ترجمة: نورة الجلعود
مراجعة: محمد بن علي الزهراني
يُعلّم مونتين أن ليس للعقل إلّا أن يكون متشكّكًا ومتخيّلًا عندما يُترك لنفسه؛ إذًا كيف يمكننا حينئذٍ ضبطه إذا لم يكن المنطق كافيًا؟ يوضح برنارد سيف أن مونتين شرع في الإجابة عن هذا السؤال، وأن تأثيرات فكره الفلسفية تكمن ها هنا.
مراجعة كتاب: برنارد سيف Bernard Seve، مونتين Montaigne. قواعد للعقل Des regles pour l’esprit، دار النشر PUF، 2007م، 393 صفحة، ٢٩ يورو ( 115 ريال تقريبًا).
كتب مونتين “كل تلخيص لكتاب جيد هو تلخيص سخيف”، هذا ما يجعل موقف الشخص الذي يرغب في تقديم ملخص لكتاب عظيم أمرًا بالغ الصعوبة. يمتاز عمل برنارد سيف بقوة أطروحته التي تتجلى في حُجّيتها وبساطتها، وهذه هي سمة الكتب العظيمة؛ إذ تجعلنا نرى ما لم نلاحظه من قبل، رغم أنه كان دائمًا حاضرًا، حيث تغيّر لنا كل شيء.
العقل والمنطق
يفترض برنارد سيف أن هناك مفهومًا حقيقيًّا للعقل في المقالات يختلف عن مفهوم المنطق أو الإدراك. يظهر التحليل الدقيق للغاية للنصوص المتعلقة بالعقل بأكثر الطرق إقناعًا أن مونتين قد بنى بعناية هذا الموضوع. يتميّز العقل، بعدّه قوة إبداعية خارقة، بالحيوية والنشاط، وبأنه كيان خصب وواسع، وخلّاق؛ إذ يُنفذ عملياته التلقائية عبر أربعة طرق: فهو يخترع، ويطرح الإشكاليات، ويؤول، ويؤمن. “إن أصل هذه العمليات، لو كان موجودًا، فسيكون شيئًا أشبه بـ “التخليق fabuler” الأصيل” (ص50). ومع ذلك، فإن خصوبة العقل عقيمة؛ لأن ما يخلقه يظل مجرد فوضى تعادل ذهنيًّا كتلة من الأجساد عديمة الشكل. هذه هي التجربة الأساس التي وضعها مونتين عندما انسحب إلى نفسه ليعتني بروحه بعدما سئم من عبودية الحياة العامة. يستعيد تحليل الفصل I-8 (“عن الكسل”) هذا الاكتشاف: حين يُترك العقل لنفسه، فإنه لا يجد داخله نظام المدن الجميلة المنظمة، بل كابوسًا تسكنه الوحوش والأشباح، وهكذا، فهل “قدر” العقل -يا ترى- يكمن في أن يكبح نفسه؟ يختصرلنا الفصل القصير جدًّا II-14 في فصل “عن الكسل” (“كيف للعقل أن يكبح نفسه “).
يتساءل برنارد سيف: لماذا هذا الفصل المكون من صفحة واحدة بالقرب من الفصل الضخم “اعتذار ريموند سيبوند” (2-11)؟ هل فكر مونتين بعد ذلك في الحجج الشكية التي أغفلها؟ هل كنا بحاجة إلى تذكير، كما لو أن قراءة الفصل القصير قد أنستنا ضخامة الفصل II-12؟ في الحقيقة، ليس الهدف من الفصل 14 من الكتاب الثاني هو تقديم حجج شكوكية جديدة، بل تحديد العلاقة التي تربط بين الروح والعقل بطريقة دقيقة.
يخلق العقل مشاكل زائفة، مثل مشكلة الحمار لبوريدان Buridan على سبيل المثال، أما العقل، الذي يكون رواقيًّا في هذه الحالة (لكن قد يكون أيضًا عقلًا أبيقوريًّا أو أرسطيًّا أو أفلاطونيًّا في سياقات أخرى)، لا يفعل شيئًا أكثر من الاستجابة مع هذه المشاكل. العقلانية مرنة، وقابلة للتحوير، وتفاعلية، وهي في جوهرها سلبية ولا يمكنها سوى استبدال الفوضى الجوهرية للعقل بحيرة غبية، أو فراغ لفظي، أو حتى دوغمائية مثل النعام.
الروح ليست العقل، لا تمتلك في أصلها أي قاعدة ذاتية يمكن صياغتها كمنهج؛ “فالروح لا تملك أي قاعدة داخلية، وليس لها وصول إلى قواعد متجاوزة، ولا تجد في التجربة أي دعم لصياغة قواعد تجريبية، وبغياب القواعد، تسود الاعتقادات العشوائية، وتتغلب نزوات الروح، ومن ثم العنف” (ص. 179). يرى مونتين فيلسوف الحرب أن الروح فوضى وصراع وتنافر، فهو في صراع مع ذاته؛ إذ يعاني من الاضطراب ، وفي صراع مع الآخرين؛ إذ يميل إلى العدوانية (انظر صفحة 169). وبما أن الروح لا يحكمها العقل، كما هو الحال عند ديكارت Descartes، ولا تضبطها التجربة، كما هو الحال عند هيوم Hume، فلا بد من إخضاعه لقواعد تُفهم على أنها قواعد تكميلية.
ينظر مونتين إلى وضع القواعد التكميلية الخارجية: القوانين والعادات والاحتفالات الاجتماعية والأديان والعلم نفسه، كنظام استبدادي باختصار، كل ما يشمله مصطلح العرف. وبالإضافة إلى هذه القواعد الخارجية، هناك قواعد تكميلية داخلية، تحدد أولًا من خلال الجسد، ثم بوساطة التأمل أو التفكير. من المستحيل إعادة بناء ثراء وأهمية تحليلات برنارد سيف، التي تجدد قراءتنا للمقالات. سأكتفي بمثال واحد فقط لتوضيح ثراء هذه الفكرة: بمجرد أن ندرك مشكلة اضطراب الروح المقترن مع عجز العقل، أصبح من غير الممكن اختزال تحليلات مونتين للعُرف في التشكيك. بالنسبة إلى ا لمتشككين، يُستخدم استعراض تنوع العادات والتقاليد لإبطالها عبر الكشف عن تعسفها. بالتأكيد ، سيتبع المتشكك العادات، لكن ذلك يكون من باب الراحة، كشرط لراحة البال.
متحررًا من المعتقدات، يستمتع المتشكك الذي يتبع العادات بسلام العقل، أما في فكر مونتين، فالأمر مختلف تمامًا؛ عرض تنوع العادات لا يهدف إلى إبطالها، بل على العكس، يهدف إلى إظهار قيمتها الفعلية؛ إذ إنها تعمل على استقرار العقل وتثبيته وتقليل العنف الذي يفرضه على نفسه (ص. 187). تأثير فكرة العادة النفسية في العقل تعد غريبة تمامًا عن الاتجاه المتشكك في الفلسفة.
مونتين في تاريخ الفلسفة
أدى الاهتمام الدقيق بمفردات المقالات، والالتزام الجاد بتحليل لغتها، إلى كشف بنية مفاهيمية متماسكة ومرنة تشكل جوهر فكر مونتين. ترتبط هذه الدقة في القراءة بالاستخدام الحر جدًّا لتاريخ الفلسفة، ليس أن برنارد سيف غير مهتم بالمصادر؛ فعمله من هذا المنظور أكاديمي بامتياز، كما أن أسلوبه واضح ودقيق، لكنّ هناك نوعًا من التنفس الواسع داخل التقليد الفلسفي، إحساس بانفتاح فكري نادرًا ما نجده، وهو إحساس سأشعر بفقدانه عندما لا أجده بعد الآن.
لا يتردد برنارد سيف في توظيف مفاهيم برغسون Bergson، أو كانط Kant، أو هيوم، أو سبينوزا Spinoza، أو لايبنتز Leibniz، بشكل دقيق لقراءة نصوص مونتي؛ مما يمنحها أبعادًا جديدة ويكشف عن معانٍ غير متوقعة، مع تحكم كامل في المقارنات والتماثلات التي يعقدها، والنتيجة هي لحظات من التوضيح العميق. لا يقتصر الأمر على أننا نفهم بشكل أفضل تفرد مونتين من خلال مقارنته مع كبار المفكرين في التقليد الفلسفي، بل يتعدى ذلك إلى إدراك التأثير الذي أحدثه مونتين في الفلسفة ذاتها. إن رفض برنارد سيف تصنيف مونتين ضمن تيار فلسفي معين هو ما يجعله يحدد في تاريخ الفلسفة.
اللحظة الأكثر إثارة للإعجاب في عمله، في هذا الصدد، تظهر في الفصل 11 في تعليقه على “طفل مشوه” (II-30)، لم يستدعِ سبينوزا ولايبنتز فقط لفك رموز معنى هذا الفصل الغامض للغاية من المقالات. من ناحيتي، لم أفهم هذا النص قط، وحتى إ نني لم أفهم أن هناك شيئًا أفهمه فيه. في الإصدارات المنشورة خلال حياته، يقتصر النص على وصف شبه طبي لطفل مشوّه، دون أي تعليق يفسّر أو يؤطر هذا التعليق. لم يبدأ مونتين بالتنظير لهذا الموضوع إلا في نسخة بوردو، حيث أضاف تعليقًا نهائيًّا دون المساس بالنص الأصلي على الإطلاق، لكن لطالما قرأت هذا التعليق، متأثرًا بالتحليلات الرائعة لجان سيارد، على أنها ذات طابع أوغسطيني، وهو ما بدا لي غير متوافق إطلاقًا مع رؤية مونتين للوحشية في بقية المقالات، غير أن برنارد سيف يثبت أن تعليق مونتين على وصفه ليس مستوحًى من أوغسطين على الإطلاق.
تمامًا كما في هذين الفصلين، I-8 وII-14، كان هذا الفصل مغلقًا على فهمنا. في نسخة بوردو، يكشف مونتين عن نظريتين محتملتين حول مفهوم “الوحشية”، من خلال حدسه الفلسفي الحاد، يضع الأسس لما سيصبح لاحقًا الاتجاهين الرئيس ين في الميتافيزيقا الكبرى للقرن السابع عشر، عبر رؤية [ليبنزي] و[سبينوزيست]، مقدِّمتين بدقة وصرامة، لكنه لا يختار بينهما، بل يقبل أن تتجاوزه الظاهرة ذاتها، وكأنه يترك المجال مفتوحًا للتأمل فيها. أنتج الإطار المفاهيمي الذي ستُبنى عليه إجابات فلسفية منهجية كبرى، لكنه يبقى متأملًا فيها، متأثرًا بلا شك، كما نحن متأثرون عند قراءة هذه الصفحات، التي أراها من بين أجمل وأعمق ما كتبه برنار سيف في كتابه.
الشك، أداة للتحرر
كما نرى، تتجلى قوة هذه الأطروحة من خلال خصوبة التحليلات التي تثيرها؛ فهي ليست مفهومًا هامشيًّا أو ثانويًّا، ولكنها تعبير مفاهيمي رئيسي (العلاقة بين العقل والروح)، مما يُحدث تغييرات عميقة في فهمنا لمونتين. من خلال توفير فهم أفضل لحالة العقل، يلقي مفهوم الروح ضوءًا جديدًا على دور الشك في المقالات. منذ البداية، يجعل المؤلف الشكَّ مسألةً محوريةً، يرى أن هناك ما هو “أدنى من الشكِّ” وما هو “أعلى منه”. إذا لم يكن مونتين متشككًا، يظل الشكُّ عنصرًا جوهريًّا في فكره؛ إذ إنه يكشف عن طبيعة الروح، وي نتقد العقل وي فتح الفلسفة على الحياة. فالشكّية تمثل أفضل استجابة ممكنة من العقل تجاه جنون الروح الجوهري: “اختلال الروح يطلق عملية تقود الفيلسوف إلى الشكّية” (ص. 17).
لم يعد الشك موقفًا ثابتًا لمونتين، لا يشكل الأساس العقائدي الذي يلتزم به، بل أصبح أداةً للتحرر، فإذا لم يكن مونتين شكيًّا، فذلك أولًا لأن الشكّ ليس نتاجًا تلقائيًّا للروح، بل هو نتيجة استجابة العقل للروح. من هذا المنطلق (وإن كان المؤلف قد لا يوافق تمامًا)، يمكن عدّ الشكَّ شكلًا من أشكال الوعي؛ تلك المسافة التي يأخذها الوعي أو الحكم تجاه اضطراب الروح وعجز العقل. فالشكّية تمثل في آنٍ واحد مظهرًا من مظاهر العقل ونقدًا له؛ إذ تحررنا من وحشية الروح كما تحررنا من حماقة الدوغمائية، ولكن مونتين ليس شكيًّا؛ لأنه لا يكتفي بمجرد التعليق على الحكم، فالشكّية ليست لحظة أزمة وجودية في حياة مونتين، بل جزءٌ من فلسفته، حاضرٌ في كل مكان، لكنه لا يحظى بالكلمة الأخيرة في أي موضع؛ لأن ما بعد الشكّ، هو تأكيد الحياة نفسها، فبقدر ما يدمر الشكّ أوهام الروح الفطرية والتصلبات الجامدة للدوغمائية، فإنه يكشف عن جوهرٍ حيويٍّ، لا يمكن وصفه بأنه مجرد بُعدٍ أنثروبولوجي.
إن التعبير المفاهيمي للعقل والروح والشك يجعل طبيعة تأكيدات مونتين واضحة تمامًا. هناك أطروحات في المقالات قوية ومؤكدة بحزم، هذه الأطروحات التي يتجاوز بها مونتين الشكوك، يتم ذكرها في كل مرة يتعلق الأمر بحماية الحياة وتنميتها، والتي يسعى مونتين جاهدًا لخدمتها وفقًا لهذا المبدأ. وليس من المنطقي أن يدين مونتين اضطهاد السحرة أو تدمير أمريكا أو عنف الحروب الدينية، إنها الحياة نفسها التي كشفت عنها الشكوك، كما أن دفاعه عن حقوق الحيوانات والنباتات لم يكن بدافع العقلانية الجافة للشكِّ البيروني، بل كان ذلك مستمدًّا من شكٍّ أكثر إنسانية وتأثرًا، على طريقة بلوتارخ، الذي قاده إلى التأمل في التزامات متبادلة بين البشر والحيوانات. وبالتالي، تصبح الأطروحات ضرورية حين تكون الحياة نفسها مهددة (ص. 289). لكن لم يكن بالإمكان استعادة قوة الحياة إلا من خلال الشكِّ (ص. 354)، وهذا هو السبب في أن فكر مونتين هو فكر على خلفية من الشك (ص . 352). في هذه النقطة، يجب أن نقرأ إعادة المفهوم الفردي للقسوة وفقًا لمونتين، وهكذا تجد فلسفة مونتين مركز تنظيمها في التأكيد على القيمة المطلقة للحياة، والتي تنبثق منها رؤية أخلاقية وسياسية.
لا أستطيع “اختصار” الجزء الثالث، الذي يتناول فلسفة مونتين؛ إذ سيكون من الضروري نسخ جميع الصفحات، فالأمر متروك للقارئ لاكتشافها والاستمتاع بها. على مدى السنوات الأخيرة، كان هناك كثير من الجدل في فرنسا حول ما إذا كان مونتين فيلسوفًا، لكن هذه المسألة، مهما كانت أهميتها، تظل دائمًا منحازة بسبب المكانة التي يُعتقد أنها يجب أن تُمنح لمونتين ضمن إطار فلسفي محدد مسبقًا.
هل مونتين متشكك ؟ وإذا كان الأمر كذلك فأي مدرسة ينتمي إليها؟ هل هو بيرونيٌّ أم أكاديميّ؟ أم هل كان أشبه بديكارت قبل الأوان؟ (وهل يعني ذلك، بشكل غير مباشر، أنه نوع من هايدغر قبل الأوان أيضًا؟). تجيب حرية وصرامة عمل برنارد سيف ببراعة عن هذا السؤال، من خلال تفكيكه؛ فمونتين ليس مجرد متشككٍ رجعيٍّ ولا لاهوتيٍّ وجوديٍّ متقدّم، بل هو فيلسوفٌ يجب أن يُقرأ لذاته وبذاته، فهو ليس فقط صانعًا للمفاهيم، لقد ابتكر طريقة جديدة للتعامل مع المفاهيم، ولتأكيد الأطروحات، وصياغة الحجج. لا شك أن هذا العمل سيُؤسس لدراساتٍ لاحقة تبحث في الأثر الفلسفي لمونتين في تاريخ الفلسفة.
——————————
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




