بقلم ماري كاثرين ماكدونالد، درجة الدكتوراه
النقاط الرئيسة
- إن فكرة إمكانية علاج الصدمة من خلال تدخل فردي تبالغ في تبسيط الطبيعة المعقدة للتعافي.
- الصدمة هي استجابة طبيعية تمامًا لتجارب الحياة القاسية، لا تجعل الأفراد محطمين.
- ينبغي التركيز على إعادة ضبط استجابة الذاكرة والجهاز العصبي عند علاج الصدمة.
صرت أتلقى سؤالًا معينًا بصيغ مختلفة بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، جميعها تكون من قبيل: هل سيعالج [يجري إدخال نوع التدخل المفرد هنا] صدمتي؟ أو كم عدد جلسات [التدخل المفرد] التي سأحتاج إليها حتى أشفى؟
يكشف هذا السؤال، أيًّا كانت صيغته، عن خطأين فادحين في تفكيرنا بشأن الصدمة والشفاء منها.
الخطأ الفادح الأول هو فكرة أن الإصابة بالصدمة تعني أن يكون الشخص مكسورًا بطريقة ما تحتاج إلى إصلاح فعلي، وهي محاولة لتبسيط تجربة إنسانية معقدة جدًّا، مثل الكسر في العظام، ولنوضح الأمر أكثر، يمكن للتجارب الصادمة أن تسبب لنا أعراضًا شديدة ومتعبة قد تسلب منا سلامنا.
ولكن التعرض للصدمة هو الاستجابة المناسبة تمامًا لتجارب حياتية معينة؛ تلك التجارب التي لا يمكننا بسهولة تحملها بمفردنا، وهي الأعراض التي تحتاج إلى الشفاء، وإعادة ضبط الاستجابة.
يقودنا هذا إلى الخطأ الفادح الآخر في تفكيرنا بشأن الصدمة والشفاء، والذي يستند إلى الأول، فعندما نعدّ تجاربنا الصادمة عظامًا مكسورة تحتاج إلى علاج، فإننا نفترض بطبيعة الحال أن هناك نقطة وصول يمكننا الإعلان فيها عن شفائنا، ففي حالة العظام المكسورة نحتاج إلى عشرة أسابيع؛ إذ تُزال الجبيرة، وبعدها نستطيع استئناف حياتنا الطبيعية، أليس كذلك؟
في الواقع، الصدمات ليست مثل العظام المكسورة، والشفاء من الصدمة ليس مثل إزالة الجبيرة والمضي قدمًا في الحياة، بل إن الشفاء من الصدمة هو طريق طويل ومتعرج يستمر مدى الحياة، وأنا لا أقصد أن يكون هذا أمرًا متعبًا، بل على العكس تمامًا.
لنغير الاستعارات التي استخدمت، يشبه التعافي من الصدمة بناء منزلٍ تعيش فيه طوال حياتك، فما الذي تحتاج له عندما تبني منزلًا؟ تحتاج إلى صندوق أدوات، وليس ذلك فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى معرفة كيفية استخدام تلك الأدوات.
يمكنك شراء أفضل الأدوات من متجر هوم ديبوت، ولكن إذا كنت لا تعرف كيفية استخدامها، فسوف ينتهي بك الأمر بمساحة صغيرة لا تعد منزلًا. أما إذا كنت تعرف كيفية استخدام تلك الأدوات، فأنت لا تعرف فقط كيف تبني، ولكن أيضًا كيف تحسن وتصلِّح. لا تقلق، لن أتركك بلا توضيح مع استعارة جميلة فقط، سأخبرك عن بعض أنواع الأدوات التي ستحتاج لها، ولماذا ستساعدك.
أدوات إعادة التحدث عن التجربة
تعد الصدمة مرضًا في الذاكرة في كثير من النواحي، ولا يمكن دمج التجارب الصادمة بسهولة في أنظمة حفظ الملفات في دماغنا، بالطريقة التي يمكن بها دمج التجارب الأخرى؛ لذلك، تخرج هذه التجارب الصادمة من خزائن الملفات في الدماغ، وتسبب لنا الأعراض.
بدلًا من تذكر التجربة، فإننا نعيشها من جديد، وإن التحدث عن تجربتك مرارًا مع شخص يمكنه مساعدتك في تنظيم معنى للذكرى وتصنيفه وتعيينه، ومساعدتك في التعامل مع بعض الضغوط، ويمكن أن يساعد دماغك في طي صفحة الذكريات تلك، وهذا بدوره يمكن أن يساعدك على التوقف عن عيشها مرة أخرى، في حين أن كثيرًا من علاقاتنا لها جوانب علاجية، فمن الأفضل أن يُؤدّى هذا العمل مع المعالج.
بشكل عام، ابحث عن شخص لديه خلفية في مجال الصدمات النفسية، وقد يمارس تقنيات مثل العلاج السلوكي الجدلي (DBT)، أو العلاج السلوكي المعرفي (DBT)، أو العلاج بالقبول والالتزام (ACT)، أو الأنظمة الأسرية الداخلية (IFS)، أو العلاج بالتعرض السردي (NET).
في حين تتعامل مع ملف أو ملفات الذاكرة، هناك مجموعة أخرى من الأدوات التي يمكنك جمعها وبدء التعلم، وهي تلك التي تساعدك على إعادة ضبط استجابة جهازك العصبي، ونظرًا إلى أن أجسامنا تشاركنا هذه الرحلة، فإن الصدمة لا تقتصر على عمليات تفكيرنا، بل إن السمة الرئيسة للصدمة هي اضطراب الجهاز العصبي، الذي يؤدي إلى تلك الأعراض التي نعرفها جيدًا.
ومع ذلك، إليك الأخبار الجيدة: إذا تمكنا من إدراك أنظمتنا العصبية وكيفية عملها، يمكننا التدخل في أنظمتنا غير المنتظمة، ومعرفة كيفية تنظيمها، وهناك فئتان شاملتان لتدخلات الجهاز العصبي وتوجد كثيرٌ من الأدوات التي يمكن أن نستعين بها داخل كلٍّ منهما.
أدوات التنظيم من الأعلى إلى الأسفل
أحد الأمور التي تؤدي إلى خلل التنظيم في الجسم فرط نشاط نظام الإنذار في الدماغ، فعندما تطلق اللوزة الدماغية إنذارًا لأنها تعيش الصدمة مرة أخرى، فإنها تدفع جسمك إلى استجابة شديدة لهذا الضغط النفسي، ويعدّ هذا أمرًا رائعًا عندما تكون في خطر، وأمرًا مزعجًا للغاية عندما تحاول فقط قضاء يوم عملك بسلام، والخبر الجيد هو أنه يمكنك التدخل عن طريق إعادة توجيه وظيفة دماغك يدويًّا، ما يؤدي في المقابل إلى تباطؤ الاستجابة للضغط النفسي.
هناك كثيرٌ من الطرق لفعل ذلك، ولكن هنا نذكر أداتين سريعتين يمكنك البدء في استخدامهما الآن:
- لعبة تتريس: عندما تتطلب اللعبة تحفيز نظامك البصري المكاني، الموجود في قشرة الفص الجبهي، يُرسل تدفق الدم والنشاط الكهربائي إلى تلك المنطقة في دماغك، وبعيدًا عن نظام الإنذار، ويؤدي هذا إلى إيقاف تشغيل نظام الإنذار بشكل فعال، ويعطي جسمك إشارة بأنه يمكنه الهدوء.
- الكتابة التعبيرية: ثبت أن الكتابة عن التجارب العاطفية بطريقة منظمة لها فوائد علاجية من خلال إشراك المعالجة الإدراكية، وتسهيل التنظيم العاطفي، وأحد أسباب نجاح ذلك هو أنك تشارك بنشاط الأجزاء العقلانية في دماغك في أثناء معالجة العواطف والمشاعر، فإذا كنت تشعر بالضغط والإرهاق، فخصص 20 دقيقة من وقتك للكتابة الحرة، ولا تُحرّر ما كتبت، ولا تتوقف عن الكتابة حتى لقراءة ما كتبته، فقط اكتب.
هناك أيضًا أساليب علاجية عدَّة تعتمد على التنظيم من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأمثلة على ذلك، العلاج السلوكي المعرفي، والارتجاع البيولوجي، واليقظة الذهنية.
أدوات التنظيم من الأسفل إلى الأعلى
التنظيم من الأسفل إلى الأعلى هو عند استخدام الجسم لتنظيم الاستجابات في الدماغ، ما يتيح التدخل في نظام الاستجابة للضغط النفسي، وأسرع طريقة لفعل ذلك هي تحويل المفتاح من الجهاز العصبي الودي (المسؤول عن تنشيط جهازك العصبي للاستعداد للخطر) إلى الجهاز العصبي اللاودي (المسؤول عن الاستجابة للراحة والهضم).
إحدى الطرق الأكثر وثوقية لتنشيط استجابة الراحة والهضم هي تنشيط العصب المبهم؛ إذ يمتد هذا العصب من جذع الدماغ عبر البطن ويلامس معظم الأعضاء الرئيسة في طريقه إلى الأسفل، وهناك كثيرٌ من الطرق لتنشيط العصب المبهم، وتحفيز الاستجابة اللاودية أو (المهدئة) في الجسم، وفيما يلي أداتان سريعتان يمكنك استخدامهما الآن:
- التنفس البطني: أحد الأماكن التي يكون فيها العصب المبهم حساسًا للغاية هو أمام الحجاب الحاجز مباشرة، فعند التنفس وملامسة الحجاب الحاجز، يُحفّز العصب المبهم، ولممارسة التنفس البطني، ما عليك سوى أن تستنشق بعمق عبر الأنف، وتدفع النفس إلى البطن (بدلًا من أعلى الصدر)، ما يسمح للبطن بالتمدد، ثم تزفر ببطء عبر الشفتين المضمومتين مسببًا انقباضًا في البطن.
- الماء البارد: يحفز الماء البارد العصب المبهم من خلال استجابة تعرف باسم منعكس الغوص (mammalian dive reflex)، فعند التعرض للماء البارد، ولا سيّما على الوجه، يبدأ الجسم سلسلة من التغييرات الفسيولوجية للحفاظ على الأكسجين والطاقة، ويُحفّزُ العصب المبهم، ما يؤدي إلى استجابة بطيئة لمعدل ضربات القلب (bradycardic response)، علاوة على التعديلات اللاإرادية الأخرى التي تعزز حالة من الهدوء والاسترخاء؛ لذا رش وجهك بالماء البارد، وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، يمكنك أيضًا وضع كيس ثلج على صدرك أو تمرير يديك تحت الماء البارد.
هناك أيضًا كثيرٌ من الأدوات العلاجية التي تعتمد على التنظيم من الأسفل إلى الأعلى؛ يعطي العلاج بالتجربة الجسدية (SET) الأولوية للتنظيم من الأسفل إلى الأعلى، ومن بين العلاجات الأخرى التي تعتمد أيضًا على هذا النهج اليوغا الحساسة للصدمة (TSY)، وإزالة الحساسية، وإعادة المعالجة من خلال حركة العين (EMDR)، والعلاج بتحديد نقاط الدماغ (brainspotting)، والعلاج النفسي بمساعدة الخيول، والعلاج بالرقص والحركة.
لذا، عوضًا عن البحث عن أي من هذه الأدوات والتدخلات المتعددة المناسبة لك للتعافي الشامل من الصدمة النفسية، يجب أن تفكر في اعتماد نهج صندوق الأدوات؛ وذلك لأن التعافي من الصدمة النفسية يشبه إلى حد كبير بناء منزل لتعيش فيه بقية أيام حياتك، بدلًا من إصلاح عظم مكسور باستخدام أدوات إعادة التحدث عن الصدمة التي تتعامل مع الجوانب الإدراكية للصدمة، إلى أساليب التنظيم من الأعلى إلى الأسفل مثل العلاج السلوكي المعرفي واليقظة الذهنية، وتقنيات التنظيم من الأسفل إلى الأعلى مثل التنفس البطني وتعرض الجسم للماء البارد، وتنشيط العصب المبهم. تقدم كل أداة شيئًا مختلفًا قليلًا؛ لذا فإن فهم صندوق الأدوات هذا واستخدامه لن يساعدك فقط في التعافي من الصدمة، بل سيجهزك أيضًا لمجابهة الضغوطات الأخرى التي قد تخبئها لك الحياة.
المراجع
McDonald, M. (2023). Unbroken: The Trauma Response is Never Wrong. Boulder, CO: Sounds True.
Van der Kolk, B. (2014). The Body Keeps the Score. New York, NY: Penguin Books.
Levine, P. (2008). Healing Trauma: A Pioneering Program for Restoring the Wisdom of Your Body. Boulder, CO: Sounds True.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سيكولوجي توداي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط.




