كاري ديتزل | ترجمة: نورة آل طالب
مقدِّمة تعريفية
يشعر كثير من كبار السِّن بالعزلة على نحوٍ يفوق ما كانوا يشعرون به في مراحل مبكِّرة من حياتهم. ففي الغالب، يكون الأبناء الكبار قد انتقلوا لمكانٍ آخر، وقد يكون فرد أو أكثر من أفراد الأسرة أو الأصدقاء المقرَّبين قد فارق الحياة. وسيكون التقاعد قد أنهى أيام التعجُّل إلى مكان العمل المكتظ بالزملاء.
هل تشعر أيضًا أنك أقل ارتباطًا من قبل بمن حولك؟ ربما أنك تستيقظ في بعض الصباحات متسائلًا عمَّا ستفعله خلال اليوم، وفاقدًا للرغبة في الذهاب خارجًا. أو تجد نفسك تتأمَّل باكيًا صورًا قديمة وأنت مشدودٌ بالحنين للأيام الخالية. وربما تشعر بأنك منسيٌّ من أحبائك، أو بالخيبة نظير تقصيرهم في الاتصال والزيارة. إن مررتَ بهذه التجارب أو بأخرى مماثلة، فربما أنك تعاني تجربة الوحدة السائدة.
يهدف هذا الدليل إلى غرس فكرة لدى كبار السِّن – خاصة من هم في عمر الستين أو أكبر – مفادها أنَّ الوحدة تجربة يُمكن التكيُّف معها إن عاشها المرء، حتى وإن كانت تجربةً بغيضة. في البداية، من المفيد تمييز الوحدة عن الحالات الجسدية التي تستدعي العيش دون رفقة، رغم أنَّ الحالتين تتداخلان في بعض الأحيان. فالوحدة تجربة موضوعية يمكن وصفها بأنها شكل من أشكال المعاناة الناتجة عن الشعور بعدم تلبية الاحتياجات الاجتماعية.
وفيما يخص كبار السِّن، فإنَّ تجارب فقْد الأحبة أو توقُّف بعض الأنظمة الروتينية قد تسهم في التعرُّض للوحدة. تشير الدراسات الاستقصائية إلى أنَّ ثلث المسنِّين في الولايات المتحدة يعيشون تجربة الوحدة، بينما تختلف تقديرات شيوعها بين كبار السِّن حول العالم. ومن الفئات الأشد عرضة للمرور بهذه التجربة، مقدِّمو الرعاية غير مدفوعي الأجر أو أصحاب الدخل المنخفض أو من يُعرفون بـ (مغايري الهوية الجنسية والمنحرفين جنسيًّا) (LGBTQ).
من شأن الوحدة المستمرة، التي قد تكون مصحوبة بالحزن والملل والشعور بالفراغ، أن تتداخل مع الحياة اليومية. ففي بعض الأحيان، تؤدي الوحدة إلى إضعاف الدافع للانخراط في الأنشطة اليومية، كما تسهم في الانقطاع عن الآخرين. والوحدة المزمنة مسألة صحية كذلك. إذ يؤكد المعهد الوطني الأمريكي للشيخوخة (The US National Institute of Aging) على ارتباط الوحدة بالإصابة بحالات مثل ضغط الدم وأمراض القلب والتدهور المعرفي أو بتفاقمها، إلى جانب مشكلات الصحة العقلية. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن الوحدة تتفاعل مع الجهاز العصبي على نحوٍ سلبي وتؤدي إلى الشعور باليقظة المفرطة واضطراب النوم والمعاناة النفسية. وهذه هي الأعراض الأولية لحالات مثل الاكتئاب والقلق.
وقد تساعد معرفة طرائق التعامل مع الوحدة في مواجهة الضغط النفسي والحفاظ على الصحة العامة.
الوحدة ليست حتمية، حتى وإن كنت وحيدًا في غالب الأحيان
كان لدى جدتي ليليان كل الأسباب التي تجعلها وحيدة؛ إذ توفي زوجها في وقتٍ مبكِّرٍ من حياتهما معًا، وتركها برفقة طفلين صغيرين. ظلَّت تعمل في مطبخ مدرسة لفترة طويلة حتى بلغت الثمانين من عمرها، وعاشت كل سنيِّ حياة الرشد في ذات المنزل الصغير. ولكنها لم تكن وحيدةً قط، حتى بعد أن ترك ابناها المنزل وانفردت بنفسها في حياتها اليومية.
ماذا كان سرُّها؟ قد يكون الصداقات التي وطَّدتها بأكواب القهوة على الشُرفة، أو السنوات التي قضتها في خدمة تلاميذ المدرسة الجياع، أو ساعات الحياكة التي قضتها في آخر حياتها لكل حفيد تخيلت أن تُرزق به يومًا ما. ولكني أشكُّ أيضًا في أن ما منعها على مرِّ السنين من الشعور بالوحدة القاسية كان حوارًا داخليًّا يخبرها أنها قادرة على المضي قدمًا، وأن حياتها كانت قيِّمة. لم تخبرنا كثيرًا عن شعورها تجاه حياتها وهي أرملة، باستثناء عبارتها: “ما الجدوى من التشكِّي؛ لن يغيِّر ذلك شيئًا”. من المحتمل أن يكون منظورها عن حالها، إلى جانب جودة صداقاتها، هو ما حماها من المعاناة.
بما أني طبيبة نفسية متخصِّصة في العمل مع المسنِّين، رأيت الكثير ممن كانوا يعانون الوحدة وتحديات أخرى يتخذون خطوات استباقية لتحسين حياتهم. يمتاز الكثير من كبار السِّن بميزة الخبرة السابقة في مواجهة الأوقات العصيبة. ويتضمن عملي غالبًا مساعدة المرضى على الإحساس بنوع من السيطرة من خلال التبصُّر في الطرائق التي تغلَّبوا بها على التجارب الصعبة في الماضي. ومن هناك، نضع خطة للتعامل مع ما يمرُّون به الآن. ومن منظور مدرِّبة مختصَّة، أُدرك الآن أن جدتي كانت تتمتع بمرونة نفسية فطرية استفادت منها في تلك السنوات حينما كانت وحيدة في غالب الأحيان. فإذا كنتَ تشعر بالوحدة، آمل أن يُذكِّرك هذا الدليل بمرونتك النفسية وأن يُلهمك أيضًا طرائق جديدة لتجاوزها.
تُشير الأبحاث التي أجريَت مع كبار السِّن أن المنهجيات من العلاج السلوكي المعرفي يُمكن أن تساعد في التخفيف من أثر الوحدة. ويرتكز معظم عمل العلاج المعرفي السلوكي على تحديد أنماط التفكير غير المفيدة وتغييرها، ووضع خطط لمواجهة الحالة من خلال أفعال الفرد. وهذه استراتيجية أساسية في عملي، وستكون المصدر الرئيس لبعض الاقتراحات الآتية.
ربما يخطر لك أنك لا تستطيع إرجاع من فقدتَ من أحبابك أو تغيير ظروفك الاجتماعية في يومٍ واحد. وواردٌ أنك لا تستطيع الخروج إلى المجتمع كل يوم أو زيارة أسرتك فجأة، ولكن يمكنك التخفيف من وطأة تجربة الوحدة من خلال التركيز على ما تستطيع فعله للتعاطي معها. الهدف هنا ليس قضاء فترة محددة من الوقت في التفاعل الاجتماعي كل أسبوع، بل اتخاذ خطوات لتشعر بالارتباط بالآخرين أكثر مما تشعر به الآن، وتحسين قدرتك على التعامل مع المشاعر المرهقة التي قد تصاحب الوحدة.
مع وضع ذلك في الاعتبار، أنصحكَ بالنظر في التوصيات الآتية وتجريب ما تستطيع تجريبه منها. السر هو الاستفادة من مرونتك النفسية، ولا تنسى أن ثمة تغييرات يمكنك إجراؤها على أفكارك وأفعالك في أيِّ سن، وحتى التغييرات الصغيرة قد يكون لها تأثير مضاعف على صحتك وشعورك بالارتباط.
الخطوات العملية
راقِب أفكارك
إن كنت محبطًا ومكتئبًا وتظنُّ أن شعورك هذا قد يكون له علاقة بالوحدة، فقد يفيدك التفكُّر في منظورك عن وضعك الذي تعيشه. هل تتمنى لو كانت الأمور مختلفة؟ هل تلوم نفسك على وحدتك أو تركِّز على شعور الغضب تجاه الآخرين؟ هل تفكِّر في شخص تحبُّه فارق الحياة؟ هل تطيل التفكير في أمور ندمت عليها؟
يُحتمل أن جزءًا من حوارك الداخلي يُسبب لك الخيبة والإحباط. لكن إذا توقفت وانتبهت جيدًا لأفكارك، فقد تلاحظ أن بعضًا منها مشوَّه أو نمطي على نحوٍ سلبي. ولو نطقتها بصوتٍ مسموع فقد تحتوي على كلمات مثل، «أبدًا» «دائمًا» «يجب». على سبيل المثال، يلاحظ كثيرٌ من مرضاي أنهم يخاطبون أنفسهم بكلام من قبيل: أبنائي لن يتصلوا بي أبدًا، فهم مشغولون للغاية، أو كان ينبغي أن أنجب أبناءً، لو أني أنجبتهم لما كنت وحيدًا الآن. وهناك شكل مماثل من التفكير يُعبِّر عن اليأس بشأن إمكان التغيير: لن تنحلَّ مشاكلي أبدًا مهما فعلتُ حيالها.
يمكن للأفكار السلبية والمتحيِّزة كتلك الأفكار أن تفاقم الشعور بالوحدة. لكن متى ما أدركت أن بعض الأفكار غير مفيدة، اتَّخذ خطوات للتعامل معها. قد يساعدك إشغال نفسك عن مثل هذه الأفكار أو مواجهتها ببعض الأفكار المضادَّة. على سبيل المثال، لو كانت تجول في ذهنك فكرة مثل، لا أصدِّق أن فلانًا رحل وبقيت وحيدًا، تذكَّر بتأنٍّ بعض الأسباب التي تجعلك ممتنًا للصحبة التي جمعتك بذلك الشخص – وربما ما زالت صحبتكما مستمرة بصورة مختلفة – حتى لو فقدتَ حضوره بشدَّة. وإذا كان لديك أبناء تشغلهم حياتهم وأعمالهم عنك، قل لنفسك: أنا ممتنٌ لهذا، رغم شوقي لهم. هذا النوع من التغيير المحوري البسيط في تفكيرك يمكن أن يؤثر تأثيرًا كبيرًا على ما تشعر به.
في جلسات العلاج، غالبًا أكرِّس الوقت مع مرضاي في العمل على تحويل أفكارهم إلى ما يملكونه، بدلًا مما لا يملكونه. يميل الناس بطبيعتهم إلى التركيز على كل ما يؤكِّد المشاعر السلبية. فلو كنت تشعر بالوحدة، سيركِّز عقلك تركيزًا شديدًا على كل الأوقات التي تقضيها منفردًا والأشخاص المنقطعين عنك. لذلك قد يكون من المفيد تحويل تفكيرك قصدًا إلى إدراك ما تملك، إمَّا من خلال عمل قائمة أو كتابة اليوميات أو مخاطبة نفسك بها بصوتٍ مسموع. يمكن أن تكون الأفكار بسيطة من قبيل، استيقظت اليوم، وكانت قهوتي ساخنة، وخزائني ممتلئة، أو قد تكون مفصَّلة حسبما تراه مفيدًا.
ابحث عن علاقات جديدة في مجتمعك المحلِّي
الانضمام إلى نشاط مجتمعي أو مؤسسة مجتمعية من الوسائل المجرَّبة للتواصل مع الآخرين وتخفيف الشعور بالعزلة وقد يمنحك ذلك أيضًا شعورًا بالجدوى. ومن الأماكن التي توفر فرصًا لقضاء بعض الوقت مع الآخرين، المراكز المجتمعية القريبة أو المؤسسات الدينية أو النوادي أو المكتبات المحلية.
ولا يلزم أن تكون اجتماعيًّا لتستفيد. فمثلًا، وجد بعض مرضاي أن حضور صفوف التمارين الأسبوعية المحلية المخصَّصة للمسنِّين يساعدهم على الخروج من المنزل. تُحب أحدهم، وهي خجولة، هذا النشاط لأنه يتيح لها الانتماء إلى جماعة دون الحاجة إلى التحدث كثيرًا. ومريضٌ آخر قاوم تردَّده ودخل يومًا إلى أحد المراكز المخصصة للمسنِّين في بلدته للانضمام إلى لعبة ورق منظَّمة رآها مجدولة على الإنترنت. ناقشنا كيف كان الأمر محرجًا بعض الشيء في البداية، غير أن مزاجه تحسَّن ذلك اليوم ولم يندم على المحاولة. والآن يتطلَّع للذهاب هناك كل أسبوع. هذه الأنشطة في حدِّ ذاتها لا تساعد وحدها على مواجهة أيام الوحدة، بل أيضًا الفرص التي تخلقها للاختلاط بأشخاص متشابهين في التفكير أو لديهم تجارب مشتركة. كل هذا يساعد على خلق شعور بالترابط.
وقد يحدث الترابط بطرائق أقل وضوحًا. فإن كان الانضمام إلى مؤسسة لا يلائمك، يمكنك الاكتفاء بالجلوس في مقهى محلِّي أو التفرُّج على سلع المتاجر في أقرب مركز للمدينة، فمن شأن ذلك أن يُشعرك بالارتباط بالعالم. امنح نفسك فرصة الشعور بالانتماء لمجتمع أكبر بينما تستمتع بمشروبك وسط الروَّاد الآخرين أو بينما تتحدث مع الباعة. ولو كنت متقاعدًا وكان عملك يتيح لك التواصل مع الناس معظم الأيام، فإن الأحاديث التي تجريها في حيِّك أو في إحدى المؤسسات المحلية أو أي مكان آخر خلال الأسبوع يمكن أن تسهم في إعادة خلق شعور الارتباط ذاك.
يواجه الكثير من المسنِّين عوائق جسدية تعوقهم عن الخروج إلى المجتمع، بما في ذلك ضعف الحركة. على أيِّ حال، لاحظت في عملي أن الناس المنفتحين تجاه مواجهة تلك العوائق – قد يكون ذلك باستكشاف خدمات النقل المخصَّصة لكبار السِّن أو بالتواصل مع الجهات المعنية – يكونون غالبًا أشخاصًا ناجحين.
عزِّز علاقاتك القائمة
المبادرة بإجراء اتصالات روتينية مع أشخاص تهتم بشأنهم هي إجراء إيجابي آخر لمواجهة الوحدة. في حال كانوا أفراد عائلتك أو أصدقاؤك بعيدين عنك، ابعث بانتظام ملاحظة أو بطاقة إلى شخص عزيز لم تتحدث معه منذ مدة. يُفترض أن تكون هذه وسيلة اتصال لطيفة تساعد على إدامة علاقاتك، لذا أنصح بأن تكون الرسالة خفيفة وبسيطة. يمكنك أيضًا البحث في المتاجر المحلية عن بطاقة ظريفة وأرسلها مصحوبةً بملاحظة بسيطة، مثل: «ظننت أن هذا سيُضحكك… آمل أن تكون بخير».
أو اقترِح إجراء اتصال في وقت محدَّد كل أسبوع أو كل بضعة أسابيع، بصرف النظر عن مكان إقامة صديقك أو قريبك. قد تبدو هذه الفكرة شاقة لبعضهم. ولكن، كما في فكرة البطاقة، اجعل المكالمة خفيفة وبسيطة. يمكنك أن تقول شيئًا من قبيل: «إن سمحت لي، أودُّ الاتصال بك سريعًا كل بضعة أسابيع للسلام عليك. ما اليوم أو الوقت المناسب لك؟» وعندما يحين الوقت، جهِّز بعض الأمور التي قد ترغب في مشاركتها أو بعض الأسئلة التي تودُّ طرحها. تحدَّث عن فيلم أو برنامج تلفزيوني شاهدته أو اسأله عن الشيء ذاته. أو اسأل عن بعض مستجدات أعماله – وادعمه إذا تحدَّث عن تجاربه العصيبة. ولو كنت تعيش بالقرب منه، اقترِح وجبة غداء أو قهوة تتشاركاها معًا. يمكنك كذلك التخطيط للقاء شهري معه. من شأن هذه الأمور الروتينية أن تفضي إلى تكوين علاقة منظَّمة يُعوَّل عليها.
في كثيرٍ من الأحيان، يخبرني كبار السِّن الذين أعمل معهم إنهم يشعرون أنهم منسيُّون، حيث يقضون أيامًا طوال في المنزل وحدهم بينما يجنح أفراد العائلة الأصغر إلى الانشغال بمشاغلهم الكثيرة. وأقترح على هؤلاء المرضى ألَّا ينتظروا أن يأتي إليهم أفراد الأسرة أولئك، حتى لو كان عليهم ذلك. هذا النهج السلبي غير الفاعل يسبب المعاناة. بادر بالاتصال، واقبل بأي استجابة إيجابية منهم، وأعني هنا أنهم قد لا يستجيبوا لما تريد تمامًا، ولكنهم يقدِّمون شيئًا جديرًا بالقبول. ربما تقترح غداءً أو عشاءً، ولكن جدول أعمالهم لا يتيح لهم ذلك، فاقبل بوقت تفرُّغهم لإجراء مكالمة أسبوعية على أنه «استجابة إيجابية». ولو كان هذا شاقًّا عليهم، فلا تتوقف عن إرسال بطاقة أو ملاحظة.
الهدف هنا هو نسج خيط عاطفي بينكما أنتما الاثنان لتعزيز علاقتكما رغم تباعدكما اليومي. لقد شهدتُ في أحيانٍ كثيرة صراع كبار السِّن مع ما «يتوجَّب» على أقربائهم فعله فيما يتعلق بقضاء الوقت معهم. ورغم معقولية تلك التوقعات، إلا أن خوض تلك المعركة نتيجته النزاع ولا غير ذلك. فإن كنت تعيش هذا الوضع، قرِّر ما إذا كان هذا النزاع يستحق ذلك، أو تقبَّل ما يقدِّمه محبوبك وارضَ به واجعله سبيلًا لتقوية الصلة بينكما.
فكِّر في طرائق جديدة للإسهام
من أجل مقاومة الوحدة التي قد تنشأ من التغييرات الحياتية، كالتقاعد أو خلوّ البيت من الأبناء بعد استقلالهم، فكِّر في تجديد إحساسك بالجدوى: كيف يمكنك إيجاد طرائق جديدة للإسهام في حياة الآخرين؟ بعد أن هدأت روح منتصف العمر المندفعة، تكون الغاية من كل يوم بأيدينا في غالب الأحوال، وأحثُّك على رؤية هذا على أنه تمكين.
أقترح عليك استكشاف فرص العمل التطوعي في مجتمعك المحلي (أو معاودة الانضمام إليه). كأن تتطوَّع، مثلًا، لفرز الأطعمة أو تنظيمها في مخزن أغذية محلي إن كنت قادرًا على ذلك. أو فكِّر في رعاية حيوان أليف مُسن لدى أي مؤسسة محلية معنية بإنقاذ الحيوانات. أو تطوَّع في مؤسسة تخدم الشباب على وجه التحديد لكي يتسنى لك التواصل مع جيل الشباب، ومن خلال ذلك يمكنك مصاحبة شابٍّ غِرٍّ لم تعركه التجارب وتقديم التوجيه والإرشاد له، وبذلك تتحقق الفائدة لكما أنتما الاثنين.
وإذا كان الاختلاط بالمجتمع المحلي شاقًّا عليك، فكِّر تفكيرًا خلَّاقًا فيما يمكنك فعله من المنزل. قد توجد مؤسسات في مجتمعك المحلي تستقبل صناديق الرعاية للمحتاجين، مثلًا، أو تجمع رسائل لمن يخدم في الجيش. كما يمكن أن تشعر بالجدوى وروح العطاء في أنشطة أكثر انفرادية، مثل كتابة الحكايات التي ترغب في أن تتذكرها أسرتك أو إكمال ألبومات الصور في الخزانة.
شرعتْ جدتي ليليان في آخر حياتها في كتابة ملاحظات تحمل مواضيع ذات معنى كانت تنوي نقلها إلينا في النهاية. بدا لي الأمر مخيفًا ذلك الوقت، لكنني أدرك الآن أنَّ هذا الأمر منحها شعورًا بالجدوى والسيطرة. فقد كانت تعلم أنَّ صندوق مجوهراتها الخاص سينتهي به المطاف في مكتبي عندما تحين ساعتها، وما يزال قابعًا هناك حتى يومنا هذا.
استخدم التقنية استخدامًا هادفًا
حتى الرسائل النصية القصيرة أو المحادثات في مواقع التواصل الاجتماعي كموقع فيسبوك يمكن أن توفر فرصًا ممتازة لإدامة الارتباط في علاقات ممتازة ومتينة. يبحث والدي السبعيني عن الميمات (memes) والرسوم المتحركة الظريفة ليرسلها إلى أحفاده المراهقين كل أسبوع. وعندما يلتقيهم عدة مرات في السنة، يستذكرون ضاحكين الأشياءَ السخيفة التي كان يبعثها إليهم ويقلِّبون أعينهم بحماس كما يفعل المراهقون. إنه يبني علاقته بهم لحظةً بلحظة ويتقبَّلها كما هي، فلم يكن يطلب أكثر من الرسائل النصية. كما تُعد مكالمات الفيديو على تطبيق (FaceTime) أو أي تطبيق مشابه وسيلةً أخرى لتفقُّد أحوال من تفصله المسافة عنك. يمكن لهذه «الزيارات» أن تحاكي الزيارات الشخصية الطارئة أو جلسات القهوة السريعة مع الأصدقاء. وتوفِّر الألعاب التفاعلية على الإنترنت أيضًا خيارًا مرنًا إضافيًّا للتواصل مع العائلة والأصدقاء، مثل لعبة (Words with Friends).
هل تفضِّل رؤية صديقك أو قريبك شخصيًّا باستمرار؟ ربما. لكنَّ الدردشة مع قريب أو صديق عزيز على الهاتف أو الحاسوب لا تزال بإمكانها جلب البهجة وخلق الشعور بالترابط خلال ذلك الوقت. ويفيد الإنترنت في التواصل مع مؤسسات المجتمع التي يصعب الوصول إليها شخصيًّا، كالمؤسسات الخيرية التي ترغب في التطوِّع معها من المنزل، أو المؤسسات الدينية التي توفر إمكان الوصول لخدماتها عن بعد. ولو كنت مهتمًّا بالاتصال عبر أحد مواقع أو تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي ولا تُجيد استخدامه، اطلب المساعدة من أحد أصدقائك أو أفراد أسرتك. وإن كنت مقيمًا في المملكة المتحدة، فإنَّ العديد من المكتبات توفِّر للمسنِّين دورات تدريبية مجانية في المهارات الرقمية.
أعِد النظر في نظامك الروتيني
كما ناقشنا، يمكن أن تكون تجربة الوحدة مرهقة ولها ارتباطات بالصحة والحياة الطيبة على نحوٍ أعم. ولمواجهة أي آثار ضارة محتملة لها، أنصح بفحص نظامك اليومي والأسبوعي المعتاد وعدِّل عليه حسب الحاجة. وهذا يشمل التخطيط للمحافظة على النشاط البدني بأي طريقة ممكنة. كن منفتحًا للتكيُّف مع التغيير وتجربة أشياء جديدة، أكان ذلك شيئًا كممارسة اليوغا على كرسي أو إكثار المشي حول المنزل أو الحي. وكما هو الحال مع كل ما يتعلق بالصحة، أوصي باستشارة مقدِّم الرعاية المسؤول عنك حول أشكال النشاط البدني المناسبة لك.
لا تستهِن بقوة الروتين. قد يتمتع المسنُّون بترف التوقعات القليلة المنتظرة منهم يومًا بعد يوم. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي غياب المنظومة إلى الإخلال بعادات الأكل والنوم، وهذا يؤثر بدوره على الصحة العامة. فمن دون روتين الذهاب للعمل أو الاهتمام بالعائلة، يحتاج كبار السِّن عادةً إلى ترسيخ نظام الأكل والنوم والوعي بأهميته.
ومما يساعد على ذلك وضع «أنشطة ارتكازية» لتمييز بداية اليوم عن نهايته تمييزًا واضحًا، وهذا يسهم في تنظيم النوم والشهية والمزاج؛ إذ يمكن لفترة القراءة أو كتابة اليوميات أو الاستماع للموسيقى أو التلذُّذ بكوب شاي أن تصبح شيئًا يترقَّبه عقلك كإشارة لمواصلة اليوم أو إنهائه.
أشجِّع كبار السِّن أيضًا على التفكير في الأمور التي كانوا قد مارسوها في الماضي، كهوايةٍ أهملوها أو شغفٍ انصرفوا عنه، أو التي كانوا يرغبون دائمًا في تكريس المزيد من الوقت لممارستها؛ إذ إن معاودة الانخراط في واحد أو أكثر من هذه الأنشطة يمكن أن تكون وسيلة أخرى للتغلُّب على مشاعر الوحدة.
وفي حال صعُب عليك التعامل مع مشاعر الوحدة وبدأ يتسلَّل اليأس إليك، من الضروري التحدُّث مع شخصٍ ما، قد يكون هذا شخصًا عزيزًا أو مقدِّم رعاية. وغالبًا يكون أخصائي الرعاية الصحية المسؤول عنك هو محطَّتك الأولى لتلقِّي مزيدٍ من الإرشادات. وبما أنَّ معظم الأشخاص، بما فيهم كثير من كبار السِّن، يعانون الوحدة في بعض مراحل حياتهم، فمن الجدير التحدُّث إلى مُختص حول ما كنت تشعر به في حال مررت بالحزن والكآبة المستمرة لتلقِّي الدعم المباشر.
نقاط رئيسة – كيف تُخفِّف شعور الوحدة مع تقدُّمك في السِّن
- يشعر كثيرٌ من الناس بالوحدة مع التقدُّم في السِّن. حيث تُعد الوحدة أحد أشكال الضيق الشائعة التي تصيب من هم في الستينات من عمرهم وما فوق، ولا ينبغي الاستهانة بها.
- الوحدة ليست حتمية، حتى وإن كنت وحيدًا في غالب الأحيان. لا يتعيَّن عليك إحداث تغيير كبير في حياتك الاجتماعية كي تتخذ خطوات لمواجهة الوحدة والشعور بمزيدٍ من الارتباط.
- راقِب أفكارك. من شأن الأفكار السلبية والمتحيِّزة أن تزيد من سوء تجربة الوحدة، لذا فالابتعاد عنها قد يكون خطوة أولى مفيدة.
- ابحث عن علاقات جديدة في مجتمعك المحلِّي. من خلال الاستثمار اليسير في الوقت، يمكن للأنشطة المنظَّمة أو الأحاديث العابرة أن تساعد في تعزيز الشعور بالارتباط.
- عزِّز علاقاتك القائمة. تواصل مع من تفتقدهم واعرف نوع التفاعل المناسب، أكان تبادل الملاحظات الودِّية أم مكالمة أسبوعية أم أي شيء آخر.
- فكِّر في وسائل جديدة للإسهام. التطوع أو إيجاد سبل أخرى للعطاء يمكن أن يسهم في زيادة الشعور بالجدوى وإتاحة الفرصة للتواصل مع الآخرين.
- استخدم التقنية استخدامًا هادفًا. الرسائل النصية أو المكالمات المرئية أو ألعاب الإنترنت يمكن أن تعوِّض عن رؤية العائلة أو الأصدقاء شخصيًّا؛ مما يسهم في إدامة التواصل من يوم لآخر.
- أعِد النظر في نظامك الروتيني. للوقاية من الآثار السلبية للوحدة، ابحث عن فرص للنشاط البدني وأعِد فحص السلوكات الصحية الأخرى كذلك.
معرفة إضافية
عندما تجتمع الوحدة مع القلق أو الاكتئاب
يوجد بعض التداخل بين ما قد يمرُّ به المرء الذي يشعر بالوحدة وأعراض الاكتئاب أو القلق. على سبيل المثال، قد يشعر الشخص الذي يعاني إما الوحدة أو الاكتئاب أو كليهما بالإحباط أو غياب الروح المعنوية. وقد يصاحب الوحدة مخاوف دائمة أو أفكار سلبية متكررة حول الوضع الذي يعيشه المرء، ويمكن أن يكون لاضطراب القلق أعراض مشابهة. بالنظر إلى هذه الروابط، كيف تعرف أن ما تمرُّ به يتعدَّى شعور الوحدة وقد يُنبئ بوجود حالة سريرية؟
لنتوسَّع في فحص بعض العلامات المحتملة. قد يظهر الاكتئاب في صورة حزن أو يأس أو خواء. إن كنت تعاني الاكتئاب، قد تجد نفسك تبكي أو على حافَة البكاء في أغلب الأحيان. كما يمكن أن يؤدي المزاج المكتئب إلى اضطراب الشهية والنوم. ويتجلَّى القلق في حياتك اليومية في هيئة شعورٍ بالضيق والهلاك، كما لو أن مكروهًا يوشك أن يقع. والقلق عمومًا يظهر في عيادتي في صورة أفكار مقلقة وحِدَّة في المزاج وأرق واضطراب في النوم. ومع اجتماع القلق والاكتئاب معًا، قد تشعر بتفاقم تشتُّت الانتباه أو النسيان أو صعوبة التركيز. وقد تلاحظ أنك تنزع إلى الانسحاب من أنشطتك المعتادة وإلى تجنُّب الآخرين. ومن شأن هذا أن يُفاقم مشاعر الانفصال والوحدة.
بما أنَّه يجب تشخيص اضطراب القلق أو الاكتئاب السريري من خلال مختص، فإنَّ جميع الأعراض الموصوفة أعلاه قد تشير إلى تطوُّر مشاعر الوحدة لديك إلى شيء أوسع وأنَّ الوقت قد حان لطلب المساعدة. ويمكن أن يبدأ ذلك بخطوة بسيطة كإخبار طبيبك بأنك لا تبدو على طبيعتك والتعاون على اتخاذ قرار بشأن الخطوة التالية.
يمكن أن يستفيد المسنُّون من علاج الاكتئاب والقلق كباقي الأشخاص في الفئات العمرية الأخرى؛ إذ يتخصَّص بعض الأطباء النفسيين والمختصِّين الآخرين في الصحة العقلية في العمل مع كبار السِّن (يسمى هذا التخصص في مجالي، علم نفس الشيخوخة geropsychology)، ويمكنهم المساعدة في التغلُّب على التحديات التي تواجههم، مثل بعض المشكلات الصحية أو التغييرات الإدراكية. وبالنسبة إلى من يعاني الفقد، قد يكون من المفيد التواصل مع أخصائي صحة عقلية مختص في التعامل مع حالات الحزن. قد يُحيل مقدِّمو الرعاية الصحية المرضى الذين تظهر عليهم علامات الاكتئاب أو القلق إلى أحد هؤلاء المختصِّين.
حتى لو لم تكن الأعراض شديدة، سيكون الدعم المتخصِّص مفيدًا، كالعلاج النفسي. إذ يمكن أن يُسهم في حماية من يشعر بالاعتلال من الإصابة بحالة صحية نفسية أشد. فمن المهم عدم الاستهانة بالأعراض أو إيعاز اضطرابات المزاج أو التفكير أو الأكل أو النوم إلى «التقدُّم في السِّن» فقط. وإذا كنت تشعر أن أيًّا من المشاعر أو الأعراض الموصوفة أعلاه مستمرَّة، أنصحك بالإفصاح عن ذلك لشخص تثق به كي يدعمك في طلب المساعدة.
روابط وكتب
إن كنت تشعر بالوحدة وتعيش في الولايات المتحدة، فإنَّ منظمة (AARP) (الجمعية الأمريكية للمتقاعدين، سابقًا) تدعوك للاتصال بخط هاتفها (الصوت المؤنس) (1-888-281-0145). إذ يمكنك طلب معاودة الاتصال من متطوِّع مستعد للحديث معك أو الاستماع إليك أو إلقاء التحية فحسب. وفي المملكة المتحدة، يمكن للمسنِّين الاتصال بـخط المساعدة (الخط الفضِّي) (0800 4 70 80 90)، وهو خدمة توفِّر الدعم وفرص الدردشة وتعمل على مدار الساعة.
يقدِّم الموقع الإلكتروني لمركز الصحة العقلية والشيخوخة مقالات وملفات صوتية (بودكاست) للجمهور حول مشكلات الصحة العقلية في السِّن المتقدِّم. كما يضمُّ دليلًا لمقدِّمي خدمات الصحة العقلية في الولايات المتحدة المتخصِّصين في العمل مع المسنِّين. وفي المملكة المتحدة، توفِّر الجمعية البريطانية للإرشاد والعلاج النفسي موردًا مماثلًا.
يقدِّم موقع (The Commit to Connect) مجموعة متنوعة من الموارد لمساعدة كبار السِّن على التواصل مع الآخرين، بما في ذلك التوجيه بشأن العمل التطوعي ووسائل الاندماج في المجتمع الأخرى.
تقدِّم هذه المقالة من المجلس الوطني الأمريكي للشيخوخة (NCOA) لمحة ممتازة عن مشكلة الوحدة وكيف يمكن أن تؤثر في كبار السِّن. كما يوفِّر الموقع الإلكتروني للمجلس موارد متعلِّقة بالتقاعد والتسويات الطبية والمالية الخاصة بالمسنِّين.
يوفِّر الموقع الإلكتروني للمعهد الوطني الأمريكي للشيخوخة مواد تعليمية صوتية ومرئية (كهذه المادة) حول تأثير الوحدة وطرائق التغلُّب عليها.
يناقش كتاب (Aging Brilliantly: How to Eat, Move, Rest, and Socialize Your Way to Long Life) (2020)، لمؤلفته باتريشيا بيمنتل سيلاسي، الشيخوخةَ الصحية بشكلٍ عام، مع نصائح عملية لتطبيق السلوكيات والعادات المفيدة.
في حديثها المثير في (TEDxWomen) (Life’s Third Act) (تيَّار الحياة الثالث) (2011م)، تسلِّط الممثلة والناشطة الضوء على الفرص التي وجدتها في حياتها اللاحقة للتركيز على عيش حياةٍ طيبة. قد يساعد حديثُها أولئك الذين يعانون الوحدة في الوقت الحاضر على التفكير في الإمكانات الإيجابية لـ «تيَّارهم الثالث».
تقدِّم بعض الأفلام المسليَّة والمؤثِّرة نظرةً ثاقبة عن الوحدة. على سبيل المثال، في فيلم الرسوم المتحركة (Up) (عاليًا)، من إنتاج شركة بيكسار 2009م، يتصدَّى الأرمل كارل فريدريكسن للوحدة والفقْد بعزل نفسه عن الآخرين. ومع تصاعد الأحداث، يجدُ المعنى والغاية في إرشاد فتًى صغير يحتاجُ إلى مشورته. وفي فيلم ستيفين سبيلبرغ المحبوب (The Terminal) (المحطَّة) (2004م)، المبني جزئيًّا على قصة حقيقية، يصوِّر توم هانكس قصة مسافر انقطعت به السبل في أحد المطارات لسنواتٍ عديدة. وفي النهاية، تُبيِّن القصة كيف يمكن لشخصٍ واحد أن يقيم روابط ويقاوم الوحدة والحنين للوطن حتى في الظروف الاستثنائية.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سايكي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




