ترجمة: ديمة الشنبري
كيف تعالج العلوم الإنسانية العلاقات بين البشر والحيوانات؟ بين الأهداف المعرفية والسياسية، يتقدم الحيوان على جانبي المحيط الأطلسي كموضوع دراسة شرعي، بل وحتى كموضوع سياسي مستقل بذاته.
يصف العالم جان-بيير ديغار (Jean-Pierre Digard) في علم الإنسان ب “الظلامية” وهي جزء كبير من الأبحاث الحديثة في العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تتناول العلاقات بين البشر والحيوانات. بدعوة من زملائه لمناقشة وجود تحول نحو “الأنيمالية” في علم الإنسان، يوضح المتخصص في تدجين الحيوانات أن التطورات الاجتماعية في تصورات الحيوانات أثرت بشكل مباشر على إنتاج المعرفة حول هذا الموضوع. تطورت نظرية الحيوان من خلال التشكيك في وجود حدود جذرية بين البشر والحيوانات منذ القرن التاسع عشر.
بدأ المفكرون منذ السبعينيات في إنتاج أعمال معيارية حول العلاقات بين البشر والحيوانات، ما أثر لاحقًا على ظهور أبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية حول هذا الموضوع. فإن هذه الأعمال بالنسبة لديغار (Digard) تشكك في حدود ثانية: تلك التي تفصل العلم عن الالتزام النضالي. هنا يتم بوضوح انتقاد استغلال البحث العلمي من قبل مؤيدي القضية الحيوانية[1]، حيث يُعدّ ذلك عرضًا من أعراض ظلامية ضارة.
فهل يكفي هذا الانتقاد لوصف العلاقات بين القضية الحيوانية والعلوم الاجتماعية والإنسانية؟ لا أظن، وسأحاول أن أظهر أن اهتمام العلوم الاجتماعية والإنسانية بالعلاقات بين البشر والحيوانات يعود بقدر متساوٍ إلى عوامل داخلية في العالم الأكاديمي، وكذلك إلى عوامل خارجية، وأحيانًا يكون من الصعب للغاية التمييز بين ما يتعلق بالتبريرات المعرفية وما يرتبط بالالتزام تجاه حقوق الحيوان.
التأثيرات
دعونا نناقش أولًا الطريقة التي تم بها دمج العلاقات مع الحيوانات تدريجيًّا في نطاق تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية (مع أنها لا تزال حتى اليوم موضوعًا هامشيًّا). منذ ستينيات القرن الماضي وأعمال أندريه-جورج هودريكور (d’André-Georges Haudricourt) تمكنت دراسة العلاقات مع الحيوانات (وأيضًا النباتات) من التطور بشكل مشروع [2]من حيث التسلسل الزمني، إنه التاريخ الذي سيأتي أولًا لينازع الوضع شبه الاحتكاري الذي كان لعلم الإنسان في موضوع «العلاقات بين البشر والحيوانات».
ازدهر تاريخ الحيوانات الذي بدأه روبرت ديلور في الثمانينيات (Robert Delort) وشهد علم الجغرافيا بدوره ما يمكن تسميته بـ”التحول الحيواني”[3] وذلك بفضل أعمال إريك بارتاي، دانييل روش، أو ميشيل باستورو (d’Éric Baratay, Daniel Roche, ou Michel Pastoureau) في أواخر التسعينيات. أما بالنسبة لعلم الاجتماع، فيجب انتظار العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لظهور عدة مرافعات تدعو إلى تأسيس مجال بحثي محدد حول العلاقات مع الحيوانات[4]. هذه التطورات، التي تم وصفها بشكل عام، ليست بعيدة عن التغيرات الكبرى التي طرأت على المشهد الفكري للعلوم الاجتماعية والإنسانية. بالفعل، ساهمت أعمال برونو لاتور وميشيل كولون في علم الاجتماع، وكذلك أعمال فيليب ديسكولا وتيم إنغولد (Bruno Latour et Michel Callon et ceux de Philippe Descola et Tim Ingold) في علم الإنسان[5] في منح الكيانات غير البشرية نوعًا من الفاعلية التي يجب على الباحث أن يأخذها في الحسبان.
عند تطبيقها على مسألة العلاقات مع الحيوانات، تُترجم هذه المناقشات التي تعيد توزيع القدرات بين البشر وغير البشر إلى انتقال من نهج رمزي إلى نهج يمكن وصفه بأنه فاعلي. تُفهم الحيوانات أساسًا في النهج الأول على أنها وسائط مادية ورمزية للمجتمعات البشرية، باعتبارها تكشف طريقة عمل هذه المجتمعات، أو كأداة للسلطة الاجتماعية والسياسية. أما في النهج الثاني، فإن الحيوانات لا تُعدّ فقط كأشياء تشكلها المجتمعات البشرية، نسعى لفهم دورها الفاعل في الديناميات الاجتماعية. هذا التغيير في المنظور في العالم الفرانكفوني يتجاوب مع التطورات على المستوى الدولي (بمركزية العالم الأنجلوساكسوني) في مجتمع دراسات الحيوانات.
جماعة “دراسات الحيوانات” بشكلها الحالي تتكون من أكاديميين متخصصين في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية[6]. تطالب أيضًا بنوع من الالتزام تجاه تحسين أوضاع الحيوانات، وبناءً على ذلك تضمّ في صفوفها جمعيات لحماية الحيوانات ونشطاء مؤيدين لحقوق الحيوان. عادة ما يربط أعضاء “دراسات الحيوانات” أصل جماعتهم إلى أعمال الفيلسوف بيتر سينغر المستشار القانوني توم ريغان (Peter Singer; du juriste Tom Regan) حيث يكرّس الأول الفكر “المضاد للتمييز بين الأنواع” ونظرية تحرير الحيوانات، بينما يدافع الآخر عن فكرة “حقوق الحيوانات”. هذا الانتساب التاريخي يشير إلى الطابع المبكر الملتزم لـ “دراسات الحيوانات”. وهناك انتساب آخر يشير إلى أن “دراسات الحيوانات”[7] تشكلت أيضًا بفضل مجال بحثي سبق وجودها: وهو مجال “التفاعلات بين البشر والحيوانات”. في سبعينيات القرن الماضي، ظهرت دراسات حول الآثار الإيجابية للتفاعلات مع الحيوانات على صحة الإنسان[8]، فجمعت حولها أطباء بيطريين، وصناع غذاء الحيوانات الأليفة، وجمعيات حماية الحيوانات. شجعت هذه المجموعات من الفاعلين، المهتمين جميعهم بترويج صورة إيجابية عن الحيوانات ورفقتها، على تمويل الأبحاث التي تعزز فكرة أن الرفق بالحيوانات له تأثيرات صحية، ونفسية، واجتماعية كبيرة. نتيجة لهذه الجهود، أصبحت مجلة أنثروجوس Anthrozoös الوسيلة الرئيسية لنشر هذه الأبحاث. استقبلت أنثروجوس (Anthrozoos) أولى مساهمات الباحثين المهتمين بما بدأ يُطلق عليه في التسعينيات: “دراسات الإنسان والحيوان”.
ثم جاءت مجلة المجتمع والحيوانات (Society & Animals) لتثبيت استخدام هذا المصطلح. ومع هذه المجلة الجديدة، قامت جماعة “دراسات الحيوانات” في طور التشكيل آنذاك بانتقاد موقف الحياد العلمي الذي كان سائدًا في مجال “التفاعلات بين البشر والحيوانات”، لدرجة أنها طالبت تدريجيًّا بالتخلي عنه. في الواقع، تتبنى السياسة التحريرية لمجلة المجتمع والحيوانات (Society & Animals) الأبحاث بطابعها الملتزم، وتؤكد على ارتباطها بأعمال أخلاقيات الحيوان في سبعينيات القرن الماضي. يشير الاهتمام المتزايد الذي أولته المجلة للعلوم الاجتماعية إلى الرغبة في بناء قضية الحيوان كمسألة اجتماعية وسياسية: وضعية الحيوانات بعدّها إشكالية، والتي يمكن ويجب التعامل معها. وستصبح هذه الضرورة أكثر هيكلية داخل جماعة “دراسات الحيوانات”، إلى درجة أنه تم التنظير لها من خلال مفهوم “الباحث-الناشط” (Shapiro & De Mello, ٢٠١٠م)، وأصبح الشعار الرئيسي لـ”دراسات الحيوان النقدية”، وهي فرع “متطرف” ظهر في العقد الأول من الألفية الثانية يرتبط مباشرة بمنظمات مكرسة لتحرير الحيوانات (Best, ٢٠٠٣م).
من خلال حديثي عن كيفية دمج العلاقات بين البشر والحيوانات في العلوم الاجتماعية الفرنكوفونية ووصف تطور “دراسات الحيوانات” على المستوى الدولي، أردت أن أُبرز تباينًا: في إحدى الحالات، يبدو أن دمج موضوع “العلاقات مع الحيوانات” يُناقش فقط من منظور علمي بحت، بينما في الحالة الأخرى، تبدو الأبعاد السياسية والنضالية حاضرة بشكل دائم. من جهة يسعى الباحثون إلى التفكير فيما يمكن أن يسهم به موضوع “الحيوان” في فهم الديناميات الاجتماعية. ومن جهة أخرى، يسعون إلى تحليل الديناميات الاجتماعية لتعود بالنفع للحيوانات. هذا التباين الذي تم التركيز عليه عمدًا، هو مصدر لعدة انتقادات وجّهها أكاديميون فرنسيون للأسباب التي تدفع زملاءهم إلى تناول موضوع العلاقات بين البشر والحيوانات.
كشف الحقيقة
يظهر جان بيير ديغار (Jean-Pierre Digard) الذي تم ذكره في مقدمة هذا النص انتقادًا واضحًا تجاه استيراد النظريات الأنجلوساكسونية حول العلاقات مع الحيوانات [9]إلى العالم الفكري الفرنسي. في الواقع، الأفكار التي طرحها بيتر سينغر (Peter Singer) بشأن “مناهضة التمييز بين الأنواع” وتحرير الحيوانات، والتي كانت لفترة طويلة هامشية، اكتسبت في بضع سنوات أهمية كبيرة في المشهد الفكري الفرنسي. في عام ١٩٩٢م، وصف الفيلسوف لوك فيري (Luc Ferry) هذه الأفكار بأنها معادية للإنسانية بشكل خطير. وبعد بضع سنوات، رفضتها كاثرين ورافاييل لارير أيضًا (Catherine et Raphaël Larrère) مشيرين إلى الأساس الأيديولوجي المشترك بين الفكر التحرري وعلم تربية الحيوان (تعد تربية الحيوانات الصناعية تطبيقه المباشر): هذا الأساس هو أن المنفعة التي لا يمكن أن تكون أساسًا متينًا لتحسين علاقاتنا مع الحيوانات. ننتقل من الرفض إلى التساؤل مع نشر عدد خاص من مجلة النقد Critique[10] في عام ٢٠٠٩م، بعنوان “تحرير الحيوانات؟” يعكس الاستفهام في العنوان الحيرة التي كانت تستقبل بها هذه النظريات في فرنسا، وكذلك الاهتمام الذي بدأت تثيره.
وفي العام نفسه كان نشر ملخص حول الأخلاقيات الحيوانية أول خطوة نحو قبول هذه النظريات المضادة للتمييز بين الأنواع أكاديميًّا [11] بمقدمة كتبها سينغر(Singer) من قبل دار النشر الجامعية الفرنسية. منذ ذلك الحين يبدو أن القبول أصبح أكثر واقعية، كما يظهر من خلال زيادة الإنتاج المقالي حول هذا الموضوع.
هذا «التحوّل» التدريجي للعالم الفكري الفرنسي نحو النظريات «الحيوانية» الذي انتقده ديغار في عدة نصوص[12]. يشير عالم الأنثروبولوجيا إلى قرب بعض الفلاسفة من الحركات الداعية لحماية الحيوانات، مشيرًا إلى أن هذه الحركات القادمة من البلدان الأنجلوساكسونية تمارس ضغطًا نشطًا لفرض رؤية مضادة للتمييز بين الأنواع في قضية الحيوانات. يجدر بالذكر أن ديغار هو عضو مؤسس لجمعية ProNaturA France التي تهدف بشكل صريح إلى «مكافحة التصورات “الفلسفية” التي تروجها البيئة المتطرفة، بما في ذلك نظريات “تحرير الحيوان[13]“». لكن إلى جانب الكشف عن استغلال العالم الأكاديمي من قبل دعاة قضية الحيوانات، نجد أيضًا نقدًا للأساس التجريبي الذي تستند إليه النظريات الحيوانية. فيسلط ديغار الضوء على الفرق بين العلاقات الإنسانية الحيوانية الفعلية التي يدرسها عالم الاجتماع والأنثروبولوجي، وبين العلاقات الأنثروبولوجية الوهمية التي يستخدمها المفكرون «الحيوانيون».
يرصد العلماء العلاقات بين البشر والحيوانات ويقوموا بتوثيق العلوم باستخدام منهجيات دقيقة تدّعي نوعًا من الحيادية. وفي الحالة الأخرى، تكون هذه البيانات متحيزة، أنتجها نشطاء يركزون على إبراز علاقات الاستغلال بين البشر والحيوانات. أو أن هذه العلاقات «تخيلها» الفلاسفة الحيوانيون الذين يستخدمون أمثلة مستمدة من تجاربهم الشخصية لبناء حجج منطقية، أو من مواقف «عادية نموذجية» لكنها حتمًا وهمية[14]. هنا يتخذ الناقد توجهات ذات طابع «مؤسسي» أو يتعلق على الأقل بالاختصاص الأكاديمي: فيطعن في شرعية الفلاسفة في التحكم بواقع لا يعرفونه إلا معرفة مجردة وجزئية إن لم تكن معدومة.
وفي السياق نفسه، تنتقد جوسلين بورشيه عالمة الاجتماع في المعهد الوطني للبحوث الزراعية (INRA)، ما تصفه بـ«أمية متعلقة بالحيوانات» لدى الفلاسفة «الحيوانيين» الذين يتحدثون عن العلاقات بين البشر والحيوانات دون دعم حججهم بأعمال ميدانية، ودون معرفة حقيقية بـ«البهائم» التي يتناولونها[15]. اعتراضًا على تشبيه تربية المواشي بمشروع استغلال، بل واستعباد، كائنات حساسة على نطاق صناعي، تعتمد بورشيه على أبحاثها لإظهار أن تربية الماشية تستند أيضًا إلى العاطفة، والاهتمام، والرعاية من قبل المربين تجاه الماشية[16]. لذلك تدعو من خلال عنوان إحدى مقالاتها إلى عدم تحرير الحيوانات: إذ إن تربية الماشية تعني التخلي عن شكل من أشكال العلاقة التي تمتد لآلاف السنين مع الحيوانات، وهي جزء من إنسانيتنا، والتي بدأنا بالكاد في استكشافها، خاصة بفضل الأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية. فقد تكون النظريات الحيوانية حينها ضارة من الناحية العلمية، لأنها ستؤدي إلى إخفاء جانب كامل من الواقع غير المعروف. ومن هذا المنطلق، فإن هذا التأثير لن يعزز تطور الأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية حول العلاقات مع الحيوانات، إذ ستكون مثقلة بالافتراضات المعيارية، ما يعيق إنتاج الفهم «الموضوعي» لهذه العلاقات[17].
يمكن ملاحظة أن جزءًا من هذه الانتقادات يشبه الحجج المستخدمة في الصراعات بين النشطاء المؤيدين لحقوق الحيوانات ومعارضيهم (ولا سيّما الصيادين)[18]، يصور المعارضون النشطاء «الحيوانيين» على أنهم غير عقلانيين، يفتقرون إلى أي موضوعية، ولا يعرفون بشكل عام الكثير عن الحيوانات وما يربطها بالبشر[19]. علاوة على ذلك، يمكن الإشارة إلى أن هذه الانتقادات، رغم ادعائها الموضوعية أو الحيادية العلمية، تتضمن أيضًا خطابًا معياريًّا حول العلاقات التي ينبغي للبشر أن يقيموها مع الحيوانات. من خلال الرد على معيارية «الحيوانيين» بمعيارية مضادة، تسهم هذه الانتقادات في جعل الأسئلة الأخلاقية والسياسية نقاط مرور إلزامية في أي طرح يتعلق بالعلاقات بين البشر والحيوانات، وتؤسس خط مواجهة يجب على كل عالم أن يحدد موقفه منه مسبقًا.
المطابقات
كيف يمكن مناقشة العلاقة بين العلوم الاجتماعية والقضية الحيوانية دون الحاجة إلى أن نكون بجانب أحد طرفي هذا الصراع؟ كيف يمكن تجنب استخدام المفردات النقدية المتعلقة باستغلال المعارف العلمية من قبل النشطاء، أو على العكس يمكن اعتبار خضوع العالم الأكاديمي لمتطلبات أخلاقية أمرًا مفروغًا منه؟ هنا أيضًا قد يكون الرجوع إلى نهج مقارن مفيدًا، ولا سيّما لإظهار أن التمييز بين ما هو علمي وما هو سياسي ليس واضحًا كما يبدو.
من منظور فرنسي، تمت صياغة الدعوات لإدماج «الحيوانات في العلوم الاجتماعية» بشكل أساسي بطريقة معرفية: كان الهدف الرئيسي هو تسليط الضوء على جانب غامض من الديناميكيات الاجتماعية، وهو العلاقات التي يقيمها البشر مع الحيوانات. بمعنى آخر، توثيق واقع اجتماعي غير مكتمل. ومع ذلك، ظلت هناك إشكالية غامضة حول ما يجب تضمينه في وصف هذا الواقع: هل نركز على الحيوانات نفسها أم على علاقاتها مع البشر؟ كان الخيار الأول هو الأصح بالنسبة للأغلب، لأنه بدا الأكثر قطعًا مع المقاربات الرمزية التي كانت سائدة حتى ذلك الحين.
في مقال يهدف إلى تقديم برنامج جديد، يدعو ألبرت بيت (Albert Piette) إلى دراسة العلاقات بين البشر والكلاب من خلال تحويل انتباه الباحث إلى الكلب (نظرًا لعدم التماثل المتأصل في هذه العلاقة[20]). وهو البرنامج الذي تطبقه ماريون فيكار (Marion Vicart) من خلال ما تسميه «الظواهر العادلة»، التي تهدف إلى توثيق طريقة الوجود الخاصة بالكلاب، سواء كانت تلك الكلاب على علاقة مع البشر أم لا[21]. وفي السياق نفسه، دافع العديد من الباحثين عن الفضائل المعرفية لتطبيق أدوات وأساليب العلوم الاجتماعية والإنسانية لدراسة الحيوانات «بين بعضها».[22] وهكذا يصبح التعمق في معرفة الحيوانات من خلال نظرة العلوم الاجتماعية الإنسانية فكرة مهيمنة، بل ضرورة معرفية يجب تحديد موقف إزاءها. يقول فلوران كوهلر (Florent Kohler)[23]: «الرهان كله هو الوصول، باستخدام الأدوات المتاحة لنا، إلى وجهة نظر ليست وجهة النظر البشرية»، وهو يتبع في ذلك طموح إيريك باراتي (Éric Baratay) الذي يسعى إلى إنتاج «تاريخ من وجهة نظر الحيوانات[24]». وهكذا تحت تأثير نوع من التضخم المعرفي (أي منهج سيكون أكثر ابتكارًا من سابقه)، انحرف هدف «إعادة إدماج الحيوانات في العلوم الاجتماعية» من إعادة توازن النظرة البشرية إلى التركيز على مراقبة الحيوانات فقط وتوثيق وجهة نظرها. هذا التطور دفع بعضهم إلى القول إنّ معظم الأعمال الحديثة التي تناولت العلاقات مع الحيوانات كانت تهدف إلى «جعل الحيوانات موضوع بحث تجريبي مستقل بالكامل»[25].
من اللافت للنظر وجود نقاط مشتركة بين هذا التطور الفرانكفوني وتطور دراسات الحيوانات على المستوى الدولي. وفي الواقع بالتوازي مع التأكيد التدريجي على ضرورة التقارب بين العلم والنشاط الذي تم وصفه سابقًا، تضع دراسات الحيوانات في قلب مشروعها العلمي إنتاج خطاب يركز على الحيوانات وحدها. إن الاستخدام الشائع لمصطلح “دراسات الحيوانات” في العقد الأول من الألفية الجديدة بدلًا من “دراسات الإنسان والحيوان” لا ينبغي تفسيره كمسألة لغوية بحتة. بل إنه يعكس رغبة المجتمع الأكاديمي في الابتعاد عن المركزية البشرية (المتمركزة حول الإنسان) “المهيمنة”، وإعادة إعطاء أهمية للحيوانات، ولو رمزيًّا، وإعادة توجيه النظرة العلمية نحوها. إن هذا المطلب هو معرفي وأخلاقي على حد سواء: إخفاء الحيوانات في وصف الديناميكيات الاجتماعية هو ظلم إضافي يقع عليها، ويزيد من حالتها المتسمة بالفعل بنقص في الظهور وبتشييء كبير. وبالتالي، يجب إنصاف مساهمة الحيوانات في الديناميكيات الاجتماعية، وأيضًا توثيق الطريقة التي تختبر بها الحيوانات العالم بشكل ذاتي[26]. وتصل هذه المنهجية إلى ذروتها مع ظهور “دراسات الحيوانات النقدية” وتطوير نظرية “وجهة نظر الحيوان”[27]، التي على غرار نظرية المعرفة النسوية[28]، تبرز الجوانب المعرفية والسياسية لتبني منظور الحيوانات.
وهكذا فإن المقارنة بين السياقين تبرز حركة مشابهة: الانتقال من المركزية البشرية (المتمركزة حول الإنسان) إلى مركزية الحيوان (المتمركزة حول الحيوان)[29]. في كلتا الحالتين، يتعلق الأمر بتأكيد شرعية الحيوانات كمواضيع (مواضيع دراسة و/أو مواضيع سياسية). هذه التقارب بين الأهداف المعرفية والأهداف السياسية، والمبني حول مفهوم «وجهة نظر الحيوان»، يدعو إلى معالجة العلاقة بين العلوم الاجتماعية والقضية الحيوانية بطريقة مختلفة عن كونها علاقات تأثير (حيث يكون لأحد الطرفين الهيمنة على الآخر) التي يجب كشفها. وفقًا لرأينا، فإن مصطلح «التطابق» هو الأنسب لوصف هذا الظاهرة التقاربية، حيث تتضاءل الحدود بين العلم والسياسة، ويصبح تحقيق الطموحات المعرفية متشابكًا مع تحقيق الطموحات المعيارية. وبهذا الوصف يصبح التطابق بين القضية الحيوانية والعلوم الاجتماعية ظاهرة اجتماعية-تاريخية، تمتلك قدرًا في هذا السياق قدرًا من الطارئية، وكذلك من المنطق الذي لا شيء فيه حتمي، ويمكن الحديث عنه بطريقة هادئة.
[1] كريستوف ترايني (Christophe Traïni) القضية الحيوانية، مرجع سابق.
[2] والازدهار على سبيل المثال في متحف التاريخ الطبيعي في باريس، أو داخل جمعية تسمى Ethnozootechnie.
[3] ناتالي بلانك (Nathalie Blanc) الحيوانات والمدينة، باريس، أوديل جاكوب، ٢٠٠٠، جينيفر. وولش وجودي إميل (محرران)، المكان والسياسة والهوية في المناطق الحدودية لثقافة الطبيعة، لندن/نيويورك، كتب فيرسو، ١٩٩٨، كريس فيلو وكريس ويلبرت (محرران)، مساحات الحيوانات، الأماكن الوحشية: جغرافيات جديدة للعلاقات بين الإنسان والحيوان، لندن / نيويورك، روتليدج، ٢٠٠٠.
[4] ألبرت بييت (Albert Piette) “بين الإنسان والكلب. من أجل علم الشعوب في الحقيقة الاجتماعية الحيوانية”، علم الاجتماع وعلم الإنسان الاجتماعي، رقم ١١، ٢٠٠٢ (على الإنترنت: http://socio-anthropologie.revues.org/141؛ دومينيك جيلو (Dominique Guillo) عن الكلاب والبشر، طبعات لو بومير، ٢٠٠٩ جوابولت، إيمانويل وجيروم ميشالون (Jérôme Michalon, Antoine Doré et Chloé Mondémé) “العلاقات بين الإنسان والحيوان “، الشركات رقم ١٠٨ – ٢/٢٠١٠ ريمي، “العلوم الاجتماعية والحيوانات”، آني سوسيولوجيك (SociologieS) المجلد ٦٦ -٢٠١٦/٢ الإنسان/الحيوان؟جيروم ميشالون وأنطوان دوريه وكلوي مونديمي، “علم الاجتماع مع الحيوانات: هل يجب علينا تغيير علم الاجتماع لدراسة العلاقات بين الإنسان والحيوان؟ علم الاجتماع [على الإنترنت]، ٢٠١٦.
[5] عندما يتحدث عن التحول “الحيواني” في الأنثروبولوجيا، يشير جان بيير ديجارد على وجه الخصوص إلى هذا العمل.
[6] صوفي هودارت وأوليفييه تيري (تحت إشراف)،(Sophie Houdart et Olivier Thiery)،البشر، غير البشر. كيفية إعادة تعمير العلوم الاجتماعية، لا ديكوفرت (La Découverte) ٢٠١١.
[7] جيروم ميشالون، “هل يمكن للدراسات الحيوانية أن تساعدنا في التفكير في ظهور المعرفة التصالحية؟”، مجلة أنثروبولوجيا المعرفة، ١١(٣)، ٢٠١٧، ص. ٣٢١-٣٤٩.
[8] جيروم ميشالون، الاستمالة بالحيوانات. علم اجتماع الرعاية من خلال الاتصال بالحيوان، باريس، مطبعة المناجم ParisTech، 2014.
[9] جان بيير ديجارد (Jean-Pierre Digard)، “أسباب وعدم أسباب ادعاءات حقوق الحيوان. مقالة في قراءة علم الإنسان والسياسية”، بوفوار(Pouvoirs) ٢٠٠٩/٤ العدد ١٣١، ص. ٩٧-١١.
[10] عدد خاص (تحرير الحيوانات؟)، نقد، رقم ٧٤٧-٧٤٨، ٢٠٠٩.
[11] جان باتيست جانجين فيلمر (Jean-Baptiste Jeangène Vilme)، أخلاقيات الحيوان، بوف(puf)، ٢٠١٥ (٢٠٠٩).
[12] جان بيير ديغارد، “أسباب ومطالب حقوق الحيوان”. مقال قراءة أنثروبولوجي وسياسي» القوى، 2009/4، ن131، ص 97-111
[13] http://www.pronatura-france.fr/pronatura-se-presente [تم الوصول إليه في 15/02/2018]
[14] يستخدم بيتر سينغر (Peter Singer) العديد من هذه الأمثلة “الخيالية” لتوضيح المعضلات في أخلاقيات علم الأحياء. بيتر سينغر، “الأخلاقيات التطبيقية”، Les Cahiers antispecistes، العدد ٤، http://www.cahiers-antispecistes.org/lethique-applie/ [تمت الزيارة في ٠٧/٠٣/٢٠١٨]
[15] شاركت مؤخرًا العالمة (أي بروشيه) بالاجتماع أيضًا في ملف نشره مركز (INRA) يهدف إلى معارضة حجج النباتية الصرفة/الفيجن ضد استهلاك اللحوم واحدةً تلو الأخرى: http://www.inra.fr/Chercheurs-etudiants Systemes- Agriculture/All-files/ تربية اللحوم المزيفة أو الحقيقية [تمت الزيارة في ١٥/٠٨/٢٠١٨]
[16] علاوة على ذلك، تشارك جوسلين بورشر (Jocelyne Porcher) مثل جان بيير ديجارد (Jean-Pierre Digard) بانتظام في عمليات كشف النقاب، بهدف إدانة التحالف الموضوعي بين الناشطين “الحيوانيين” والأكاديميين والمصالح الاقتصادية، على سبيل المثال من خلال تخصيص عدة مقالات للروابط بين تطوير اللحوم في المختبر. والحركات النباتية وبعض الشركات متعددة الجنسيات: http://jocelyneporcher.fr/articles-de-vulgarisation-de-jocelyne-porcher/ [تمت التشاور حول ٠٧/٠٣/٢٠١٨]
[17] راشيل إينووهنر (Rachel Einwohner)، “جلب الغرباء إلى: مطالبات المعارضين وبناء هوية الناشطين في مجال حقوق الحيوان”، التعبئة: فصلية دولية، المجلد. ٧، رقم ٣، ٢٠٠٢، ص. ٢٥٣-٢٦٨.
[18] راشيل إينووهنر (Rachel Einwohner)، “جلب الغرباء إلى: مطالبات المعارضين وبناء هوية الناشطين في مجال حقوق الحيوان”، التعبئة: فصلية دولية، المجلد. ٧، رقم ٣، ٢٠٠٢، ص. ٢٥٣-٢٦٨.
[19] ومن الضروري الإشارة إلى البعد الجنسي لهذه الصراعات؛ فالناشطون المؤيدون للحيوان هم من الإناث بنسبة ٧٠٪، إميلي جاردر (Emily Gaarder) كتاب “Where the Boys Are’t: the Predoming of Women in Animal Right Activism”، Feminist Formations، المجلد ٢٣، رقم ٢، ٢٠١١، ص ٧٦،٥٤) وخصومهم هم في كثير من الأحيان من الرجال، ويدينون البعد العاطفي والتعاطف الزائد عن الالتزام المؤيد للحيوان.
[20] ألبرت بييت (Albert Piette)، الفن. مقتبس.
[21] ماريون فيكارت (Marion Vicart)، الكلاب بين الرجال. عندما يراقب علم الإنسان الحيوان أيضًا، البتراء، ٢٠١٤.
[22] فيرونيك سيرفيه (Véronique Servais)، (٢٠١٢)، “هل يجب علينا أن ندرس علم اجتماع القرود؟” علم الاجتماع [على الإنترنت]: تمت الزيارة في ١٤ سبتمبر ٢٠١٥.
[23] Http://sociologies.revues.org/4054؛ فلوران كوهلر (Florent Kohler): مقال عن علم الإنسان الحيواني”، الدراسات الوطنية، رقم ١٨٩، ٢٠١٢ ص. ١٥٥-١٧٤.
[24] فن مقتبس ص. ١٥٥.إيريك باراتاي(Éric Baratay)، وجهة نظر الحيوان. نسخة أخرى من القصة، سيويلSeuil)، ٢٠١٢).
[25] دومينيك جيلو(Dominique Guillo)، “ما المكان الذي يجب أن نعطيه للحيوانات في العلوم الاجتماعية؟ “حدود إعادة التأهيل الأخيرة للوكالة الحيوانية”، المجلة الفرنسية لعلم الاجتماع ٢٠١٥/١ المجلد. ٥٦، ص. ١٥٥).
[26] كينيث شابيرو ومارجو ديميلوKenneth) (Shapiro & Margo DeMello، “حالة الدراسات البشرية والحيوانية”، المجتمع والحيوانات، ١٨، ٢٠١٠.
[27] ستيفن بيست (Steven Best)، (٢٠٠٩)، “صعود الدراسات الحيوانية النقدية: وضع النظرية موضع التنفيذ وتحرير الحيوان في التعليم العالي”. مجلة الدراسات الحيوانية الحرجة ٧(١): ٩-٥١.
[28] ساندرا جي هاردينج (Sandra G. Harding)، قارئة نظرية الموقف النسوي: الخلافات الفكرية والسياسية، نيويورك/ لندن، روتليدج (Routledge)، ٢٠٠٣.
[29] أدريان فرانكلين (Adrian Franklin)، الحيوانات والثقافات الحديثة: علم اجتماع العلاقات بين الإنسان والحيوان في الحداثة، لندن / نيودلهي، ثاوزند أوكس/ سيج (New Delhi, (Thousan Oaks / Sage،١٩٩٩.
——————-
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




