بقلم كارولين لوسبي | ترجمة: محمد حسين
ما تحتاج إلى معرفته
السفر هو إحدى أعظم متع الحياة، ولكن، بشكل متزايد، لدينا رغبة في السفر بخفة أكبر؛ لتقليل الآثار السلبية التي سمعنا أنه يمكن أن تحدثها على المجتمعات والمناخ، والسفر بطرائق تحقق فائدة. باختصار، السفر بشكل أكثر أخلاقية.
ربما تشعر بهذه الرغبة أيضًا. في خضم الاضطرابات العالمية في السنوات الأخيرة، شعر الكثيرون برغبة في الخروج من عجلة الهامستر وإعادة فحص ما يقدرونه. يجب أن يمتد هذا التأمل ليس فقط إلى مكان إقامتنا وكيف نعمل، ولكن أيضًا إلى المكان الذي نذهب إليه في وقت فراغنا. بالنسبة للكثيرين، عززت جائحة كوفيد-19 الحاجة إلى الإعجاب بشيء ما، وزيارة مواقع الجمال الطبيعي، والانخراط في التبادل الثقافي، وتعلم أشياء جديدة. تسهم هذه الأنشطة جميعها في رفاهيتنا، وهي من بين الأسباب التي تجعلنا نتوق إلى السفر. في الوقت نفسه، شهدنا كيف -بطرائق معينة- يستفيد الكوكب عندما نبقى في المنزل: أدى الانخفاض الحاد في السفر بسبب الإغلاق إلى ظهور علامات على تعافي الطبيعة، وتنظيف المحيطات والسماء.
قد تجعلك الأضرار البيئية وغيرها من العواقب السلبية للسفر الجماعي (سوف ندرس بعضًا منها أدناه) تتساءل عما إذا كنت أنانيًّا بالسفر عبر البلاد أو إلى الخارج. هل يعني اختيار السفر أنك تضع رغباتك الخاصة فوق احتياجات الآخرين، أو الأجيال القادمة؟ هل يمكن أن يكون السفر أخلاقيًّا؟ في الواقع، أود أن أقول إن السفر، بما في ذلك السفر الترفيهي، يظل مسعى ذا قيمة وهو جيد للبشرية طالما أننا نتخذ خيارات واعية حول كيفية فعل ذلك. إذا كنت ترغب في أن تصبح مسافرًا أكثر أخلاقية ولكنك لست متأكدًا من كيفية المضي قدمًا، دعنا نلقِ نظرة أقرب على بعض المشكلات الرئيسية التي تطرحها أشكال السفر التقليدية، يمكننا بعد ذلك استكشاف كيفية تبني نهج أكثر مسؤولية للسفر مع الاستمرار في الاستمتاع بالعديد من فوائده.
التحديات الأخلاقية للسفر التقليدي
لقد نمَت السياحة بشكل هائل خلال القرن الماضي؛ حيث بلغ عدد الوافدين السياحيين الدوليين حوالي 1.4 مليار في عام 2018م. في حين أشيد بالسفر الترفيهي منذ فترة طويلة بصفته أداةً للتنمية الاقتصادية -من خلال الإنفاق على أشياء مثل الإقامة والطعام والجولات، وخلق وظائف تدعم الصناعة- فإن الفوائد الاقتصادية غالبًا ما تطغى عليها العيوب مثل الأجور المنخفضة والموسمية في العمل، والفرص المحدودة لتقدم الموظفين المحليين، وتسرب الأموال بعيدًا عن الاقتصاد المحلي. يقيم العديد من المسافرين الآن في منتجعات شاملة كليًّا، على سفن الرحلات البحرية، أو في مجمعات سياحية كبيرة؛ لذا فإن إنفاقهم يتدفق بشكل كبير إلى الشركات متعددة الجنسيات.
التأثيرات الاجتماعية والثقافية السلبية للسياحة على المجتمعات المحلية متنوعة، ولكن يمكن أن تشمل نتائج مثل الاكتظاظ وإزاحة السكان؛ فقدان الثقافة المحلية أو تسليعها؛ والاستياء الناتج عن حصول السياح على تفضيل في الوصول إلى الموارد، “الوصول” له العديد من المعاني هنا. فكر في التضخم الذي يرفع الأسعار على السكان المحليين، والضغط على الموارد المائية المحلية بسبب الفنادق، والرحلات البحرية وملاعب الجولف، أو فقدان الوصول إلى الشواطئ بسبب المنتجعات الكبيرة؛ كل هذه أمثلة على صراع قوى تُطور فيه السياحة من الأعلى إلى الأسفل، بدلًا من استخدامها بصفتها أداةً لتحسين نوعية حياة السكان المحليين. من بين أكثر التأثيرات المترتبة على السفر الجماعي، بالطبع، هي انبعاثات الكربون من الطائرات والسفن السياحية والسيارات التي تنقلنا إلى حيث نريد الذهاب، وهي مساهمات كبيرة في أزمة المناخ. في وجهات السفر الفردية، يمكن أن تؤدي السياحة إلى مشكلات مثل التلوث وفقدان المواطن الطبيعية.
الأمر المهم هنا هو: بوصفك مستهلكًا، لديك القوة للمساعدة في تغيير الممارسات في صناعة السفر. عندما بدأ العديد من مستهلكي الطعام يطالبون بالمزيد من الخيارات العضوية استجابت صناعة الطعام. وبالمثل، يمكن للمستهلكين الذين يختارون بشكل جماعي منتجات السياحة التي تكون أفضل للكوكب وللناس أن يدفعوا الموردين للتكيف، هناك علامات على أن آراء العديد من المسافرين قد تغيرت، وأن المزيد منا يبحث عن تجارب سفر أكثر أصالة وأخلاقية.
لا ينبغي التقليل من فوائد السفر؛ فهو لا يوفر فرصًا لتحقيق الذات فقط، بل يمكنه أيضًا أن يؤدي إلى صداقات دولية وله القدرة على تعزيز الفهم بين الثقافات، وفي النهاية السلام. تأسست منظمات مثل التبادل الثقافي الدولي للشباب وبرنامج فولبرايت للطلاب الأمريكيين جزئيًّا على هذا الأساس، زيارة بلدان أخرى والتعرف على ثقافات أخرى تذكرنا بأننا جميعًا جزء من كوكب واحد، من جنس بشري واحد. من خلال اتخاذ خيارات واعية حول كيفية سفرنا، يمكننا أيضًا المساهمة في الحفاظ على الثقافة، وحفظ النظم البيئية، ودعم سبل العيش المحلية في وجهاتنا. إذن، كيف يمكنك البدء في السفر بطريقة أكثر أخلاقية؟ زيادة الوعي بخياراتك هو المفتاح. لقد عملت في صناعة السياحة دليلًا سياحيًّا ودليل مغامرات، في الفنادق والمنتجعات وعلى السفن السياحية، وأجريت الأبحاث وكتبت عن السياحة لأكثر من 15 عامًا. يركز جزء كبير من أبحاثي على السفر الأخلاقي، وفي دوري بصفتي أستاذًا في السياحة، أشرف على درجة السياحة المستدامة العالمية وأقود بانتظام مجموعات في رحلات. في هذا الدليل، سأستند إلى ما تعلمته من هذه التجارب؛ حتى تتمكن من الذهاب في رحلاتك الخاصة بطرائق تفيدك وتفيد الأماكن التي تزورها.
ما يجب فعله
اختر وجهتك بعناية
عندما تقرر السفر بشكل أكثر أخلاقية، سترغب بشكل مثالي في اختيار وجهات لم تكتظ بالسياحة حيث يمكن لأموالك أن تكون مفيدة بشكل خاص. بينما قد تنجذب بشكل مفهوم إلى أماكن مثل البندقية، أمستردام أو بالي -التي تكتظ بالسياح- فإنه يستحق أيضًا النظر في وجهات مثل سلوفينيا، بوتسوانا أو الجزر الأقل زيارة في إندونيسيا. هذه الأماكن لديها أيضًا الكثير لتقدمه للمسافرين، ولن تكون الوجهات مكتظة بالسياح، ومن المحتمل أن يكون لأموالك تأثير أكبر؛ لذا خذ بعض الوقت لاستكشاف الخيارات الأقل ازدحامًا، إذا اخترت وجهة مكتظة عادة؛ فخذ الوقت للبحث عن مواسم الذروة فيها (بالنسبة لمعظم أوروبا، هي أشهر الصيف) ومتى تكون السفن السياحية في المدينة لتجنب أوقات الكثافة العالية.
أيضًا، فكر في البدائل للمنتجعات الشاملة أو السفن السياحية. الوجهات التي طُورت بشكل مفرط والتي تتميز الآن بشكل كبير بالمنتجعات الشاملة غالبًا ما تشهد تسربًا اقتصاديًّا شديدًا نتيجة لذلك (أي أن الكثير من الأموال السياحية التي تُنفق داخل البلد تُرسل إلى أماكن أخرى). والأماكن التي تكون على مسارات الرحلات البحرية تعاني عادة من أوقات ازدحام حيث تكون مكتظة بالسياح. قد تزور الرحلات البحرية العديد من الوجهات، لكنها تقدم فوائد قليلة نسبيًّا لتلك الوجهات ويمكن أن يكون لها تأثيرات ضارة على البيئة، كما أنها تميل إلى إبقاء المسافرين في “فقاعة سياحية” وتساهم في التسرب الاقتصادي.
قد تتساءل عما إذا كان السفر الأخلاقي أكثر تكلفة بطبيعته. لحسن الحظ، ليس الأمر كذلك بالضرورة: الإقامة في أماكن أقل ازدحامًا بالسياح سيكون عادةً أقل تكلفة، والأطعمة المحلية والهدايا التذكارية المشتراة خارج المناطق السياحية غالبًا ما تكون أكثر قابلية للتحمل.
بمجرد أن تقرر أين تريد الذهاب، اختر مكان إقامتك بحكمة. إذا كان ذلك ممكنًا؛ فاختر أماكن إقامة مملوكة محليًّا، بدلًا من فندق أو منتجع يحمل اسم علامة تجارية تديره شركة مقرها في مكان آخر. بهذه الطريقة، يمكنك المساعدة في ضمان أن إنفاقك السياحي يعود بالفائدة على المجتمع المحلي فعليًّا. إذا لم يكن واضحًا ما إذا كانت المنشأة مملوكة من قبل السكان المحليين (على سبيل المثال، من صفحة “نبذة عنا” على موقعها الإلكتروني)؛ فقد ترغب في الاتصال أو إرسال بريد إلكتروني للاستفسار.
عند البحث عن أماكن الإقامة، يمكنك أيضًا البحث عن الأماكن التي اعتُمدت لممارسات مستدامة. كن واعيًا بحقيقة أن العديد من المشغلين (الشركات التي تقدم خدمات السفر) يتظاهرون بأنهم أصدقاء للبيئة، مع العلم أن المستهلكين يريدون أن يشعروا بالرضا عن اختياراتهم. لتجنب “الغسل الأخضر”؛ اختر الممتلكات التي حصلت على ختم الموافقة من وكالة اعتماد معترف بها أو التي يمكنها على الأقل أن تظهر لك أنها تفعل أكثر من مجرد السماح لك باختيار متى تغسل مناشفك وملاءاتك. قد تبحث عن الممتلكات التي اعتُمدت من المجلس العالمي للسياحة المستدامة (GSTC)، أو EarthCheck، أو Green Globe (التي تسرد الأعضاء على موقعها الإلكتروني). والعديد من مواقع الحجز الآن تجعل من السهل على المسافرين تحديد الخيارات الأكثر استدامة: Booking.com وKAYAK كلاهما لديه شارات السفر المستدامة للممتلكات التي تلبي إرشادات معينة، وبالمثل، لدى TripAdvisor شارة “GreenLeaders”.
بالنسبة لبعض المنشآت، التي غالبًا ما تسمى النزل البيئية، فإن الاستفادة من البيئة والمجتمع المحليين هي جزء أساسي من المهمة. من خلال الإقامة في أحدها، يمكنك المساهمة في الحفاظ على الموارد الطبيعية. على سبيل المثال، عندما أقود برنامج الدراسة في الخارج للسياحة المستدامة بجامعتي في بليز، فإن محطة مفضلة هي نزل Chaa Creek البيئي على نهر ماكال؛ محميته الطبيعية التي تبلغ مساحتها 400 فدان تحمي الغابة المحلية من قطع الأخشاب وتحافظ على موطن للحياة البرية. قائمة الممارسات المستدامة في Chaa Creek طويلة: يجمع الموظفون مياه الأمطار لاستخدامها في الغسيل والتنظيف؛ تتم زراعة الطعام في مزرعة مملوكة للمنتجع أو شراؤه من البائعين المحليين؛ تُبنى المرافق من مواد مستدامة، وبطريقة تتماشى مع البيئة الطبيعية للغابة المطيرة، وهكذا… التفسير البيئي هو ميزة أخرى مهمة للنزل البيئية؛ يُعلّم الضيوف في Chaa Creek عن البيئة المحلية وثقافة المايا في جولات إرشادية مجانية، وتُوصّل هذه الممارسات للضيوف على موقعهم الإلكتروني.
قيّم خياراتك لكيفية الوصول إلى وجهتك
هل من الممكن أن تأخذ قطارًا أو حافلة في طريقك إلى وجهتك بدلًا من الطيران طوال الطريق (أو الطيران على الإطلاق)؟ غالبًا ما تكون وسائل النقل العام خيارًا ميسور التكلفة وله بصمة كربونية أصغر بكثير.
تُظهر الأبحاث أن الحافلة الممتلئة هي حل منخفض الكربون نسبيًّا للسفر. السفر بالقطار هو خيار جيد آخر: يمكنه تقليل انبعاثات الكربون إلى النصف أو أكثر مقارنةً بالطيران. تصبح الأمور أكثر تعقيدًا عند النظر في معدلات إشغال الرحلات الجوية، يشير مقال نُشر في عام 2021م على موقع Treehugger إلى أنه إذا كانت الطائرة فارغة إلى حد كبير، فإن معدل الانبعاثات لكل راكب يزيد بشكل كبير؛ لذا فإن مشاركة السيارة مع أشخاص آخرين ربما تكون أكثر صداقة للبيئة من الركوب على متن طائرة غير ممتلئة. ولكن من المحتمل أن تكون الرحلة الجوية المليئة بالركاب خيارًا أفضل، من حيث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، من السفر على المسار نفسه بمفردك في سيارة تعمل بالبنزين، يمكن لبعض حاسبات البصمة الكربونية عبر الإنترنت تقدير تأثير رحلتك على المناخ، بناءً على وسيلة النقل التي تستخدمها.
إذا كان عليك الطيران؛ فحاول الطيران من دون توقف وعلى مسارات محجوزة بشكل أكبر. تعرض أداة حجز الرحلات الجوية من Google الآن تقديرات انبعاثات الكربون لكل رحلة وتقارنها (على الرغم من أن الأداة حاليًّا تبدو أنها تقلل من التأثير الكامل للطيران على المناخ). بينما يجادل الكثيرون بأن الأهم هو تقليل البصمة الكربونية للسفر، يمكنك أيضًا السعي لتعويض جزء من الغازات الدفيئة التي يبعثها الطيران من خلال مجموعة من برامج التعويض، مثل البرنامج الذي تقدمه منظمة السفر المستدام الدولية. فقط تأكد من البحث عن خياراتك، حيث لا تُعد برامج تعويض الكربون جميعها فعالة. أخيرًا، تجنب الجداول الزمنية المزدحمة التي تجعلك تنتقل من وجهة إلى أخرى، وبدلًا من ذلك اختر نهجًا أبطأ للسفر، حيث تأخذ وقتًا أطول للتفاعل مع وجهتك، والاسترخاء والتواصل بشكل أعمق مع الثقافة والناس والبيئة هناك. يمكن أن يكون هذا أفضل للبيئة من حيث توفير انبعاثات الكربون، وأيضًا أفضل لرفاهيتك.
اختر تناول الطعام والأنشطة التي تدعم المصالح المحلية
خطط لتناول الطعام المحلي في أثناء وجودك في وجهتك: أي اختر المطاعم المملوكة محليًّا والطعام الذي يكون نموذجيًّا للمنطقة، لن تحصل فقط على طعم للمأكولات، بل ستساعد أيضًا في تقليل التسرب الاقتصادي. عندما أخطط لجولاتي، أجعل من هدفي أن أضم بضعة أيام للإقامة في مجتمع صغير نسبيًّا (أي قرية) يشارك في السياحة المجتمعية حيث تُخطَّط الأنشطة السياحية وتُنفَّذ من المجتمع المحلي وتعود بالفائدة عليه. أحد المجتمعات التي أزورها في بليز يحتوي على مطعم تديره بالكامل مجموعة من النساء، تُقسَّم الأموال المكتسبة جميعها بين هؤلاء النساء، ليس فقط أن المجموعات الزائرة تحصل على تذوق الأطباق المحلية مثل الشيمولي أو الغارناتشاس والتعرف على العائلات في المجتمع، بل يساهمون أيضًا بشكل مباشر في سبل عيش عائلات هؤلاء النساء (وللمجتمع الأوسع، حيث تنفق هذه العائلات محليًّا).
عند التخطيط لأنشطة أخرى، ابحث عن المشغلين الذين يهدفون إلى التثقيف، الحفاظ على البيئة، وتقليل التأثيرات السلبية على البيئة المحلية أو المجتمع. على سبيل المثال، مشغل الغطس الذي يعلمك أيضًا عن الشعاب المرجانية المحلية وكيف يمكنك أنت وزوار آخرون المساعدة في تقليل الضرر عليها يضيف قيمة أكبر للرحلة من منظور أخلاقي مقارنة بآخر يأخذ أعدادًا كبيرة من الناس في جولة سريعة إلى الشعاب المرجانية. بعض المشغلين يحرصون أيضًا على رد الجميل للمجتمعات المحلية من خلال تدريب المرشدين المحليين، توفير المنح الدراسية للأطفال، أو فرض رسوم مجتمعية على الضيوف تُستخدم بعد ذلك للتنمية. تفحص مواقع الويب أو المواد الخاصة بمشغلي الجولات، هل هم شفافون بشأن أين تذهب الأموال ومن هم موردوهم أو بائعوهم؟ هل لديهم سياسة شراء تفضل المصادر المحلية؟
حاول الخروج من فقاعة السياحة جسديًّا ونفسيًّا. عادة ما يبقى السياح في المناطق السياحية المعروفة التي تحددها كتب الإرشاد والمرافق السياحية. كثيرون أيضًا يسافرون إلى وجهاتهم من خلال مشغلي الجولات من بلدهم الأصلي، ثم يبقون في منتجعات كبيرة حيث يمكنهم تناول الطعام من بلدهم، ومشاهدة التلفاز من ثقافتهم، وهكذا. هذا التقييد في فقاعة ثقافية مريحة غالبًا ما يحدث دون أن يكون السائح على دراية جيدة به، الخروج من فقاعة السياحة -مثل المغامرة خارج المنتجع، أخذ درس محلي، الذهاب إلى عرض موسيقي محلي، الإقامة في أماكن مملوكة محليًّا، واستخدام وسائل النقل في بلد المضيف- لا يمنحك فقط فرصة أكبر للتواصل مع وجهتك والأشخاص الذين يعيشون هناك، بل يسمح أيضًا بوصول المزيد من الفوائد المالية للسياحة إليهم.
ضع في حسبانك أيضًا زيارة منطقة محمية مفتوحة للجمهور، مثل حديقة وطنية أو حديقة حكومية أو حتى مناطق محمية خاصة. الهدف من المناطق المحمية هو الحفظ، والسياحة المنظمة هي أداة لدعم وجود العديد من هذه المناطق ماليًّا عندما تدفع رسوم الدخول إلى المناطق المحمية، فإنك تسهم في الحفاظ عليها. في فلوريدا، أحب زيارة حديقة إيفرغليدز الوطنية، التي تفرض رسوم دخول؛ ونتيجة لذلك، تُجنَّب المنطقة من التطوير الواسع في جنوب فلوريدا، ولا يُسمح بالقوارب الهوائية، ويُحافَظ على الطبيعة. وبالمثل، أُنشئت حديقة سابا البحرية في منطقة البحر الكاريبي لحماية البيئة البحرية والشعاب المرجانية حول جزيرة سابا، وتُفرض رسوم صغيرة على الغواصين لكل غطسة هناك. سيساعدك المرشدون المحليون على فهم البيئة التي تزورها، وستعود إلى وطنك بتقدير أعمق لعجائب هذا الكوكب والموارد التي حظيت بامتياز رؤيتها.
ابحث عن التفاعل الحقيقي والمحترم مع السكان
سافر دائمًا بروح من الاحترام لمضيفيك وثقافتهم. أنت ضيف في وجهتك، وأيضًا سفير ثقافي لبلدك، سافر بهذا الوعي. لتوجيه تفاعلاتك مع السكان المحليين، تعلم بعض الكلمات في اللغة المحلية إذا كانت تختلف عن لغتك، واسأل قبل أن تلتقط صورًا للأشخاص أو ممتلكاتهم، واحترم العادات والتقاليد المحلية. حاول الانخراط في تجربة واحدة على الأقل تتيح التفاعل المباشر والهادف مع الأشخاص الذين يعيشون محليًّا في وجهتك، لماذا تُعد هذه التجارب مهمة؟ لأنها توفر فرصًا للفهم الثقافي وبناء الجسور، ويمكن أن تثري كلًّا من المضيف والمسافر. إذا كنت تسافر مع مشغل جولات يهتم بالمسؤولية الاجتماعية؛ فسوف يقوم غالبًا بتخطيط هذه اللقاءات لك من خلال زيارة مجتمعية أو نشاط رد الجميل أو تفاعلات اجتماعية أخرى. إذا كنت مسافرًا مستقلًّا؛ فيمكنك التواصل مع السكان المحليين من خلال الأحداث على مواقع مثل Meetup أو Airbnb Experiences، أو يمكنك حجز درس طبخ محلي أو رقص أو تجربة أخرى يستضيفها محلي.
طريقة أخرى للانخراط في تفاعلات هادفة ومحترمة هي من خلال البرامج التي تطابق الزوار مع المضيفين؛ مما يمكنهم من تجربة الثقافة المحلية، ممارسة رياضة، التطوع، الطهي أو مشاركة وجبة معًا. مثال على ذلك هو برنامج “الشعب للشعب” في جزر الباهاما، حيث يملأ المسافرون الأفراد ملف تعريف عبر الإنترنت ثم تجري مطابقتهم مع مضيفين محليين. لقد جربت هذا شخصيًّا عندما زرت جزر الباهاما وجرَت مطابقتي مع زوجين محليين رائعين أخذاني لتناول سلطة الكونش. تناولنا الجعة في مكانهم المحلي المفضل وتحدثنا طويلًا عن الحياة وثقافة الجزر، بقينا أصدقاء لسنوات عديدة، ثم زاروني لاحقًا في ميامي، حيث أخذتهم إلى أحد أماكني المفضلة.
للحصول على فرص مماثلة في وجهتك المحددة، يمكنك التحقق من موقع سفر مثل Withlocals (الذي يمكن المسافرين من حجز تجارب مع مرشدين محليين) أو تجربة الإقامة المنزلية؛ الإقامة المنزلية هي برامج تتيح لك البقاء مباشرة مع عائلة محلية، إما في منزلهم أو في سكن سياحي محدد في المجتمع.
بعد الرحلة، شارك التجربة مع الآخرين
أعطِ تقييمًا إيجابيًّا للمشغلين والبائعين الذين بذلوا جهدًا إضافيًّا لمساعدة المجتمع المحلي والمساهمة في الحفاظ على الموارد المحلية -كل ذلك في أثناء تقديم تجربة ممتازة لك- على المواقع التي يُدرجون فيها و/ أو من خلال الإشارة إليهم على وسائل التواصل الاجتماعي. اذكر مصطلحات رئيسية مثل الاستدامة، والعطاء، والسفر الأخلاقي؛ بهذه الطريقة، تساعد المسافرين الآخرين في العثور على هذه الشركات والأفراد بسهولة أكبر ودعم عملهم.
عند مشاركة الصور والقصص من مغامراتك السياحية على وسائل التواصل الاجتماعي، اذكر الخيارات الواعية التي اتخذتها وما أعجبك في تجاربك. على سبيل المثال، إذا اتخذت خيارات لتقليل تأثيرك البيئي؛ فما هي تلك الخيارات؟ من خلال فعل ذلك، يمكنك جذب المسافرين الآخرين للتفكير بوعي أكبر في اختيارات سفرهم الخاصة وتقديم أفكار لهم حول كيفية البدء.
النقاط الرئيسية – كيف تكون مسافرًا أكثر أخلاقية
- السياحة الجماعية لها تأثيرات سلبية على الناس والكوكب. السفر له العديد من الفوائد المحتملة، لكن السفر التقليدي يأتي مع عيوب بيئية واقتصادية واجتماعية.
- ما يزال بإمكانك الاستمتاع بمكافآت السفر بطريقة أكثر أخلاقية. اتخاذ خيارات سفر مدروسة لا يعزز رحلاتك فحسب، بل يمكن أن يساعد على تشجيع التغيير في هذه الصناعة.
- اختر وجهتك بعناية. فكر مرتين قبل اختيار الأماكن الأكثر ازدحامًا. ابحث عن الإقامة التي يملكها السكان المحليون والتي اعتُرِف بممارساتها المستدامة.
- وازن خياراتك لكيفية الوصول إلى هناك. الطيران مكلف للمناخ، حاول تقليل انبعاثاتك من الرحلات الجوية، أو الأفضل من ذلك، استخدم الحافلات أو القطارات، أو شارك في ركوب السيارات بدلًا من ذلك.
- اختر تناول الطعام والأنشطة التي تدعم المصالح المحلية. اخرج من فقاعة السياح وابحث عن المطاعم التي يديرها السكان المحليون، ومشغلي الجولات السياحية الذين يهتمون بالمجتمع، وغيرهم ممن يستفيدون من المكان الذي تزوره.
- تطلع إلى تفاعل حقيقي ومحترم مع السكان. فكر في نفسك بوصفك سفيرًا ثقافيًّا، واهدف إلى الحصول على تجربة واحدة على الأقل في كل رحلة تتفاعل فيها مباشرة مع السكان المحليين.
- بعد الرحلة، شارك تجربتك مع الآخرين. روج لأولئك الذين ساعدوا في إثراء رحلتك، وانشر الكلمة حول الخيارات المتاحة للسفر الأكثر أخلاقية.
تعرف إلى المزيد
مزايا ومخاطر السياحة التطوعية
السياحة التطوعية -المعروفة أيضًا بالسياحة التطوعية: الجمع بين السياحة والتطوع في وجهة ما- يمكن أن تكون وسيلة قيمة للتواصل مع السكان المحليين ورد الجميل للمجتمع المحلي. تقليديًّا، كان التطوع منظَّمًا من الكنائس أو الأندية الشبابية أو الوكالات غير الربحية، ويتطلب التزامًا طويل الأمد وإعدادًا وتخطيطًا مكثفًا. بمرور الوقت، أصبح التطوع نشاطًا شائعًا للمسافرين؛ مما جعله صناعة كبيرة. لسوء الحظ، هذا الطلب الهائل حول التركيز من إحداث فرق في المجتمعات المحلية نحو تلبية رغبات المسافر، على سبيل المثال، مع برامج أكثر مرونة وفرص تطوع قصيرة الأجل. أدى التركيز على المستهلك إلى خلق مشكلات طاردت هذا السوق المتخصص، بما في ذلك الإعداد غير الكافي للمتطوعين. باختصار، هرعت الصناعة لتلبية احتياجات السياح دون مراعاة كافية لما تحتاج إليه المجتمعات حقًّا.
إذا كنت مهتمًا بالتطوع في أثناء السفر إلى الخارج؛ فمن المهم أن تتعرف على أي منظمة تسهل السياحة التطوعية، بما في ذلك كيفية اختيارها للمشاريع وإعداد المتطوعين، وكمية المال الذي يُنفق على البرنامج ويبقى في المجتمع المحلي، وما هي واجباتك المحددة بوصفك متطوعًا.
يجب إيلاء اهتمام خاص عندما يتضمن التطوع العمل مع الأطفال. العديد من الشركات في هذه الصناعة لا تجري فحوصات خلفية على المتطوعين أو تتحقق من مهاراتهم المناسبة. غالبًا ما يكون المتطوعون ذوو النوايا الحسنة غير مدربين بشكل كافٍ للتعليم أو العمل مع الأطفال. والعديد من منظمات السياحة لا تدير برامج التطوع مباشرة في الموقع، بل تستعين بمصادر خارجية للإشراف عليها من قبل منظمات محلية. وهذا يعني أن الأطفال غالبًا ليس لديهم من يبلغونه، والمتطوعون الذين يشهدون على العنف أو مشكلات أخرى قد لا يجدون شخصًا مسؤولًا للتحدث إليه. التطوع في دار للأيتام في الخارج هو شيء يجب تجنبه بشكل خاص، حيث إن العديد من هذه الدور بُنيَ خصيصًا للسياحة. في هذه الحالات، يُجنَّد الأطفال غالبًا من آبائهم في القرى الصغيرة بناءً على وعود بأنهم سيحصلون على تعليم جيد وفرص.
كما أدت السياحة التطوعية المضللة إلى العديد من المشاريع التي أسيء إدارتها، مثل مشروع بناء حيث يجب إعادة العمل الإنشائي الرديء الذي نفذه المتطوعون بشكل صحيح من قبل السكان المحليين.
ومع ذلك، عندما يتم ذلك بشكل جيد، يمكن أن يكون للتطوع في الخارج تأثيرات إيجابية على المجتمع. يمكن أن يساعد في سد الفجوة حيث تكون الموارد المحلية غير كافية، ويمكن للسياح الذين يتطوعون أن يساعدوا أيضًا في تحفيز الاقتصاد المحلي من خلال أموالهم السياحية. المشاريع التي تتطلب منك الالتزام لبضعة أسابيع على الأقل من المرجح أن تكون أكثر فائدة وأخلاقية. يطلب مركز التنمية الاجتماعية الكاريني في تايلاند من المتطوعين الالتزام بثلاثة أشهر. العديد من البرامج تعمل مع أصحاب المصلحة المحليين وتدرب المتطوعين. تقدم منظمة “ريف دكتور” غير الربحية، التي تقوم بأعمال الحفاظ على البيئة في مدغشقر، مثالًا جيدًا على برنامج واضح شفاف.
للانخراط في التطوع الأخلاقي، تجنب المشاريع والمشغلين الذين يفتقرون إلى الشفافية في كيفية اختيار المشاريع وأين تذهب الأموال، أيضًا تجنب أولئك الذين يستخدمون “تسويق الفقر” الذي يستخدم صور الأطفال أو البالغين الجائعين أو الفقراء لجذب انتباه المتطوع. ابحث عن مشغل يظهر المسؤولية في اختيار المتطوعين والمشاريع، وقبل كل شيء يشرك المجتمع المحلي في اختيار المشاريع لتلبية الاحتياجات المحلية الحقيقية. فكر في تحضيرك ودوافعك الشخصية للتطوع أيضًا: هل أنت مستعد للتكيف مع الثقافة المحلية واحترامها، لتلقي التدريب اللازم لدورك أو لإظهار المهارات الضرورية؟
روابط وكتب
في كتابي “وجهة غير معروفة: السفر المستدام والسياحة الأخلاقية” (2021م)، أبرزت المشكلات التي أوجدتها السياحة الجماعية وطرائق تحسين الصناعة من خلال استخدام تصميم الإقامة الأخلاقي، وخلق مساحة للقاءات المحلية، وتسهيل السياحة الثقافية، وتقديم أنشطة تطوعية ذات معنى.
الفيلم الوثائقي “Gringo Trails” (2013م) يروي بشكل جميل قصة وجهات مختلفة على مدى عدة عقود، ويبرز العديد من العواقب المدمرة للوجهات السياحية نتيجة السفر غير المخطط له، ولكنه يظهر أيضًا كيف يمكن استخدام السياحة للخير.
منظمة “Ethical Traveler” غير الربحية تختار كل عام أفضل الوجهات السياحية الأخلاقية، وتشارك نصائح للسفر الأخلاقي، وتقدم أيضًا رحلات جماعية، وأهدافها الرئيسية هي حماية البيئة وحقوق الإنسان.
حلقة “جاذبية السياحة الجماعية في عصر السفر الأصيل” (2015م) من بودكاست “Skift” تلخص المشكلات مع السياحة الجماعية وتدعو إلى تنويع مناطق السياحة وكذلك فرض قدرات استيعابية للوجهات.
الفيلم الوثائقي القصير “Crowded Out: The Story of Overtourism” (2018م) يشرح بشكل بليغ تأثير السياحة المفرطة، ويوثق العوامل التي سمحت للصناعة بالنمو إلى هذه النسب. يسلط فيلم وداعًا برشلونة (2014م) الضوء على العديد من آثار السياحة المفرطة على المدينة الإسبانية، مشيرًا إلى أنها فقدت روحها أو جوهرها، ويظهر كيف أدت السياحة إلى تهجير السكان المحليين، والنضال الذي يخوضونه من أجل مدينتهم.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سايكي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




