهم شركات غير مندمجة في الصناعة نفسها، ومن حجم وربحية مماثلين للمزايد.
الرابحون والخاسرون في الاندماجات والاستحواذات
استنادًا إلى أداء الأسهم في الأمد القصير، فإن مساهمي الشركة الهدف هم “الرابحون الكبار” في الاندماجات والاستحواذات؛ إذ يحققون عوائد غير طبيعية كبيرة وموجبة. أما مساهمو الشركة المستحوذة فهم “الخاسرون”؛ إذ يجنون عوائد غير طبيعية صفرية أو سالبة. ويبدو أن الكيان المدمج أفضل حالًا قليلًا، ما يشير إلى أن الاستحواذات تخلق في المتوسط قيمة للمساهمين. وتشير دراسات أداء الأسهم في الأمد الطويل إلى أن مساهمي الشركة المستحوذة خاسرون في المدى البعيد أيضًا؛ أي إن المستحوذين يقصرون عن نظرائهم غير المندمجين خلال ثلاث إلى خمس سنوات بعد الاستحواذات. غير أن هذا التقصير يُعزى إلى أصغر المستحوذين. وتظهر الدراسات المحاسبية نتائج متباينة؛ فبعضها يجد أن المستحوذين يتفوقون على نظرائهم، وبعضها يجد تساويًا أو تقصيرًا. وتركز الدراسات التي تبحث نوع الاستحواذ على أن عروض الشراء (وغالبًا ما تكون عدائية) تخلق قيمة للمزايدين، في حين أن الاندماجات (الودية) لا تفعل؛ علاوة على أن التنويع يميل إلى تدمير القيمة، أما التركيز فيحافظ عليها.
وتظهر الدراسات التي تفحص طريقة الدفع أن الاستحواذ بالنقد يتفوق على الاستحواذ بالأسهم، في الأمدين القصير والطويل كليهما. ومن ثم، فإن مساهمي الشركة المستحوذة يحققون عوائد غير طبيعية موجبة إذا كان الدفع نقدًا، وصفرية أو سالبة إذا كان الدفع بالأسهم. ومع أن مساهمي الشركة الهدف يحققون عوائد موجبة في الأمد القصير بصرف النظر عن طريقة الدفع، فإن حالهم يكون أحسن في غياب تمويل بالأسهم.
أخيرًا، إن نوع الهدف المشتَرى يؤثر تأثيرًا بالغًا في عوائد المقتنين على المدى القصير؛ فالمزايدون يجنون عوائد سالبة عند شرائهم للأهداف العامة، في حين يحققون عوائد موجبة عند استحواذهم على الأهداف الخاصة أو التابعة. وإذا قُسِّمت العروض بحسب وسيلة الدفع نقدًا، أو أسهمًا، أو مزيجًا منهما فإن الاستحواذات على الأهداف العامة تؤدي إلى عوائد معدومة إذا كان العرض نقديًّا أو مختلطًا، في حين تكون العوائد سالبة إذا كان الدفع بالأسهم. أما بالنسبة للأهداف الخاصة والتوابع، فالعوائد موجبة للمقتنين بصرف النظر عن وسيلة الدفع.
ومع أن جلَّ البحوث حتى اليوم قد انصبت على قياس مكاسب وخسائر الاندماجات، فإن البحث في كيفية خلق هذه الاندماجات للقيمة أو تدميرها كان قليلًا.
صلة التقييم بالأداء
لقد سعت بحوث حديثة في مجال الاندماجات والاستحواذات إلى ربط تقييمات السوق للشركات منفردة، فضلًا على مستويات السوق المالية عامة، بنشاط الاندماجات وأدائها.
وليست فكرة تأثير أسعار الأسهم في نشاط الاندماج بالجديدة؛ إذ تعود على الأقل إلى رالف نلسون (١٩٥٩م)، الذي لاحظ أن نشاط الاندماجات يزدهر حينما تكون أسعار الأسهم مرتفعة. وقد أكد بويان يوفانوفيتش وبيتر روسو (٢٠٠١م) هذه الملاحظة، إذ أظهرا أن فترات النشاط المرتفع للاندماجات تتزامن مع تقييمات سوقية مرتفعة، وأن الشركات في هذه الموجات تميل إلى استخدام الأسهم في الاستحواذات. غير أن الباحثين حديثًا بدؤوا يفحصون أثر تقييمات السوق في أداء الاندماجات.
وقد أظهرت دراسات عديدة أن المقتنين الذين يدفعون بالأسهم تحقق أداءً أضعف من نظرائها على المدى الطويل، في حين يتفوق المقتنون الذين يدفعون نقدًا على أقرانهم. وأشار عمل كينيث مارتن (١٩٩٦م) إلى هذه الصلة؛ إذ بيّن أن المقتنين الذين يستخدمون الأسهم يملكون عادة نسب سوق إلى دفتر مرتفعة، في حين أن الذين يدفعون نقدًا تكون نسبهم منخفضة؛ وقد أظهرت دراسات كثيرة أن الذين يدفعون بالأسهم أداؤهم أضعف من نظرائهم، أما الذين يدفعون نقدًا فيتفوقون عليهم. وقد أرسى راغافندرا راو وثيو فيرمالين (١٩٩٨م) هذه الصلة بين تقييم الشركة وأداء الاندماج بصورة مباشرة، إذ قارنا أداء “شركات اللمعان” (ذات أعلى نسب سوق إلى دفتر عند إعلان الاستحواذ) بأداء “أسهم القيمة” (ذات أدنى نسبة). ونظرًا لأن شركات اللمعان قد أدت أداءً حسنًا في الماضي (عوائد أسهم مرتفعة ونمو كبير في الأرباح والتدفقات النقدية)، افترض المؤلفان أن السوق تبالغ في تقدير الأداء الإيجابي الماضي عند تقييم الاستحواذات، وأن الإدارة تبالغ في تقدير قدراتها. ومن ثم، فإن نشاط الاندماج غالبًا ما يدمر القيمة، وتلك الشركات اللامعة تتخلف عن أقرانها على المدى البعيد.
برهان الصلة
لقد وجدت كريستا بوومان، وكاثلين فولر، وأمريتا ناين (٢٠٠٣م) أن مستوى السوق عند إعلان الاستحواذ كما يُقاس بنسبة السعر إلى الأرباح لمؤشر S&P 500 يؤثر في أداء الاندماج على المدى القصير والطويل. فالتأثيرات قصيرة الأمد إيجابية في الأسواق ذات التقييم المرتفع، وسلبية في الأسواق ذات التقييم المنخفض. أما على المدى الطويل، فإن المقتنين في الأسواق مرتفعة التقييم تحقق أداءً أضعف من أقرانهم، وأولئك في الأسواق منخفضة التقييم يتفوقون عليهم، بصرف النظر عن وسيلة الدفع. وعليه، فليس صحيحًا دومًا أن الدفع نقدًا مفيد لمساهمي الشركات المقتنية. وقد قدمت دراسة حديثة لمجموعة بوسطن الاستشارية (جيفري كوتزن، وكريس نينان، وألكسندر روس، ودانيال شتيلتر، ٢٠٠٣م) دليلًا مؤيدًا: فالاستحواذات في فترات النمو الاقتصادي دون المتوسط كما يُقاس بنمو الناتج المحلي الإجمالي بأقل من ٣.١٪ تخلق قيمة للمساهمين أكثر من الاستحواذات في فترات الاقتصاد القوي. ويشير الأداء القوي للمقتنين منخفضي التقييم واقتصادات الضعف إلى أنهم لا ينشغلون بردود السوق الآنية، بل يركزون على أساسيات الأعمال والتآزر الحقيقي.
وقد اقترحت مقالتان حديثتان أن السبب الجذري لهذه الصلة بين التقييم والأداء قد يكون سوء التقييم من قبل السوق. فقد أشار أندريه شلايفر وروبرت فيشني (٢٠٠٢م) إلى أن كفاءة الأسواق الرأسمالية واختلاف آفاق مديري الشركات يدفعان نشاط الاندماج. وذهبا إلى أن الاستحواذات بالأسهم يجريها مديرو الشركات المقيمة بأكثر من قيمتها الحقيقية لتدارك ما يعلمون أنه سيكون عوائد سالبة على المدى الطويل، وذلك مراعاة لمصلحة المساهمين على المدى البعيد. غير أن هؤلاء المزايدين، إذ يسعون للدفع بأسهم مقيمة بأكثر من قيمتها، لا تقبل عروضهم إلا الشركات الهدف التي هي نفسها مقيمة بأكثر من قيمتها. من جهة أخرى، فإن المقتنين المقيمين دون قيمتهم لا يرغبون في الدفع بأسهمهم، فيلجؤون إلى النقد.
أما ماثيو رودس-كروف وإس. فيسواناثان (٢٠٠٢م) فقد اقترحا أن نشاط الاندماج يزداد في فترات ازدهار السوق لأن الأهداف تقبل عروض المقتنين أكثر. وذهب المؤلفان إلى أن الشركات تعلم أكانت مقيمة بأكثر أو أقل من قيمتها، لكنها تجهل أكان هذا التقييم الخطأ بسبب عامل عام في السوق أم خاص بالشركة. ففي السوق مرتفعة التقييم، تميل الشركات إلى التقليل من شأن العامل العام والمبالغة في تقدير الخاص، ويحدث العكس في السوق منخفضة التقييم. لذا فإن الشركة الهدف تكون أكثر ميلًا لقبول العرض في الأسواق مرتفعة التقييم.
تشير البحوث الحديثة إلى تأييد تجريبي لهذه النظريات في سوء التقييم؛ فقد وجد رودس-كروف وديفيد روبنسون وفيسواناثان (سنة ٢٠٠٣م) أن المشترين المبالغ في تقييمهم يشترون أهدافًا أقل مبالغة في التقييم، وأن المشترين بالأسهم أكثر مبالغة في التقييم من المشترين بالنقد. كما وجد مينغ دونغ وديفيد هيرشلايفر وسكوت ريتشاردسون وسيو هونغ تيوه (سنة ٢٠٠٣م) أنه إذا كان سوق الأسهم مبالغًا في تقييمه، فإن قيمة نشاط الاستحواذ (كنسبة من القيمة السوقية) تكون أعظم، وأن الأسهم يُرجح استعمالها كأداة للدفع. وخلاصة هذه البحوث أن أسعار الأسهم ذات شأن عظيم؛ إذ إن تقييم الشركة والسوق يؤثران بوضوح في شدة نشاط الاندماج وأداء الاندماجات اللاحق. ومع أن بعض الدراسات ترى أن سوء التقييم على مستوى الشركة والسوق هو الدافع لهذه النتائج، فإن مزيدًا من البحث ضروري لإثبات السببية بدقة، وتحديد هل كانت مقاييس أخرى لسوء التقييم، كحجم مبيعات المطلعين أو التلاعب في الأرباح عبر الاستحقاقات، تؤدي إلى نتائج مماثلة. ومع ذلك، فإن الدلالة الرئيسة للمديرين واضحة كل الوضوح: ينبغي الحذر من الاستحواذات حينما تكون تقييمات السوق أو الشركة مرتفعة، والتفاؤل بالاستحواذات حينما تكون التقييمات منخفضة.
—————————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




