كان جوناثان سويفت أحد الذين ينتقون مفرداتهم بعناية. احتجّ في رسالة مبعوثة إلى صديقه العزيز، الشاعر والساخر ألكسندر بوب في عام 1725، على تعريف البشريّة المعاصر، حيث كتب «جمعت مادّة دراسة بحثية تبرهن على خطأ ذلك التعريف animal rationale» ذلك التعريف الشائع للبشر بوصفهم «حيوانات عاقلة» هو ما وجده سويفت عقيمًا على نحو صادم. بدلًا منه، فإن رسالته البحثية «توضّح أنهم rationis capax وحسب». أي أن البشر «ممكّنون من العقل»، برغم أننا نختار عادة ألّا نوظّفه.
إذا ما تحدّثنا بصراحة، فسويفت محقّ، وقد بيّن قدر كبير من الأبحاث العلميّة الحديثة أن الحيوان البشري يندر أن يكون عاقلًا، كما أن الخطاب العقلاني يندر أن يكون مقنعًا.
نعلم الآن أن بياض أسنان السياسي، وقدرته على إرضاء تصوّرات النّاخبين عن الواقع؛ أي التصوّرات المكوّنة سلفًا (والخاطئة غالبًا)، ومهارته في إثارة العواطف؛ مقنعة أكثر من أي موقف سياسي يُفصَح عنه بعقلانيّة. نعلم أن قراراتنا الشرائية تقودها العواطف المتقلّبة، والعادات، والحدوس، والرغبة المسرفة، وضعف الإرادة أكثر من بناء هذه القرارات على تفكير دقيق لما قد يلبي احتياجاتنا. وقد علّمنا العلم نفسه أن التّفكير كالعلماء يتطلّب تعليمًا خاصًّا، وأنَّ «الحقائق العلميّة» ليست مقنعة عادة لغير العلماء.
في غضون ذلك، استغل آخرون قصور العقل لصالحهم بحذق. فالعاملون في السّياسة، ومختصو التضليل، ومؤخرًا انضمت إليهم شركة كيمبردج أناليتيكا؛ يعلمون الأمور التي تُكسبك أصوات الناخبين. مجالات الإعلان والتسويق بدورها تعلم بالضبط ما الذي يجعلنا نبتاع ما لا حاجة لنا به. الشعبويّون ومنظّرو المؤامرة يدركون تمامًا ما يحدو بنا إلى تصديق الأمر رغم زيفه. وهذا كله ليس خطابًا عقلانيًّا.
لقد أمعنت التفكير في هذا مؤخرًا، ولم يخلُ تفكيري من بعض القنوط. بصفتي ممّن يدرّسون التفكير النقدي والحجاج، فظاهريًّا أنا منتمٍ لأولئك الذين تشربوا خرافة الحيوان العاقل، وقناعة أن بوسع الخطاب العقلاني تغيير العقليات. وردة فعلي على السنوات الأخيرة من الهراء السياسي، واللاعقلانيّة الاقتصاديّة، والدمار البيئي، وصعود مناهضي العلم ومنظّري المؤامرة، كانت أنني كرّست جهدي للخطاب العقلاني، ولكنني أدركت حديثًا أنني أحتاج إلى مواجهة الحقائق بنفسي وتغيير الخطة.
لقد اعتقدت في السّابق أن العقل قادر على الإقناع، بيد أنني لم أعد مقتنعًا بذلك. ولا يعني ذلك هجران العقل أو الخطاب العقلاني في أثناء محاولتنا إقناع الناس على ما نعتقد بصوابه. إنما قد نحتاج إلى تغيير الطّريقة التي نوظِّف بها الخطاب والعقل.
وجدت التّفكير بوجود صنفين من الخطاب بصفة عامة مجديًا، يُميّز بينهما بالهدف الذي يبتغي الخطاب تحقيقه: الأول هو «الخطاب القائم على الحقائق»، وهو خطابٌ فعال حين يُستخدم في نقل حقيقة إلى شخص آخر. قد يكون الأمر ببساطة أن تسأل شخصًا جوار النافذة إن كانت السماء تمطر، أو مُتَطَلّب مثل نشر نتائج تحليل إحصائي قائم على ملاحظات علمية مبنية بدقّة في مجلة محكمة بمراجعة النظراء.
اكتشفنا على مر العصور سبلًا تتفاوت في جودتها في تطبيق هذا الخطاب القائم على الحقائق، وقد طوّرنا نسخة أجود تُدعى «الخطاب العقلاني»، الذي يُحقق معايير عقلانيّة محدّدة. فهو أداة فعّالة في اكتشاف الحقائق، لكنَّه يتطلّب جهدًا شاقًّا؛ إذْ يستلزم تعليمًا دقيقًا وممارسة دؤوبة لتوظيفه بفاعليّة. وعادةً ما يغيّر هذا الخطاب العقليات حين ينصاع المتحاوران للقواعد ذاتها، وبنيّة حسنة (على الأرجح، مثلكَ ومثلي الآن). هذا يعني أن خطابنا لا يُعدّ عقلانيًّا إلا في جانب يسير منه.
أما الخطاب المهيمن فهو الخطاب «العلائقي»، ويُعدُّ هذا الخطاب ناجحًا حين نؤثّر على الآخرين، سواء أكان في تقوية العلاقة، أو تعزيز الروابط الاجتماعيّة، أو إجبار أحد الأفراد على تنفيذ أوامرنا. توجد سبل متفاوتة في جودتها لتوظيف الخطاب العلائقي، لكن ثمة بعض القواعد الصارمة تحكم آلية عمله.
والأمر الذي له صلة مباشرة بهذه المقالة هو: الحقائق ليست ذات بال في نظر الخطاب العلائقي. فكّر في كل المرات التي التقيت فيها أصدقاءك وطفقتم تخبرون بعضكم عن أشياء تعرفونها مسبقًا، ولكنكم مع ذلك تومئون بحماس. أو تذكّر جوابك على سؤال المحبوب العريق: «هل تبدو مؤخرتي كبيرة في هذا اللباس؟» المغزى من هذه التّفاعلات ليس تبادل حقائق جديدة؛ بل ترسيخ العلاقة.
بخلاف الخطاب القائم على الحقائق، قد يكون الخطاب العلائقي مُقنعًا بشدة، وذلك باستمالته للعواطف، وبقصّ الحكايات، وببناء الاحترام المتبادل، وبالثقة، وبالضغط الاجتماعي. لكنّه يقنع أيضًا بالإكراه، والتهديد، والخداع.
هذا التمييز بين الخطاب العلائقي والعقلاني قد يساعدنا على فهم جانب من الغرابة المستشرية في نقاشات المجال العام مؤخرًا. على سبيل المثال، قد يساعدنا على فهم التوتر بين المدافعين عن حرية التعبير، وأولئك الذين يمنعون المتحدثين مثارَ اللغط من صعود المنابر: فالفئة الأولى تفترض أننا سنتلقى ما يتفوه به المتحدث ضمن إطار الخطاب العقلاني؛ وعليه، فإنّ جميع أقواله مقبولة، وستعرّض للتّمحيص. فلو كان ما سيقوله خاطئًا؛ فلن تصبح ذات قيمة في سوق الأفكار.
لكن من يُسكتون المتحدثين الإشكاليّين لا يرون خطابًا عقلانيًّا فيما يقوله هؤلاء؛ بل يرون خطابًا علائقيًّا. لقد لاحظوا أن بعض التصوّرات لها قوّة مؤذية تتيح لها أن تكون مقنعة، سواء أكانت صائبة أم خاطئة؛ بل حتى أن ترديد النظرة الخاطئة قد يمنحها مصداقية تجعلها أكثر إقناعًا (المثال الأول: نظريات المؤامرة؛ المثال الثاني: اتفاقية بريكست).
ما لا يراه مُكمِّمو الأصوات هو وجود إمكانية في بعض الظروف لاتّفاق مجموعة من الناس على الانصياع لقواعد الخطاب العقلاني، وفي هذا المحيط، لا بد أن تتاح كل الآراء. كما أنهم لا يرون أهمية وجود بعض المنافذ على الأقل التي نستطيع فيها فحص جميع الأفكار فحصًا عقلانيًّا، تمامًا مثلما يحدث في الحلقات الدراسية في الجامعة.
بصفتي مؤمنًا على الأقل بأن الإنسان حيوان ممكّن من العقل rationis capax، وأن الخطاب العقلاني يظل أفضل طرق التوصّل إلى الحقيقة، كنت وما زلتُ متحمّسًا لاكتشاف وخلق الظروف التي قد يزدهر فيها هذا الخطاب. كما أن هذه النظرة قد أثّرت على تدريسي التفكير النقدي.
فبدلًا من الدخول إلى الصف والانطلاق باستخدام الخطاب العقلاني لتطوير الخطاب العقلاني، مثل طرح قضايا القياس المنطقيّ، ومخطّطات ڤن، بتُّ الآن أقضي المزيد من الوقت ما أمكن في العمل على تطوير الخطاب العلائقي. إذا ما أردنا أن يصل النّاس إلى محطة يصبح فيها الخطاب العقلاني ممكنًا؛ فعلينا أن نضاعف من تعاملنا مع الخطاب العلائقي في خلق البيئة الاجتماعية الملائمة. إذْ ينبغي علينا بناء الاحترام والثقة، وتعلّم الإنصات، والإقرار باعتقادات بعضنا، حتى لو اعتقدنا أنهم مخطئون. وهذا جهد شاق، لكن أعتقد أن الخلاف الوجيه جوهري بقدر جوهرية تحديد من يرتكب مغالطة منطقية.
لقد كنت أتصارع مع تصوّراتي بشأن دور العقل في الإقناع، وقد بدأت أرى أن العقل لا يُقنع؛ بل يسوّغ. أي في محاولة الإقناع، أعتمد على الخطاب العلائقي أكثر من الاكتفاء بالإسهاب في الأسباب. إذْ إنني أسعى إلى تأسيس علاقة مبنية على الثقة، وتحديد القيم المشتركة، وقص القصص، واستمالة العواطف، بالقدر نفسه الذي أحاول فيه إقناع العقل. إذا وصلت إلى مرحلة أدرك عندها أننا نتحاور ضمن خطاب عقلاني؛ فإنّي أبدّل حينها إلى خطاب عقلاني. ما دمنا في الإطار العلائقي، ستظل أسبابي في كواليس المسرح، تسوّغ رؤاي، وهي متأهبة لتثب على الخشبة حين تنادى.
ومكمن التحدي في ذلك هو تجنب الانزلاق إلى السفسطة أو البروباغندا. لا بد أن نواصل رفضنا للتلاعب، والخداع، والإجبار بوصفها أشكالًا شرعيّة للإقناع. كما لا بد أن نقر باختلال القوى الاجتماعية، والبناء الاجتماعي الذي قد يشوّه الخطاب العلائقي. ليس أمرًا سهلًا، لكنني لا أرى بديلًا من مواجهة هذه المشكلات ما دام الخطاب العقلاني أداة إقناع نادرة وواهية.
غير أنني أوْمن بإمكانية استخدام الخطاب العلائقي لإيصال رسالة مدعّمة بالعقل، حتى لو لم تُظهر الأسباب العقلانية في الواجهة. إن لم تقتنع، وما تزال بحاجة إلى مثال نموذجي للكيفية التي يجرى فيها هذا الأمر على وجهه؛ فدونك ما ذكره سويفت في رسالته لپوپ عن دراسته البحثية؛ إذْ لم تكن الدراسة البحثية تأملًا عقلانيًّا مليئًا بالحقائق وقضايا القياس المنطقي؛ بل الكتاب الأدبي الساخر «رحلات جاليفر».




